توصيف الحساب الجاري، وهل فيه زكاة؟
أن وظيفة البنوك كانت في مرحلة من تاريخها مقتصرة على قبول الودائع من معادن ثمينة، وعملات مقابل حصولها على عمولة مقابل حراستها، ومحافظتها على الوديعة، ولكن البنوك قد تغيرت وظيفتها فلم تعد تتقبل الودائع من الناس من أجل حفظها، وإنما أصبحت تتملك تلك الودائع، وتتصرف فيها وذلك حين رأى أصحاب المصارف أن نسبة ضئيلة من المودعين هي التي تسترد ودائعها كاملة في آن واحد، وأن لديهم حصيلة كبيرة من نقود الودائع عاطلة، وأن من المفيد لهم إقراضها بفائدة، فأصبحوا يقرضون ما أودع الناس لديهم بعد تقديم ضمانات كافية، وتوسعوا في ذلك حتى أصبحت تلك المصارف تقرض من نقود ليس لها وجود، أي أنها تخلق هذه النقود خلقًا، ومع تغير وظيفة المصارف من حفظ الودائع إلى اقتراضها وإقراضها بفائدة لم تغير تسميتها، فأبقت على التسمية الأولى، وهي اسم الوديعة لكل ما تتلقاه من الجمهور.
عرفها بعضهم:
بأنها عقد بمقتضاه يسلم أفراد أو هيئات مبلغًا من النقود إلى مصرف (بنك) على أن يتعهد الأخير برده، أو برد مبلغ مماثل دفعة واحدة أو على دفعات لدى الطلب، أو بالشروط المتفق عليها، ويكون للمصرف حق استعمال هذه النقود واستثمارها [1].
وسمي جاريًا؛ لأنه غير ثابت؛ فهو يزيد وينقص تبعًا لما يودع فيه أو يسحب منه، وهو حساب تحت تصرف الطرفين: العميل والبنك.
وعرفها الصدر بقوله:
«هي مبلغ من النقود يودع لدى البنوك بوسيلة من وسائل الإيداع، فينشئ وديعة تحت الطلب، أو لأجل محدد اتفاقًا، ويترتب عليه من ناحية البنك الالتزام بدفع مبلغ معين من وحدات النقد القانونية للمودع أو لأمره، أو لدى الطلب، أو بعد أجل» [2].
وعرفها ثالث بأنها:
«المبالغ التي يضعها صاحبها في المصرف، ويحق له سحبها في أي وقت شاء، سواء كان السحب نقدًا، أو عن طريق استعمال الشيكات، أو أوامر التحويلات المصرفية لعملاء آخرين» [3].
وهذه التعريفات كلها متقاربة.
📌 المدخل إلى المسألة
إذا نص في عقد الإيداع بأن الحساب الجاري قرض يأخذه البنك من عميله المقرض:
فإنه لا خلاف بأن النص يقضي على الخلاف الدائر بين المعاصرين في تكييف الودائع المصرفية الجارية، لذلك كثير من البنوك الإسلامية تورد في عقد فتح الحساب النص التالي:
أما إذا لم ينص على ذلك في العقد الموقع بين المصرف وبين العميل، أو نص على أنه وديعة، أو على أي توصيف آخر غير القرض:
فما حكم هذا التوصيف إذا علمنا أن المصرف يتملك الحساب الجاري، ويخلطه بأمواله، ويتصرف فيه، ويستأثر بأرباحه، ولا يرد عين ما أخذ بل يرد بدله، فهل ننظر إلى ظاهر اللفظ، أو ننظر إلى المعنى؟
هذا محل اختلاف بين الباحثين المعاصرين.
وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي[4]، وأكثر العلماء المعاصرين[5]، والهيئة الشرعية في شركة الراجحي المصرفية[6]، والباحثين في ندوة البركة[7].
هل أخذت حكم الوديعة لأنها مأذون باستعمالها، من جهة أن المودع يعلم أن المصرف سوف يتصرف فيها وفق العرف المصرفي؟ كما رجحه الأستاذ الدكتور حمد الكبيسي، وهو معنى قول الشيخ عبد الله بن منيع: إنها وديعة في الذمة، وقول نزيه حماد: وديعة مضمونة[9].
أو أخذت حكم الوديعة؛ لأنه لا يوجد إذن بالاستعمال من المودِع؟ كما هو نص النظام الأساسي لبنك دبي الإسلامي، واختيار فضيلة الدكتور عيسى عبده، وحسن الأمين[10].
وهذا التوصيف قانوني، لا يسأل عنه الفقه الإسلامي، ولولا أن الباحثين المعاصرين ذكروه لما ذكرته.
فصارت الأقوال ترجع إلى أربعة أقوال:
- قيل: الحساب الجاري قرض.
- وقيل: وديعة.
- وقيل: عقد مركب من الوديعة والقرض.
- وقيل: عقد جديد يدخل ضمن العقود غير المسماة في الفقه الإسلامي.
أن العبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ والمباني.
فلو قلت لك: وهبت لك هذا الثوب بعشرة، كان بيعًا على الصحيح.
ولو قلت: بعتك هذا الكتاب مجانًا أو بلا مقابل، كان هبة على الصحيح.
فسواء سميت الحساب الجاري وديعة أو عارية فالعبرة بمعنى العقد، لا في اللفظ المحرر بين البنك والعميل، والمصطلحات العرفية لا تغير من الحقائق الشرعية.
وحقيقة الوديعة لا تنطبق على الوديعة المصرفية؛ لأن الوديعة في الشرع:
دفع المال من أجل حفظه ورد عينه، فليست من عقود التمليك كالبيع والقرض، ولا من عقود الاستخدام كالعارية، وإذا هلكت الوديعة بلا تعد أو تفريط لم يضمن المودَع؛ لأنه أمين.
بينما المصرف يملك الوديعة المصرفية، ويتصرف فيها، وربحها له، وخسارتها عليه وحده، ولا يرد عينها، بل يرد مثلها، والبنوك المركزية تلزم البنوك بضمان الودائع أو التأمين عليها، وحساب العميل لا يتأثر بأعمال المصرف التجارية أو الاستثمارية، وهذا لا يتفق مع طبيعة عقد الوديعة.
فإعطاء الشخص ماله لآخر، إما أن يكون على سبيل التمليك أو لا:
• فإن كان على سبيل التمليك:
– فإن كان بعوض: فهو بيع.
– وإن كان بلا عوض: فهو هبة.
وإن كان ليملكه ويرد مثله: فهو قرض.
• وإن كان لا على سبيل التمليك:
– فإن كان للحفظ فقط: فهو وديعة.
– وإن كان للانتفاع مع بقاء العين: فهو عارية.
هذا هو التوصيف الفقهي في إعطاء المال، وإذا طبقته على الوديعة المصرفية وجدت أنها من عقود التمليك ورد المثل، فهو عين القرض.
الوجه الأول:
الأصل في القرض أنه للإرفاق وإلا لما جاز انتهاك ربا النسيئة مع أنه أشد نوعي الربا، ومن السبع الموبقات، فلو قال رجل لرجل: أقرضني ألفًا إلى شهر جاز ذلك بالإجماع، ولو قال: بعني ألفًا بألف إلى شهر، أولم يسمِّ أجلًا، كان ذلك كبيرة من الكبائر، وليس مبنى التفريق بين العقدين فقط اختلاف اللفظ، فهذا استخدم كلمة القرض فجاز له ربا النسيئة، وهذا استخدم لفظ البيع فحرم عليه ربا النسأ ووجب القبض؛ لأنه من المعلوم: أن العبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، ولكن لما كان مبنى القروض: هو الإرفاق والإحسان، والناس بحاجة إليه اغتفر الشارع النسيئة في القرض دون الربا.
يقول القرافي: «قاعدة: السلف رخص فيه صاحب الشرع؛ لمصلحة المعروف بين العباد، فاستثناه لذلك من قاعدة الربا في النقدين وغيرهما؛ لعدم التناجز فيه فإن فعل لغير المعروف امتنع … لفقدان المعنى الذي لأجله استثناه الشرع من المحرمات، أو لأن ما شأنه أن يكون لله إذا وقع لغير الله امتنع»[14].
وقال أبو الوليد الباجي: «… بخلاف القرض فإنه لا يصح أن يقع إلا على وجه الرفق من المقرض للمقترض»[15].
ولهذا جاء في فضل القرض نصوص كثيرة، وشبه الله المتصدق بمن يقرض الله قرضًا حسناً.
فالمودِع لم يقصد الإرفاق بالبنك عند إيداع ماله في الحساب الجاري، بل قصد أشياء كثيرة منها حفظ المال، ومنها الانتفاع بخدمات البنك الكثيرة.
والبنوك إن سلمت من الربا والتحايل عليه فالقصد من معاملاتها المعاوضة، فخرجت المعاملة بين البنك والعميل من عقد القرض القائم على الإرفاق والإحسان.
بأن ربا النسيئة محرم بالإجماع، ولا تبيحه إلا الضرورة، والقرض دائر بين الإباحة والندب، فهو بالنسبة للمقرض إن كان لحظ نفسه، كما لو أقرض الغني ماله خوفًا عليه من السرقة، لأنه لو أودعه لم يضمن، كان فعله مباحًا، وإن كان لدفع حاجة المقترض كان مندوبًا في حقه.
ففي الصورة الأولى كان الباعث على القرض نفع نفسه فكان مباحًا، وفي الصورة الثانية كان الباعث منفعة المقترض فكان مندوبًا.
وحكم القرض بالنسبة للمقترض: إن كان لحاجة فهو مباح، وإن لم يكن هناك حاجة كره، ولم يحرم، فأين حكم القرض من حكم الربا؟
فلو كان الاقتراض مستثنى من ربا النسية لما جاز الاقتراض إلا بشرط الضرورة؛ لأن المحرم لذاته لا تبيحه الحاجة.
فدل على أن إرادة الإحسان من المقرض ليست شرطًا في حل القرض.
نظير ذلك الوقف إن قصد به وجه الله كان قربة، وإن قصد به غير ذلك صح، وكان مباحًا، ولم يخرج بذلك عن مسمى الوقف.
والبيع عقد لا علاقة له بالقرض، فالبيع مبني على المغابنة والمكايسة مع الربح أو مع الوضيعة، والقرض مبني على المعروف، تارة يتمحض لحظ المقترض، ولا حظ فيه للمقرض وهذا هو الأكثر، وتارة يكون الحظ لهما، كما في إقراض الغني ماله لداعي الحفظ والضمان، وكما في إقراض الولي مال اليتيم إذا خاف عليه السرقة، وكما في السفتجة، يقرض الرجل ماله لغرض نقله، وأكثر الناس اقتراضًا اليوم هم التجار؛ لكثرة مشاريعهم، فالحاجة للاقتراض أعم من القرض الحسن، فاليوم الدول والشركات العملاقة تقترض وتحتاج إلى الاقتراض للقيام بمصالحها أكثر من اقتراض الأفراد، ولولا القرض لتعطلت كثير من المشاريع العامة، والبنك كغيره من المؤسسات يحتاج إلى الاقتراض وإن كان غنيًّا ويحصلها بوسائل كثيرها ومن أهمها الودائع الجارية.
الوجه الثاني:
لا أحد من العملاء يَعدُّ ما يدفعه للبنك قرضًا حسناً، ولا البنوك صاحبة العلاقة تعد ما تأخذه من الناس قروضًا حسنة، وأصحاب البنوك الذين ابتكروا هذه الحسابات وشرعوا أنظمتها أدرى بماهيتها من غيرهم، ولولا تدخل الشرعيين في لَيِّ عنقها بأنها قرض حسن لما كان لذلك ذكر، ولو كانت قروضًا حسنة لكان الواجب أن تنظم البنوك ضمن جمعيات الخير والبر والتعاون والإحسان.
وكون الودائع البنكية ليست ودائع؛ لأن أعيانها لا ترد لا يكفي لاعتبارها من القروض، فليست القسمة حصرية إما ودائع وإما قروض، ووجود الشبه بالقرض لا يكفي لصحة القياس، فما من شيئين إلا وبينهما وجه شبه، فكيف إذا كانت أوجه الاختلاف أعمق وأكبر وأغزر؟![16].
الجواب الأول:
قوله: (أصحاب البنوك الذين ابتكروا هذه الحسابات وشرعوا أنظمتها أدرى بماهيتها من غيرهم) إن كان يقصد أنهم أدرى من غيرهم في التوصيف الشرعي فهذا باطل، فليس كل من ابتكر معاملة يعرف وجوه الحلال والحرام منها، فالتوصيف الشرعي خاص بالفقهاء، وليس لأهل المصارف.
الجواب الثاني:
على فرض أن إرادة البنك والمودع لم تتوجه للقرض، فذلك لا يؤثر؛ لأن عامة المودعين لا يعرفون الفرق بين الوديعة والقرض، والذي يهمهم الآثار المترتبة على الإيداع، فالمودع لا يرضى بإيداع ماله إلا إذا ضمن البنك له ماله، والبنك يريد من الوديعة الحصول على المال لاستثماره، والتكسب منه. وهذا حقيقة القرض.
الجواب الثالث:
هذا الاستدلال يقلب على صاحبه، فيقال: وجود الشبه بين القرض والبيع لا يجعل من القرض بيعًا، فالبيع والقرض يتفقان: أنهما من عقود التمليك، وأن كل واحد منهما يدفع مالًا بدلًا عما أخذه، فهذا الشبه بالمعاوضة لا يجعل من القرض بيعًا؛ لاختلاف مقاصدهما.
الجواب الرابع:
أن وصف الحسابات الجارية بأنها قرض لم ينفرد به فقهاء الشريعة، بل وافقهم على هذا كثير من فقهاء القانون، كالقانون المدني المصري، والسوري، والأردني والعراقي واليمني[17]، ومرجعيتهم ليست شرعية، وإن كان لا عبرة بموافقة فقهاء القانون أو مخالفتهم، ولكن ذكرتهم في معرض الرد على القول بأنه لولا توصيف الفقهاء لما عرف القول بأن الحساب الجاري قرض من العميل للبنك.
ولو قدر أن الفقهاء انفردوا بهذا التوصيف فلا ضير في ذلك،؛ لأن التوصيف الشرعي هو وظيفة الفقيه وحده، ولا عبرة لفهم غيره وتوصيفه، والمصطلح العرفي لا يغير من الحقيقة الشرعية، والسبب في اختلال كثير من الإطلاقات المالية: أن مرجعيتها ليست إسلامية، تلقيت من المجتمعات الغربية، ونقلت إلى أسواق المسلمين بمسمياتها، فأسواق المسلمين تواجه اليوم منظومة اقتصادية كاملة منقولة من بيئة مختلفة، ولا تخضع لأي معايير شرعية، ومن ذلك اختلال المصطلحات، والناس قد يسمون الأشياء بغير مسمياتها، فيسمون الربا فائدة، والخمر شرابًا روحيًّا، وقديمًا قالوا: إنما البيع مثل الربا، وكلمة الفصل في الحكم على الأشياء من الناحية الشرعية هي للفقهاء وحدهم، وكون المتعاملين لم يقصدا القرض فليس ذلك بشرط إذا أرادا معناه؛ لأن لهذه التسميات الغربية هيمنتها على إرادة الناس والتي أصبحت عرفًا سائدًا: فضمان البنك للمال الذي أخذه وكونه يتملكه، ويستقل بربحه وعليه خسارته، ويرد مثله، هذه حقيقة القرض؛ لأن العبرة في العقود بمعانيها لا بألفاظها ومبانيها.
الوجه الثالث:
أن توصيف الحساب الجاري بأنه قرض لا يخلو من إشكالات!
فهناك منافع مرتبطة بالحساب الجاري يحصل عليها الدائن، مثل دفتر الشيكات، وبطاقة الصراف الآلي، وهي تكلف البنك ماليًّا، ومنها تخفيض تكاليف الخدمات أو الإعفاء منها، كالإعفاء من رسوم بطاقات الائتمان، ورسوم الحوالات، وخطابات الضمان والاعتمادات، فضلًا عن الهدايا النقدية والعينية ونحوها من الامتيازات، والتي يراعى في تقديمها مقدار الحساب الجاري.
فإن كانت هذه الخدمات بأجرة: كان منهيًّا عنها؛ لأنها من باب الجمع بين القرض والمعاوضة، وقد نهى النبي ﷺ عن سلف وبيع.
رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا.
[حسن][18].
وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم اشتراط البيع مع عقد القرض.
قال الباجي في «المنتقى»:
«لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك»[19].
وقال القرافي:
«وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا»[20].
ومثل الجمع بين القرض والمعاوضة: اشتراط تحويل الراتب مقابل إعطاء تمويل للعميل.
وإن كانت الخدمات السابقة مجانية عدت من باب القرض الذي يجر نفعًا للمقرض، فكان ذلك ربا، عملًا بقاعدة: (كل قرض جر نفعًا فهو ربا)، وروي فيه حديث مرفوع.
فقد روى الحارث في «مسنده» كما في «بغية الباحث» من طريق سوار بن مصعب، عن عمارة الهمداني قال: سمعت عليًّا يقول: قال رسول الله ﷺ: «كل قرض جر منفعة فهو ربا».
[ضعيف جدًا][21].
أما الجواب عن اجتماع المعاوضة والقرض: فمن أكثر من وجه، منها:
الأول: أن الممنوع هو اشتراط القرض في عقد المعاوضة، أما اجتماعهما من غير شرط فـ الجمهور على جوازه خلافًا لـ الحنابلة[22].
ثانيًا: العقود المرتبطة بالحساب الجاري غالبًا ما يكون فتح الحساب متقدمًا عليها، فهي لم تجتمع مع فتح الحساب في عقد واحد حتى يقال: اجتمع معاوضة وقرض في معاملة واحدة، فإذا أقرضك أحد لم يحرم عليك البيع والشراء منه لاحقًا بحجة النهي عن سلف وبيع، ولا أعلم أن أحدًا من أهل العلم حرم التعامل مع المقرض إذا لم يكن القرض والبيع في معاملة واحدة، وقد يحتاج العميل المعاوضة مع البنك، وقد لا يحتاجها، فكل معاملة لا تعد شرطًا في فتح الحساب الجاري لا تدخل في توصيف الحساب الجاري؛ كالحوالات وتحصيل الشيكات؛ لأنها أمور زائدة على أصل العقد، وإن عُدَّ فتح الحساب متطلبًا إجرائيًا للتنفيذ، فالحساب الجاري هو مفتاح العلاقة بين العميل والمصرف لتحقيق جميع الخدمات الأخرى.
بأن البنك عندما يبيع على العميل خدماته بأجرة، وهو يلحظ ما في حسابه من رصيد في تحديد هذه الأجرة فقد جمع بين البيع والسلف.
لو كان القرض ملحوظًا لاشترط نسبة من الرصيد في الحساب الجاري لـ جواز مثل هذه الخدمات.
ثالثًا: تقاضي المصرف أجرًا على مثل هذه الأعمال التي يقدمها لا محذور فيه شرعًا؛ لأنها في مقابل الأعمال التي يقوم بها، والمستفيد هنا المقترض، وليس المقرض.
والقاعدة الفقهية تقول: (كل منفعة متمحضة للمقترض فهي مباحة).
رابعًا: أن فتح الحساب الجاري كإجراء لتنفيذ بعض العقود، يكون فتح الحساب في هذه الحالة مقصودًا بالتبع، وليس مقصودًا أصالة.
فهو إما أن يكون:
وسيلة للوفاء والاستيفاء كاشتراط تحويل الراتب للتمويل، ولهذا لا يشترط بقاء الراتب بعد خصم القسط المستحق، ويمكن تحويله إلى أي حساب للعميل في بنك آخر، فهو أشبه ما يكون رهن الراتب إلى حين استلام القسط المستحق.
وإما أن يكون:
فتح الحساب أداة لإجراء بعض الخدمات، ولهذا لا يشترط إيداع مبلغ معين لفتح الحساب فيكفي أي مبلغ لجعل الحساب نشطًا، ومثله لا تطبق عليها أحكام الربا، ويغتفر فيه الجهالة.
لما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم. عن ابن عمر: -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … «من ابتاع عبدًا، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع».
لما كان مال العبد تابعًا غير مقصود بالعقد أصالة، صح اشتراطه ودخل في البيع به، سواء أكان المال معلومًا أم مجهولًا، من جنس الثمن أم من غيره، عيناً كان أم ديناً، وسواء أكان مثل الثمن، أم أقل أم أكثر، فلم يراع أحكام الصرف بين مال العبد، والثمن المدفوع قيمة للعبد.
ومعنى قولنا: (غير مقصود):
أي غير مقصود بالأصالة، وإلا فاشتراط المشتري له دليل على قصده إياه، ولكنه مقصود تبعًا وليس أصالة، فيصح أن نقول: إن اشتراط المشتري مال العبد لا يخرجه عن كونه غير مقصود أصالة.
وأما القروض المتبادلة بين البنك وعميله:
فإن كانت مشروطة في فتح الحساب الجاري فهي محرمة بالاتفاق؛ لاجتماع القرض مع البيع وإن كانت غير مشروطة كما هو واقع كثير من العمليات فهي جائزة، وقد يحتاج إليها العميل وقد لا يحتاج إليها.
وأما الجواب عن المنافع المترتبة على القرض:
فالجواب عن حديث علي -رضي الله عنه- «كل قرض جر نفعًا فهو ربا»:
بأنه ضعيف جدًا، وإن كان معناه صحيحًا متفقًا عليه.
وعمومه غير مراد؛ فقوله: «كل قرض جر نفعًا فهو ربا»، لفظ (كل) من ألفاظ العموم، ومقتضاه: يشمل نفع المقترض؛ حيث لم يقيد النفع في حق أحدهما، مع أن النفع المتمحض للمقترض جائز.
ولو أخذنا الحديث على ظاهره لعاد هذا بالإبطال على أصل القرض، فإن كل قرض فيه منفعة للمقرض، وهو ضمان المال، وهي جائزة؛ لأنها منفعة أصلية في القرض، وليست إضافية، وهي من مقتضى عقد القرض، ولذلك فضل بعض الفقهاء الإقراض على الإيداع في حق مال اليتيم إذا خاف الولي على ماله؛ لأن المقرض ينتفع بالضمان بخلاف الوديعة.
وهذا العموم أيضًا غير مراد حتى في حق المقرض، فقد خرج منه: إذا كان النفع غير مشروط، وجاء متبرعًا به عند القضاء، فإن النصوص الشرعية، بل والإجماع على إباحة هذا النفع، وكذلك إذا كان النفع قد جرت به العادة قبل القرض.
والممنوع أن يتمحض النفع للمقرض، وأما إذا كان النفع لهما معًا لم يحرم على الصحيح، وسبق أن أشرت إلى ذلك، كما في إقراض الغني ماله إذا خاف عليه، فيرتفق الغني بضمان ماله، وهو أبلغ من مجرد الحفظ، ويرتفق المقترض بمبلغ القرض، ومثله: إقراض الولي مال اليتيم إذا خاف عليه السرقة، فإن الفقهاء أجازوا له إقراضه للغني، فيرتفق كل من الولي والفقير.
قال ابن قدامة:
«ولو أراد تنفيذ نفقة إلى عياله، فأقرضها رجلاً ليوفيها لهم، فلا بأس؛ لأنه مصلحة لهما، لا ضرر فيه، ولا يرد الشرع بتحريم ذلك …. وفي معنى هذا: قرض الرجل فلّاحه حبًا يزرعه في أرضه، أو ثمناً يشتري به بقرًا وغيرها؛ لأنه مصلحة لهما. وقال ابن أبي موسى: هذا خبيث»[23].
ومثال ما يكون النفع للمقرض (العميل) والمقترض (البنك):
انتفاع العميل بدفتر الشيكات وصرف البطاقة الآلي، فهذه جائزة ولو تحمل البنك وحده مصاريف هذه الخدمة ولا تدخل في نفع المقرض؛ لأن هذه المنفعة وسيلة للوفاء، وقد تكون منفعة البنك أقوى، ومنفعة العميل تابعة.
ومثل ارتفاق كل من المقرض والمقترض في عقد ما يسمى عند الفقهاء بـ السفتجة، وهي:
أن يقرض الرجل ماله لآخر ليستوفيه منه في بلد آخر، فيكتب له كتابًا إلى نائبه في ذلك البلد؛ ليعطيه ما أقرضه. وفائدتها: السلامة من خطر الطريق ومؤونة الحمل[24].
والسداد في غير بلد القرض:
• إن كان بلا شرط:
فالعلماء مجمعون على جواز ذلك.
• وإن كان ذلك مشروطًا:
فقد اختلف العلماء في جوازها.
وهما روايتان في مذهب الحنابلة كما نقله ابن قدامة.
والراجح:
الجواز مطلقًا، سواء أكان لحمله مؤونة أم لا، وقد اختاره بعض المالكية وهو قول عند الحنابلة مقابل المشهور، ورجحه ابن تيمية وابن القيم،
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
«الشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة ويوجب المضرة المرجوحة، كما قد عرف ذلك من أصول الشرع … مثل أن يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر، والمقترض له دراهم في ذلك البلد، وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيقترض منه في بلد دراهم المقرض، ويكتب له سفتجة -أي: ورقة- إلى بلد دراهم المقترض، فهذا يجوز في أصح قولي العلماء»[25].
وسبق أن بحثت هذه المسألة في كتابي «المعاملات المالية»، وذكرت أدلة جوازها[26].
والأول أصح.
فلو فرضنا أن بعض هذه الخدمات والمنافع متمحضة للمقرض، فليست كلها محرمة، بل نستطيع أن نقسمها إلى أقسام:
كمنح دفتر الشيكات، وبطاقات الصراف الآلي، أو تخصيص مواقف أو غرف لبعض أصحاب الحساب الجاري، فهذه جائزة، ولو روعي فيها مقدار الحساب الجاري؛ لأن هذه المنافع تستخدم لتيسير وسيلة الاقتراض فهي ليست منفصلة عن الحساب الجاري.
جاء في «المعايير الشرعية»:
«يجوز للمؤسسة بذل الخدمات التي تتعلق بالوفاء والاستيفاء لأصحاب الحسابات الجارية بمقابل أو بدون مقابل كدفاتر الشيكات، وبطاقات الصراف الآلي ونحوها، ولا مانع أن تميز المؤسسة بين أصحاب الحسابات الجارية فيما يتعلق بجانب الإيداع والسحب، كتخصيص غرف لاستقبال بعض الحسابات، أو أن تميزهم بنوع من الشيكات»[27].
من رسوم بطاقة الائتمان أو رسوم الحوالات، أو خطابات الضمان أو الاعتمادات المستندية ونحوها.
فهذه مختلف فيها، فهناك من منعها مطلقًا؛ لأنها منافع مالية للمقرض جرها له القرض فتكون ربا، ولا فرق بين فوات الكسب أو تقليله وبين أخذه كاملًا ورده للعميل على شكل هدايا نقدية أو عينية.
وهناك من فصل:
جاء في المعيار الشرعي الصادر من هيئة المحاسبة والمراجع:
«لا يجوز للمؤسسة أن تقدم لأصحاب الحسابات الجارية بسبب تلك الحسابات وحدها ميزات مالية لا تتعلق بالإيداع والسحب، ومن ذلك الإعفاء من رسوم بطاقات الائتمان، وصناديق الأمانات، ورسوم الحوالات، ورسوم خطابات الضمان والاعتمادات»[28].
فكان التحريم مقيَّدًا بأمرين:
- أن يكون الامتياز لا يتعلق بتسهيل الإيداع والسحب.
- وأن يكون سبب الامتياز الحساب الجاري وحده (أي القرض).
وذهب بعض أهل العلم إلى احتمال القول بـ الجواز في هذه الصورة معللًا هذا بتعليلين:
أن المزايا تختلف عن الهدايا، فالإهداء نفع محض للدائن وضرر محض على المدين، فيتوجه المنع منه، بخلاف المزايا من إعفاءات فهي لا تلحق بالبنك خسائر، وإنما تقلل من أرباحه.
بأنه لا فرق بين المزايا والهدايا؛ إذا كان الأمر سيؤول إلى توفير جزء من المال المدفوع، فهذا التوفير جزء من الفائدة على الدين، وهي منسوبة إلى مبالغ الحسابات الجارية، ومرتبطة بها، فلو أراد صاحب الحساب إغلاق حسابه لم يقدم له البنك شيئًا منها، وينبغي إغلاق مثل هذا الباب فإن التساهل فيه سيؤدي إلى القول بـ جواز الفوائد على القرض.
أن المنافع فيها متبادلة، فالمصرف عندما يعفي عميله من رسوم الاعتماد أو خطاب الضمان، أو بطاقة الائتمان، أو يخفض من تكلفة التمويل فلا يعني ذلك أنه متضرر من تقديم تلك الخدمة فهو يستفيد من أشياء أخرى غير تلك الرسوم، مثل العمولة التي يأخذها عند استخدام البطاقة في الشراء، وهامش الربح الذي يتقاضاه في التمويل أو في الاعتمادات وغير ذلك، فالإعفاء بمثابة التحفيز للعميل على الدخول في المعاملة ليكسب المصرف من جرائها عمولات أخرى تابعة لها غير الرسوم الابتدائية[29].
فإن كانت عوائد نقدية يمنحها البنك هبة لأصحاب الحسابات ويراعى فيها مقدار الحساب الجاري ومدة بقائه، فهذه محرمة؛ وكون هذه الهبات غير مشروطة لا يكفي لـ جوازها؛ لأن الهبات قبل سداد الدين بإغلاق الحساب لا تتجوز، وإنما الشارع تسامح في المكافأة عند سداد الدين، لا قبله، ولأن البنك إذا اعتاد منح مثل هذه الهبات أصبحت مشروطة عرفًا، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، فإن كان البنك صادقًا فليمنح هذه الهبات عند إغلاق العميل حسابه الجاري، وليس قبل ذلك.
وإن كانت هبات عينية، وروعي فيها مقدار الحساب الجاري، فهي في حكم العوائد النقدية، لا تجوز، إلا أن تكون من قبيل الهدايا التسويقة والدعائية كالتقاويم والحقائب والأقلام التي تحمل شعار المصرف فهذه جائزة؛ لأن الهدايا ليست متمحضة عن الدين، والفائدة فيها مشتركة للطرفين، والله أعلم[30].
هذا هو الدليل الأول للقول بأن وديعة الحساب الجاري قرض، وما ورد عليه من مناقشات، والجواب عنها، ونأتي للدليل الثاني.
روى الإمام البخاري في «صحيحه» في قصة دين الزبير …. أن الدين الذي كان عليه: أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: «لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة».
قال عبد الله بن الزبير:
فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف، ومائتي ألف، وبعد أن قام عبد الله بن الزبير بسداد دينه، وأراد عبد الله بن الزبير أن يقسم ميراثه، فكان له أربع نسوة، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف، ومائتا ألف[31].
هؤلاء الناس حين قصدوا الزبير بأموالهم أرادوا حفظ أموالهم عن طريق الإيداع، ولم يكن لهم هدف سواه، وطلب الزبير منهم أن يحقق لهم هذا المقصد لكن بطريق القرض؛ ليكون مضمونًا؛ لأن الوديعة إذا تلفت بلا تعد ولا تفريط لم يضمن المودَع.
فالغرض لا يقدم على وسيلة تحقيقه، فالعميل في الحساب الجاري يريد حفظ أمواله بطريق تمليك المصرف للمال وضمانه له، وهذه حقيقة القرض، كما أن الغرض من طلب السفتجة نقل المال بطريق القرض، فصارت قرضًا، وغرضه لا يجعلها حوالة.
كما يستفاد من أثر الزبير جواز إقراض الغني لا إرفاقًا به، ولكن لحظ المقرض لتحقيق مقصدين: حفظ المال، وضمانه، ومتى أراد المالك استرداد ماله تحقق له ذلك.
الأحكام القضائية المتعلقة بفض المنازعات الناتجة عن إفلاس بعض المصارف تنص على أن صاحب الحساب دائن للمصرف، وأنه في حال إفلاس البنك يكون أسوة الغرماء بدينه المتمثل في رصيد حسابه، ومن أشهر هذه الأحكام: القرار الصادر من مجلس اللوردات البريطاني، والذي قرر أن العلاقة بين البنك وصاحب الحساب هي علاقة دائن بمدين[32].
معظم قوانين الإفلاس في الدول العربية تنص على أنه عند إفلاس البنك يقدم أصحاب الودائع على أصحاب القروض في سداد التزاماتهم باعتبار أن هذه الحسابات وتلك الودائع هي في حكم المال الذي تحت تصرف صاحبه فهي أقوى في قدرة صاحبها على الوصول إليها من أصحاب القروض.
أن الحكم الصادر من القوانين الوضعية لا تلزم الفقيه، وكل حق في هذه القوانين فهو موجود في الفقه، وعلى فرض أن العجز طال أصحاب الودائع فهم أسوة الغرماء بما يفيد أنه دين، فتقديمهم على غيرهم كتقديم الدين الموثق برهن على غيره، وتقديم الدائن إذا وجد عين ماله، فلا يعني ذلك أن الدين وديعة.
القول بأن الحساب الجاري وديعة مخرج على مذهب المالكية، حيث يرون:
أنه يحرم على الوديع أن يستلف الوديعة إن كان فقيرًا، سواء أكانت الوديعة من القيميات أم من المثليات، وذلك لتضرر مالكها بعدم الوفاء نظرًا لإعدامه.
وأما إن كان موسرًا:
• فإن كانت الوديعة عرضًا قيميًا: فـ يحرم على الوديع اقتراضها؛ لانعدام المثل هنا.
• وإن كانت الوديعة مثلية: فإن كانت نقودًا فـ يكره على الوديع اقتراضها؛ لأن المثل هنا يقوم مقام العين.
وعلل بعض المالكية عدم التحريم بتعليلات منها:
- أن المودِع قد ترك الانتفاع بها مع القدرة عليه فجاز للمودَع الانتفاع بها، ويجري ذلك مجرى الانتفاع بظل حائطه، وضوء سراجه.
- أن المودَع لم يبطل على المودِع غرضه؛ لأنه إنما أمر بحفظها، وهذا حاصل.
- أن الدراهم لا تتعين بالتعيين، ولذلك كان للمودَع أن يرد مثلها، ويتمسك بها مع بقاء عينها[33].
وإن كانت الوديعة المثلية ليست نقودًا، فإن كانت مما يكثر اختلافه، ولا يتحصل أمثاله، فـ يحرم اقتراضها كالقيميات، وإلا فـ يجوز تسلفها كالدراهم والدنانير في ظاهر «المدونة»[34].
الوجه الأول:
الاحتجاج بقول المالكية ليس في موضع النزاع، فالخلاف بين الجمهور والمالكية في الحكم التكليفي في استقراض الوديعة دون إذن صاحبها، فمنعه الجمهور، وكرهه المالكية بالشروط السابقة، ومنهم من أجازه، ونحن لا نحرم على البنك أن يستقرض ما سلمه إليه العميل؛ لأن صاحبه إن لم يأذن في التصرف لفظًا فقد أذن بحكم العرف، والشرط العرفي كالشرط اللفظي.
وأما التكييف الفقهي للوديعة إذا تملكها المودَع فلا يختلف المالكية مع الجمهور أن الوديعة تحولت من وديعة إلى قرض، ولم تبق وديعة، وأنتم إنما تريدون أن تحتجوا بأن مسمى الوديعة ما زال باقيًا مع استقراض المودَع، وأن استقراض المودع عندكم لا يحولها إلى قرض، وهذا لا يتفق مع مذهب المالكية، فلا يسوغ لكم الاحتجاج بمذهب المالكية.
قال أبو الوليد الباجي:
«اختلف قول مالك في جواز السلف من الوديعة بغير إذن المودع»…[35].
فقوله: (في جواز السلف من الوديعة) فهو يتكلم عن حكم الاقتراض من الوديعة بغير إذن المالك، ولا يقول: إن الوديعة تبقى وديعة حتى ولو تملكها المودَع.
الوجه الثاني:
أن الخلاف في كون الدراهم لا تتعين بالتعيين إنما جري في باب المعاوضات فقال الحنفية والمالكية: إن الدراهم لا تتعين بالتعيين، وهو رواية في مذهب الحنابلة.
وقال الشافعية والحنابلة: النقود تتعين بالتعيين.
أما في باب الوديعة فلا يختلف الأئمة الأربعة أن الرد متعلق بعين الوديعة، وليس في ذمة المودَع؛ لأمور منها:
- أن العقد في الوديعة عقد على حفظ المال، فالإيداع توكيل في الحفظ، لا في التملك، فقد عرف الحنفية الوديعة: ما يترك عند الأمين للحفظ فقط[36].
فقوله: (للحفظ فقط) إشارة إلى أنه لا حظ للمودَع في الوديعة، فخرج بهذا القيد العارية؛ لأنها تترك للحفظ والانتفاع، وخرج بهذا القيد القرض؛ لأنه عقد تمليك، ويرد مثله، وخرج بذلك أيضًا الإيصاء والوكالة؛ لأنهما يرادان للحفظ والتصرف.
وعرف المالكية الوديعة بقولهم: مال موكل على حفظه[37].
ولأن الرد في الوديعة متعلق بعين الشيء؛ فليس فيه ثمن ولا مثمن.
ولأن الوديعة لو تلفت بدون تعد ولا تفريط لم يضمن المودَع، ولو كانت الوديعة متعلقة بذمة المودَع لضمن.
فلا يجري في الوديعة الخلاف الذي يجري في المعاوضات، هل تتعين الدراهم بالتعيين أو لا تتعين.
توصيف العقود يكون بحسب إرادة أصحابها، فالعقد لا يتجاوز به نية المتعاقدين؛ لأن شرط العقد هو الرضا، ولم يتراضيا إلا على ما نوياه، حتى لو وقع العاقد في غلط في اللفظ لم يقدم اللفظ على نية العاقد، والعميل غرضه وقصده من الحساب الجاري حفظ ماله، وتيسير الوصول إليه عند الحاجة إليه، ولم يقصد القرض، والأصل في القرض الإرفاق، فإلزام المودع بالقرض وهو لم يقصده لا يصح شرعًا.
والعادة أن القرض يطلبه المقترض من المقرض، بينما في الحساب الجاري تجد صاحب المال يطلب بنفسه فتح الحساب، وهو أحرص من البنك على إيداع ماله، وكل ما سقط في يده مال سارع إلى إيداعه، والمال في الوديعة المصرفية تحت الطلب؛ ليسحب منه العميل متى شاء. وهذا كل ما يطلبه العميل في الوديعة الحقيقية، بخلاف القرض فإن صاحبه لا يرغب في إقراضه لأحد حتى ولو كانت الدولة هي جهة الاقتراض، فضلًا أن يسعى بنفسه لإقراض ماله، وإذا أقرضه لأحد كان أشد حرصًا على استرداده في أسرع وقت.
وإذا كان البنك قد اعتاد أن يتصرف فيها بحسب مجرى العادة فإن هذا التصرف المنفرد من البنك لا يمكن أن يحسب على المودِع ولا على إرادته، فتفسر بأنها قرض وإرادته لم تتوجه أبدًا إلى الإقراض.
كما أن البنك لم يتسلم هذه الوديعة على أنها قرض، بدليل أنه يتقاضى أحيانًا أجرة (عمولة) على حفظ الوديعة تحت الطلب، والتزام البنك برد الوديعة متى شاء المالك يعني ذلك تقييدًا لحرية البنك في استخدامها، بعكس الوديعة لأجل والتي يدفع عليها فائدة، وحين يتصرف البنك في الوديعة إنما يفعل ذلك من موقف انتهازي، لا يستند إلى مركز قانوني، كمركز المقترض.
حرص العميل على إقراض البنك راجع إلى وجود التسهيلات في استرداد القرض سواء عبر المصرف الالكتروني، أو البطاقة المصرفية أو الشيكات واستقبال الحوالات، وإمكانية استخدام الحساب أداة للوفاء بحيث يسدد العميل جميع التزاماته من سداد فواتيره، ودفع رواتب عماله، وثمن مشترياته، وأجرة ركوبه، ومسكنه، ويغني ذلك عن توثيق مثل هذه العقود والإشهاد عليها؛ لأن الدفع موثق وكل ذلك متيسر في الإقامة والسفر، والنهار والليل، وهو في قعر بيته، إلخ الخدمات المصرفية بخلاف إقراض غير البنك، فهذه التسهيلات هي التي تجعل العميل حريصًا على إقراض البنك، وهي وحدها لا تجعل من القرض وديعة.
وأما القول بأن العميل لم يقصد إلا حفظ المال:
فلا تنافي بين إرادة حفظ المال وبين الإقراض، بل القرض في حفظ المال أقوى من الوديعة؛ لأن القرض مضمون في كل حال ولا يُؤْخَذ عوضٌ على ضمانه، والوديعة ليست مضمونة، إلا في حال التعدي والتفريض، ويؤخذ عوض على حفظها غالبًا.
وعلى فرض أن إرادة البنك والمودع لم تتوجه للقرض، فقد أجبت عنه فيما سبق، وأن ذلك لا يؤثر؛ لأن عامة المودعين لا يعرفون الفرق بين الوديعة والقرض، والمهم هو الآثار المترتبة على الإيداع.
والقول بأن المودع لم يأذن للبنك بالتصرف فيها:
هذا مخالف للواقع، فالإذن تارة يكون منصوصًا عليه في بنود فتح الحساب، وتارة يكون بحكم العرف، والمعروف عرفًا كالمشروط نصًّا.
والقول بأن البنك يأخذ أجرة على الوديعة:
هذا غير صحيح، فالأجرة التي يأخذها إنما يأخذها مقابل بعض الخدمات، مثل طبع دفتر الشيكات، وبطاقة الصرف الآلي ونحوهما.
ولو فرضنا أن الغرض من الحساب الجاري حفظ المال، فإن ذلك لا يلغي أنه استخدم القرض لتحقيق ذلك، كالسفتجة، فإن الغرض منها نقل المال فلما استخدم القرض لتحقيق ذلك اعتبرت قرضًا في قول أكثر أهل العلم.
القرض يعد من الديون، وقد وقع خلاف في زكاة الديون؛ لأن ملك الدائن ليس ملكًا تامًا، وقد سبق لنا بحثه.
فمنهم من قال: لا زكاة فيه.
ومنهم من قال: لا يُزكى حتى يقبض.
على خلاف هل يزكيه لما مضى من السنوات، أو يزكيه لسنة واحدة.
ومنهم من قال: يزكيه كل عام إذا كان على مليء.
فهذا الخلاف لا يمكن تنزيله على الحساب الجاري، فلا أعلم أن أحدًا من أهل العلم من المعاصرين قال: لا زكاة في الحساب الجاري، أو قال: لا يزكى حتى يقبض، أو يزكى لسنة واحدة وإن مضى عليه سنوات، بل كلهم يقولون: يزكى كل عام، وعلى هذا لا يصح توصيف الحساب الجاري بأنه قرض.
خروج القرض في الحساب الجاري من ناحية الزكاة عن حكم سائر القروض:
هل هو راجع إلى أنه ليس بقرض؟
أو راجع إلى أن الحساب الجاري لما كان تحت تصرف المودع، واسترداده يتم بإرادة منفردة من المودِع، ولا يشترط له موافقة خطية من البنك وهو مال متحرك في الساعة وفاء واستيفاء جعله في حكم المقبوض، فلم يعط في الزكاة حكم القروض، وإنما أعطي حكم زكاة المال الذي في يد المالك؟
الظاهر الثاني.
ولو فرضنا أن أحد فروع المسألة خرج عن أصلها لمعنى فهذا لا يهدم الأصل، كالحوالة عند بعض أهل العلم مستثناة من بيع الدين بالدين، والظئر مستثنى من بيع اللبن في الضرع؛ ووجود الجهالة لم تمنع من صحته؛ لاختلاف الأطفال في مقدار الشرب، واختلاف المرضعات في كثرة الحليب وقلته، وقد تزيد حاجة الطفل إلى الرضاع وقد تنقص تبعًا لصحته ومرضه، وقد يجوز بيع المعدوم للحاجة، أصله بيع المنافع، وكان القياس فساده، فلا يعترض على المسألة بخروج فرع من فروعها عن أصله لمعنى اقتضى خروجه، والله أعلم.
قد يتصرف العميل بحسابه فيرهنه لصالح طرف آخر، وهذا دليل على أنه لم يخرج من ملكه؛ إذ لا يتصور الإنسان أن يرهن ملك غيره بغير إذنه[38].
بأن رهنه إياه حكم باسترداد الوديعة من البنك؛ لأن الرهن سيمنع كلًا من الراهن والبنك من التصرف في الحساب، ويبقى مجمدًا لصالح المرتهن، فخرج ما في الحساب الجاري من ذمة البنك.
توصيف الحساب الجاري بأنه وديعة يحل إشكالات كثيرة، ويرفع الحرج عن ناحية الامتيازات التي يمنحها المصرف للعميل؛ بينما إذا وصفنا الحساب الجاري بأنه قرض وقعنا في إشكال: كون القرض قد يجرُّ نفعًا.
حل الإشكال ليس متوقفًا على مجرد دعوى التوصيف، بل على حقيقته، فيلزم من توصيف الحساب الجاري بأنه وديعة:
أن يكون البنك لا يتملك الوديعة، ولا يتصرف فيها، ولا يضمنها إلا بالتعدي أو بالتفريط، ولو قيل للعميل: إن البنك لا يضمن الوديعة، لم يقبل.
ولو اشترط العميل على البنك عدم التصرف في مال العميل لم يقبل البنك أيضًا.
فحق البنك في التصرف في مال العميل مشروط في العقد ابتداء، وهذا يعني أن العميل قَبلِ أن يكون العقد قرضًا من ابتداء العقد، وليس بعد تصرف البنك في مال العميل.
تصرف المصرف في الوديعة كان بإذن المالك عرفًا، وهذا لا يخرج الوديعة عن معناها، وهو طلب الحفظ مع وجوب رد مثلها متى طلب المالك.
بأن الكلام في التصرف إذا كان قائمًا على الإذن، وإلا كان ذلك خيانة وغصبًا، فالوديعة ليست من عقود التمليك، فإذا امتلكها المودَع بإذن ربها كان ذلك إذنًا باقتراضها.
ولذلك القوانين الوضعية في كثير من البلاد العربية نصت على اعتبار الحسابات الجارية قروضًا يقدمها أصحابها إلى المصارف.
الحساب الجاري مرتبط بعقد فتح حساب للعميل، وفتح الحساب ليس مجرد عقد وديعة نقود لصالح البنك، بل يدخل فيه عمليات حسابية مختلفة بين المصرف وبين العميل قبضًا ودفعًا، سواء أكان ذلك مباشرة أم كان نقلًا مصرفيًا، أم كان ذلك مبالغ يقبضها البنك لحساب عميله، كقيمة إسناد، أو تحصيل شيكات، أو عائدات أسهم مالية يفوض العميل فيها المصرف في استحصالها، أم كان ذلك عبارة عن ودائع مشتقة (ائتمانية) أنشأتها المصارف من أجل إقراض عملائها، أم كان ذلك عن طريق منحهم ائتمانًا على شكل وديعة، أو حسابًا جاريًا يقيد باسمهم، ويكون من حقهم السحب عليه بشيكات تمامًا كما لو كانوا أودعوا لدى المصرف نقودًا، فالحساب الجاري عقود مركبة وكثير منها مستحدث لا يمكن تنزيله على العقود المسماة ولا يصح حصرها في القرض فقط، فهي علاقة خدمية تتكون من حقوق والتزامات تكون بمجموعها منظومة عقدية فلا تأخذ حكم القرض، ولا الوديعة، ولا الوكالة، وإنما غرض العاقدين فيها: حفظ الأموال وتيسير التعاملات، وليس لها أصل تقاس عليه، والإسلام لم يحد المعاملات المالية بحد معين، وإنما ترك للناس حق التطوير والتجديد وإحداث المعاملات والعقود والشروط الجديدة فالمعاملات المالية هي حاجة إنسانية تحقق الرفاه والنمو الاقتصادي للإنسان وفق القواعد والضوابط الشرعية وأن التدخل الشرعي فيها إنما جاء ليحقق العدل، ويمنع الظلم، والاحتكار، والاستغلال، حيث لا غرر، ولا جهالة، ولا ربا، ولا إكراه، فالأصل في المعاملات في النظام الإسلامي الحل والصحة، فالحلال محدود، وليس معدودًا، والحرام دائرته ضيقة جدًا، ولا يحرم شيء منه إلا لأمر ظاهر معقول المعنى.
إن كان إطلاق هذه التسمية (عقد غير مسمى) بالنسبة إلى مجموعة هذه العمليات مجتمعة فلا إشكال في هذا، فهذه العقود المركبة بهذه الصورة لم يكن لها وجود في العقود المسماة، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وإن كان إطلاق هذه التسمية على مفردات هذه العقود فهذه العقود كل واحد منها له مسمى فقهي قديم، فالعميل حين يدفع ماله للبنك إما أن يوصف هذا الفعل على أنه من عقود التمليك، بحيث يمتلك فيه المصرف المبلغ من العميل، ويرد مثله مع تعهده بضمان المال، وهذا العقد لا يمكن أن يوصف إلا على أنه قرض، وهذا هو أس الحساب الجاري.
أو يحمل الحساب الجاري على أنه عقد إجارة للنقود، مقابل الانتفاع بخدمات الحساب الجاري، فهذا التوصيف لا يصح؛ لأن شرط صحة الإجارة أن تكون العين المستأجرة يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وهذا غير متحقق في إجارة النقود للبنك لأنه لا يمكن له أن ينتفع بها إلا باستهلاكها، لهذا ذهب أكثر العلماء إلى تحريم إجارة النقود، والذين أجازوا إجارتها أجازوها لمنفعة التزين بها أو معايرة الوزن بها حين كانت النقود من الدنانير والدراهم: أي من الذهب والفضة، ولهذا نستطيع أن نقول: كل شيء لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه فإن إعارته أو إجارته تجعله قرضًا مضمونًا، ولا عبرة لمسمى الإعارة والإجارة.
فتبين أن الحساب الجاري بهذا التوصيف: أنه قرض.
وأما المعاملات التي يفوض فيه العميل البنك بالقيام نيابة عنه بتحصيل الشيكات، وقبض ودفع الحوالات، وتسديد الفواتير، ودفع المستحقات، فهذا ملحق بعقد الوكالة، وهذه العقود ليست شرطًا في فتح الحساب الجاري، ولا تدخل في ماهيته فلا تدخل في توصيفه؛ لأنها عقود مضافة بحسب حاجة العميل، فقد يحتاجها وقد لا يحتاجها، وإذا وجد شيء من المعاملات المضافة ما يدعو إلى تحريمه حرم وحده، ولم يعد ذلك بالتحريم على باقي التعاملات المباحة إلا أن تكون مشروطة فيه، وهذا ما لا يوجد.
إن الهروب من توصيف الحساب الجاري بالقرض إلى المعاوضة سيزيد الأمور تعقيدًا، وسيؤول إلى تحريم الحساب الجاري، وهو خلاف ما عليه العمل عند عامة العلماء.
كيف ينسجم هذا التوصيف، مع وجود الغرر الفاحش في العوضين؟
فمن شروط المعاوضة العلم بالعوضين، فإذا كانت هذه الخدمات التي يقدمها البنك ستكون مقابل الانتفاع بمبلغ الإيداع فإن ذلك يعني اشتراط معرفة المبلغ المودع ومدة الإيداع حتى يكون الثمن معلومًا، ومدة انتفاع البنك معلومة، وهذا يخالف طبيعة الحساب الجاري فلا هناك شرط في تقدير مبلغ الإيداع ولا هناك أي قيود على السحب من الرصيد، مع كامل التزام البنك بتقديم كثير من خدماته، وقد يحدث البنك خدمات جديدة يدرجها في خدماته لعملائه دون تجدد مقابل لهذا الخدمات غالبًا، والله أعلم.
أن الأصل في الحساب الجاري أنه قرض يكون المودع فيه مقرضًا، والبنك مقترضًا، وما يلحق به من عقود فهي عقود مضافة بحسب حاجة العميل، وليست شرطًا في فتح الحساب الجاري، ولا تدخل في ماهيته فلا تدخل في توصيفه؛ وقد يحتاجها العميل وقد لا يحتاجها، وإذا وجد شيء من المعاملات المضافة ما يدعو إلى تحريمه حرم وحده، ولم يعد ذلك بالتحريم على باقي التعاملات المباحة إلا أن تكون مشروطة فيه، والله أعلم.
«الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية، أو البنوك الربوية هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المتسلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها، وهو ملزم شرعًا بالرد عند الطلب، ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك المقترض مليئًا» ……
والأستاذ الدكتور رفيق بن يونس المصري، انظر «بحوث في المصارف الإسلامية» (ص:202).
والقاضي محمد تقي العثماني، انظر «مجلة مجمع الفقه الإسلامي»، العدد التاسع (1/ 802).
والدكتور سعود الثبيتي، انظر «مجلة مجمع الفقه الإسلامي»، العدد التاسع (1/ 838).
والشيخ عبد الله بن منيع، انظر «مجلة مجمع الفقه الإسلامي»، العدد التاسع (1/ 888).
«إن الحسابات الجارية أو الودائع تحت الطلب هي بمثابة قروض يقدمها المودعون للشركة، ولأن الشركة تتصرف بها، ثم هي ملزمة برد مثلها طبقًا لما اتفق عليه الطرفان عند الإيداع، وإن تسميتها حسابات جارية أو ودائع تحت الطلب هو اصطلاح مصرفي حديث لا يغير شيئًا من طبيعتها، وحقيقتها، حيث إن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني …. فلا بأس من الاستمرار بالمصطلح المتعارف عليه لدى المصارف، أي مصطلح الوديعة، ولكن يجب أن يعلم أن معناه بالنسبة إلى الودائع المصرفية هو الإقراض من المودع للبنك، وليس بمعنى الوديعة الفقهية التي تحفظ عيناً لصاحبها.»
«إن الودائع المقدمة للبنك بصورة حسابات تحت الطلب (حسابات جارية) تكون مضمونة بطبيعة المعاملة طالما أنها لا تشارك في الربح، وليست في رأس مال المضاربة، وإنما هي قروض مأذون للبنك في استعمالها، وردها عند الطلب.»
(أ) ودائع بدون تفويض بالاستثمار، وتأخذ صورة الحسابات الجارية، ودفاتر الادخار المعمول بها في النظم المصرفية المعاصرة، وهذه كلها تأخذ حكم الوديعة المعتمدة في الشريعة الإسلامية.
(ب) ودائع مع التفويض بالاستثمار: ويكون التفويض مقيدًا أو غير مقيد، وتأخذ هذه الودائع صورة عقد القراض الشرعي (المضاربة).
فجعل بنك دبي الإسلامي أن التفويض بالاستعمال يفيد (المضاربة) وعدم التفويض بالاستعمال يفيد حكم الوديعة في الشريعة الإسلامية.
انظر: «العقود الشرعية الحاكمة للمعاملات المالية المعاصرة» – عيسى عبده (ص:311)، «الودائع المصرفية» – حسن الأمين (ص: 234 – 233) وانظر «مجلة مجمع الفقه الإسلامي»، العدد التاسع (1/ 835).
وهو يتفق مع القانون المدني السوري في المادة (402)، والأردني في المادة (988)، والعراقي في المادة (971)، واليمني، المادة (952) لعام 2006.
فيه علتان:
أحدهما: في إسناده سوار بن مصعب، قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال أبو داود: ليس بثقة.
قال ابن عبد الهادي في «التنقيح» (4/ 108): هذا إسناد ساقط، وسوار هو ابن مصعب، وهو متروك الحديث.
وقال نحوه ابن الملقن في «البدر المنير» (6/ 621).
العلة الثانية: الانقطاع فيما بين عمارة وعلي رضي الله عنه.
وللحديث شواهد خرجتها في كتابي «المعاملات المالية أصالة ومعاصرة» (18/272).
جاء في «الفواكه الدواني» (2/ 89): «وأما اجتماع البيع والسلف من غير شرط فلا يمتنع على المعتمد، ولو أتهما عليه، خلافاً لما جرى عليه خليل في بيوع الآجال». وانظر «الخرشي» (5/81).
وفي «الشرح الكبير» (3/ 67): «وأما جمعهما من غير شرط فجائز على المعتمد». وقسم المالكية الصور إلى ثلاث:
الأولى: بيع وسلف بشرط، ولو بجريان العرف. وهذه لا تجوز بلا خلاف.
الثانية: بيع وسلف بلا شرط، لا صراحة، ولا حكماً، وهي جائزة على المعتمد في المذهب.
الثالثة: تهمة بيع وسلف، حيث يتكرر البيع. فهذه ممنوعة في المذهب. قال خليل: ومنع للتهمة ما كثر قصده كبيع وسلف. انظر: «حاشية ابن عابدين»، «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (3/ 104)، «منح الجليل» (5/ 77)، «المقنع» (ص: 157)، «المبدع» (4/40، 56)، «شرح منتهى الإرادات» (2/21، 31)، «كشاف القناع» (3/193)، «مطالب أولى النهى» (3/48، 73)، «الكافي» (2/33).
فحكى القاضي أبو محمد في معونته: أن ذلك مكروه.وقد روى أشهب عن مالك في العتبية أنه قال: ترك ذلك أحب إلي، وقد أجازه بعض الناس، فروجع في ذلك فقال: إن كان له مال فيه وفاء، وأشهد، فأرجو أن لا بأس به.
ووجه الكراهية:
ما احتج به القاضي أبو محمد: بأن صاحبها إنما دفعها إليه ليحفظها، لا لينتفع بها، ولا ليتصرف فيها فليس له أن يخرجها عما قبضها عليه.
وفي المدونة من رواية محمد بن يحيى، عن مالك: من استودع مالًا، أو بعث به معه، فلا أرى أن يتجر به، ولا أن يسلفه أحدًا، ولا يحركه عن حاله؛ لأني أخاف أن يفلس أو يموت فيتلف المال ويضيع أمانته.
ووجه الرواية الثانية:
أننا إذا قلنا: إن الدنانير والدراهم لا تتعين، فإنه لا مضرة في انتفاع المودَع بها إذا رد مثلها، وقد كان له أن يرد مثلها ويتمسك بها مع بقاء أعيانها». وانظر «منح الجليل» (7/ 10).

بحث جيد مفصل في هذه اللمسألة المعاصرة التي تهم كثير من الناس الذين هم في امس الحاجة الى معرفة الرأي الراجح فيها فجزى الله الشيخ أبا عمر دبيان الدبيان خير الجزاء وجعلها في موازينه ونفع الله بعلمه وجعله خالصاً لوجهه الكريم.