حكم استثمار أموال الزكاة من غير إذن المستحق[جديد]
📌 المدخل إلى المسألة
نقله النووي عن أصحابه من الشافعية.
وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الهندي، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث في البلاد السعودية، وقال به جماعة من العلماء المعاصرين، منهم: الدكتور بكر أبو زيد، والشيخ محمد تقي العثماني، والشيخ عبد الله بن منيع، والدكتور عمر الأشقر، والشيخ آدم شيخ عبد الله علي، والدكتور سعد الخثلان وغيرهم[1].
قال النووي: قال أصحابنا:
«لا يجوز للإمام ولا للساعي بيع شيء من مال الزكاة من غير ضرورة، بل يوصلها إلى المستحقين بأعيانها؛ لأن أهل الزكاة أهل رشد، لا ولاية عليهم فلم يجز بيع مالهم بغير إذنهم…» [2].
فإذا منع من مطلق البيع منع من الاستثمار؛ لأن البيع والشراء من لازمه.
وجاء في «الوسيط»:
«وليس للساعي بيع مال الزكاة لغرض التجارة»[3].
واختار هذا كل من عبد العزيز خياط، ومصطفى الزرقا، وعبد الفتاح أبو غدة، وعبد الستار أبو غدة، وحسن عبد الله الأمين[4].
على اختلاف بينهم في تقديرها، فاشترط بعضهم أن يكون ذلك من الحاكم أو من نائبه ممن له ولاية عامة، وبعضهم اشترط أن يكون ذلك بعد تلبية الحاجة الماسة الفورية للمستحقين، واشترط آخرون أن تستثمر أموال الزكاة في مشاريع قابلة للتنضيض عند الحاجة.
من أولئك مجمع الفقه الإسلامي بجدة، والندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة بالكويت، ومؤسسة بيت الزكاة بالكويت، وجمع من العلماء منهم: تيجاني صابون محمد، ومحمد عبد اللطيف الفرفور، ومحمد عثمان شبير، ومحمد بن سليمان الأشقر وغيرهم[5].
وقال به الشيخ عبد الله بن بيه[6].
وألحق بعض العلماء المعاصرين بهذا السهم: الأصناف المبدوءة بـ(في) وفي الرقاب والغارمين، وفي الرقاب وابن السبيل؛ لكون هذه الأصناف لا يشترط تمليكهم بخلاف الأصناف المبدوءة باللام كالفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم[7].
تفرد بهذا القول الدكتور حسين حامد حسان.
وهو قول في غاية الشذوذ[8].
وبه قال الدكتور عبد السلام العبادي[9].
وهذا القول لا يعد من جملة الأقوال في المسألة؛ لأن البحث في استثمار أموال الزكاة للنماء، وليس لدفع خدمات بأموال الزكاة فيعد ذلك من دفع قيمة الزكاة، كدفع العلاج وأجرة الطبيب، والإيواء ونحوها من الزكاة.
فتلخص الخلاف إلى الأقوال التالية:
- يجوز الاستثمار مطلقًا.
- لا يجوز مطلقًا.
- يجوز من السلطان أو من نائبه، ولا يجوز من غيرهما.
- يجوز الاستثمار من المال المخصص في سبيل الله.
الزكاة عبادة، وركن من أركان الإسلام، وقد تلقينا من الشارع الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومقدارها، وبيان المستحقين لها، وصفة دفعها، ولقد كانت التجارة والزراعة والصناعة هي عمل الناس في القرون المفضلة، ولم يكن الاعتماد في طلب الرزق على الوظائف الحكومية كما هو موجود الآن، ومع ذلك لم يوجد في العصور المتقدمة التوجه لاستثمار أموال الزكاة، ولا يوجد في النصوص ما يدعم هذا التوجه، ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾؛ وكل فعل كان بالإمكان فعله زمن التشريع فلم يفعل، ولم يمنع من فعله مانع فالسنة تركه؛ لأن الأصل في العبادات الحظر، ولأن إحداث صفة في دفعها لا تعرف في الشرع استدراك عليه، فمثله لا يجوز، والشارع أمرنا بدفعها إلى الفقير إذا وجبت، فإذا فعل الغني ذلك فقد برئت ذمته بالاتفاق، وحبس الزكاة لأجل الاستثمار قد اختلف الناس في صحة هذا العمل، وكون المسلم يعمل عملًا يتفق الجميع على صحته أولى من الذهاب إلى عمل مختلف فيه، فلا يترك اليقين مع إمكانه إلى العمل بالظن، وإذا احتيج إلى إنشاء مشاريع وقفية على الفقراء يمكن سد مثل هذا الباب من التبرعات والأوقاف الخيرية.
كل دليل استدلوا به على أن الأمر المطلق يقتضي الامتثال فورًا، استدلوا به على منع الاستثمار؛ لأن الأمر بإخراج الزكاة إما أمر مطلق، ومقتضاه الفورية.
وإما لأن المقصد الشرعي من الزكاة سدُّ حاجة الفقير، واستثمار مال الزكاة يؤدي ذلك إلى تأخير دفع الزكاة، والإخلال بهذا المقصد الشرعي.
وقد ذكرت أدلة دلالة الأمر المطلق في المسألة السابقة فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
الوجه الأول: أن الأمر المطلق متنازع في دلالته، أيقتضي الفورية أم لا؟ ولا يحسن أن يحتج على المخالف بما لم يلتزمه.
الوجه الثاني: أن الغني إذا دفع زكاته إلى السلطان أو نائبه، فقد أخرج الزكاة فورًا؛ لأن قبض الإمام أو نائبه للزكاة بمنزلة قبض الفقير؛ لأنه ولي عنهما (الفقير والغني) ويد الولي تنوب عن يد الفقير.
ولذلك كان النبي ﷺ يجتمع عنده إبل الصدقة، وربما حمى لها حمى ترعى فيه، وربما وسم إبل الصدقة؛ لتأخرها عنده عليه الصلاة والسلام، فلم يكن يخرجها فور قبضها.
فقد روى الشيخان من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله ابن أبي طلحة ليحنكه، فوافيته في يده الميسم، يسم إبل الصدقة». هذا لفظ البخاري. ومسلم بنحوه[10].
قال ابن حجر:
«فيه جواز تأخير القسمة؛ لأنها لو عجلت لاستغنى عن الوسم»[11].
وقد يتعذَّر صرفُ الزكاة فورًا في بعض الأحيان، للحاجة إلى التوثق من حاجة الفقير، لأن الفقر والملاءة صفة خفية، وهذه الإجراءات قد تأخذ وقتًا ليس باليسير، وليس من المصلحة تعطيل الملايين من أموال الزكاة مع إمكانية استثمارها بطرق مأمونة، مع القدرة على تنضيض المال أي: تحويله إلى نقود متى احتيج إلى ذلك.
تأخير الصدقة إذا اقتضته طبيعة العمل لا يعد تأخيرًا؛ فمنها ما هو مرصود لحاجة الجهاد، ومنها ما هو مرصود لحاجة من ينقطع به السبيل من المسافرين، ومنها ما يتعلق بعتق الرقاب، ومنها ما يتعلق بالغارمين، وهذه مصالح متعددة، وأصحابها متفرقون في الأرض، وحاجاتهم متجددة على طيلة العام، حتى إذا قام جهاد، أو تقدم غارم وجد في بيت المال ما يقضي حاجته من الزكاة، وليس الحق لفقراء المدينة فقط حتى يتصور أنه متى ما قبضها النبي ﷺ فرقها عليهم في الحال.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالوسم له مصالح أخرى من ذلك حتى لا تختلط بغيرها من الأموال العامة، لاختلاف مصارفها، ولو قدر أنها ضلت ردها من وجدها، ولا يلتقطها، ولو عرضها المستحق للبيع تنزَّه صاحبها عن شرائها، لئلا يكون عائدًا في صدقته؛ لأنها شيء أخرجه لله عز وجل، فلا يعود فيه بحال، كما ترك المهاجرون نزول مساكنهم بمكة بعد الفتح؛ لأنهم كانوا تركوها لله عز وجل، فلم يعودوا فيها حين وصلت أيديهم إليها.
فالتأخير إذا اقتضته طبيعة العمل لا بأس به ويختلف عن حبس المال عن المستحقين لاستثماره، فهذا تأخير طويل مضر بأهله.
أن يد السلطان أو نائبه على الزكاة يد أمانة، والأمين مسلط على حفظ المال، وإيصاله إلى أهله، لقوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]، ولا يحق للأمين التصرف في الأمانة بلا إذن من أصحابها، وإذا تصرف فهو معتدٍ، والاعتداء يوجب الإثم والضمان.
وإذا كان الوالي نائبًا عن الفقير فهو نائب عنه في قبض الصدقة، وليس له الحق في التصرف في مال الزكاة بخلاف يده على المال العام؛ فإن له ولاية النظر بالأصلح في صرف المال.
والفقهاء متفقون على أنه ليس للوكيل أن يتجاوز حدود ما وكل به، فإذا كان الوكيل موكلًا بقبض المال فليس للوكيل أن يتصرف فيه من غير إذن الموكل كأن يتجر له فيه، أو يخلط هذا المال مع غيره من أموال الناس، فإن فعل بغير إذن من صاحب الحق فقد ضمن، والولي مثله.
بأن تصرف الوالي الأمين يختلف عن تصرف الأجنبي الأمين، وعقد الولاية يختلف عن عقد الوكالة.
فهذا مال اليتيم في يد الولي أو الوصي أمانة، وله أن يتجر فيه لحظ اليتيم، وقد سبق بحث هذه المسألة، وبيان أن الصحابة لم يختلفوا في جواز الاتجار بمال اليتيم.
بأن قياس ولي الفقير على ولي اليتيم قياس مع الفارق، وسوف يأتي الجواب عن هذا القياس في الأدلة اللاحقة إن شاء الله تعالى.
أن استثمار أموال الزكاة يعرض المال للمخاطر التي قد تذهب به جملة أو تذهب بكثير منه، فتضيع أموال المستحقين.
إذا لم تمنع هذه المخاطر ولي اليتيم من الاتجار بماله لم تمنع الولي العام من باب أولى، وكون الاستثمار جائزًا لا يعني إباحة تعريض المال للمخاطر، فلا يجوز أن يستثمره في أسواق عالية الخطورة، كالأسواق المالية وما يحدث فيها من مضاربات وهمية غير حقيقية قد تذهب بجملة المال من مجرد بعض الأخبار، بل يستثمره في أصول مستقرة، حتى إذا خسر في صفقة أمكن تعويضها.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ [التوبة: 60].
أن اللام في قوله: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ ﴾ للتمليك، وكذلك ما عطف عليه من المساكين والعاملين والمؤلفة قلوبهم، وإذا كانت الزكاة حقًّا لهم، فالتصرف في ملك غيره يحتاج إلى تفويض من صاحب الحق، ولا يصح التفويض إلا بعد ثبوت الملك للفقير، ولا يثبت الملك إلا بأحد أمرين: إما بالقبض الحقيقي، وإما بالقبض الحكمي، وذلك بفرز مال الزكاة عن ماله، وتعيينها، وتعيين المستحق، فكل تصرف قبل القبض بأحد قسميه والتفويض يكون تصرفًا في مال غيره بلا تفويض فيبطل.
الوجه الأول: أن اللام في قوله: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ﴾ فيه خلاف، هل هي للتمليك أو لبيان اختصاص الحكم بالأصناف الثمانية؟
فـ الحنفية والمالكية يرون أن اللام ليست للتمليك خلافًا لـ الشافعية والحنابلة[12].
وعلى التسليم بأنها للتمليك، فوصول المال إلى الولي، وهو نائب عن الفقير، يعد بمنزلة وصولها للفقير؛ لأن يد الولي بمنزلة يد الفقير، ولذلك لو تعدى الولي فهلكت الزكاة بيده لم يضمن الغني، كيد الوكيل تقوم مقام يد الموكل.
بأن وصولها إلى الولي وهو نائب عن الفقير لحفظها وردها إلى أهلها، وليس للتصرف فيها واستثمارها بلا تفويض من أهلها.
بأن التصرف في مال غيره إما أن يكون من باب التعدي فيبطل، وإما أن يكون لمصلحة المالك، فينظر.
فإن كان تصرفًا لا عن ولاية ولا تفويض، كان تصرفه فضوليًا، وهو موقوف على إجازة المالك على الصحيح.
وإن كان تصرفًا بموجب الولاية، فالولي لم يأته نهي من الشارع عن التصرف فيما تحت يده من مال، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [الإسراء: 34]
فإذا تصرف من له الولاية بالتي هي أحسن كان تصرفه صحيحًا، وإذا كان هذا في ولي اليتيم فالولي العام إن لم يكن أولى منه فهو مثله بصحة التصرف.
روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب العبدي، قال: قال عمر: «إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيت منه استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف».
[صحيح].
فإذا استثمر الولي مال الزكاة بالتي هي أحسن، صح منه، وموجب عقد الولاية: هو تفويض عام بالتصرف عن الأمة، والفقراء جزء من الأمة، وهم جهة، لا يمكن أخذ التفويض منهم كلهم تفويضًا خاصًا بالزكاة، ولا يستقل بالتفويض آحادهم، فاستغنى بالتفويض بعقد الولاية العامة عن التفويض الخاص.
بأن قياس استثمار الولي مال الزكاة على جواز استثمار الولي أو الوصي مال اليتيم قياس مع الفارق من خمسة وجوه:
أحدها: أن مال الزكاة واجب الدفع إلى المستحق على الفور على الصحيح، بخلاف مال اليتيم فلا يدفع إليه ماله حتى يبلغ، ويؤنس منه الرشد، فكان استثماره حتى لا تأكله الصدقة، والنفقة عليه.
الثاني: أن الفقير لا حجر عليه، بخلاف اليتيم، فإنه محجور عليه.
الثالث: أن استثمار مال اليتيم خاص بالمال الفائض عن الحاجة الأصلية، بخلاف أموال الزكاة فهي لا تفي بحاجة الفقراء.
الرابع: أن استثمار أموال الزكاة لو كان مشروعًا لأمكن ذلك في العصور المتقدمة، فإن الاستثمار كان ممكناً، والحاجة قائمة، فلما وجد استثمار أموال اليتيم على عهد الصحابة، ولم يوجد استثمار أموال الزكاة دل على وجود الفرق بينهما في الحكم.
الخامس: أن التفويض الخاص لم يتعذر حتى يستغنى عنه بالتفويض العام؛ فالزكاة إذا كانت تصرف لآحاد الفقراء، فإذا تم تعيينهم أمكن أخذ التفويض منهم بعد تعيين الزكاة، ويكون هذا بمنزلة القبض للزكاة، وحتى تؤول ملكية هذا الاستثمار إلى أناس مخصوصين كما أن تعيين المبيع بمنزلة قبضه فيجوز للمشتري أن يتصرف فيه ولو لم يقبضه، وعليه ضمانه، فلو تلف عند البائع بلا تعد ولا تفريط تلف على حساب المشتري، بخلاف المبيع إذا لم يتعين كما لو كان فيه حق توفية من كيل أو وزن أو ذرع أو عد فلا يجوز التصرف فيه؛ لاختلاطه بمال البائع على وجه لا يتميز، ولو تلف كان من مال البائع، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، وهو الصحيح، فكذلك الشأن في تعيين الزكاة وتعيين المستحق يقوم مقام القبض.
الوجه الثاني في الجواب عن اشتراط التمليك: أن التمليك الفردي يمكن أن يكون ملكًا مشاعًا، بحيث يكون لكل واحد من المستحقين نسبة معلومة مشاعة في هذا المشروع، والشيوع لا ينافي الملكية، ويكون تملكه لجزء من المشروع من باب دفع قيمة الزكاة بدلًا من دفع الزكاة.
الشيوع لا ينافي الملكية هذا صحيح، ولكن من شرط صحة التفويض بالتصرف الملكية، وهو لا يتم إلا بأمرين:
أحدهما: القبض، والمشاع يمكن قبضه.
الثاني: تعيين المستحق؛ ليصح التفويض.
الوجه الثالث في الجواب عن اشتراط التمليك: أن الشافعية في أصح الوجهين أجازوا تصرف الوالي بسهم المجاهدين بلا إذن من الغازي.
قال النووي: «فلو أراد الإمام أن يشتري ذلك بمال الزكاة ويسلمه إلى الغازي بغير إذنه هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، بل يتعين تسليم مال الزكاة إلى الغازي أو إذنه، وبه قطع جماعة من العراقيين، وهو ظاهر عبارة آخرين منهم.
وأصحهما: يجوز، وهو الذي صححه الخراسانيون وتابعهم الرافعي على تصحيحه، وقطع به جماعة منهم.
قال الخراسانيون: الإمام بالخيار إن شاء سلم الفرس والسلاح والآلات إلى الغازي أو ثمن ذلك تمليكًا له فيملكه، وإن شاء استأجر ذلك له، وإن شاء اشترى من سهم سبيل الله سبحانه وتعالى أفراسًا وآلات الحرب وجعلها وقفًا في سبيل الله، ويعطيهم عند الحاجة ما يحتاجون إليه ثم يردونه إذا انقضت حاجتهم وتختلف المصلحة في ذلك بحسب قلة المال وكثرته»[13].
فانظر: كيف ذهب الشافعية في أصح الوجهين إلى صحة وقف السلطان مال الزكاة بلا إذن من أصحاب الزكاة بحسب المصلحة.
الجواب الأول: أن قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ نكرة مضافة فتعم، فتشمل الدفع للجهاد كما تشمل الدفع للمجاهد، ولو قال: (وفي المجاهدين) كما قال: ﴿ وَفِي الْغَارِمِينَ ﴾ لَتعيَّن الدفع للمجاهد نفسه، فلما قال: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ عمَّ ذلك كل نفقات الجهاد تمليكًا أو وقفًا.
الجواب الثاني: أن قول الشافعية لم يتوجه إلى استثمار مال الغازي بيعًا وشراء وإنماء، حتى يستفاد من قول الشافعية جواز الاستثمار في هذا السهم؛ ليقاس عليه بقية الأسهم، وإنما قالوا: يدفع للمجاهد أو يشترى له ما يحتاجه في الجهاد، وما اشتري له إما يتملكه، أو يوقف على المجاهدين، وكل ذلك لا استثمار فيه حتى يكون حجة.
الجواب الثالث: أن هذا الوجه من مفردات الشافعية، ولهم وجه آخر بالمنع وفاقًا لقول الجمهور، فإن كان الاستناد إلى مجرد القول، فإن الوجه الثاني لـ الشافعية الموافق لـ الجمهور أولى بالاتباع، وإن كان الترجيح للحجة، فلا أعلم حجة لهذا القول تجعل الباحث يدع قول الجمهور الموافق للقياس، ويأخذ بهذا الوجه؛ لأن إخراج جزء من مال الزكاة، وجعل أصله وقفًا غير مملوك لا يجوز، ولا يصح، فإذا كان لا يصح أن يوقف مال الغني بلا طيبة من نفسه، لم يصح من باب أولى وقف مال الزكاة وإخراجه من ملك المستحق.
الوجه الرابع في الجواب عن اشتراط التمليك: يمكن اعتبار المؤسسة التي تدير هذا المشروع لها شخصية اعتبارية وذمة مستقلة صالحة للتملك والتمليك، وتنوب عن مجموع المستحقين قياسًا على بيت المال؛ فإنه يتمتع بشخصية اعتبارية وذمة مستقلة صالحة للتملك والتمليك، ويد الحاكم على المال العام ليست يد ملك، بل هو مملوك لمجموع الأمة، ومع ذلك فبيت المال ينوب عن الأمة، ومثله الوقف، والمسجد، فكذلك المؤسسة التي تدير الزكاة.
القول بأن بيت المال له ذمة مستقلة صالحة للتملك والتمليك، فيقاس عليها مؤسسة الزكاة، فالمؤسسة تنوب عن المستحقين من أهل الزكاة بلا تفويض منهم كل هذا التوصيف لا يعرف في الفقه الإسلامي، وإنما هذا توصيف قانوني، والآثار التي رتبت على القول بالشخصية الاعتبارية أكثرها ليس مبنيًّا على لوازم فقهية، وإنما هي مبنية على أحكام قانونية، وهي لا تلزم الفقيه، وإذا كان مال الزكاة معروفًا من عهد التشريع، ولم يوجد من قال بهذا التوصيف من الصحابة أو من الأئمة المتقدمين لم يصح قبول هذا التوصيف، ولقد كان هديه ﷺ وهدي خلفائه وسعاته دفع أموال الزكاة لأشخاص معينين، وإذا كان هذا هو فهم النبي ﷺ، وفهم خلفائه في قسم الصدقات فلا معدل عنه لتوصيف قانوني.
وقد ناقشت الشخصية الاعتبارية في زكاة مال الوقف، فارجع إليه إن شئت، كما ناقشت ذلك في كتابي «المعاملات المالية أصالة ومعاصرة».
أن استثمار أموال الزكاة فيه تعريض إلى إنفاق أكثر الزكاة في أعمال إدارية، وأجور للموظفين مما يؤدي إلى ضياع حقوق الفقراء، فلزم المنع أخذًا بمبدأ سد الذرائع صيانة لحقوق الفقراء.
بأن هذا الصرف لا يمنع من الاستثمار، فهو شبيه بنصيب العاملين عليها.
الزكاة عبادة تتكرر كل عام، فلم يجز تأخيرها إلى وقت وجوب مثلها؛ كالصلاة والصوم، والاستثمار يؤدي حتمًا إلى تأخيرها فلم يجز.
التأخير إن كان في حق المزكي فهو لم يتأخر، وقد دفعها في وقتها، ويعد وصولها إلى السلطان كوصولها إلى الفقير؛ لأنه نائب عنه، كما أن وصول المال إلى يد الوكيل بمنزلة وصولها إلى يد الموكل.
وإن كان يقصد أن الزكاة تأخرت عن وصولها إلى يد الفقير بسبب استثمارها لمصلحته، فهذا لا يعد تأخيرًا عن وقت وجوب مثلها، لأن كون استثمار المال قد يمنعه من استغلال المال لقضاء بعض حاجاته الأساسية فهذا لابد منه من أجل نماء المال وخروجه عن حد الفقر واستغنائه عن الزكاة، فلا يعد مثل ذلك تأخيرًا، وما من رجل طلب التجارة في أول أمره إلا حرمه ذلك من التصرف في ماله فيما قد يحتاجه، وتحمل بعض المشاق في سبيل نماء المال، حتى جعل الله المشقة في التجارة، والمشقة في الجهاد، والمرض أسبابًا لنسخ وجوب قيام الليل، وقد كان واجبًا في أول الإسلام. قال تعالى: ﴿ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ﴾ [المزمل: 20]، لكن ذلك لن يطول إن شاء الله تعالى، فهي مرحلة ويؤول ملكية هذه المشاريع إلى الفقراء مع أرباحه.
كل دليل استدلوا به على أن الأمر المطلق لا يقتضي الفورية[14]، استدلوا به على جواز استثمار أموال الزكاة؛ لأن غاية ما يحذر من استثمار أموال الزكاة هو تأخير دفعها، فإذا قام الدليل على أن الأمر المطلق يجوز التراخي في امتثاله، وكان الأمر بإيتاء الزكاة أمرًا مطلقًا جاز التراخي في دفع الزكاة إلى حين نماء مال الزكاة من أجل مصلحة الفقير.
الأمر المطلق إذا قام فيه قرينة أنه على الفور لم يعد مطلقًا، وذلك أن الزكاة شرعت لدفع حاجة الفقير، وتوفير حاجاتهم الضرورية، وتأخير الدفع يضر بالفقير؛ لأن من أهم مقاصد تشريع الزكاة سد حاجة الفقير المعيشية، والاستثمار يخالف هذا المقصد، فـ يَحرم.
الوجه الثاني: لا نسلم أن المانع من الاستثمار فقط هو الترجيح في مقتضى دلالة الأمر المطلق بين الفورية والتراخي، حتى إذا رجحنا القول بالتراخي أصبح الباب مشرعًا لـ جواز القول بالاستثمار، بل إن استثمار أموال الزكاة تصرف في مال غيره بغير تفويض من أصحابه، فادفعوا الزكاة إلى الفقراء حتى إذا امتلكوها، فمن أحب منهم أن يدفع لكم الزكاة لتستثمروها فلا مانع شرعًا.
استثمر النبي ﷺ وأصحابه نعم الصدقة، وأنفقوا ذلك على المستحقين، كحلب تلك النعم، والحمل عليها، والانتفاع من أصوافها.
فقد روى البخاري من طريق شعبة: حدثنا قتادة، عن أنس -رضي الله عنه-: أن ناسًا من عرينة، اجتووا المدينة، فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها.
ورواه مسلم من طريق همام، حدثنا قتادة به[15].
وروى الإمام أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عمر بن الحكم بن ثوبان -وكان ثقة- عن أبي لاس الخزاعي، قال:
حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة ضعاف إلى الحج، قال: فقلنا له: يا رسول الله، إن هذه الإبل ضعاف نخشى أن لا تحملنا. قال: فقال رسول الله ﷺ: «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاركبوهن، واذكروا اسم الله عليهن كما أمرتم، ثم امتهنوهن لأنفسكم، فإنما يحمل الله».
[تفرد به محمد بن إسحاق][16].
روى عبد الرزاق، قال أخبرنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو أن يجهز جيشًا فقال: ليس عندنا ظهر. فقال له النبي ﷺ: «ابتع لي ظهرًا إلى خروج المصدق»، فابتاع عبد الله البعير بالبعيرين والأبعرة إلى خروج المصدق[17].
[حسن][18].
وروى أحمد من طريق جرير -يعني: ابن حازم- عن محمد -يعني: ابن إسحاق- عن أبي سفيان، عن مسلم بن جبير، عن عمرو بن حريش، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: إنا بأرض ليس بها دينار، ولا درهم، وإنما نبايع بالإبل والغنم إلى أجل، فما ترى في ذلك. قال: على الخبير سقطت، جهز رسول الله ﷺ جيشًا على إبل من إبل الصدقة، فنفدت، وبقي ناس، فقال: رسول الله ﷺ: «اشتر لنا إبلًا بقلائص من إبل الصدقة إذا جاءت حتى نؤديها إليهم»، فاشتريت البعير بالاثنين والثلاث من قلائص، حتى فرغت، فأدى ذلك رسول الله ﷺ من إبل الصدقة[19].
وفي لفظ أبي داود: فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة[20].
[حسن بالحديث السابق][21].
أن النبي ﷺ اشترى على إبل الصدقة، وإذا جاز الشراء جاز الاستثمار؛ لأنه قائم على البيع والشراء.
أما الجواب عن حديث أنس:
فإن هذه الإبل لم تحبس من أجل استغلال لبنها ونسلها، فمن ادعى أن النبي ﷺ حبس هذه الأنعام من أجل استثمارها في الدر والنسل فعليه الدليل، وإنما هذا نماء يحصل تبعًا من حين استلامها إلى حين التمكن من توزيعها على المستحقين، والظاهر أنهم كانوا فقراء.
قال ابن حجر:
«غاية ما يفهم من حديث الباب أن للإمام أن يخص بمنفعة مال الزكاة دون الرقبة صنفًا دون صنف بحسب الاحتياج»[22].
وقد روى مالك في «الموطأ»، عن زيد بن أسلم أنه قال:
شرب عمر بن الخطاب لبنا فأعجبه. فسأل الذي سقاه، من أين هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء، قد سماه، فإذا نعم من نعم الصدقة، وهم يسقون. فحلبوا لي من ألبانها، فجعلته في سقائي فهو هذا، فأدخل عمر بن الخطاب يده فاستقاءه[23].
[زيد بن أسلم لم يدرك عمر].
وجاء في «التمهيد»: قيل: إن استقاء عمر بن الخطاب اللبن الذي سقيه من نعم الصدقة إنما استقاءه؛ لأن الذي سقاه إياه كان من الأغنياء الذين لا تحل لهم الصدقة، ولا يصح لهم ملكها، ولو كان ممن تحل له الصدقة ويستقر عليها ملكه ما استقاءه عمر؛ لأنه كان تحل له حينئذ، لأنه غني أهدى إليه رجل مسكين مما تصدق عليه، على حديث بريرة وغيره[24].
ولا حاجة لهذا التأويل ما دام أن الأثر ضعيف.
وأما الجواب عن حديث أبي لاس:
فمع تفرد ابن إسحاق بهذا الأصل، وفي ذلك ما فيه، وعلى القول بتحسينه – فظاهر الحديث:
أنه ملكهم المنفعة، ويحتمل أنه لما رآهم محتاجين أعطاهم من الزكاة ما يحجون به، أو يصرفونه في وجه من وجوه المعيشة فحجوا عليه، وعلى أي الاحتمالين فإن هذا ليس من قبيل المعاوضة، وإنما انتفاع الفقير من إبل الصدقة، وإذا كان الفقير له أن يتملك العين فتملك المنفعة من باب أولى، فأين هذا من الاتجار بمال الصدقة.
وأما الجواب عن الشراء بالآجل للجهاد على إبل الصدقة:
فإن هذا شراء على سهم الجهاد ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وليس استثمارًا، فهو شراء لحاجة الجهاد، ويسدد من سهم الجهاد، فأين الاستثمار؟
فهذا بمنزلة ما لو دفع الرجل من ماله إلى بعض المستحقين من الزكاة على أن يستوفي هذا الدين من زكاة المسلمين إذا توفرت، فأين هذا من استثمار أموال الزكاة، بتأخير دفعها، واستثمارها من غير تفويض من أصحابها.
ما رواه أبو داود من طريق عيسى بن يونس، عن الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﷺ يسأله، فقال: «أما في بيتك شيء؟» قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء، قال: «ائتني بهما»، قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، وقال: «من يشتري هذين؟» قال رجل: أنا، آخذهما بدرهم، قال: «من يزيد على درهم مرتين، أو ثلاثًا»، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: «اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فأتني به»، فأتاه به، فشد فيه رسول الله ﷺ عودًا بيده، ثم قال له: «اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا»، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال رسول الله ﷺ: «هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع».
[ضعيف][25].
إذا جاز استثمار مال الفقير القليل المشغول بحاجته الأصلية حتى يغني نفسه من التعرض للسؤال جاز للإمام استثمار أموال الزكاة قبل شغلها بحاجتهم من باب أولى.
الأول: ضعف الحديث، وقد أبان عن ذلك تخريج الحديث.
الوجه الثاني: أن هذا القياس من قياس المال الزكوي على غير الزكوي، فلا يمكن إلحاقه بقياس العلة، ولا بقياس الشبه، فكون الفقير يشترى من ماله، وليس من مال الزكاة ما يحتطب به، ثم يبيع ذلك الحطب؛ ليوفر له دخلًا بسيطًا يقوم ببعض حاجاته المعيشية، أين ذلك من أخذ الزكاة من الأغنياء، وقبل تملك الفقير لها نقوم باستثمارها نيابة عنه دون تفويض منه مع شدة حاجته إلى هذا المال، ليدفع به فاقته، ثم عليه أن يتربص حتى يكون لهذه المشاريع ريع، لينفق عليهم من ريعها، علمًا أن مقدار ربح التجارة لو تحقق بعد أن يمضي زمن طويل على الاستثمار يعد جزءًا يسيرًا جدًّا إذا نسب إلى رأس المال، فإذا كان رأس المال والمأخوذ من الزكاة لا يقوم بحاجة الفقراء، فهل تقوم أرباح هذا المال بحاجتهم علمًا أن أرباح كل مال لا يتجاوز في أحسن حالات الربح من خمس وعشرين بالمائة من رأس المال.
فإن قيل: إن الربح يتكرر كل سنة:
قيل: والزكاة كذلك تتكرر كل سنة.
روى مالك في «الموطأ»، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرَّا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكل الجيش أسلفه، مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه؟ فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا؟ فقال عمر: قد جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال.
[صحيح][26].
فإذا جاز استثمار المال العام، وهو من مال الله ومن جملته أموال الزكاة جاز استثمار أموال الزكاة بجامع أن كلا المالين من أموال الله، ولم يعترض عمر -رضي الله عنه- على ولديه لاستثمارهما هذا المال، وإنما اعترض عليهما؛ لأن أبا موسى -رضي الله عنه- خصهما بالانتفاع بالمال العام دون غيرهما، فلما أقرَّ عمر -رضي الله عنه- عقد المضاربة دل ذلك على جواز الاستثمار.
بأن أبا موسى لم يدفع المال باسم استثمار مال الله لصالح أهله، وإنما أراد أبو موسى من إقراض المال العام تحقيق مصلحتين لبيت المال:
إحداهما: توفير أجرة نقل المال إلى المدينة.
الثاني: ضمان المال.
فلو أنه استأجر أحدًا لنقله أو دفعه إليهما كوديعة فتعرض للسرقة لم يُضْمَن المال، فحقق من ذلك مصلحتين: نقله مجانًا، وضمان وصوله إلى المدينة.
والممنوع: أن يدفع المال لأحد من الناس من باب الإيثار فقط، بلا مصلحة لبيت المال.
إلا أن عمر -رضي الله عنه- نسيج وحده، وقد خاف -رضي الله عنه- أن يكون قد دفع هذا المال إيثارًا لابنيه على غيرهما؛ لكونهما أبناء الخليفة، ولهذا سأل عمر -رضي الله عنه-: أكل الجيش أسلفه، مثل ما أسلفكما؟ فقالا: لا، فأمر عمر بأخذ المال مع أرباحه، وعاملهم معاملة المغتصب، وأبطل القرض، وليس هذا من باب الإقرار على الاستثمار، فراجعه عبيد الله بن عمر بأن المال لو خسر أو تلف لتحملا ضمان المال، فاقترح بعض الحاضرين على عمر أن يدع لهما نصف الأرباح، ويجعل المال مضاربة بينهما بعد الفراغ من العقد، مع أن العقد انعقد قرضًا، ولولا ما لـ عمر -رضي الله عنه- من طاعة على ولديه، ولكونه خليفة ما كان القبول بنقض العقد وتحويله إلى عقد آخر بعد الفراغ منه لازمًا للمتعاقدين، خاصة أن عقد المضاربة لا يجعل المال مضمونًا على المضارب، وهو مقصود في عقد أبي موسى -رضي الله عنه-، وقد يخسر في تجارته حتى إذا ضمن وصول المال سالمًا وتأكد من ربح المقترض حول إلى عقد غير مضمون، وإلى مشاركة في الربح.
نعم لو أن أبا موسى قد دفع المال مضاربة ابتداء، وأقره عمر على ذلك لصح الاستدلال به على جواز الاستثمار على افتراض أن يكون المال المدفوع من مال الزكاة، أما وقد انتزع منهما نصف الأرباح، وأخرج الانتزاع على صفة عقد المضاربة بعد نهاية العقد، فلا يمكن اعتبار مثل ذلك حجة، والله أعلم.
روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن حزام بن هشام الخزاعي، عن أبيه، قال: شهدت عمر بن الخطاب باع إبلًا من إبل الصدقة فيمن يزيد.
[إسناده حسن إن شاء الله تعالى][27].
عمر بن الخطاب له سنة متبعة، وقد أمرنا باتباع سنته؛ لأنه خليفة راشد، وإذا جاز بيع إبل الصدقة من الإمام، جاز له البيع والشراء بمال الصدقة من أجل مصلحة الفقير؛ لقصد نماء المال.
بأن الأثر لا يدل على جواز بيع إبل الصدقة من أجل الاستثمار والنماء، وهو محل الخلاف، فكل ما يدل عليه الأثر: هو جواز بيع إبل الصدقة، فقد يبيع الحاكم إبل الصدقة ويدفع قيمتها للفقير؛ لأن المحافظة عليها أحيانًا إلى حين قيام حاجة الجهة المستحقة يكلف بيت المال مزيدًا من النفقة على الإبل، من أعلاف ورعي وسقي، ومؤونة نقل، وخوف مرض وتلف، فإذا باعها بهذه النية أو لكونه الأحظ للفقراء لم يمنع من ذلك مانع.
قال ابن حمدان الحنبلي في «الرعاية الصغرى»:
«وللساعي بيع مال الزكاة من ماشية وحب وتمرٍ وغير ذلك لحاجةٍ أو مصلحة، وصرفه في الأحظ للفقراء….
وإن باع لغير حاجةٍ ومصلحةٍ صح.
وقيل: لا، فيضمن قيمة ما تعذر رده»[28].
ولا يعد ذلك البيع لغرض التجارة، فليس كل مال عرض للبيع كان ذلك استثمارًا.
استدل بعضهم بمذهب الشافعية من كون الفقير يعطى من الزكاة كفاية العمر الغالب لأمثاله ما يغنيه.
واستدلوا بما رواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن هارون بن رِئَابٍ، حدثني كنانة بن نعيم العدوي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي، أن رسول الله ﷺ قال له: «يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: -وذكر منهم- رجلًا أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة، حتى يصيب قوامًا من عيش، – أو قال: سدادًا من عيش- ….» الحديث[29].
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: قال عمر بن الخطاب:
إذا أعطيتم فأغنوا.
ورواه ابن أبي شيبة، وقال: يعني: من الصدقة.
[لم يدرك عمرو بن دينار أمير المؤمنين عمر الفاروق][30].
وروى أبو عبيد وابن سعد في «الطبقات الكبرى» من طريق حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن مرة، عن مرة، قال أحدهما: قال عمر للسعاة: كرروا عليهم الصدقة، وإن راح على أحدهم مائة من الإبل.
وقال الآخر: قال عمر: لأكررن عليهم الصدقة، وإن راح على أحدهم مائة من الإبل.
هذا لفظ أبي عبيد.
ولفظ ابن سعد: والله لأردنها عليكم حتى يروح على الرجل منكم المائة من الإبل، يعني: الصدقة.
[ضعيف][31].
فأخذ الشافعية أن الفقير يعطى ما يغنيه طوال عمره خلافًا لـ الجمهور.
وقالوا: إذا كان زارعًا تشترى له ضيعة أو حصة في ضيعة تغنيه طول العمر.
وقال الزركشي:
إن للإمام دون المالك شراءه له، وله إلزامه بالشراء وعدم إخراجه عن ملكه، يعني كأنه شبه وقف عليه، حينئذ ليس له إخراجه فلا يحل ولا يصح فيما يظهر بيعه[32].
فتستطيع الدولة المسلمة بناء على هذا الرأي أن تنشئ من أموال الزكاة مصانع وعقارات ومؤسسات صناعية أو تجارية ونحوها وتملكها للفقراء كلها أو بعضها لتدر عليهم دخلا يقوم بكفايتهم ولا تجعل لهم الحق في بيعها بناء على ما قاله الزركشي وغيره في بيعها ونقل ملكيتها لتكون شبه موقوفة عليهم.
الوجه الأول: لا يصح الاحتجاج بقول الشافعية على صحة استثمار أموال الزكاة؛ لأن مراد الشافعية من إعطاء الفقير كفاية العمر أن يمتلك الفقير أدوات التجارة وأدوات الصناعة تمليكًا فرديًّا، لا أن تصرف أموال إلى مشاريع ذات ريع بلا تفويض، ولا تمليك.
الوجه الثاني: على التنزل أن قول الشافعية يفهم منه جواز استثمار أموال الزكاة، فليست الحجة بقول الشافعية، ومنه قول الزركشي، وإنما الحجة بالدليل، وهذا التصرف قد انطوى على مخالفات كثيرة، ومن هذه المخالفات.
الأول: إكراه الفقير على الاتجار بمال الزكاة، والبيع والشراء ركنه قائم على التراضي، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوُا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ﴾ [النساء: 29].
فقوله: ﴿ عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ﴾: أي: تجارة صادرة عن تراض.
وروى ابن ماجه من طريق عبد العزيز بن محمد، عن داود بن صالح المدني، عن أبيه، قال: سمعت أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله ﷺ: «إنما البيع عن تراض».
[حسن][33].
الثاني: إلزام الفقير بعدم إخراجه من ملكه، وهذا لا يصح شرعًا، فكل من ملك شيئًا ملك بيعه وهبته، وسائر التصرفات المباحة، ولا حجر عليه فيه.
الثالث: تشبيه مال الزكاة بالوقف، وهذا لا يصح؛ لأن رقبة الوقف ليست ملكًا للواقف، ولا للموقوف عليه، بخلاف الزكاة فهي مملوكة للفقير رقبة ومنفعة.
ولأن الوقف لابد له من وجود واقف، وفي استثمار أموال الزكاة لا يوجد واقف؛ فأموال الزكاة قبل قبضها ليست مملوكةً لفقير معين حتى يقفوها، كما أنها ليست مملوكة للمزكي أو للحاكم.
أما الأدلة على جواز استثمار أموال الزكاة ممن له ولاية عامة فقد سبق ذكرها، وأذكر فقط في هذا الأدلة ما دلَّ على جواز الاستثمار ممن ليس له ولاية عامة.
كل دليل استدل به على جواز استثمار الحاكم لأموال الزكاة يستدل به على جواز الاستثمار مطلقًا من جهتين:
إحداهما: أن هذه الأدلة دلت على جواز الاستثمار من الحاكم وهي لا تنفي جواز الاستثمار من غيره، فعلى من ادعى اختصاص الحاكم بالاستثمار فعليه الدليل.
الثانية: صحة القياس، فإذا جاز استثمار أموال الزكاة من قبل الحاكم جاز الاستثمار من غيره بجامع أن كلًا منهما يقصد من تصرفه مصلحة الفقير.
لا نسلم صحة الحكم في الأصل حتى نسلم صحة الحكم في الفرع، ولو سلمنا صحة الحكم في الأصل لم يصح القياس؛ فإن الحاكم له ولاية على الطرفين: على المزكي، وعلى المستحق، بخلاف عامة الناس فليس له مثل هذه الولاية، فلا يقاس الأعلى على الأدنى.
وروى البخاري من طريق سفيان، حدثنا شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحي يحدثون عن عروة، أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه[34].
أن عروة قد وكله النبي ﷺ بشراء شاة واحدة، ولم يأذن له بالبيع، فاتجر بشراء شاة أخرى، وباعها، وكل ذلك كان من قبيل تصرف الوكيل في غير ما وكل إليه، لكن لما كان تصرفه لمصلحة الموكل صح، فإذا جاز ذلك في الوكالة صح في الولاية من باب أولى؛ لأن الولاية أقوى من الوكالة؛ فالوكيل يستمدُّ سلطته من موكِّله، فيتصرَّف بإذنه، وينعزل بعزله، وهذا بخلاف الوليّ؛ فإنَّه يستمدُّ ولايته من الشارع.
تصرف عروة -رضي الله عنه- فيما لم يوكل فيه، فهو من تصرف الفضولي؛ لأنه تصرف بلا ولاية ولا وكالة، فيكون موقوفًا على إجازة المالك على الصحيح، وقد أجازه النبي ﷺ، فلا حجة فيه لموضوعنا.
أجاز الشافعية للغارم إذا أعطي أقل من كفايته ليسدد دينه أن يتجر في مال الزكاة لعله أن يربح في تجارته فيسدد كامل دينه علمًا أن الغارم لا يشترط تمليكه، بل يجوز أن تدفع الزكاة إلى صاحب الدين بإذن من عليه الدين[35].
قال النووي:
«قال أصحابنا يجوز للغارم أن يتجر فيما قبض من سهم الزكاة إذا لم يف بالدين ليبلغ قدر الدين بالتنمية»[36].
ليس فيه دليل؛ لأنه على القول بصحة اتجار الغارم في سهم الزكاة فالغارم إنما اتجر في هذا المال بعد قبضه وبرضاه.
والسؤال: ما توصيف يد الغارم إذا قبض مال الزكاة لسداد دينه، هل يده يد أمانة، أو يده يد ملك؟
الظاهر الثاني؛ لأن النماء لا يعد زكاة، فهو نماء ماله وعمله فلا يكون حجة فيه على جواز استثمار مال الزكاة قبل قبضها من المستحقين، ومن غير تفويض من أصحابها، فأين هذه المسألة من مسألتنا.
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.
أن قوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لفظ: سبيل الله: نكرة مضافة إلى معرفة، والنكرة إذا أضيفت إلى معرفة عمت، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾.
فـ ﴿ نِعْمَةَ ﴾ وإن كانت بلفظ المفرد إلا أنها اكتسبت العموم بإضافتها إلى لفظ الجلالة، ولهذا قال: ﴿ لَا تُحْصُوهَا ﴾
فكذلك قوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يعم كل وجوه الخير، من بناء المستشفيات، والمدارس، وتعبيد الطرق، وكل ما فيه نفع للمسلمين، فإذا استثمرت الزكاة في وجوه الخير لحظ المستحقين صح ذلك.
جاء في «تفسير الرازي»:
«واعلم أن ظاهر اللفظ في قوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لا يوجب القصر على كل الغزاة، فلهذا المعنى نقل القفال في «تفسيره» عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد؛ لأن قوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ عام في الكل»[37].
وقال الكاساني:
«وأما قوله تعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 60] عبارة عن جميع القرب فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجًا….»[38].
بأن الله تعالى سبحانه وتعالى لم يرض بقسمة الزكاة أن يتولاها ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه.
ويؤخذ من الآية تحريم إخراج الزكاة عن هذه الأصناف الثمانية التي بينها الله في كتابه.
وتفسير القول: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: أي في عموم وجوه الخير.
هذا القول لا يعرف عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن الأئمة الأربعة، وكفى به شذوذًا أن يكون هذا القول غير معروف عن هؤلاء كلهم، وحكاه القفال في «تفسيره» فيما نقله الرازي عنه، عن بعض الفقهاء ولم يسمهم لنا.
وما ذكر الكاساني بأن المقصود به كل من سعى في طاعة مع كونه مخالفًا للمذهب، فقد قيده بالمحتاج، فدخل في مسمى الفقير، وقيده أبو يوسف بالغازي الفقير، وقيده محمد بن الحسن بمنقطع الحاج: أي الفقير منهم، وإنما أفرد بالذكر مع دخوله في الفقير أو المسكين لزيادة حاجته بسبب الانقطاع[39].
فكان قوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في مذهب بعض الحنفية مقيدًا بالفقير، سواء أكان ساعيًا في طاعة من الطاعات، أم كان غازيًا أم كان حاجًا منقطعًا.
ولأن الله حين ذكر أهل الزكاة ذكر ثمانية أصناف مستخدمًا أداة الحصر، والتي تدل على أنها محصورة في هؤلاء الأصناف خاصة، وإذا حمل قوله: وفي سبيل الله على وجوه الخير، فكل الأصناف السبعة، وغيرها مما لم تذكره الآية يدخل في وجوه الخير، فلم يكن هناك فائدة من ذكر الأصناف السبعة، ولا فائدة من أداة الحصر، ولأن كلمة ﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ إذا أطلق لا يراد به إلا الجهاد؛ وإن كان اللفظ من حيث اللغة أعمَّ من ذلك، ولو صرفت الزكاة في مصالح المسلمين استفاد منها الأغنياء، وهم لا حظ لهم في الزكاة إلا أن يكون من العاملين عليها أو من الغارمين لإصلاح ذات البين، أو من المؤلفة قلوبهم، وإنما حظهم في الغنيمة والفيء، وما الفرق بين الزكاة والفيء إذا استوى فيها الأغنياء والفقراء، وقد قال النبي ﷺ لـ معاذ حين بعثه إلى اليمن: «تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم».
قال الشيخ محمد الخضر حسين:
«اللفظ من حيث مدلوله في لسان العرب شامل لكل وجه من وجوه الخير، ولكن ذكره من بين سبعة وجوه من وجوه الخير يدل على أنه يراد به ناحية خاصة فهمها السلف منذ نزول الآية.
وأكثر أهل العلم على أن المراد من قوله تعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: الغزاة، وما يحتاجون إليه في جهادهم من وسائل الدفاع، ومنهم من يجعله متناولًا لفريضة الحج، وهو ما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل؛ حيث قال: الحج من سبيل الله، وهو ما يراه الإمام محمد بن الحسن بن الحنفية.
وذكر الألوسي: أن بعضهم يفسره بطلبة العلم، ثم قال: وتوسع بعضهم في تفسيره، فحمله على جميع القُرَب، وقالوا: يدخل فيه كل من سعى في طاعة الله، وسبل الخيرات.
ولا نظن هذا الذي يفسر ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بطلبة العلم، أو بكل من سعى في طاعة يجيز صرف الزكاة لهؤلاء، ولو كانوا أغنياء، وإذا كانوا لا يستحقونها إلا في حال الحاجة، فقد دخلوا في قوله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [التوبة: 60]….»[40].
وسوف أتناول الخلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ عند الكلام على أهل الزكاة إن شاء الله تعالى.
أنه لا يجوز استثمار أموال الزكاة إلا بعد قبض أهلا لها وتفويضهم باستثمارها.
جاء في القرار الخامس، في الندوة الثالثة عشرة المنعقدة في 13-16 إبريل 2001م، الموافق 19-22 محرم، 1422، بجامعة أحمد بن عرفان الشهيد، أحمد آباد، مليح آباد لكناؤ، الهند ما نصه: (لا يجوز شرعًا أن تودع أموال الزكاة في مشاريع استثمارية من إنشاء المصانع والشركات لتوزيع منافعها بين أصحاب الاستحقاق للزكاة……)
«فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث»، المجموع الأولى، رقم(9056).
وانظر: أبحاث وأعمال الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، المنعقدة في الكويت في 8 – 9 جمادى الآخرة، عام: 1413 هـ الموافق 2 – 3/ 12/ 1992 م ص 76، و 83، و 84، و 85، و 88، وص 94، 95.
وانظر: رأي الشيخ تقي عثماني، «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (3/1/ص: 388).
وانظر: رأي الشيخ آدم شيخ عبد الله علي، في «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (3/352).
فتوى الدكتور سعد الخثلان، انظرها في «فتاوى واستشارات الإسلام اليوم»، تاريخ 12/10/1426هـ
وانظر رأي الدكتور عبد العزيز خياط، في «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (3/1/ص: 371).
وانظر رأي الشيخ حسن عبد الله الأمين في: «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (3/1/ص: 366).
وانظر بقية الأقوال في: أبحاث وأعمال الندوة الثالثة لقضايا الزكاة، (ص: 55)، «الشامل في زكاة الأسهم واستثمار أموال الزكاة»، صالح المرزوقي البقمي (ص: 142).
جاء في بحث له في «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (3/1/ص: 335): «إن توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي للمستحق، لا يمكن أن يتم إلا إذا وجد مستحقو الزكاة حقوقهم، وبقدر الكفاية المحددة لهم؛ لأنه لا بد أن يعطى الفقير القدر الذي يخرجه من الفقر إلى الغنى، ومن الحاجة إلى الكفاية على الدوام….»
وهذا الشرط يؤول إلى منع الاستثمار؛ لأننا إذا أغنينا الفقراء على الدوام لم يعد هناك فقير، ولم يعد هناك حاجة لاستثمار أموال الزكاة؛ لأن الدافع للاستثمار هو سد حاجة الفقير.
وذكر الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور شروطه في الجواز في «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (3/1/ص: 358):
أولها: أن يكون هذا العمل الذي أجزناه استحسانًا خلافًا للقياس للضرورة، أو الحاجة بإشراف ولي الأمر أو من يفوضه كالقاضي الشرعي.
الثاني: أن هذا التوظيف مؤقت.
الثالث: أن يتيقن أو يغلب على الظن حصول الربح.
الرابع: أن يكون ذلك بإشراف أهل الحل والعقد ويفضل أن يكون بإشراف القاضي الشرعي.
الخامس: أن يكون عمل القائمين على هذا التوظيف بالأجرة يقدرها القاضي الشرعي، بحيث لا يكونون شركاء. فإذا انتهى الأجل المضروب للتوظيف رفع كل من القائمين على التوظيف يده وأعاد القاضي أو ولي الأمر الأموال إلى الفقراء المستحقين بالتمليك الشرعي مع الريع الناتج عن ذلك. وإذا وقعت الخسارة فأرى أن بيت المال أو خزينة الدولة هي التي تتحمل هذه الخسارة المحتملة احتمالًا ضعيفًا كي لا يضيع حق الفقير.
وقيدت الندوة الثالثة لقضايا الزكاة الجواز بالقيود التالية:
أحدها: أن لا تتوافر وجوه صرف عاجلة تقتضي التوزيع الفوري لأموال الزكاة.
الثاني: أن يتم استثمار أموال الزكاة -كغيرها- بالطرق المشروعة.
الثالث: أن تتخذ الإجراءات الكفيلة ببقاء الأصول المستثمرة على أصل حكم الزكاة، وكذلك ريع تلك الأصول.
الرابع: المبادرة إلى تنضيض «تسييل» الأصول المستثمرة إذا اقتضت حاجة مستحقي الزكاة صرفها عليهم.
الخامس: بذل الجهد للتحقق من كون الاستثمارات التي ستوضع فيها أموال الزكاة مجدية ومأمونة وقابلة للتنضيض عند الحاجة.
والملاحظ أن أسماء المشايخ في «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» تسقط كلمة (بن) بين العلمين، وهو خطأ لغوي، لا أدري ما مسوغه؟
وقد نَقلتُ أسماءهم كما وردت في المجلة، مع كراهتي الشديدة لهذا التصرف الذي لا أصل له.
قال الجويني في «التلخيص» (1/323): «نرى المحققين من الأصوليين يتسامحون في عبارة لا نرتضيها وهي أن نفاة الفور يعبرون عن أصلهم فيقول: الأمر يقتضي التراخي وكثيرًا ما يطلقه القاضي -رضي الله عنه- في مصنفاته ووجه الدخل فيها أن ظاهر قول القائل: الأمر على التراخي، ينبئ عن اقتضاء الأمر تأخيرًا في الامتثال، وهذا ما لم يصر إليه صائر، والأحسن في العبارة أن نقول: الأمر يقتضي الامتثال من غير تخصص بوقت.»
ومحمد بن عبيد الطنافسي، كما في «مسند أحمد» (4/221)، و«الطبقات الكبرى» لـ ابن سعد (4/297)، و«الآحاد والمثاني» لـ ابن أبي عاصم (2328)، و«الكنى والأسماء» لـ الدولابي (1/184)، و«صحيح ابن خزيمة» (2377، 2543)، و«المعجم الكبير» لـ الطبراني (22/334) ح 334، و«مستدرك الحاكم» (1624)، وفي «معرفة الصحابة» لـ أبي نعيم (7063)، و«السنن الكبرى» لـ البيهقي (5/414)، وفي «الآداب» له (641).
وعلقه البخاري في «الصحيح» بصيغة التمريض، قال أبو عبد الله (2/122): ويذكر عن أبي لاس حملنا النبي ﷺ على إبل الصدقة للحج.
قال الحافظ في «الفتح» (3/332): «رجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن اسحق، ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته».
قلت: قد صرح ابن إسحاق في التحديث في رواية إبراهيم بن سعد، وكان إبراهيم بن سعد له عناية خاصة في بيان ما صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث.
جاء في «العلل ومعرفة الرجال» رواية المروذي (ص: 38): قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبين إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال».
وانظر: «تاريخ بغداد» (1/230)، «الجامع لعلوم الإمام أحمد» (16/151).
وقال ابن هانئ كما في «مسائله» عن أحمد (2226): «وسمعته يقول: إبراهيم بن سعد من أحسن الناس حديثًا عن محمد بن إسحاق، فإذا جمع بين الرجلين -يقول: حدثني فلان وفلان- لم يحكمه».
والعباس بن محمد الدوري في «تاريخ ابن معين» (3/ 55/ 216)، وأبو إسحاق الحربي في «غريب الحديث» (1/ 249).
وكذلك فعل البخاري في «التاريخ الكبير» (5/ 53).
وقال البخاري: لا يصح حديثه: «تهذيب التهذيب» (6/ 80)، «تلخيص الحبير» (237).
وقال ابن القطان الفاسي في كتابه «الوهم والإيهام» (5/ 57): «عبد الله الحنفي لا أعرف أحدًا نقل عدالته، فهي لم تثبت …..
وقال فيه الترمذي: حسن باعتبار اختلافهم في قبول روايات المساتير، والحنفي المذكور منهم.»
قلت: الحسن عند الترمذي هو الحسن لغيره، وهو الضعيف الذي يروى من غير وجه، فلا يلزم من تحسين الترمذي للحديث أن يكون قد قوى حال أبي بكر الحنفي، فتأمل.
وقال الذهبي: ليس بمشهور. «ميزان الاعتدال» (1/ 168).
وقد نص المزي في «تهذيب الكمال» (16/ 339) أن أبا بكر الحنفي ليس له في الكتب الأربعة سوى هذا الحديث.
وقال ابن حجر في «التقريب»: لا يعرف حاله.
تخريج الحديث:
الحديث مداره على الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس.
ورواه جماعة عن الأخضر بن عجلان مطولًا ومختصرًا كالتالي:
رواه محمد بن عبد الله الأنصاري في «حديثه» (79)، ومن طريقه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/19)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (2640)، والمقدسي في «الأحاديث المختارة» (2266).
وعبد الله بن عثمان (صاحب شعبة)، كما في «العلل ومعرفة الرجال» رواية عبد الله (381)، و«مسند أحمد» (3/100).
ويحيى بن سعيد، كما في «مسند أحمد» (3/100).
وعيسى بن يونس كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، ت: الشثري (35174)، «سنن أبي داود» (1641)، و«سنن ابن ماجه» (2198)، و«المجتبى من سنن النسائي» (4508)، وفي «السنن الكبرى» له (6054)، و«التمهيد» لـ ابن عبد البر، ت: بشار (11/574).
وعبيد الله بن شميط بن عجلان كما في «سنن الترمذي» (1218).
وعبد الوهاب بن عطاء كما في «شرح معاني الآثار» (3/6)، و«غريب الحديث» لـ الخطابي (1/253)، و«حلية الأولياء» لـ أبي نعيم (3/132)، و«السنن الكبرى» لـ البيهقي (7/39)، وفي «الخلافيات» له (3908)، وفي «شعب الإيمان» (1201).
وروح بن عبادة، كما في «الأوسط» لـ ابن المنذر، ت: الفلاح (10/375)،
سبعتهم رووه عن الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس.
ورواه معتمر بن سليمان، واختلف عليه فيه:
فرواه الإمام أحمد كما في «المسند» (3/100)،
وإسحاق بن راهويه كما في «المجتبى من سنن النسائي» (4508)، وفي «السنن الكبرى» (6054).
وعبد الله بن عمر بن أبان، كما كتاب (ذكر اسم كل صحابي ممن لا أخ له يوافق اسمه.) ثلاثتهم رووه عن المعتمر بن سليمان، عن الأخضر بن عجلان به كرواية الجماعة. خالفهم كل من: ابن أبي شيبة كما في «المصنف» (20202)، ومسدد كما في «مسنده»، انظر: «إتحاف الخيرة» (2729)، وعلي بن سعيد الكندي، كما في «العلل الكبير» لـ الترمذي (312)، ثلاثتهم رووه عن المعتمر، عن الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، عن رجل من الأنصار …وذكر الحديث.
والرواية الموافقة للجماعة أولى أن تكون محفوظة، والخطب سهل؛ لأن غايته أن يكون طريق الجماعة مرسل صحابي، فسواء أكان أنس قد سمعه من النبي ﷺ، أم سمعه من صحابي آخر، فأرسله، فالمدار على ثقة؛ لكن علته تفرد أبي بكر الحنفي فيه، وهو مجهول، والله أعلم
وعبد الرزاق كما في «المصنف»، ط: التأصيل (7514)، وحفص بن غياث كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (10425).
وسفيان بن عيينة كما في «الإشراف في منازل الأشراف» (202)، و«المجالسة وجواهر العلم» لـ الدينوري (2090).
وروح بن عبادة كما في «مكارم الأخلاق» لـ الخرائطي (130)، كلهم عن ابن جريج به.
قال أبو عبيد: هذا حديث في إسناده مقال.
قلت: من أجل حجاج بن أرطاة، والله أعلم.
