إذا صلى المسافر خلف المقيم: هل يجب عليه الإتمام؟[جديد]
📌 المدخل إلى المسألة
قال عمر -رضي الله عنه- لأهل مكة:
(أتموا أهل مكة فإنا قوم سفر)، وروي مرفوعًا ولا يصح[1].
جاء في «المغني»:
(أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر، وسلم المسافر من ركعتين، أن على المقيم إتمام الصلاة)[2].
وقال الزركشي في «شرح الخرقي»:
هذا إجماع من أهل العلم[3].
وعلى هذا قول الأئمة الأربعة.
إلا خلافًا شاذًّا سوف أذكره إن شاء الله تعالى.
فقال الحنفية والشافعية والحنابلة: يتم مطلقًا.
زاد الحنفية: حتى لو أدرك سجود السهو بعد السلام وجب عليه الإتمام[4].
وبه قال طاوس وأحد القولين عن النخعي، وتميم بن حذلم، وابن المنذر وابن حزم[5].
قال ابن المنذر في «الإقناع»:
يصلي المسافر خلف المقيم فرضه وينصرف[6].
وقال ابن حزم:
إن صلى مسافر بصلاة مقيم قصر ولا بد، وإن صلى مقيم بصلاة مسافر أتم ولا بد، وكل واحد يصلي لنفسه، وإمامة كل واحد منهما جائزة[7].
وهذان قولان متقابلان.
وقال المالكية:
إذا اقتدى المسافر بمقيم فإن نوى الإتمام أتم صلاته مطلقًا، حتى ولو أدرك مع الإمام أقل من ركعة، وإن نوى القصر، فإن كان قد أدرك معه ركعة فأكثر أتم صلاته، وإن لم يدرك ركعة قصر.
وهو رواية عن أحمد، وقال به من السلف الزهري وقتادة والحسن وإسحاق بن راهويه[8].
وقال إسحاق:
إذا صلى المسافر خلف المقيم فإن نوى الإتمام لزمه، وإن نوى القصر صلى ركعتين وجلس وسلم، فإن أدركهم في التشهد فعليه صلاة مسافر[9].
فجعل إسحاق القصر والإتمام راجعًا إلى نية المصلي، إلا أن يدرك أقل من ركعة فعليه صلاة المسافر؛ لأنه لم يدرك صلاة الإمام.
وجاء في «المدونة»:
وقال مالك: ومن أدرك من صلاة مقيم التشهد أو السجود ولم يدرك الركعة، وهو مسافر، إنه يصلي ركعتين؛ لأنه لم يدرك صلاة الإمام[10].
فصار الخلاف على ثلاثة أقوال:
أولاً: يتم مطلقًا.
وهو مذهب الجمهور، وهؤلاء جعلوا من شروط القصر ألا يصلي خلف إمام مقيم.
وهو قول طاوس، وابن المنذر وابن حزم.
وهو مذهب المالكية.
ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، حدثنا أيوب، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين. قال: «تلك سنة أبي القاسم ﷺ»[11].
ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»[13].
قوله: «فما أدركتم»: اسم شرط عام فيما أدرك من الصلاة، فمن أدرك جزءًا من الصلاة يسمى مدركًا، وإذا كان مدركًا لصلاة الإمام وجب عليه الإتمام.
ما هو المقصود من الإدراك في الحديث؟ أهو الإدراك الشرعي أم الإدراك اللغوي، وهو اللحوق بالشيء؟
إذا كان الإدراك في الصلاة له حقيقة شرعية، وجاء اللفظ من الشارع، فهو مقدم على الحقيقة اللغوية.
فالإدراك جعل في مقابل الفوات، «فما أدركتم … وما فاتكم» فإذا فاتك الركوع فقد فاتك بقية الركعة، وإذا فاتتك ركعات الصلاة كلها إلا التشهد فقد فاتتك الصلاة، ومن فاتته الصلاة لم يدرك صلاة الإمام؛ لأنك لم تدرك منها شيئًا، وكيف تكون أدركته وأنت لا تعتد به، ولو صليته مع الإمام للمتابعة؟
وبالتالي لا يدخل تحت قوله: «فما أدركتم فصلوا».
فالحديث يأمرك بصلاة ما أدركت لا بصلاة ما فاتك، فدخولك مع الإمام في جزء من الصلاة بعد أن فاتتك ركعات الصلاة كلها لا يعد إدراكًا شرعيًّا؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».
أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة.
والإدراك في العبادات حكم شرعي، لا مدخل له في اللغة، وهو اللحوق بالشيء، فإدراك الحج يكون بإدراك عرفة، فمن فاته عرفة لم يدرك الحج، وإن كان قد بقي من الحج أركان كثيرة، وإدراك الصلاة يكون بإدراك ركعة، فمن أدرك من الصلاة أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، فكذلك قوله: «فما أدركتم فصلوا …» هذا الإدراك لا سبيل في تفسيره تفسيرًا لغويًّا، وقد خصه الشارع بتفسير خاص، وهو إدراك ركعة، والله أعلم.
وإن فسرنا الإدراك في قوله: «فما أدركتم فصلوا» باللحوق بالشيء، وليس بالإدراك الشرعي، وقلنا: إنك مأمور بالدخول مع الإمام في أي جزء من الصلاة وما دخلت فيه مع الإمام فقد أدركته ولو كان هذا الجزء من الصلاة بقدر تكبيرة الإحرام:
فلا يجوز أن نرتب على هذا الإدراك اللغوي إدراكًا شرعيًّا بحيث نقول: من أدرك مقدار تكبيرة الإحرام مع الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك الصلاة، ومن أدركها فقد أدرك فضيلة الجماعة والجمعة والوقت ووجب عليه الإتمام إذا كان مسافرًا مع معارضة هذا للإجماع؛ أن من فاته الركوع فقد فاتته الركعة، وهذا يصدق على كل ركعات الصلاة ومن أدرك أقل من ركعة من الصلاة فقد فاتته الصلاة، ووجب عليه أن يصلي أربعًا.
قال ابن تيمية:
… والنبي ﷺ إنما علق الأحكام بإدراك الركعة، فتعليقها بالتكبيرة إلغاء لما اعتبره واعتبار لما ألغاه وكل ذلك فاسد[14].
أن قوله: «فما أدركتم فصلوا» عمومه: أن كل شيء صليناه مع الإمام فقد أدركناه.
هذا العموم مخصوص بمفهوم حديث: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» فإن مفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة.
وتخصيص العموم بالمفهوم جائز في أحد القولين عند الأصوليين، خاصة إذا كان التخصيص بمفهوم الشرط كما هو في مسألتنا.
وقد احتج الجمهور بتخصيص العموم بمفهوم الصفة وهو أضعف، كما في قوله ﷺ: «في أربعين شاة شاة»[15]
فإن منطوقه:
وجوب الزكاة في الغنم سائمة كانت أم معلوفة.
وحديث: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة»[16]
لا زكاة في المعلوفة، فكان منطوق حديث في أربعين شاة شاة قد خص بمفهوم حديث: «في سائمة الغنم زكاة»، والله أعلم.
أن الشافعية والحنابلة قد وافقوا المالكية أن الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة خلافًا للحنفية، فكذلك سائر الصلوات لا تدرك إلا بإدراك ركعة، والتفريق بين الجمعة وغيرها من الصلوات تفريق بين متماثلات.
ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته»[17].
قول الرسول ﷺ: «إذا أدرك أحدكم سجدة» فالسجدة هنا على حقيقتها، أي: مقدار سجدة، وذكر السجدة تنبيهًا على أن الإدراك يحصل بجزء من الصلاة حتى يكون مدركًا لفضل الجماعة بإدراك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام.
ووجه ذلك:
أن الأحاديث مرة تذكر الركعة «من أدرك ركعة»، ومرة «من أدرك سجدة»، فسبرنا أوصافهما، فوجدناهما يجمعان الركنية والفرضية، وأول الفروض تكبيرة الإحرام، فقدرناه بذلك، فمن أدرك من صلاة الإمام مقدار تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام فقد أدرك صلاة الإمام، فوجب عليه الإتمام، والله تعالى أعلم.
بأن المراد بالسجدة: هي الركعة؛ لما يلي:
أن البخاري ومسلم قد رويا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة»[18].
أن من لم يدرك ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة.
ورواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة بلفظ: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر»[19].
أن من لم يدرك ركعة من الوقت لم يدرك الوقت.
روى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع، فقد أدركها» والسجدة: إنما هي الركعة[20].
فقوله: (والسجدة إنما هي الركعة) تفسير من الراوي، وهو أعلم بما روى.
ولأن حديث عائشة السجدة محمول على حديث أبي هريرة، وإلا كان الحديثان متعارضين.
قد ورد في السنة الصريحة إطلاق السجدة على الركعة.
فقد روى البخاري، قال رحمه الله: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: (صليت مع النبي ﷺ سجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته) وأخرجه مسلم[21].
وروى مسلم من طريق سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل، حدثه، أن أم هانئ حدثته عن رسول الله ﷺ في قصة اغتسال النبي ﷺ عام الفتح وفيه: (ثم قام فصلى ثَمَانِيَ سجداتٍ وذلك ضُحًى)[22].
والمراد: ثمَاَنِيَ ركعاتٍ …
والأمثلة في هذا كثيرة.
قال القرطبي:
أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة[23].
قال الباجي:
قد شرط إدراك السجدة، ومن لم يدرك الركعة فلم يدرك السجدة، بدليل أنه لا يعتد بها من صلاته[24].
فعُلم إطلاق السجدة على الركعة في العُرْفِ.
قال النووي:
العلماء أجمعوا على أن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام، ولو كان الواجب ركعتين حتمًا لما جاز فعلها أربعًا خلف مسافر ولا حاضر كالصبح[25].
لا يصح الإجماع، والخلاف محفوظ كما بينت ذلك في الأقوال، ولعل النووي نسب نقل الإجماع إلى أصحابه ليخرج من عهدته؛ لأن النووي نفسه نقل الخلاف عن جماعة من السلف، والله أعلم.
وروى مسلم من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته. ثم إن عثمان صلى بعد أربعًا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين[26].
هذا الأثر ليس صريحًا بأنه إذا أدرك جزءًا من صلاة الإمام صلى معه أربعًا، وإنما يحمل على أنه صلى مع الإمام أي: أدرك صلاة الإمام، ولا تدرك صلاة الإمام إلا بإدراك ركعة.
فقد روى عبد الرزاق، عن معمر والثوري، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، قال: قلت لابن عمر: أدركت ركعة من صلاة المقيمين وأنا مسافر؟ قال: صلِّ بصلاتهم.
[صحيح][27].
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى.
[صحيح عن ابن عمر موقوفًا][28].
فإدراك الجمعة كإدراك غيرها من الصلوات لا يكون إلا بإدراك ركعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر أدلتهم.
روى أبو داود، من طريق الأعمش، حدثني معاوية بن قرة، عن أشياخه، أن عبد الله صلى أربعًا، قال: فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعًا؟ قال: الخلاف شر[29].
بأن الظاهر أن ابن مسعود كان يتحرى موافقة عثمان ولو لم يصلِّ خلفه، فليس دليلًا على مسألتنا، والله أعلم.
فقد روى أبو محمد الفاكهي ومن طريقه ابن بشران في أماليه، والبيهقي في «السنن الكبرى» من طريق أبي يحيى بن أبي مسرة، حدثنا خلَّاد بن يحيى، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال:
كنا مع عبد الله بن مسعود بجمع، فلما دخل مسجد منى فقال: كم صلى أمير المؤمنين؟ قالوا: أربعًا، فصلى أربعًا، قال: فقلنا: ألم تحدثنا أن النبي ﷺ صلى ركعتين، وأبا بكر صلى ركعتين؟ فقال: بلى، وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان كان إمامًا فما أخالفه، والخلاف شر[30].
وروى الطبري من طريق حكام بن سلم، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن قرة أبي معاوية، قال: جاء ابن مسعود في زمن عثمان فقال: كم صلى عثمان بمنى؟ فقالوا: أربعًا. فقال عبد الله كلمة، ثم تقدم فصلى أربعًا، فقالوا: عِبْتَ عليه، ثم صليتَ كما صلى؟ فقال: أما إني قد صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ركعتين، ولكن الخلاف شر[31].
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر، وعثمان صدرًا من خلافته كانوا يصلون بمكة وبمنى ركعتين، ثم إن عثمان صلاها أربعًا، فبلغ ذلك ابن مسعود، فاسترجع، ثم قام فصلى أربعًا، فقيل له: استرجعت ثم صليت أربعًا؟ قال: الخلاف شر[32].
[سبق تخريج هذه الطرق][33].
روى البخاري ومسلم قد رويا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة»[34].
من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.
أن من أدرك أقل من ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة، ومن لم يدرك الصلاة مع الإمام لم يجب عليه الإتمام، وشرع له القصر.
ومفهوم الشرط حجة عند أكثر الأصوليين.
ولو كان إدراك أقل من ركعة بمنزلة الركعة لم يكن لتخصيص الركعة معنى.
ما رواه مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة»[35].
روى ابن أبي شيبة في «المصنف»، حدثنا هشيم، قال أخبرنا زكريا ابن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، قال:
قال عبد الله: من أدرك ركعة من الجمعة فليصلِّ إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع فليصلِّ أربعًا.
[صحيح][37].
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى.
[صحيح عن ابن عمر موقوفًا][38].
وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، وسعيد بن المسيب، أنهما قالا: من أدرك من الجمعة ركعة، فليصلِّ إليها أخرى.
[صحيح][39].
إذا كانت الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة، فكذلك سائر الصلوات مثلها، وإذا لم يدرك الصلاة مع الإمام لم يجب عليه الإتمام.
قال ابن تيمية:
الجمعة لا تدرك إلا بركعة، كما أفتى به أصحاب رسول الله ﷺ، منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأنس، وغيرهم، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة، والتفريق بين الجمعة والجماعة غير صحيح، ولهذا أبو حنيفة طرد أصله، وسوى بينهما، ولكن الأحاديث الثابتة وآثار الصحابة تبطل ما ذهب إليه[40].
ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين قالت: «فرض الله الصلاة حين فرضها، ركعتين ركعتين، في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر».
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ….» بالبناء على ما لم يسم فاعله، وهذا لفظ مالك في «الموطأ»، وهو رواية الأكثر[41].
إذا كان فرض المسافر ركعتين، فالاقتداء بالإمام لا يسوغ الزيادة على الفرض، فكل مصلٍّ يصلي عن نفسه، لا تضره نية غيره، فكما أن المقيم إذا صلى خلف مسافر صلى صلاة مقيم، ولا تضره مخالفة الإمام، فكذلك المسافر إذا صلى خلف مقيم، يصلي فرضه.
الوجه الأول
أن هذا القول مبني على أن القصر فرض، وقد ناقشت في مسألة مستقلة (حكم القصر).
والجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على أن القصر سنة خلافًا للحنفية.
والحنفية الذين قالوا بوجوب القصر: يوجبون على المسافر إذا صلى خلف المقيم أن يصلي أربعًا، ولو اقتصر على ركعتين فسدت صلاته.
وعليه فالأئمة الأربعة يذهبون إلى وجوب الإتمام إذا صلى المسافر خلف المقيم وأدرك معه ركعة.
أن حديث عائشة (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين) ليس على ظاهره:
1) لمعارضته ظاهر القرآن، في قوله تعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ﴾ أي: تقصروا من الأربع، فلو كان فرض المسافر ركعتين لما صح وصفها بأنها مقصورة.
ولمخالفته حديث عمر بن الخطاب: «صدقة تصدق الله بها عليكم» يعني: قصر الرباعية، ومخالفته حديث: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة»، فلا يضع إلا ما كان ثابتًا قبل أن يضعه.
2) ولمعارضته حديث ابن عباس في مسلم: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة»[42].
وهذه الأحاديث صحيحة، وسبق تخريجها عند الكلام على حكم القصر، وهي أقوى في الحجة من خبر عائشة؛ لأنها أخبار نصًّا عن النبي ﷺ، بخلاف قول عائشة فيحتمل أنه من فقهها وتأويلها؛ لكون عائشة قد خالفته فكانت تتم في السفر.
وقول عروة: (بأن عائشة تأولت كما تأول عثمان) لم يحكه عروة عن عائشة، ولا ذكر عروة وجه التأويل من قبله، ولو بالاجتهاد؛ لينظر في وجهه، فأرسله مجملًا بلا تفسير، فما أغنى شيئًا، وإذا جازت الزيادة على الركعتين بأي تأويل شئت فهو يدل على أن قصر الصلاة في السفر ليس فرضًا لا يجوز مخالفته، كالزيادة على صلاة الصبح لا يسوغ تأويله بحال.
ولو كان القصر فرضًا ما أتم عثمان -رضي الله عنه-، وهو مسافر، ولما تابع ابن مسعود عثمان -رضي الله عنهما-؛ لأن المأموم لا يجوز له أن يتابع إمامه في فعل يعتقده مفسدًا لصلاته علمًا أن ابن مسعود كان يتحرى موافقة عثمان ولو لم يصلِّ خلفه، ولو كان الإتمام محرمًا لما جاز له طاعته؛ لأن الطاعة بالمعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقد أجبت عن حديث عائشة بتوسع عند الكلام على حكم القصر في السفر، فارجع إليه، والله أعلم.
أن المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة الإمام فقد أدرك صلاة الإمام، وإذا أدرك صلاة الإمام وجبت عليه متابعته، لأن القصر سنة على الصحيح، والمتابعة واجبة.
وإذا كان المأموم المسبوق تغتفر له الزيادة الفعلية، وإن غيرت هيئة صلاته، كما لو كان مسبوقًا بركعة، فإذا صلى مع الإمام ركعة، فجلس الإمام وجب على المأموم الجلوس معه، وإن لم يكن موضعًا لجلوسه من أجل واجب المتابعة، وإذا صلى الإمام الركعة الثالثة كانت في حق المسبوق الركعة الثانية، ومع ذلك يدع القعدة الأولى والتشهد؛ لواجب المتابعة، ولا يلزمه سجود سهو، فإذا كان تعمد الزيادة من المأموم داخل صلاته متابعة لإمامه لا يبطل صلاته، فكذلك الإتمام لا يعد زيادة في صلاته إذا كان على وجه المتابعة، والله أعلم.
وإن صلى المسافر أربعًا، فقال الجمهور: صلاتهم صحيحة؛ لأن القصر سنة.
وقال الحنفية: صلاة الإمام المسافر جائزة، وصلاة المقيمين فاسدة.
وجه القول بالفساد: قالوا: فرض المسافر الركعتان الأوليان، والركعتان الأخريان عندهم تطوع، ويصححون بناء النافلة على تحريمة الفريضة، بشرط أن يجلس عندهم مقدار التشهد، ولو لم يسلم، فإذا جلس مقدار التشهد فقد تمت صلاته، ويخرج من الصلاة بكل فعل منافٍ للصلاة، ولا يشترط السلام؛ لأن المقصود من السلام فعل ما ينافي الصلاة، وهو الكلام، فإذا قام الإمام المسافر إلى الثالثة عُدَّ خارجًا من الفرض بالنفل، وبنى نفله على تحريمة الفريضة، ولو قام إلى الثالثة ولم يجلس للتشهد لم تصح له نافله؛ لأنه لا يمكن أن يدخل في النافلة قبل إكمال الفريضة.
ومن مذهب الحنفية أن المفترض لا تصح صلاته خلف المتنفل، ولهذا فسدت صلاة المأموم المقيم خلف المسافر إذا صلى أربعًا.
ومذهب الجمهور أصح؛
لأن بناء النفل على تحريمة الفريضة لا يعرف في الشرع، فكل صلاة لها تحريم وتحليل، فتكبيرة الإحرام دخل بها الفريضة، فكيف تحريمة واحدة يبني عليها صلاتين: إحداهما فرض، والأخرى تطوع دون أن يتخللهما تحلل. وسوف تأتي الإحالات الكاشفة عن مذهب الفقهاء. انظر: «الأوسط» لابن المنذر (4/365)، «الإشراف» (2/208)، «البحر المحيط الثجاج في شرح مسلم بن الحجاج» (15/110).
واشترط الحنفية أن يكون اقتداؤه به في الوقت، فإن فات الوقت لم يقتدِ به.
جاء في «الفتاوى الهندية» (1/85):«ويصح اقتداء المقيم بالمسافر في الوقت وخارج الوقت، وكذا اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت، لا خارج الوقت».
وانظر: «المبسوط» أيضًا (1/243) و (2/105، 112)، «تبيين الحقائق» (1/213)، «تحفة الفقهاء» (1/152)، «بدائع الصنائع» (1/93)، «الهداية» (1/72)، «النهاية في شرح الهداية» (1/81)، «العناية شرح الهداية» (1/479)، «حاشية ابن عابدين» (2/56).
وانظر في مذهب الشافعية: «الأم» (1/209)، «التعليقة» للقاضي حسين (2/632)، «التهذيب» للبغوي (2/308)، «روضة الطالبين» (1/391)، «المجموع» (4/356)، «منهاج الطالبين» (ص: 45)، «تحفة المحتاج» (1/455)، «مغني المحتاج» (1/525)، «نهاية المحتاج» (2/248).
وانظر في مذهب الحنابلة: «مختصر الخرقي» (ص: 30)، «المغني» (2/209)، «الفروع» (2/436)، «الإنصاف» (2/221، 323)، «المبدع» (2/55، 118)، «الإقناع» (1/161، 181)، «كشاف القناع»، ط العدل (3/158)، «الهداية على مذهب الإمام أحمد» (ص: 95)، «المقنع» (ص: 60)، «معونة أولي النهى» (2/332، 426)، «غاية المنتهى» (1/213)، «شرح منتهى الإرادات» (1/262، 295).
وروى عبد الرزاق في «المصنف»، ط: التأصيل (4516)، عن معمر، عن الزهري، وقتادة في مسافر يدرك من صلاة المقيمين ركعة، قالا: يصلي بصلاتهم، فإن أدركهم جلوسًا صلى ركعتين. وسنده صحيح.
وروى عبد الرزاق (4514) عن هشام بن حسان، عن الحسن في مسافر أدرك ركعة من صلاة المقيمين في الظهر، قال: يزيد إليها ثلاثًا، وإن أدركهم جلوسًا صلى ركعتين.
وقال إسحاق كما في «مسائل الكوسج» (2/482): «إذا أدرك المسافر المقيم جالسًا في آخر صلاته فعليه صلاة المسافر؛ لأن المقيم قد فرغ، كالجمعة إذا أدركهم جلوسًا».
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (4/338): «هذا قول الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والزهري، وقتادة».
وانظر: «الإقناع» لابن المنذر (1/119)، «المحلى» لابن حزم (3/231).
فأما إذا أدرك المسافر المقيم جالسًا في آخر صلاته، فعليه صلاة المسافر؛ لأن المقيم قد فرغ كالجمعة إذا أدركهم جلوسًا». وانظر: «المغني» (2/209)، «المجموع» (4/358).
• فرواه الطفاوي كما في «مسند أحمد» (1/216)، والطبري في «تهذيب الآثار، مسند عمر» (333)، و«مسند أبي العباس السراج» (1397)، وفي حديثه «انتخاب الشحامي» (1810)، و«مستخرج أبي عوانة» (2346)، و«المعجم الكبير» للطبراني (12/202) ح 12895، وفي «الأوسط» له (4294)، وزاد الطبراني: وإن رغمتم.
• خالفه في لفظه: الحارث بن عمير كما في «المعجم الأوسط» (6334)، فرواه عن أيوب السختياني، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، قال: قلت لابن عباس: إنا كنا معكم، فخرجنا ورجعنا، فصلينا ركعتين؟ فقال: سنة أبي القاسم ﷺ، وإن رغمتم.
ولم يذكر صلاة المسافر خلف المقيم، ورواه جماعة من أصحاب قتادة فلم يذكروا صلاة المسافر خلف المقيم، وهو المحفوظ منهم:
هشام الدستوائي، كما في «مسند أبي داود الطيالسي» (2865)، و«مسند أحمد» (1/226)، و«صحيح مسلم» (7-688) وأحال في لفظه على لفظ شعبة، و«تهذيب الآثار» للطبري، مسند عمر (332)، و«مستخرج أبي نعيم على مسلم» (1548).
وشعبة، كما في «مسند أحمد» (1/290، 337)، و«صحيح مسلم» (7-688)، و«المجتبى من سنن النسائي» (1443)، وفي «الكبرى» (1914)، و«تهذيب الآثار، مسند عمر» (331)، و«شرح معاني الآثار» (1/422)، و«صحيح ابن خزيمة» (951)، و«صحيح ابن حبان» (2755)، و«المعجم الكبير» للطبراني (12/202) ح 12894، و«مستخرج أبي عوانة» (2345)، و«مستخرج أبي نعيم على مسلم» (1547)، وفي «حلية الأولياء» (7/188)، وفي «السنن الكبرى» لالبيهقي (3/219).
وسعيد بن أبي عروبة، كما في «مسند أحمد» (1/369)، «صحيح مسلم» (7-688)، وأحال في لفظه على لفظ شعبة، «المجتبى من سنن النسائي» (1444)، وفي «الكبرى» (515، 1915)،
وهمام بن يحيى، كما في «مسند أحمد» (1/290)، أربعتهم رووه عن قتادة، يحدث عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة، إذا لم أصل مع الإمام؟ فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم ﷺ. ولم يذكر فيه الصلاة خلف المسافر.
ورواه البغوي أيضًا (1959) أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن عبد الله به. وأبو إسحاق كثير الرواية، ويحتمل منه تعدد الأسانيد.
وعلي بن مسهر كما في «المصنف» أيضًا (5349)،
وعبدة بن سليمان كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (5354)، و«الأوسط» لابن المنذر (4/101)، ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة به.

بارك الله فيكم وجزاكم خير على هذا البحث الرائع والمفيد وهذا الجهد المبارك في تأصيل وتفصيل هذا المسألة الفقهيّة المهمه وبارك الله في علمكم وعملكم وعمركم ونفع بك الإسلام والمسلمين اللهم امين.
آمين وإياكم
جزاكم الله خيرًا.