حكم الجماعة للمسافر

📌 المدخل إلى المسألة

وضِعَ عن المسافر شطر الصلاة، وأبيح له الجمع، وأسقط عنه أكثر السنن الراتبة تخفيفًا عليه.
إذا خفف عن المسافر في ذات العبادة فالتخفيف عليه في مكانها من باب أولى.
وقف النبي ﷺ بعرفات في حجة الوداع، في أكبر جمع يشهده المسلمون حين ذاك، وخطب فيهم عليه الصلاة والسلام، ثم نزل فصلى ركعتين سرًّا لم يجهر بهما، فعلم أنه صلى ظهرًا.
إذا لم تجب الجمعة على المسافر لم تجب عليه الجماعة من باب أولى.
حديث يزيد بن الأسود، وفيه: «… ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة»، والحديث وقع في السفر.
اشتمل الحديث على سنة تقريرية بتصحيح فعلهما، وسنة قولية بالإذن لهما في المستقبل بالصلاة في الرحل، وقد وقع في حجة الوداع فيبعد أن يكون منسوخًا.
حديث: «إذا صلى أحدكم في رحله …» إلخ، لفظ: «أحد» مفرد مضاف، فيعم، فيشمل الإذنُ الفذَّ كما يشمل الجماعةَ.

💡لا يختلف العلماء في مشروعية الجماعة للمسافر.
وأما وجوب الجماعة عليه:
فإن كان قد جَدَّ به السير، ولم يكن معه من يقيم معه الجماعة:

لم تجب عليه الجماعة قولًا واحدًا.

وإن كان نازلًا في مصرٍ ينادى به للصلاة، ولا يزال يصدق عليه أنه مسافر، فاختلفوا في وجوب الجماعة عليه:
فمن قال: إن الجماعة ليست فرض عين في الحضر.

فهي ليست فرض عين في السفر من باب أولى.

وعليه كثير من الحنفية، وهو المذهب عند المالكية والشافعية، ورواية عن أحمد.

وسبق توثيق ذلك في حكم صلاة الجماعة.

ومن قال: إن الجماعة فرض عين في الحضر -كما هو قول كثير من الحنفية، وهو المذهب عند الحنابلة-، فقد اختلفوا في وجوب الجماعة على المسافر.
والخلاف في المسألة كالتالي:
قيل: لا تجب الجماعة على المسافر.
وهو مذهب المالكية والشافعية وظاهر مذهب الحنفية[1].
وقيل: فرض عين على المسافر.
وهو مذهب الحنابلة[2].
وقيل: فرض كفاية على المقيم والمسافر.
وهو المنصوص في «الأم»، ورجحه السبكي في «الطبقات الكبرى»[3].

جاء في «الأم»:
«وأشبه ما وصفت من الكتاب والسنة ألا يَحِلَّ تَركُ أن يُصلَّى كُلُّ مكتوبة في جماعة حتى لا يَخْلُوا جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن يُصلَّى فيهم صلاة جماعة»[4].

وجه الدلالة

فقوله: (حتى لا يخلو جماعة.. أن يصلى فيهم)، فقوله: (فيهم) إشارة إلى أنها فرض كفاية، وليست فرض عين.

وجاء في «طبقات الشافعية الكبرى» لـ السبكي:
«وأن الجماعة فرض كفاية على المقيمين والمسافرين، خلافًا لـ الرافعي حيث قال: سنة مطلقًا، ولـ النووي حيث قال: فرض كفاية على غير المسافرين»[5].

دليل من قال: الجماعة لا تجب على المسافر
الدليل الأول

إذا وضع عن المسافر شطر الصلاة، وأبيح له الجمع، وأسقط عنه أكثر السنن الراتبة تخفيفًا عليه، خفف عنه الجماعة من باب أولى؛ لأن من خفف عليه في ذات العبادة خفف عليه في مكانها من باب أولى.

الدليل الثاني

إذا لم تجب الجمعة على المسافر لم تجب عليه الجماعة من باب أولى، فلقد كان النبي ﷺ نازلًا بعرفات في حجة الوداع، في أكبر جمع يشهده المسلمون حين ذاك، وقد خطب فيهم عليه الصلاة والسلام، ثم نزل فصلى ركعتين سرًّا لم يجهر بهما، فعلم أنه صلى ظهرًا.

الدليل الثالث

ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال:
حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس. فقال: «ائتوني بهذين الرجلين». قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما. فقال: «ما منعكما أن تصليا مع الناس؟». قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: «فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه؛ فإنها له نافلة»[6].

الدليل الرابع

ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثني زائدة بن قدامة، حدثني السائب بن حبيش الكلاعي، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال: قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ قال: قلت: في ‌قرية دون حمص. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ‌ثلاثة في ‌قرية، لا يؤذن، ولا ‌تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية»[7].

[انفرد به السائب بن حبيش الكلاعي، لم يرو عنه غير زائدة ففيه جهالة].

وجه الاستدلال

أن الحديث خص في إقامة الصلاة أهل القرية، فلا يدخل المسافر في الخطاب.

الدليل الخامس

كل دليل استدل به على أن صلاة الجماعة في الحضر سنة، فهو دليل على عدم وجوبها في السفر، وقد ذكرت أكثر من عشرة أدلة، منها أحاديث، ومنها آثار عن الصحابة، فارجع إليها غير مأمور.

الدليل السادس

جاء في «الدرر البهية من الفتاوى الكويتية»:
«اتفق الفقهاء على أنه لا جماعة على المسافر: وهو من غادر بلده قاصدًا مسافةً لا تقل عن ثمانين كيلومترًا تقريبًا»[8].

ولا يصح الإجماع، كما علمتَ من الأقوال في المسألة.

دليل من قال: الجماعة للمسافر فرض عين
الدليل الأول

قال تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ [النساء: 102].

وجه الاستدلال

قوله: ﴿ فَلْتَقُمْ ﴾ أمر، والأصل في الأمر الوجوب، وإذا أوجب الله الصلاة جماعة حال الخوف، فإنه دليل على وجوب الجماعة في السفر؛ لأن النبي ﷺ لم يصل صلاة الخوف إلا في السفر[9].

ونوقش هذا

سبق الجواب عن الاستدلال بهذه الآية على وجوب الصلاة في الحضر، فما كان جوابًا عن الآية هناك كان جوابًا عنها هنا، والآية لا دليل فيها، لا من حيث دلالة الأمر؛ فإنه لم يأمر بالصلاة جماعة ابتداء، فلم يقل: (فإذا كنت فيهم فأقم لهم الصلاة)، ولو صح الأمر في الآية بالصلاة جماعة فلم يكن من أجل إقامة الجماعة لذاتها، وإنما كان المشركون يتربصون بالمسلمين وقت الصلاة ليصيبوا منهم غِرَّةً، فنزل جبريل بهذه الصفة، فكان ذلك من أجل دفع خطر العدو، لا من أجل إقامة الجماعة، كما يفيده حديث جابر -رضي الله عنه- في «مسلم»[10].

الدليل الثاني

ما رواه «مسلم» من طريق ‌مروان الفزاري، عن ‌عبيد الله بن الأصم قال: حدثنا ‌يزيد بن الأصم، عن ‌أبي هريرة قال: أتى النبيَّ ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل رسولَ الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟». فقال: نعم. قال: «فأجب»[11].

وجه الاستدلال

قوله: «أتسمع النداء؟»، مطلق، يشمل الحاضر والمسافر، فكل من سمع النداء فهو مطالب بالإجابة.

وأجيب عن الاستدلال بجوابين
الجواب الأول

أن الحديث معلٌّ سندًا ومتنًا[12].

الجواب الثاني

لو صح الحديث لم يشمل المسافر؛ لأن المسافر إذا لم يدخل في نداء الجمعة، لم يدخل في نداء الصلوات الخمس من باب أولى، وقد قدمت في أدلة القول الأول أن الجمعة لا تجب على المسافر.

الدليل الثالث

ما رواه «البخاري» من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «‌إذا ‌سمعتم ‌الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»[13].

وجه الاستدلال

«‌إذا سمعتم الإقامة» فاسم شرط «‌إذا»، من ألفاظ العموم، فكل من سمع الإقامة فهو مأمور بالمشي إلى الصلاة، ومنه المسافر إذا كان نازلًا في بلد، فإن له حكم أهل البلد، وإن كان يصدق عليه أنه مسافر.

وأجيب

بأن الشرع لم يعط المسافر حكم أهل البلد، فإن له أن يقصر ويفطر، وليس لأهل البلد ذلك، وإذا كان سماع إقامة الجمعة قد خُصَّ منه المسافر فـ الجماعة من باب أولى، انظر بيان ذلك في أدلة القول الأول، والله أعلم.

الراجح

أن الجماعة لا تجب على المسافر، فمن شرع له القصر تخفيفًا على المسافر، فـ الجماعة أولى.

الحواشي والمراجع
[1] ظاهر مذهب الحنفية أن الجماعة لا تجب على المسافر؛ لأنهم لا يوجبون الجمعة على المسافر، ولو كان ماكثًا في مصر، وإذا لم يجب عليه السعي للجمعة لم يجب عليه السعي للجماعة من باب أولى.
جاء في «مجمع الأنهر» (1/169): «(وشرط وجوبها) أي الجمعة (ستة الإقامة بمصر) فلا تجب على المسافر، وإن عزم أن يمكث فيه يوم الجمعة، بخلاف القروي العازم فيه، فإنه كأهل المصر».
وجاء في «البحر الرائق» (2/163): «‌وشرط ‌وجوبها: الإقامة، والذكورة، والصحة، والحرية وسلامة العينين والرجلين، فلا تجب على مسافر، ولا على امرأة، ولا مريض، ولا عبد، ولا أعمى، ولا مقعد؛ لأن المسافر يحرج في الحضور، وكذا المريض والأعمى».
وجاء في «المحيط البرهاني» (2/63، 64): «المعذور من المريض والمسافر والعبد إذا أدى الظهر في منزله ثم سعى إلى الجمعة انتقض الظهر، وقال زفر: لا ينتقض».
وقال في «الفتاوى الهندية» (1/149): «ويستحب للمريض والمسافر وأهل السجن تأخير الظهر إلى فراغ الإمام من الجمعة، وإن لم يؤخر يكره في الصحيح».
وقال في «العناية» (2/62): «سقوط فرض السعي عنهم لم يكن لمعنى في الصلاة بل للحرج والضرر، فإذا تحملوا التحقوا في الأداء بغيرهم، وصاروا كمسافر صام».
فتبين من هذه النصوص أن السعي إلى الجمعة لا يجب على المسافر، سائرًا كان أم نازلًا، وإذا لم يكلف السعي إلى الجمعة مع الإجماع على وجوبها في الحضر، لم يكلف في الصلوات الخمس من باب أولى.
ولم يختلف المالكية والشافعية أن الجماعة ليست فرض عين في الحضر، فالسفر من باب أولى.
وقال الحطاب في «مواهب الجليل» (2/81): «حكم صلاة الجماعةسنة، وهذا هو الذي عليه أكثر الشيوخ وكثيرهم يقول: سنة مؤكدة».
وقال خليل في «المختصر»: (ص: 40): «الجماعة بفرض -غير جمعة- سنة».
وشهره في «تحبير المختصر»(ص: 1/404)، قال: «المشهور كما قال: أن صلاة الجماعةسنة. وزاد ابن شاس: مؤكدة».
وقال المازري في «شرح التلقين» (2/704): «فـالظاهر من مذهبنا، ومذهب الدهماء من العلماء: أنها سنة مؤكدة».
وجاء في «منهج الطلاب» (ص: 20): «صلاة ‌الجماعةفرض ‌كفاية لرجال أحرار ‌مقيمين لا عراة».
وقال الماوردي في «الحاوي» (2/297): «فأما الجماعة لسائر الصلوات المفروضات فلا يختلف مذهب الشافعي وسائر أصحابه أنها ليست فرضًا على الأعيان».
وإذا لم تكن فرض عين على المقيم لم تكن فرض عين على المسافر من باب أولى.
وانظر: «تبيين الحقائق» (1/221)، «تحفة الفقهاء» (1/161)، «المبسوط» (2/22)، «بدائع الصنائع» (1/258)، «النهاية في شرح الهداية» (4/64)، «جامع الأمهات» (ص: 107)، «شرح التلقين» (2/704)، «مختصر ابن عرفة» (1/310)، «التاج والإكليل» (2/395)، «تحرير الفتاوى» (1/322)، «المقدمة الحضرمية» (ص: 90)، «أسنى المطالب» (1/209)، «فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب» (ص: 69)، «طرح التثريب» (2/299)، «نهاية المطلب» (2/366)، «عمدة السالك» (ص: 66).
[2] «المبدع» (2/49)، «التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع» (ص: 105)، «الإقناع» (1/158)، «معونة أولي النهى» (2/321)، «الفروع» (2/420)، «كشاف القناع»، ط العدل (3/143)، «شرح منتهى الإرادات» (1/259)، «حاشية الروض» (2/256).
[3] «الأم» (1/179)، «طبقات الشافعية الكبرى» (10/238)، «بداية المحتاج» (1/322)، «أحكام القرآن» لـ الشافعي جمع البيهقي (ص: 135)، «الأوسط» لـ ابن المنذر (4/137)، «معرفة السنن» لـ البيهقي (4/100).
[4] «الأم» (1/179).
[5] «طبقات الشافعية الكبرى» لـ تاج الدين السبكي (10/238).
[6] «المسند» (4/161)، وسبق تخريجه، انظر: (ح-1151).
[7] «المسند» (5/196).
[8] «الدرر البهية من الفتاوى الكويتية» (10/ 347).
[9] «مجموع الفتاوى» (23/227)، «الفتاوى الكبرى» لـ ابن تيمية (2/270)، «الأوسط» لـ ابن المنذر (4/134).
[10] «صحيح مسلم» (308-840).
[11] «صحيح مسلم» (255-653).
[12] سبق تخريجه، انظر: (ح ).
[13] «صحيح البخاري» (636)، و«صحيح مسلم» (151-602).
شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *