حكم الجماعة للمسافر
📌 المدخل إلى المسألة
لم تجب عليه الجماعة قولًا واحدًا.
فهي ليست فرض عين في السفر من باب أولى.
وعليه كثير من الحنفية، وهو المذهب عند المالكية والشافعية، ورواية عن أحمد.
وسبق توثيق ذلك في حكم صلاة الجماعة.
والخلاف في المسألة كالتالي:
جاء في «الأم»:
«وأشبه ما وصفت من الكتاب والسنة ألا يَحِلَّ تَركُ أن يُصلَّى كُلُّ مكتوبة في جماعة حتى لا يَخْلُوا جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن يُصلَّى فيهم صلاة جماعة»[4].
فقوله: (حتى لا يخلو جماعة.. أن يصلى فيهم)، فقوله: (فيهم) إشارة إلى أنها فرض كفاية، وليست فرض عين.
وجاء في «طبقات الشافعية الكبرى» لـ السبكي:
«وأن الجماعة فرض كفاية على المقيمين والمسافرين، خلافًا لـ الرافعي حيث قال: سنة مطلقًا، ولـ النووي حيث قال: فرض كفاية على غير المسافرين»[5].
إذا وضع عن المسافر شطر الصلاة، وأبيح له الجمع، وأسقط عنه أكثر السنن الراتبة تخفيفًا عليه، خفف عنه الجماعة من باب أولى؛ لأن من خفف عليه في ذات العبادة خفف عليه في مكانها من باب أولى.
إذا لم تجب الجمعة على المسافر لم تجب عليه الجماعة من باب أولى، فلقد كان النبي ﷺ نازلًا بعرفات في حجة الوداع، في أكبر جمع يشهده المسلمون حين ذاك، وقد خطب فيهم عليه الصلاة والسلام، ثم نزل فصلى ركعتين سرًّا لم يجهر بهما، فعلم أنه صلى ظهرًا.
ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال:
حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس. فقال: «ائتوني بهذين الرجلين». قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما. فقال: «ما منعكما أن تصليا مع الناس؟». قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: «فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه؛ فإنها له نافلة»[6].
ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثني زائدة بن قدامة، حدثني السائب بن حبيش الكلاعي، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال: قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ قال: قلت: في قرية دون حمص. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية، لا يؤذن، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية»[7].
[انفرد به السائب بن حبيش الكلاعي، لم يرو عنه غير زائدة ففيه جهالة].
أن الحديث خص في إقامة الصلاة أهل القرية، فلا يدخل المسافر في الخطاب.
كل دليل استدل به على أن صلاة الجماعة في الحضر سنة، فهو دليل على عدم وجوبها في السفر، وقد ذكرت أكثر من عشرة أدلة، منها أحاديث، ومنها آثار عن الصحابة، فارجع إليها غير مأمور.
جاء في «الدرر البهية من الفتاوى الكويتية»:
«اتفق الفقهاء على أنه لا جماعة على المسافر: وهو من غادر بلده قاصدًا مسافةً لا تقل عن ثمانين كيلومترًا تقريبًا»[8].
ولا يصح الإجماع، كما علمتَ من الأقوال في المسألة.
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ [النساء: 102].
قوله: ﴿ فَلْتَقُمْ ﴾ أمر، والأصل في الأمر الوجوب، وإذا أوجب الله الصلاة جماعة حال الخوف، فإنه دليل على وجوب الجماعة في السفر؛ لأن النبي ﷺ لم يصل صلاة الخوف إلا في السفر[9].
سبق الجواب عن الاستدلال بهذه الآية على وجوب الصلاة في الحضر، فما كان جوابًا عن الآية هناك كان جوابًا عنها هنا، والآية لا دليل فيها، لا من حيث دلالة الأمر؛ فإنه لم يأمر بالصلاة جماعة ابتداء، فلم يقل: (فإذا كنت فيهم فأقم لهم الصلاة)، ولو صح الأمر في الآية بالصلاة جماعة فلم يكن من أجل إقامة الجماعة لذاتها، وإنما كان المشركون يتربصون بالمسلمين وقت الصلاة ليصيبوا منهم غِرَّةً، فنزل جبريل بهذه الصفة، فكان ذلك من أجل دفع خطر العدو، لا من أجل إقامة الجماعة، كما يفيده حديث جابر -رضي الله عنه- في «مسلم»[10].
ما رواه «مسلم» من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم قال: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: أتى النبيَّ ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل رسولَ الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟». فقال: نعم. قال: «فأجب»[11].
قوله: «أتسمع النداء؟»، مطلق، يشمل الحاضر والمسافر، فكل من سمع النداء فهو مطالب بالإجابة.
أن الحديث معلٌّ سندًا ومتنًا[12].
لو صح الحديث لم يشمل المسافر؛ لأن المسافر إذا لم يدخل في نداء الجمعة، لم يدخل في نداء الصلوات الخمس من باب أولى، وقد قدمت في أدلة القول الأول أن الجمعة لا تجب على المسافر.
ما رواه «البخاري» من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»[13].
«إذا سمعتم الإقامة» فاسم شرط «إذا»، من ألفاظ العموم، فكل من سمع الإقامة فهو مأمور بالمشي إلى الصلاة، ومنه المسافر إذا كان نازلًا في بلد، فإن له حكم أهل البلد، وإن كان يصدق عليه أنه مسافر.
بأن الشرع لم يعط المسافر حكم أهل البلد، فإن له أن يقصر ويفطر، وليس لأهل البلد ذلك، وإذا كان سماع إقامة الجمعة قد خُصَّ منه المسافر فـ الجماعة من باب أولى، انظر بيان ذلك في أدلة القول الأول، والله أعلم.
أن الجماعة لا تجب على المسافر، فمن شرع له القصر تخفيفًا على المسافر، فـ الجماعة أولى.
جاء في «مجمع الأنهر» (1/169): «(وشرط وجوبها) أي الجمعة (ستة الإقامة بمصر) فلا تجب على المسافر، وإن عزم أن يمكث فيه يوم الجمعة، بخلاف القروي العازم فيه، فإنه كأهل المصر».
وجاء في «البحر الرائق» (2/163): «وشرط وجوبها: الإقامة، والذكورة، والصحة، والحرية وسلامة العينين والرجلين، فلا تجب على مسافر، ولا على امرأة، ولا مريض، ولا عبد، ولا أعمى، ولا مقعد؛ لأن المسافر يحرج في الحضور، وكذا المريض والأعمى».
وجاء في «المحيط البرهاني» (2/63، 64): «المعذور من المريض والمسافر والعبد إذا أدى الظهر في منزله ثم سعى إلى الجمعة انتقض الظهر، وقال زفر: لا ينتقض».
وقال في «الفتاوى الهندية» (1/149): «ويستحب للمريض والمسافر وأهل السجن تأخير الظهر إلى فراغ الإمام من الجمعة، وإن لم يؤخر يكره في الصحيح».
وقال في «العناية» (2/62): «سقوط فرض السعي عنهم لم يكن لمعنى في الصلاة بل للحرج والضرر، فإذا تحملوا التحقوا في الأداء بغيرهم، وصاروا كمسافر صام».
فتبين من هذه النصوص أن السعي إلى الجمعة لا يجب على المسافر، سائرًا كان أم نازلًا، وإذا لم يكلف السعي إلى الجمعة مع الإجماع على وجوبها في الحضر، لم يكلف في الصلوات الخمس من باب أولى.
ولم يختلف المالكية والشافعية أن الجماعة ليست فرض عين في الحضر، فالسفر من باب أولى.
وقال الحطاب في «مواهب الجليل» (2/81): «حكم صلاة الجماعة سنة، وهذا هو الذي عليه أكثر الشيوخ وكثيرهم يقول: سنة مؤكدة».
وقال خليل في «المختصر»: (ص: 40): «الجماعة بفرض -غير جمعة- سنة».
وشهره في «تحبير المختصر»(ص: 1/404)، قال: «المشهور كما قال: أن صلاة الجماعة سنة. وزاد ابن شاس: مؤكدة».
وقال المازري في «شرح التلقين» (2/704): «فـالظاهر من مذهبنا، ومذهب الدهماء من العلماء: أنها سنة مؤكدة».
وجاء في «منهج الطلاب» (ص: 20): «صلاة الجماعة فرض كفاية لرجال أحرار مقيمين لا عراة».
وقال الماوردي في «الحاوي» (2/297): «فأما الجماعة لسائر الصلوات المفروضات فلا يختلف مذهب الشافعي وسائر أصحابه أنها ليست فرضًا على الأعيان».
وإذا لم تكن فرض عين على المقيم لم تكن فرض عين على المسافر من باب أولى.
وانظر: «تبيين الحقائق» (1/221)، «تحفة الفقهاء» (1/161)، «المبسوط» (2/22)، «بدائع الصنائع» (1/258)، «النهاية في شرح الهداية» (4/64)، «جامع الأمهات» (ص: 107)، «شرح التلقين» (2/704)، «مختصر ابن عرفة» (1/310)، «التاج والإكليل» (2/395)، «تحرير الفتاوى» (1/322)، «المقدمة الحضرمية» (ص: 90)، «أسنى المطالب» (1/209)، «فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب» (ص: 69)، «طرح التثريب» (2/299)، «نهاية المطلب» (2/366)، «عمدة السالك» (ص: 66).
