الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي
اختلف العلماء هل السنة في المضمضة والاستنشاق الجمع أم الفصل؟
على قولين:
وهو مذهب الحنفية[1]، وقول في مذهب المالكية[2]، وعليه أكثر أصحاب الشافعية[3].
اختاره ابن رشد من المالكية[4]، وهو المنصوص عن الشافعي[5]، ورجحه النووي[6]، والعراقي[7]، وهو المشهور من مذهب الحنابلة[8].
(ما رواه أبو داود، قال: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا معتمر، قال: سمعت ليثًا يذكر عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: دخلت – يعني على النبي ﷺ – وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق[9].
[إسناده ضعيف][10].
الأول: أنه ضعيف.
الثاني: أن المراد: تمضمض، ثم مج، ثم استنشق؛ أي: ولم يخلطهما.
الثالث: أنه محمول على بيان الجواز، وكان هذا منه ﷺ مرة واحدة؛ لأن لفظه عند أبي داود: دخلت على النبي ﷺ، وهو يتوضأ، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. وهذا لا يقتضي أكثر من مرة[11].
قال ابن الملقن في «البدر المنير»[12]:
رأيت في سنن ابن السكن المسماة بـ«الصحاح المأثورة» ما نصه: روى شقيق بن سلمة، قال: شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضأا ثلاثًا ثلاثًا، وأفردوا المضمضة من الاستنشاق، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ.
وهذا الإسناد معلق كما ترى، وصحته تتوقف على معرفة الساقط من إسناده، ولم أقف عليه، فيبقى عندي ضعيفًا، وقد ذكر بعض العلماء أن أحاديث الفصل لا تثبت، وهذا منها.
قال النووي:
وأما الفصل فلم يثبت فيه حديث أصلاً، وإنما جاء فيه حديث طلحة بن مصرف، وهو ضعيف.
وقال أيضًا:
فلا يحتج به لو لم يعارضه شيء، فكيف إذا عارضه أحاديث كثيرة صحاح؟[13]
ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار، عن أبي مطر قال: بينا نحن جلوس مع أمير المؤمنين علي في المسجد على باب الرحبة، جاء رجل فقال: أرني وضوء رسول الله ﷺ؟ وهو عند الزوال، فدعا قَنْبَرًا فقال: ائتني بكوز من ماء، فغسل كفيه ووجهه ثلاثًا، وتمضمض ثلاثًا، فأدخل بعض أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثًا… الحديث[14].
أولاً: الحديث ضعيف جدًّا [15].
ثانيًا: الحديث ليس صريحًا في المسألة، فإدخال بعض الأصابع في الفم حال المضمضة، لا يلزم منه فصل المضمضة عن الاستنشاق؛ فقد تكون الأصابع المدخلة هي أصابع اليد اليسرى، ومعلوم أن المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى كما قدمنا.
من النظر، أن الفم والأنف عضوان مستقلان، فكان القياس أن المتوضئ لا ينتقل إلى عضو آخر حتى يفرغ من العضو الذي قبله، فلا ينتقل إلى الأنف إلا بعد الفراغ من الفم، كسائر أعضاء الوضوء.
بأنهما وإن كانا في الحس عضوين إلا أنهما عضوان في عضو واحد، وهو الوجه، وحتى مع التسليم أنهما عضوان مستقلان حسًّا، فالشرع حكم لهما بأنهما عضو واحد حكمًا، وإنما تلقينا صفة المضمضة والاستنشاق من السنة الصحيحة، فلا دخل للنظر فيهما وقد ورد النص، والله أعلم.
استدل بعضهم ببعض الأحاديث المجملة، كقوله: «فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا» من أن ظاهرها الفصل بين المضمضة والاستنشاق.
بأن هذه الأحاديث مجملة، تحتمل الفصل وتحتمل الجمع، والمجمل يحمل على المبين والمفصل كما في حديث عبدالله بن زيد، وحديث ابن عباس وحديث علي رضي الله عنهم أجمعين، وسوف يأتي ذكرها في أدلة القول الثاني – إن شاء الله تعالى.
(ما رواه البخاري، من طريق وهيب قال: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبدالله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء… الحديث. وقد رواه مسلم من هذا الطريق إلا أنه قال: فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات[16].
وفي رواية لـالبخاري ومسلم من طريق خالد بن عبدالله، عن عمرو بن يحيى به، بلفظ: فمضمض واستنشق من كف واحدة[17].
قال الحافظ:
واستدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة.
وقال النووي:
في هذا الحديث دلالة ظاهرة للمذهب الصحيح المختار، أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات، يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منهما[18].
وقال ابن القيم:
لم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح ألبتة[19]. اهـ
ما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ[20].
وقد روى الحديث الدارمي[21]، من طريق عبدالعزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم به، بلفظ: أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وجمع بين المضمضة والاستنشاق.
وهذه رواية للحديث بالمعنى.
ما رواه أحمد من طريق خالد بن علقمة، حدثنا عبد خير قال:
جلس علي بعد ما صلى الفجر في الرحبة، ثم قال لغلامه: ائتني بطهور، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست. قال عبد خير: ونحن جلوس ننظر إليه، فأخذ بيمينه الإناء، فأكفأه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، فعله ثلاث مرار، قال عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فمضمض، واستنشق ونثر بيده اليسرى، فعل ذلك ثلاث مرات… الحديث.
[رجاله ثقات وسبق الكلام عليه][22].
وقد أجاب أصحاب القول الأول عن هذه الأدلة بأجوبة فيها نظر، منها:
الأول: أنه ربما فعل ذلك لبيان الجواز.
الثاني: قالوا: إن معنى تمضمض واستنشق من كف واحد؛ أي: لم يستعن باليدين مثل ما يفعل في غسل الوجه، أو معناه فعلهما باليد اليمنى، فيكون ردًّا على من يقول: الاستنشاق باليسرى؛ لأن الأنف موضع الأذى، كموضع الاستنجاء[23].
وهذا أصحها، ورجحها النووي.
فصارت الصفات ترجع إلى صفتين:
• أخذ ثلاث غرفات، في كل غرفة يتمضمض ويستنشق منها.
• أو يأخذ غرفة واحدة يتمضمض ويستنشق منها ثلاث مرات.
ما رواه البخاري من طريق وهيب، قال: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبدالله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء… الحديث.
ما رواه البخاري من طريق سليمان بن بلال قال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال لـعبدالله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبي ﷺ يتوضأ؟ فدعا بتور من ماء، فكفأ على يديه، فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة[24].
بأن قوله: «فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة» المقصود: تمضمض واستنثر كل مرة من غرفة واحدة، فالراوي – والله أعلم – أراد أن يشير إلى جمع المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة، ولم يرد أن المضمضة والاستنشاق يكرران من نفس الغرفة الواحدة، لاسيما والحديث واحد، ومخرجه واحد، وقد جاء فيه في الرواية الأخرى: فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات.
وقال في «المنهاج» (1/ 58): “والأظهر أن فصلهما أفضل”.
وفي إسناده طلحة، لم ينسب، فلم تعرف عينه، فقيل: هو طلحة بن مصرف، وقيل: غيره.
وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث كما في كتاب «العلل» (1/ 53) قال: فلم يثبته، وقال: طلحة هذا يقال: إنه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول: هو طلحة بن مصرف، ولو كان طلحة بن مصرف لم يختلف فيه. اهـ
وجاء في «الجرح والتعديل» (4/ 473): سئل أبو زرعة عن طلحة الذي يروي عن أبيه عن جده، قال: رأيت النبي ﷺ يتوضأ… فقال: لا أعرف أحدًا سمى والد طلحة إلا أن بعضهم يقول: ابن مصرف.
وذكر أبو داود عن أحمد قوله: كان ابن عيينة ينكره، ويقول: إيش هذا طلحة عن أبيه عن جده؟ وكذلك حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني“. اهـ انظر «سنن البيهقي» (1/ 51)، و«تلخيص الحبير» (1/ 78).
وفي «نصب الراية» (1/ 134): صرح بأنه طلحة بن مصرف ابنُ السكن، وابن مردويه في كتاب «أولاد المحدثين»، ويعقوب بن سفيان في تاريخه، وابن أبي خيثمة وخلق. اهـ
وفي إسناده والد طلحة، فعلى تقدير أنه والد طلحة، وأن اسمه مصرف بن عمرو بن كعب، وقيل: ابن كعب بن عمرو، فإنه لم يرو عنه إلا ولده طلحة، ولم يوثق، وفي «التقريب»: مجهول.
وإن لم يكن مصرفًا، فلا يعرف.
قال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» كما في «البدر المنير» (3/ 284): وعلة الخبر عندي الجهل بحال مصرف بن عمرو، والد طلحة بن مصرف”. اهـ
وفي إسناده جد طلحة، فإن كان طلحة هو ابن مصرف، فقد اختلف هل له صحبة أم لا؟ على قولين.
وإن لم يكن والد طلحة، فهو مجهول أيضًا، فيكون الحديث يرويه مجهول عن مجهول، عن مجهول.
فعلى تقدير أنه جد طلحة بن مصرف، فقد قيل: إنه لا صحبة له. جاء في «البدر المنير» (3/ 282): قال عباس الدوري في ما رواه الحاكم، عن الأصم عنه: “قلت لـيحيى بن معين: طلحة بن مصرف عن أبيه، عن جده، رأى جده النبي ﷺ؟ فقال يحيى: المحدثون يقولون هذا، وأهل بيت طلحة يقولون: ليست له صحبة” اهـ.
وفي «سؤالات ابن الجنيد»: قال ولد طلحة بن مصرف: ما أدرك جدنا النبي ﷺ” اهـ.
وممكن أن يقال: إن أهل بيته ألصق به وأقرب، وأحرص من غيرهم على حصول هذا الشرف، وممكن أن يقال: إن أهل الحديث أكثر عناية في هذا الباب من آل بيت طلحة، كما يشكل عليه أيضًا ما أورده ابن الملقن في «البدر المنير» (3/ 282): عن الخلال، عن أبي داود: سمعت رجلاً من ولد طلحة بن مصرف يذكر أن جده له صحبة، وجزم ابن مهدي بأن جده له صحبة، وأنكر ابن عيينة أن يكون جده له صحبة. اهـ والله أعلم.
فالحديث بكل حال إسناده ليس بالقائم.
[تخريج الحديث]:
الحديث أخرجه أبو داود كما قدمنا، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (1/ 51).
وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (19/ 181) ح 410 من طريق ليث بن أبي سليم به، وأخرجه أيضًا (12/ 26) من طريق أبي سلمة الكندي، حدثنا ليث به، بلفظ: أن رسول الله ﷺ توضأ، فمضمض واستنشق ثلاثًا، يأخذ لكل واحدة ماء جديدًا… الحديث. انظر «تحفة الأشراف» (11127).
قال أبو حاتم الرازي: شيخ منكر الحديث. «الجرح والتعديل» (8/ 311) رقم 1440.
وقال البخاري: مختار بن نافع التيمي، عن ابن مطر، منكر الحديث. «الضعفاء الصغير» (ص: 110) رقم 357.
وذكره العقيلي في الضعفاء. «الضعفاء الكبير» (4/ 210) رقم 1797.
وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، كان يأتي بالمناكير عن المشاهير حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لذلك. «المجروحين» (3/ 9) 1038.
وقال أبو زرعة: واهي الحديث. «تهذيب الكمال» (27/ 321).
وقال النسائي: منكر الحديث، وقال في موضع آخر: ليس بثقة. المرجع السابق.
وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. المرجع السابق.
وفي الإسناد أيضًا أبو مطر:
قال أبو زرعة: ما أعرف اسمه. «الجرح والتعديل» (9/ 455) الرقم 2251.
وقال عمر بن حفص بن غياث: ترك أبي حديث أبي مطر. المرجع السابق.
وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي مطر، فقال: مجهول لا يعرف. وقد نقل ما تقدم الحسيني في «الإكمال» (1172)، وابن حجر في «تعجيل المنفعة» (ص: 520) 139.
وقال الحافظ في «اللسان»: مجهول. «لسان الميزان» (7/ 107) 1150.
والحديث أخرجه عبد بن حميد، كما في «المنتخب» (95) عن محمد بن عبيد به.
والحديث قد رواه محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبيدالله الخولاني، عن ابن عباس، عن علي كما في «المسند» (1/ 82، 83)، و«سنن أبي داود» (117)، و«البزار» (463، 464)، و«أبي يعلى» (600)، و«ابن خزيمة» (153)، و«ابن حبان» (1080)، و«البيهقي» (1/ 53، 54)، من طرق كثيرة، عن ابن إسحاق به، ولم يذكر ما ذكره مختار بن نافع.
انظر طرق الحديث في «أطراف المسند» (4/ 507)، و«إتحاف المهرة» (14882).
