حكم تأخير الزكاة عن وقت وجوبها[جديد]

📌 المدخل إلى المسألة

صيغة الأمر تدل على الطلب ومطلقه على الفور، ولا يحمل على التراخي إلا بدليل؛ لأن تأخير الواجب لا إلى غاية معينة يتضمن جواز الترك، وذلك ينافي الوجوب.
إذا دلت القرينة على أن الأمر على الفور أو على التراخي عمل بها.
الأمر بإيتاء الزكاة فيه قرينة على الفورية، لأنها شرعت لدفع حاجة الفقير؛ وفي التأخير إضرار به.
أجاز الشافعية والحنابلة تأخير الزكاة لأسباب عارضة.
يجوز تأخير الزكاة إذا خاف ضررًا على نفسه أو ماله، أو خاف رجوع ساعٍ أو خاف أن تختل كفاية معيشته بإخراجها، وتؤخذ منه عند يساره؛ لحديث أبي سعيد: «لا ضرر ولا ضرار».
إذا جاز تأخير دين الآدمي دفعًا للضرر جاز تأخير دفع الزكاة من باب أولى.
اختلف الفقهاء في أداء الزكاة: هل يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها؟
فقيل: إذا وجبت الزكاة وجب إخراجها فورًا مع إمكانه.

وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، اختاره أبو الحسن الكرخي منهم، وحكاه عن محمد بن الحسن وأبي يوسف، ونسبه ابن الهمام عن الثلاثة: أبي حنيفة وصاحبيه، وعليه الفتوى، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة[1].

وأجاز المالكية: تأخيرها اليوم واليومين.

وأجاز الشافعية والحنابلة: تأخيرها للمصلحة.

وأجاز الحنابلة: تأخيرها دفعًا للضرر عن نفسه، أو عن ماله، أو من أجل كفاية معيشةٍ ونحوه[2].

قال الأثرم:
سُئل أبو عبد اللَّه -يعني: الإمام أحمد– عن رجل يحول الحول على ماله، فيؤخر عن وقت الزكاة؟ قال: ولم يؤخر؟ يخرجها إذا حال الحول. وشدَّد في ذلك.
قيل له: فإنْ حال الحول فابتدأ في إخراجها، فجعل يخرج أوَّلًا فأولًا. قال: لا يخل، يخرجها كلَّها إذا حال عليه الحول. وشدَّد في ذلك[3].

وقال النووي:
الزكاة عندنا يجب إخراجها على الفور، فإذا وجبت، وتمكن من إخراجها لم يجز تأخيرها…. فإن أخر بعد التمكن عصى وصار ضامناً[4].

وقيل: تجب على التراخي.
وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره أبو عبد الله الثلجي من أصحاب أبي حنيفة، وقال: عامة مشايخنا على التراخي، واختاره الجصاص من الحنفية، وهو رواية عن أحمد[5].

فالله سبحانه وتعالى أمر بإيتاء الزكاة أمرًا مطلقًا، فقال سبحانه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النور: 56]، ولم يوقت وقتًا لإخراج الزكاة.

فهل هذا يعني: وجوب الفورية في إخراج الزكاة؟ أو يدل على السعة وجواز التأخير؟

وهذه المسألة فرع عن مسألة أصولية: الأمر المطلق، أيقتضي الفورية، أم لا؟

وليس هناك نص في المسألة عن الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وإنما أصحابهم أخذوا مذاهبهم من بعض نصوصهم في بعض الفروع، وقد قال بعضهم: وهذا خطأ في نقل المذاهب؛ إذ الفروع تبنى على الأصول وليس العكس، هذا يصدق لو أنه أخذ هذا الحكم من فرع واحد، أما اطراد الفروع عند الإمام فلا شك أنه يدل على صحة الأصل[6].

وأما أصحاب الأئمة فقد اختلفوا في الأمر المطلق.
فقيل: يقتضي الفورية.
اختاره أبو الحسن الكرخي وتلميذه الجصاص من الحنفية، وهو مذهب البغداديين من أصحاب الإمام مالك، واختاره بعض الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة[7].
ومعنى الفور: هو الشروع في الامتثال عقيب الأمر، من غير فصل.
وقيل: الأمر المطلق يدل على الفور أو العزم على الفعل.
حكاه ابن الحاجب عن القاضي، ونقله صاحب «المصادر» عن أبي علي، وأبي هاشم، وعبد الجبار، بنوه على أصلهم في الواجب الموسع أنه لا يؤخر إلا مع العزم على الفعل[8].
وقيل: الأمر لا يقتضي الفورية، وجميع العمر وقت للأداء.
وهذا مذهب الحنفية، واختاره أبو بكر الباقلاني من المالكية، وبه قال المغاربة من أصحاب مالك، وعليه أكثر الشافعية، وأومأ إليه أحمد في رواية الأثرم[9].

قال إلكيا الهراسي في «التعليقة»:
الذي عليه الجمهور من الأصوليين والفقهاء أنه لا يقتضي الفور، وهو الذي كان يميل إليه القاضي أبو بكر[10].

ومعنى (أن الأمر المطلق على التراخي): أنه يجوز تأخيره، لا أنه يجب تأخيره فإن أحدًا لا يقول ذلك، ولهذا فضلتُ عبارة: لا يقتضي الفورية، بدلًا من قول بعضهم: يقتضي التراخي.
وقيل: موقوف على البيان؛ لأنه ليس في الصيغة ما ينبئ عن الوقت، فيكون مجملًا في حقه. وهذا أضعفها[11].
دليل من قال: إخراج الزكاة على الفور:
الدليل الأول:

قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 114]

وجه الاستدلال من الآية:
ما يخرج يوم الحصاد ليس هو الزكاة؛ للاتفاق على أن إخراج الزكاة لا يكون يوم الحصاد.

قال الإمام الطبري:
«الجميع مجمعون لا خلاف بينهم: أنّ صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدِّياس والتنقية والتذرية، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الإجزاز»

وقد اختلف العلماء في تفسير (الحق) في هذه الآية على أقوال ثلاثة:
فقيل: ﴿حقه يوم حصاده﴾: يعني: زكاته المفروضة.
روي هذا القول عن أنس، وأحد القولين عن ابن عباس، ولا يصح عنهما، وبه قال الحسن وطاوس، وابن جريج وغيرهم[12].
وقيل: الآية نسخت بفريضة الزكاة.
وهذا مروي عن ابن عباس في أحد قوليه، ولا يصح عنه، وبه قال محمد بن الحنفية، والنخعي في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، والسدي[13].

وقد يكون مرادهم من النسخ بيان ما أجمل من الآية.

يقول ابن رجب:
«وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح، فإن السَّلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرًا»[14].

وقد صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي وابن العربي، وغيرهم[15]، على خلاف إطلاق المتأخرين.

وما صح عن ابن عباس هو ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «من أدى زكاة ماله فليس عليه جناح ألا يتصدق».
[صحيح][16].

قال ابن عبد البر:
«وعلى هذا مذهب أكثر الفقهاء، أنه ليس في الأموال حق واجب غير الزكاة»[17].

وقيل: الآية محكمة، والمقصود بها: إعطاء من حضر من الفقراء يوم الحصاد قبضة من الطعام، وهو غير الزكاة.
وهذا القول يذهب إلى أن في المال حقًّا سوى الزكاة.
وهو مروي عن ابن عمر، ولا يصح عنه، وبه قال مجاهد، وعطاء، والنخعي في أحد قوليه، والحسن في أحد قوليه، وأبو العالية[18].

قال الإمام الطبري في «تفسيره»:
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: كان ذلك فرضًا فرضه الله على المؤمنين في طعامِهم وثمارهم التي تُخْرجها زروعهم وغرُوسهم، ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة، والوظيفة المعلومةِ من العشر ونصف العشر، وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم: أنّ صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدِّياس والتنقية والتذرية، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الإجزاز [19]. يعني: أنها لا تؤخذ يوم الحصاد.

ولا يمنع أن يكون الحق يوم الحصاد من قبيل المستحب، وليس الواجب؛ لأن الواجبات لا تترك بلا تقدير.

ومثله ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، قال: سمعت عبيد بن عمير يقول: هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك؟ فقال: مثل قول عبيد بن عمير.

وقال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول الله، ما حق الإبل؟ قال: «حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة فحلها ومنيحتها، وحمل عليها في سبيل الله»[20].

قال ابن عبد البر:
«هذا الحديث على الندب والإرشاد إلى الفضل أو يكون قبل نزول فرض الزكاة، ونسخ بفرض الزكاة؛ لما ذكرنا من الدلائل، وإذا كان قبل نزول فرض الزكاة ونسخ بها كما نسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، عاد كله فضلًا وفضيلة بعد أن كان فريضة، والله أعلم.»

الدليل الثاني:

قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:12] فعابه على أنه لم يأت في الحال بالمأمور به.

وجه الاستدلال:
أنكر عليه عدم الامتثال للسجود بعد أن وجه له الأمر بالسجود، فدل على أن الأمر المطلق يقتضي الفورية.
وأجيب:

بأن الكلام في الأمر المطلق، فأما ما علق بالفاء فيكون الأمر مقرونًا بما يدل على أنه للفور، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]، فوقع الأمر بالسجود جزاء للشرط، والجزاء يحصل عقيب الشرط، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6] «فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك».

قال أبو الحسين بن القطان: فاختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: أنه على الفور؛ لأن الفاء للتعقيب، والثاني لا يقتضيه.

قال: والصحيح:
هو الأول للإجماع على أن الفاء للتعقيب. انظر: «البحر المحيط» (3/333).

الدليل الثاني (مكرر في الترقيم):

قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾

وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبقُِوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148].

والأصل في الأمر للوجوب.

وأجيب:

أما الأمر بالمسارعة إلى المغفرة فهو دليل على أن المراد بالآية التوبة من الذنوب، والإنابة إلى الله؛ لأنها هي التي تتعلق بها المغفرة في الحقيقة فوجب حمل الآية عليها.

هذا من جهة.

ومن جهة أخرى لا نسلم أن حصول الفورية مستفادة من الأمر، بل إيجاب الفور مستفاد من لفظ المسارعة والاستباق فهما دالان على الفورية كيفما تصرفا، والكلام إنما هو في الأمر المطلق، وهو يشمل الواجب والمندوب، فلم يتعينا دليلًا على الوجوب.

الدليل الثالث:

روى البخاري من طريق عمر بن سعيد، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، عن عقبة قال: صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته فقال: «ذكرت شيئًا من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته»[21].

وفي رواية لـ البخاري: «تبرًا من الصدقة فكرهت أن أبيته، فقسمته»[22].

وجه الاستدلال:

كون النبي ﷺ يتخطى رقاب الناس، ولا ينتظر حتى يفرغ من أذكار الصلاة كل ذلك يدل على وجوب المبادرة.

قال ابن بطال: وفيه: أن من حبس صدقة للمسلمين من وصية أو زكاة أو غيرها، أنه يخاف عليه أن يحبس بها يوم القيامة في الموقف، لقوله عليه السلام: «كرهت أن يحبسني»، يعنى: في الآخرة، والله أعلم»[23].

ويجاب:

بأن دلالة الفعل لا تصل إلى الوجوب، نعم فيه فضيلة تعجيل إخراج الصدقة، وجميع أفعال البر الواجبة، وفي الرواية الثانية: فكرهت أن أبيته، وتبييت الشيء: حبسه عندك ليلًا، والرواية الثانية تفسر الرواية الأولى، فيكون المعنى: كره عليه الصلاة والسلام أن يحبسه شيء عن إخراجه حتى يؤدي ذلك إلى بياته عنده.

الدليل الرابع:

لو لم يكن الامتثال على الفور لتعلق الامتثال بوقت مجهول، وهذا لا يجوز؛ لأن الأمر لو كان على التراخي لم يَخْلُ المأمور به من أحد أمرين: إما أن يكون له تأخيره أبدًا، حتى لا يلحقه التفريط، ولا يستحق الوعيد إن مات قبل فعله، أو يكون مفرطًا مستحقًا للوعيد إذا تركه حتى مات.

فإن قلنا إنه لا يكون مفرطًا بتركه في حياته:
خرج عن حد الوجوب، وصار في حيز النوافل؛ لأن ما كان المأمور مخيرًا بين فعله وتركه، فهو نافلة، أو مباح.

وإن قلنا: إنه يلحقه التفريط بالموت:
أدى ذلك إلى أن يكون الله تعالى ألزمه إتيان عبادة في وقت، لم ينصب له عليه دليلًا يوصله إلى العلم به، ونهاه عن تأخيرها عنه، ولا يجوز أن يتعبده الله بعبادة في وقت مجهول، كما لا يجوز أن يتعبده بعبادة مجهولة. فإذا بطل هذان القسمان صح أن الأمر على الفور.

وأجيب:

أن هذا يبطل بالنذر وبالكفارة وما جرى مجراهما من حقوق الله تعالى التي تثبت في ذمته في وقت غير معين، فإن هذا التقسيم موجود فيه ثم وجوبها على التراخي، ولا يكون وجوب الفعل عليه متعلقًا بأول أحوال الإمكان.

وجواب آخر:
إذا مات قبل الفعل لم يعص، ولا يلحق بالنوافل؛ لأنا نوجب عليه العزم على الفعل في الفرائض.

ومن أصحابنا من قال إنه يعصي إذا غلب على ظنه فواته فإن اخترم بغتة لم يعص، وهذا لا يمنع ألا ترى أن الوصية كانت واجبة قبل النسخ، وكان وجوبها متعلقًا بهذا المعنى، فلو اخترم فجأة لم يعص بتركها، ولم يدل ذلك أنها غير واجبة[24].

الدليل الخامس:

وروى البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان، أن النبي عليه السلام لما قال لأصحابه في صلح الحديبية: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس[25].

فلو لم يكن الأصل في الأمر الفورية لم يغضب النبي عليه السلام.

وأجيب:

بأن الدليل قد يعكس، فيقال: لولا اعتقادهم أن الأمر المطلق لا يدل على الفورية لما تأخروا، ولذلك لما نحر النبي ﷺ هديه بادروا بالامتثال.

قال ابن حجر: «كأنهم توقفوا؛ لاحتمال أن يكون الأمر بذلك لـ الندب، أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام؛ لإتمام نسكهم، وسوغ لهم ذلك؛ لأنه كان زمان وقوع النسخ… أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور… وليس فيه حجة لمن أثبت أن الأمر للوجوب لا للندب لما يطرق القصة من الاحتمال»[26].

الدليل السادس:

قوله: (افعل) يقتضي إيجاد الفعل، فلو قلنا: إنه على التراخي لأثبتنا تخييرًا لا يدل عليه اللفظ.

وعورض هذا:

بأن الأمر لا يدل على التراخي، وإنما نقول: لا يقتضي الفورية، وبينهما فرق.

وما قالوه معارض بأن لفظ الأمر يقتضي إيجاد الفعل، فمن جعله على الفور فقد زاد في اللفظ زيادة وأثبت تخصيصًا لا يدل عليه اللفظ، وهذا لا يجوز.

الدليل السابع:

بأن الفعل قربة في أول الوقت فمن أثبت القربة في الوقت الثاني احتاج إلى دليل.

وأجيب:

بأن الذي اقتضى كون الفعل قربة في الوقت الأول تناول الأمر فحسب، وقد بينا أن تناوله للوقت الثاني والأول واحد، فوجب أن يكون قربة في الجميع، ومن ادعى اختصاص تناول الأمر بالقربة في الوقت الأول فقط فعليه الدليل.

أو يقال:
هذا من قبيل رد المختلف فيه بالمتفق عليه، فمن امتثل الأمر على الفور فقد أحسن، وهو متفق على صحته، إلا أن هذا المتفق عليه لا يكفي حجة لإبطال المختلف فيه.

فإن قيل: أليس إذا اختلفوا في المسألة على أقاويل يجوز الأخذ بأقل ما قيل، إذا لم تدل على الزيادة دلالة؟
فالجواب:

أن هذا مشروط بما إذا لم تدل على الزيادة دلالة، والمخالف يدعي قيام الدلالة على الزيادة.

ولأن ذلك الأقل قول بعض الأمة، وذلك لا يعد إجماعًا، عند الجمهور، فلا يعد حجة.

قال ابن قدامة في «الروضة»: «الأخذ بأقل ما قيل ليس إجماعًا عند الجمهور»[27].

ولأن المتفق عليه لا يكون حجة لإبطال المختلف عليه.

دليل من قال: إخراج الزكاة على التراخي:
الدليل الأول:

الأمر يقتضي استدعاء الفعل، وليس فيه تعرض للوقت؛ فإذا فعله في أي وقت وجب أن يكون ممتثلًا للأمر.

ولأن الشارع إذا خصه بوقت متأخر، وجب تأخيره كما إذا خصه بوقت متقدم وجب تقديمه، فإذا لم يكن الوقت مذكورًا، فليس هو بالتعجيل أولى منه بالتأخير.

وأيضًا:
الفور والتراخي من صفات الفعل، ولا دلالة للموصوف على الصفة، فيكون مخيرًا في أول الوقت بين الفعل والعزم على الفعل إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخره لفات إما لضعف أو خوف هلاك.

ونوقش هذا من وجهين:

الوجه الأول:

أن الأمر استدعاء على صفة هي الفور، فإنه وإن لم يكن منطوقًا فإنه مقدر فيه كما اقتضى النهي الكفَّ على الفور، وإن لم يكن منطوقًا في الصيغة.

فالأمر أحد نوعي خطاب التكليف، فكان على الفور كالنهي.

ورد هذا:

بأن النهي يتناول الكف في جميع الأوقات على الدوام والاتصال، فيعلق بالوقت الأول كما يعلق بجميع الأوقات، وليس كذلك الأمر فإنه لا يقتضي أكثر من وقت واحد، وليس الوقت الأول بأولى من الوقت الثاني فكان جميع الأوقات فيه واحدًا.

و بدليل أنه لو قال لك في صيغة الأمر: (افعل وتعجل)، لم تكن كلمة (تعجل) توكيدًا، بل تأسيسًا، ألا ترى أن الصوم لما كان يفوت بفوات الوقت لم يحسن أن يقول: (صم وتعجل)؟ فلما حسن أن يقول له: (افعل وتعجل)، دل على أنه لا يفوت بالتأخير.

الوجه الثاني:

أن الأمر بإيتاء الزكاة فيه قرينة تدل على الفورية، ذلك أن الزكاة شرعت لدفع حاجة الفقير؛ وفي التراخي إضرار به.

الدليل الثاني:

فرض الحج في العام التاسع، وأخر النبي ﷺ الحج عن وقت وجوبه؛ لأنه بعث أبا بكر -رضي الله عنه- إلى موسم الحج، وحج النبي ﷺ في السنة العاشرة مع تقدم فرض الحج على السنة التي حج فيها فدل على أنه لم يقتض الأمر بالحج الفور، والزكاة قياس عليه.

ونوقش من وجهين:

الوجه الأول:

بأن الخلاف إنما هو في أمر مطلق لم يقم دليل على أنه على التراخي، وليس في أمر مطلق قام الدليل على جواز التأخير، فخرج الدليل عن موضوع الخلاف، هذا على الترجيح بأن الأمر بالحج على التراخي.

الوجه الثاني:

أن المشركين قد كانوا يحجون البيت، وكانت تلبيتهم شركًا وكفرًا، وكان منهم من يطوف بالبيت عريانًا الرجال والنساء، فصان الله تعالى نبيه ﷺ عن مشاهدة ذلك، فأمره بتأخير الحج إلى السنة الأخرى لينبذ إلى المشركين عهودهم في تلك السنة وقال: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» فكان ذلك عذرًا للنبي ﷺ في تأخير الحج، والوجه الأول أقوى.

الدليل الثالث:

بقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنِْ شَاءَ اللَّهُ آمِنيِنَ﴾.

جاء في «سيرة ابن هشام»:
«حدثنا أبو عبيدة: أن بعض من كان مع رسول الله ﷺ قال له لما قدم المدينة: ألم تقل يا رسول الله إنك تدخل مكة آمنا؟ قال: بلى، أفقلت لكم من عامي هذا؟ قالوا: لا، قال: فهو كما قال لي جبريل عليه السلام»[28].

وجه الاستدلال:

فهذا خبر عين بوقوع فعل مطلق، لا ذكر للوقت فيه، فلم يختص بوقت، فكذلك الأمر؛ لأنه أمر بإيقاع فعل مطلق من غير توقيت، فيجب ألا يختص بوقت[29].

فإذا كان من أَخْبَر بخبر إذا وقع خبره متأخرًا يكون صادقًا، فكذلك من أُمِرَ بأمر لم يكن تاركًا لما أمر به إذا وجد منه الامتثال متأخرًا بجامع أن كلًا منها مطلق.

وأجيب:

أن ذلك إذا صدق في الأخبار، لم يصدق في الطلب، وخلافنا في الأمر المطلق.

ولأن ذلك تعلق بشرط وهو المشيئة ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنِْ شَاءَ اللَّهُ﴾، فمتى لم يوجد الدخول علمنا أن المشيئة لم توجد.

الدليل الرابع:

الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا يصير منتهيًا عن ضده إلا بفعل المأمور به على الفور.

ورد هذا:

بأنه لو كان هذا صحيحًا لوجب أن يحمل الأمر على التكرار؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فيجب أن يداوم على الفعل ليصير منتهيًا على الدوام.

الدليل الخامس:

لو نذر الرجل صلاة ركعتين أو صيام يوم لم يجب عليه أن يكون ذلك على الفور، فالامتثال في الأمر كالبر في اليمين فمتى فعل كان بارًا بيمينه ولو كان متأخرًا، فلو كانت الفورية تستفاد من الصيغة لغة أو شرعًا لوجب عليه أن يبر بيمينه فورًا.

ويجاب:

بأن الأيمان والنذور قد يكون غير مقتضى الأمر من اللغة والشرع، ولهذا لو نذر عتق عبد، لم يجزئه إلا مسلمًا، وإن كان مقتضاه في اللغة يعم الجميع.

الراجح:

واضح أن دلالة الأمر على الفورية لا تستفاد من جهة اللفظ، ولكن من جهة المعنى.

لأن القول بأنه له تأخير الامتثال فإما أن يقال: إلى أجل معلوم:
فهذا خروج من مسألة الخلاف؛ لأن الخلاف في الأمر المطلق.

وإن قيل: إلى أمد مجهول:
أدَّى إما إلى فوات الامتثال؛ لأن الموت قد يهجم بغتة، أو إلى جعل الامتثال ليس واجبًا.
والأوامر الشرعية إما فورية، وإما إلى أجل معلوم خاصة فيما يتعلق بالواجبات العامة.
وإذا كان اقتضاء الفورية ليست من جهة اللفظ فإنه يتسامح بالتأخير اليسير، الشهر والشهرين، وقد يستحب التأخير إذا كان ذلك لمصلحة المستفيد كانتظار من هو أشد حاجة، أو كان لانتظار وقت فضيل، تكون الصدقة فيه أفضل من غيرها كعشر ذي الحجة، ورمضان، خاصة إذا لم يتضرر الفقير الحاضر بمثل ذلك، وكان التأخير يسيرًا.

على أن مسألة الفورية في الزكاة تتأكد لقرينة أخرى، وهو أن الزكاة شرعت لدفع حاجة قائمة، فتأخيرها يضر بأصحابها، ويخالف مقصود الشارع من مشروعيتها، والله أعلم.

الحواشي والمراجع
[1] قال ابن الهمام في «فتح القدير» (2/156): «فقد ثبت عن الثلاثة وجوب فورية الزكاة.» ولم أقف عليه منسوبًا لـ أبي حنيفة إلا ما قاله ابن الهمام.
وقال القدوري في «التجريد» (3/1149): «قال أبو الحسن: هي على الفور. وذكر في «المنتقى» عن أبي يوسف ومحمد ما يدل على الفور»
وجاء في «مجمع الأنهر» (1/192): «وقال محمد: لا تقبل شهادة من لم يؤد زكاته وهذا يدل على الفور كما قال الكرخي، وعليه الفتوى»
وقال في «الدر المختار» (ص: 128): (وقيل فوري) أي: واجب على الفور (وعليه الفتوى)
وقال في «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» (ص: 713): «وهي واجبة على الفور وعليه الفتوى فيأثم بتأخيرها بلا عذر وترد شهادته»
والمختار في أصول الفقه: أن مطلق الأمر لا يقتضي عند الحنفية الفور ولا التراخي، بل مجرد طلب الفعل، فيجوز للمكلف كل من التراخي والفور في الامتثال؛ خولف هذا الأصل: لأن الأمر بالصرف إلى الفقير معه قرينة الفور، وهي أن الزكاة لدفع حاجة الفقير؛ لأن في التأخير إضرارًا بالفقير.
انظر: «فتح القدير» (2/155)، «حاشية الشلبي على تبيين الحقائق» (1/250)، «حاشية ابن عابدين» (2/272)، «الاختيار لتعليل المختار» (1/99).
وانظر في مذهب المالكية: «المدونة» (1/305)، «التبصرة» لـ اللخمي (2/879)، «الذخيرة» لـ القرافي (3/134)، «مختصر خليل» (ص: 60)، «التوضيح» لـ خليل (2/359)، «تحبير المختصر» (2/124)، «حاشية الدسوقي» (1/503)، «شرح الخرشي» (2/223)، «المعونة» (1/367)، «عقد الجواهر» (1/214)، «شرح الزرقاني على خليل» (2/328).
وانظر في مذهب الشافعية: «نهاية المطلب» (3/103)، «فتح العزيز» (5/520)، «روضة الطالبين» (2/204)، «منهاج الطالبين» (ص: 72)، «تحرير الفتاوى» (1/511)، «تحفة المحتاج» (3/343)، «مغني المحتاج» (2/129)، «نهاية المحتاج» (3/135).
وانظر في مذهب الحنابلة: «مسائل صالح» (9)، «مسائل ابن هانئ» (574)، «الكافي» (1/378)، «المغني» (2/510)، «الفروع» (4/242)، «المبدع» (2/388)، «التنقيح المشبع» (ص: 155)، «الإقناع» (1/282)، «دقائق أولي النهى» (1/444).
[2] صرح المالكية بأنه إذا أخرها أيامًا مع إمكان الأداء ضمن، لا إن أخرها أقل من ذلك يعني: كاليوم واليومين. انظر: «شرح الخرشي» (2/226)، «شرح الزرقاني» (2/327).
وأجاز الشافعية تأخيرها مع الضمان إذا أخرها لمصلحة ولم يشتد ضرر الحاضر.
قال في «تحفة المحتاج» (3/343): «إن أخر لانتظار قريب، أو جار، أو أحوج، أو أصلح، أو لطلب الأفضل من تفرقته بنفسه، أو تفرقة الإمام، أو للتروي عند الشك في استحقاق الحاضر، ولم يشتد ضرر الحاضرين لم يأثم، لكنه يضمنه إن تلف.»
وأجاز الحنابلة تأخيرها إذا خاف ضررًا كرجوع ساعٍ ونحوه، أو خاف بدفعها فورًا ضررًا على نفسه أو ماله، أو خاف أن تختل كفايته ومعيشته بإخراجها، وتؤخذ منه عند يساره؛ لحديث أبي سعيد: «لا ضرر ولا ضرار». ولأنه إذا جاز تأخير دين الآدمي لذلك، فتأخير الزكاة أولى.
وله تأخيرها ليدفعها لمن حاجته أشد، أو لحاجة قريب أو جار، وقيده بعضهم: إذا لم يشتد ضرر الحاضر، وقيده جماعة بالزمن اليسير للحاجة؛ وإلا لم يجز ترك واجب لـ مندوب.
أو أخرها لتعذر إخراجها من النصاب لغيبة ونحوها، ولو قدر على الإخراج من غيره؛ لوجوب الزكاة في عين المال، وجواز الإخراج من غيره رخصة.
أو أخرها لغيبة مستحق؛ لعدم الإمكان، ويجوز للإمام والساعي التأخير عند ربها لعذر قحط ونحوه، انظر: «التنقيح المشبع» (ص: 155)، «الإقناع» (1/282).
[3] «قاعدة: في إخراج الزكاة على الفور»، لـ ابن رجب ملحقة في كتابه «القواعد»، ت: مشهور (3/288).
[4] «المجموع» (5/333).
[5] «تحفة الفقهاء» (1/263)، «بدائع الصنائع» (2/3).
وقول الثلجي: قال عامة مشايخنا على التراخي، يقصد الشيوخ وليس أئمة الحنفية، فلا يدخل في كلامه أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف؛ فقد سبق النقل عنهم في القول الأول أنهم يرون فورية أداء الزكاة، وأن الفتوى عليه في مذهب الحنفية، والله أعلم.
وجاء في كتاب «الروايتين والوجهين» (2/42): هل يجوز تأخير الزكاة ليخرجها إلى أقاربه الذين يجوز له دفع الزكاة إليهم فيدفعها إليهم وقتًا بعد وقت؟ فنقل أبو طالب: لا بأس أن يعطي قرابته المحتاجين كل شهر عشرة دراهم من الزكاة.
ونقل الفضل بن زياد: لا يجوز أن يجري عليهم في كل شهر.
قال أبو بكر: مسألة الفضل على أنه لا يجوز حبسها إذا جاء وقتها، فأما إذا أخرجها على وجه السلف فلا بأس بذلك فكأنه حمل المسألة على اختلاف حالين. فالذي نقله أبو طالب على أنه سلف الزكاة وجعلها نفقة لأقاربه، والموضع الذي منع على أنها قد وجبت، فلا يجوز تأخيرها. وإن حملنا الكلام على ظاهره، فوجه ما نقله أبو طالب: أن هذا التأخير في حكم التقديم؛ لأنه على الإخراج أولًا فأولًا وإنما يمتنع من التأخير رأسًا.
ووجه ما نقله الفضل: أن وجوب الزكاة على الفور؛ لأن وجوبها معلق بشرط، وهو وجود النصاب والحول، فإذا وجد الشرط تعلق الحكم به كالطلاق المعلق بشرط، وكالحج عند وجود الزاد والراحلة، وإذا كان الوجوب على الفور لم يجز التأخير مع القدرة على إمكان الإخراج.
وقال ابن رجب في كتابه: «قاعدة في إخراج الزكاة على الفور» لـ ابن رجب ملحقة في كتابه «القواعد»، ت: مشهور (3/289): «حمل أبو بكر عبد العزيز المنع والجواز على اختلاف حالين، لا على اختلاف قولين. المنعُ على تأخيرها ليجريها عليهم بعد الحول. والجواز على إجرائها عليهم قبل الحول.
وهذا التفصيل قد نقله الحسن بن محمد عن أحمد.
وخالف صاحب «المحرر» أبا بكر في ذلك، وقال: ظاهره الجواز مطلقًا. وأخذ منه جواز تأخير الزكاة للقرابة». وانظر: «الإنصاف» (3/186)، «الفروع» (4/242)، «المبدع» (2/388).
[6] جاء في «تيسير التحرير» لـ أمير بادشاه (1/357): «قال ابن برهان: لم ينقل عن الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله نص، وإنما فروعهما تدل على ذلك». أي تدل على أن الأمر على التراخي.
وقال ابن القصار في «المقدمة» (ص: 132): «ليس عن مالك رحمه الله في ذلك نص، ولكن مذهبه يدل على أنها على الفور.»
وفي «شرح تنقيح الفصول» (ص: 128): «قال القاضي عبد الوهاب في «الملخص»: الذي ينصره أصحابنا أنه على الفور، وأخذ من قول مالك: إنه للفور من أمره بتعجيل الحج، ومنعه من تفرقة الوضوء، وعدة مسائل في مذهبه.»
وقال المازري في «إيضاح المحصول» (ص: 211): «فمنهم من ذهب إلى حمل الأمر على الفور والبدار، وينسب هذه المذهب إلى أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك البغداديين. وأشار بعضهم إلى استنباط هذا من قول مالك إن تفرقة الوضوء عمدًا لا يجوز، ويوجب استئناف الطهارة، وما ذاك عنده إلا بحمل الأمر على الفور.»
ولا يلزم من وجوب الموالاة في الوضوء أن تكون بنيت على هذا الأصل، إنما لأن الوضوء المنقول لنا عن النبي ﷺ هو وقوعه متواليًا غير مفرق، والأصل في العبادة الاتباع.
وقال الزركشي في «البحر المحيط» (3/328): «وقال الشيخ أبو حامد: ظاهر قول الشافعي يقتضي أن الأمر على التراخي على حسب ما قاله في الحج، وهو الصحيح من المذهب، وقال إمام الحرمين وابن القشيري: عزوه إلى قول الشافعي وهو اللائق بتفريعاته بالفقه، وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول. وقال ابن برهان في «الوجيز»: لم ينقل عن الشافعي ولا أبي حنيفة نقل في المسألة، وإنما فروعهما تدل على ما نقل عنهما.
قال: وهذا خطأ في نقل المذاهب؛ إذ الفروع تبنى على الأصول لا العكس.»
وذكرَ أبو يعلى الحنبلي في «العدة» (1/281) بأن الأمرَ المطلق يقتضي فعلَ المأمور به على الفور عقيب الأمر، واستفاد ذلك من كلام الإمام أحمد -رضي الله عنه- في أن الحج على الفور وانتقد أبو الوفاء ابن عقيل بناء الأصول على الفروع في «الواضح» (3/17)، وعلل ذلك بأن المسألة من مسائل الفروع قد يجب فيها الفور لدليل أوجب القول فيها بالفور، فلا يجوز أن يوجد الأمر المطلق بحكم اللغة الفور من فرع مقيد بقرينة، أو دلالة أوجبت له الفور، ثم رجح أن هذا الأصل يؤخذ من كون الأصل في مذهب الإمام أحمد: الاحتياطات في أصوله وفروعه، ومن الاحتياط: التقديم والفور. وانظر مذهب الحنابلة: وانظر: «البرهان في أصول الفقه» لـ الجويني (1/75).
[7] انظر قول الكرخي والجصاص من الحنفية: «أصول السرخسي» (1/26، 94)، «كشف الأسرار» (2/331)، «نور الأنوار في شرح المنار» (1/217)، «نفائس الأصول في شرح المحصول» (3/1311). وانظر مذهب المالكية: «المقدمة» لـ ابن القصار (ص: 132)، «شرح تنقيح الفصول» (ص: 105)، «إحكام الفصول» (1/218)، «الإشارة» (ص: 57)، «إيضاح المحصول» (ص: 22).
اختاره من الشافعية: أبو بكر الصيرفي، وأبو حامد، وأبو بكر الدقاق، انظر: «قواطع الأدلة» (1/75)، «التبصرة» لـ الشيرازي (ص: 52)، «نهاية الوصول في دراية الأصول» (3/952)، «الحاوي الكبير» (16/56)، «تخريج الفروع على الأصول» لـ الزنجاني (ص: 108).
وانظر في مذهب الحنابلة: «العدة» لـ أبي يعلى (1/281)، «التمهيد» لـ أبي الخطاب (1/215)، «الواضح» (3/17)، «روضة الناظر»، ت: شعبان (1/571)، «شرح مختصر الروضة» لـ الطوفي (2/386)، «المختصر في أصول الفقه» لـ ابن اللحام (ص: 101)، «شرح غاية السول» (ص: 289)
[8] «بيان المختصر، شرح مختصر ابن الحاجب» (2/33، 41)، «تحفة المسؤول» (3/32)، «البحر المحيط» (3/327)، «تشنيف المسامع» (2/607).
[9] قال علاء الدين السمرقندي في «ميزان الأصول» (1/212): «عامة مشايخنا: إنه يجب على التراخي». وانظر: «كشف الأسرار» لـ علاء الدين البخاري (1/249، 254).
وقال أبو بكر الباقلاني في «التقريب والإرشاد» (2/208): «والوجه عندنا في ذلك القول بأنه على التراخي دون الفور والوقف». وانظر: «الإشارة» (ص: 57).
وقال الزركشي في «البحر المحيط» (3/328): «وهو قول الجمهور من أصحابنا.»
وانظر: «المحصول» لـ الرازي (2/113)، «الإحكام» لـ الآمدي (2/165)، «التبصرة» (ص: 52)، «شرح المعالم في أصول الفقه» (1/272)، «التمهيد» لـ أبي الخطاب (1/216)، «التلويح على التوضيح» (1/388)، «شرح مختصر الروضة» (2/386)، «المسودة في أصول الفقه» (ص: 24).
[10] «التعليقة» (ص: 116).
[11] قال ابن قدامة في «الروضة» (1/572): «وهو بيِّن البطلان؛ فإن المبادر ممتثل بإجماع الأمة.» وقال الطوفي في «مختصر الروضة» (2/394): «وقول الواقفية ضعيف؛ وذلك لأن حجتهم أن أدلة الفور والتراخي تعارضت من الطرفين، فوجب الوقف على المرجح.»
[12] رواه عمرو بن علي كما في «تفسير الطبري» (13963)، وفي «الناسخ والمنسوخ» لـ النحاس (ص: 421)، وفي «نواسخ القرآن» لـ ابن الجوزي (2/432).
وعمر بن شبة كما في «تفسير ابن أبي حاتم» (7952).
وابن المثنى كما في «الكامل في ضعفاء الرجال» (9/168)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/222)، ثلاثتهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن يزيد بن درهم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: وآتوا حقه يوم حصاده. قال: الزكاة المفروضة.
تفرد به يزيد بن درهم، عن أنس، ولا يعرف له أحاديث مسندة إلا حديثًا واحدًا في تفسير (إنا كفيناك المستهزئين)، قال البزار: لا نعلم أسند يزيد بن درهم عن أنس إلا هذا الحديث، ولا نعلم رواه عن أنس غيره. اهـ وباقي رواياته عن أنس وعن غيره من التابعين هي من الآثار المقطوعة.
وقد وثقه الفلاس كما في «الجرح والتعديل» (9/260)، وقال ابن معين ليس بشيء، وذكره الساجي والعقيلي (4/386) وابن الجارود وابن شاهين (697) في الضعفاء.
وذكره ابن حبان في «الثقات» (5/538)، وقال: يخطئ كثيرًا.
وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (8/330): رأى أنس بن مالك.
وظاهر العبارة تدل على أنه لم يسمع منه شيئًا وقد أثبت له السماع من أنس أكثر من إمام.
وقال مسلم في «الكنى» (2511): أبو العلاء يزيد بن درهم، عن أنس بن مالك، روى عنه وكيع.
وترجم له ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (9/260)، وقال: حدثني أبى أخبرنا عمرو بن على قال حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث، قال حدثني يزيد بن درهم، وكان ثقة، قال: سمعت أنسًا. اهـ
وقال يحيى بن معين كما في رواية الدوري: بصري، ليس بشيء. «تاريخ ابن معين» (3418)، «الجرح والتعديل» (9/260).
وقال الذهبي في «الميزان» (4/421) وفي «المغني في الضعفاء» (7095): وثقه الفلاس، وقال ابن معين: ليس بشيء.
قلت: لعل ابن معين أراد من قوله: ليس بشيء. أي لم يسند من الحديث ما يشتغل به. لأنه لا يحفظ له حديث مسند إلا حديثًا واحدًا رواه البزار والطبراني، وقد أشرت إليه فيما سبق، ولذلك قال ابن عدي فيما نقله ابن كثير في «التكميل» (2/327): لا أعرف له إلا مقاطيع عن التابعين.
وعبارة ابن عدي في «الكامل» (9/169): لا أعرف لـ يزيد بن درهم كثير رواية، إلا مقاطيع عن التابعين وعن الصحابة.
وقد يقال: لا تحمل عبارة ابن معين على هذا التفسير إلا عندما يتعارض كلام ابن معين نفسه في الراوي، فيوثقه في رواية، ويقول في أخرى: ليس بشيء. أما إذا لم يرو عن ابن معين إلا قوله: ليس بشيء فتحمل على ظاهرها. وهذا هو الظاهر، فالذي يظهر أن الإسناد لا يثبت عن أنس -رضي الله عنه-.
وأما قول ابن عباس، فجاء عنه من أكثر من طريق.
• الطريق الأول: علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
رواه القاسم بن سلام أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (39)، وأبو حاتم الرازي كما في «تفسير ابنه» (7958)، وفي إسناده سقط.
والمثنى كما في «تفسير ابن جرير الطبري» (13971)، ثلاثتهم، عن عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية -يعني: ابن صالح- عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ يعني: بحقه زكاته المفروضة يوم يُكال أو يُعلم كيله.
وقد تكلم في هذا الإسناد في أمرين:
الأول: أن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، قاله ابن معين ودحيم وأبو حاتم الرازي وابن حبان ونقل الإجماع على ذلك الخليلي في «الإرشاد» (ص: 394).
انظر: «المراسيل» (ص: 140)، «سؤالات يزيد بن الهيثم» (260)، «ثقات ابن حبان» (7/211).
وأجيب عن هذه العلة: بأن روايته عنه صحيفة، فهي وجادة صحيحة، وقد أخذها من أصحاب ابن عباس كـ مجاهد بن جبر وعكرمة، رواها عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنه-.
قال أبو جعفر النحاس في «إعراب القرآن» (3/73): «قال أحمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير، رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل فيها رجل إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا. انتهى.»
وقال عنها السيوطي في «الإتقان» (2/6): «إنها من أصح الطرق عنه -أي: عن ابن عباس– وعليها اعتمد البخاري في صحيحه مرتبًا على السور.»
وقال الحافظ في «الفتح» (8/ 438 – 439): «وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ، وهي عند البخاريّ، عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه فيما يعلقه عن ابن عباس» اهـ
والآثار المعلقة في «البخاري» ليست على شرط البخاري، فلا يصلح قول بعضهم: قد احتج بها البخاري إلا أن يكون قصده في التراجم ونحو ذلك.
يقول الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (6/282): «واحتملنا حديث علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإن كان لم يلقه؛ لأنه عند أهل العلم بالأسانيد إنما أخذ الكتاب الذي فيه هذه الأحاديث عن مجاهد، وعن عكرمة
وقال أبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص: 75) بعد أن ذكر رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: «والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة وهذا القول لا يوجب طعنا؛ لأنه أخذه عن رجلين ثقتين.»….
وقال السيوطي في «الإتقان» (2/188): «قال قوم: لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد، أو سعيد بن جبير
وقال المزي في «تهذيب الكمال» (20/490): روى عن ابن عباس مرسل، بينهما مجاهد.
وهذا الأثر لا يمكن أن يكون أخذه من مجاهد؛ لأن الثابت عن مجاهد أنه لا يرى الآية في الزكاة المفروضة، كما سيأتي تخريجه عن مجاهد إن شاء الله تعالى.
ولم أقف على رواية لـ عكرمة في هذه المسألة، لا مقطوعًا عليه، ولا رواية عن ابن عباس.
بل إني لم أقف على أثر يرويه علي بن أبي طلحة عن عكرمة، عن ابن عباس، ولا مقطوعًا عليه، وذكر المزي وأبو حاتم الرازي في «الجرح والتعديل» (6/188) من شيوخه مجاهدًا، إلا أن روايته عنه ليست في الأمهات، وقفت له على أثر واحد في «السنن الكبرى» لـ النسائي (11147)، وعند الطحاوي في «مشكل الآثار» (8/363)، يروياه من طريق عبد الله بن يوسف، عن عبد الله بن سالم، عن علي بن أبي طلحة، عن مجاهد، عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾.
قال أبو حاتم الرازي: سمعت دحيمًا يقول: لم يسمع على بن أبي طلحة من ابن عباس التفسير وقد حدثنا عبد الله بن يوسف، عن عبد الله بن سالم، عن علي بن أبي طلحة، عن مجاهد
فليس في هذا النص ما يدل على أن علي بن أبي طلحة روى التفسير عن مجاهد، عن ابن عباس، وفي هذا الإسناد لم أقف إلا على أثر واحد ذكرته لك.
ولم يذكر أبو حاتم ولا المزي عكرمة ولا سعيد بن جبير من شيوخه، ولم أجد أثرًا واحدًا يرويه عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، فليتأمل.
ولو صح أنه روى عن ابن عباس بواسطة مجاهد فلا يمنع ذلك أن يكون قد روى عن ابن عباس بواسطة غيره بدليل أنه يروي عن ابن عباس ما يخالف رواية هؤلاء عن ابن عباس، من ذلك تفسير آية: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ فما روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير مقطوعًا عليهما يخالف ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، والأمثلة كثيرة، وليس هذا موضع جمعها.
وقال أبو أحمد الحاكم، ط: دار الفاروق (1/289): «لم يسمع من ابن عباس، ولا يتابع في تفسيره عن ابن عباس». إشارة إلى تفرده بكثير مما يرويه عن ابن عباس.
وأنكر صالح جزرة أن يكون قد سمع التفسير من شخص معين، فقد سئل كما في «تاريخ بغداد» (11/428): عن علي بن أبي طلحة ممن سمع التفسير؟ قال: من لا أحد.»
أي من لا أحد معين وإنما سمعه من رواة كثيرين، ولا بد من هذا التفسير وإلا كان هذا اتهامًا له بالكذب، ولم ينسب إلى كذب، وقد يكون بعض من روى عنهم عن ابن عباس ضعيفًا، ولهذا لا يتابع عليه كما قال أبو أحمد الحاكم، فلا يصح الجزم بأن الواسطة مجاهد وبعض المتون من روايته تشهد على صحة ما قاله صالح بن محمد (جزرة).
قال المعلمي في «التنكيل» (2/310): «وقال بعضهم: إنما يروي عنه بواسطة مجاهد أو سعيد ابن جبير، ولا دليل على أنه لا يروي عنه بواسطة غيرهما.»
قلت: بل قام الدليل على أنه يروي عن غيرهما بدليل أنه يروي خلاف ما يرويانه عن ابن عباس، بل وخلاف ما يفتيان به.
وقد بين ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (5/520) أن ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾. أن هذا التفسير هو تفسير الوالبي، عن ابن عباس، وأن ثبوته عن ابن عباس فيه نظر؛ لأن الولبي لم يسمعه من ابن عباس، ولم يدركه، بل هو منقطع.
وبهذا تعرف أن ما قاله ابن حجر في «العجاب في بيان الأسباب» (1/207): «وعليٌّ صدوق لم يلق ابن عباس، لكنه إنّما حمل عن ثقات أصحابه….». هذا الإطلاق فيه ما فيه.
وجاء في «ديوان السنة، قسم الطهارة»، لم يطبع بعد (1/450): وفي حصر روايته عن ابن عباس بواسطة مجاهد أو عكرمة أو غيرهما من ثقات أصحابه – نظر ظاهر، بل إننا لم نقف له على رواية عن عكرمة، ولا ذكره في شيوخه أحدٌ، فأين التقى به وأخذ عنه؟ وقد وُجِدَ في روايات علي بن أبي طلحة المنكرات، ولهذا تَكلَّم فيه أحمد وغيره – كما تقدَّم -، وفي هذا ردٌّ على قول ابن النحاس إنه في نفسه ثقة صدوق!. ولم يذكر الطحاوي لنا أحدًا من أهل العلم بالآثار ممن يقول: إنه صحيح!، بل أقوالهم متفقة على تضعيفه؛ لانقطاعه.
وأما اعتماد البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما على تفسيره، فلا يعني التصحيح، فهذا الإمام البخاري لم يحتجَّ بحديث واحد لـ علي بن أبي طلحة، وإنما علَّق له أشياء في التفسير عن ابن عباس، ولم يُسَمِّهِ، ويقول في بعضها: (ويُذكر عن ابن عباس)، كما قال الحافظ نفسه في «تهذيب التهذيب» (7/ 340). وهذا صيغة تمريض تؤكد ما ذكرنا، والله تعالى أعلى وأعلم.» اهـ
وإذا تجاوزنا ما يرويه عن ابن عباس فإن علي بن أبي طلحة لم يحتج به البخاري ولا مسلم، وقد أورد له البخاري بعض المعلقات في صحيحه، واختلف الأئمة فيه:
قال أحمد: له أشياء منكرات. «العلل» رواية المروذي (374)، «الجامع لعلوم الإمام أحمد» (18/277).
وذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (6/281)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث، منكر ليس بمحمود المذهب. «المعرفة والتاريخ» (2/457).
وذكره العقيلي في «الضعفاء».
وقال أبو أحمد الحاكم: لا يتابع في تفسيره عن ابن عباس. سبق توثيقه.
وقال النسائي: ليس به بأس. «تهذيب الكمال» (20/490).
وقال أبو داود: هو إن شاء الله في الحديث مستقيم، ولكن له رأي سوء، وكان يرى السيف.
وفي «التقريب»: صدوق يخطئ. المرجع السابق.
الأمر الثاني: في إسناده عبد الله بن صالح، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط.
قال الإمام أحمد: كان أول أمره متماسكًا، ثم فسد بآخرة، وليس هو بشيء. «العلل» رواية عبد الله (4919)، «الجامع لعلوم الإمام أحمد» (17/514).
وذكره النسائي في «الضعفاء والمتروكين» (351)، وقال: ليس بثقة.
وقال أحمد بن صالح المصري: متهم، ليس بشيء، وقال فيه قولًا شديدًا.
وقال فيه أبو حاتم الرازي: مصري، صدوق، أمين ما علمته. «الجرح والتعديل» (5/87).
وقال أبو زرعة: لم يكن عندي ممن يتعمد الكذب، وكان حسن الحديث. المرجع السابق.
وقال علي بن المديني: ضربت على حديثه. «الضعفاء والمتروكين» لـ ابن الجوزي (2/128)، «الكمال في أسماء الرجال» (6/197).
وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، إلا أنه يقع في حديثه، في أسانيده ومتونه غلط، ولا يَتَعَمَّد الكذب، وقد روى عنه يحيى بن معين. «الكامل» (5/347).
وكان يحيى بن معين يوثقه. انظر: «تهذيب الكمال مع الحاشية» (15/102).
وقال ابن حجر: صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة.
• الطريق الثاني: الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس.
وفيه علتان: اضطراب حجاج بن أرطاة.
العلة الثانية: رواية الحكم عن مقسم فيها إرسال، حيث لم يسمع منه إلا شيئًا يسيرًا.
رواه حجاج بن أرطاة، واختلف عليه:
فرواه أبو معاوية كما في «كتاب الخراج» لـ يحيى بن آدم (398)، وفي «كتاب الأموال» لـ ابن زنجويه (1375)، و«سنن سعيد بن منصور» في التفسير منه (928)، و«تفسير الطبري» (14020)، «مصنف ابن أبي شيبة» (10487)، و«أحكام القرآن» لـ الطحاوي (669)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (7952)، و«السنن الكبرى» لـ البيهقي (4/222)، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ ]الأنعام: 141[ قال: العشر ونصف العشر.
تابع أبا معاوية كل من: أبي يوسف القاضي كما في «كتاب الخراج» له (ص: 68).
ومحمد بن سعيد الأصبهاني كما في «الناسخ والمنسوخ» (ص: 420)، كلاهما (أبو يوسف، والأصبهاني) عن حجاج به. إلا أن الأصبهاني غاير في لفظه، حيث رواه بلفظ: (نسختها العشر ونصف العشر)، وهذا لفظ حفص بن غياث، عن حجاج، وليس لفظ الجماعة عن حجاج. وقد رواه الأصبهاني عن حفص بن غياث كما سيأتي تخريجه، فقد يكون تداخل عليه روايته عن حفص بما رواه نفسه عن حجاج، وقد يكون ذلك من باب إطلاق النسخ على بيان المجمل، وهو مستعمل عند بعض السلف.
وخالفهم عبد الواحد بن زياد كما في «تفسير الطبري» (13964)، قال: حدثنا حجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس. فذكر مجاهدًا بدلًا من مقسم.
وخالفهم هانئ بن سعيد كما في «تفسير ابن جرير الطبري» (14021) حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا هانئ بن سعيد، عن حجاج، عن محمد بن عبيد الله، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس به، بلفظ أبي معاوية. وابن وكيع ضعيف، وقد اختلف عليه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهانئ بن سعيد، قال فيه أبو حاتم الرازي: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في «الثقات»، ومحمد بن عبيد الله هو أبو عون الثقفي ثقة.
وعلى اختلافهم في إسناده، فقد خالفهم حفص بن غياث أيضًا في لفظه:
فرواه يحيى بن آدم في «كتاب الخراج» (397)، قال:
وابن أبي شيبة كما في «المصنف» (10472)،
وابن وكيع كما في «تفسير الطبري» (14021)، ثلاثتهم عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن الحكم عن ابن عباس، في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ ]الأنعام: 141[ قال: نسختها: العشر ونصف العشر.
فأسقط حفص مقسمًا من إسناده، والحكم لم يدرك ابن عباس، وخالف في لفظه، حيث جعل الآية منسوخة.
وهو في «أحكام القرآن» لـ الطحاوي (673) من طريق محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا حفص بن غياث، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، قال: نسختها العشر ونصف العشر. فزاد مقسمًا وأظن الخطأ من الأصبهاني، حيث دخل عليه روايته الحديث عن حفص بما رواه نفسه عن حجاج، والتي سبق تخريجها، والله أعلم، وقد يكون اتبع الجادة فيه.
قال الطحاوي: اختلف أبو معاوية، وحفص في هذا عن الحجاج، فرواه كل واحد على ما ذكرنا.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في «الناسخ والمنسوخ» (43)، قال: حدثنا يزيد -يعني: ابن هارون- عن الحجاج، عن الحكم، قال: قال ابن عباس: نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن.
وهذا اختلاف آخر على حجاج في لفظه.
وعلى كل حال فالأثر له أكثر من علة،
أحدها: أن مدار إسناده على حجاج بن أرطاة، والأكثر على ضعفه.
الثاني: اضطراب حجاج في إسناده، ولفظه، وهل هو محكم أو منسوخ.
الثالث: رواية الحكم بن عتيبة عن مقسم فيها كلام.
فالذي تبين لي أن الأثر لا يصح عن أنس كما لا يصح عن ابن عباس -رضي الله عنهم- جميعًا.
وأما قول طاوس، فأخرجه يحيى بن آدم في «كتاب الخراج» (414)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (10475)، قال: حدثنا ابن مبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، في قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: الزكاة. وسنده صحيح.
[13] انظر أحد قولي ابن عباس -رضي الله عنهما-: في القول الأول، فارجع إليه، وهو من الاختلاف على ابن عباس، فلم يثبت عنه لا القول الأول، ولا هذا القول.
وانظر: قول محمد بن الحنفية في: «مصنف ابن أبي شيبة» (10472)، وفي سنده حجاج بن أرطاة.
وانظر قول الحسن البصري في: «مصنف ابن أبي شيبة» (10483)، و«تفسير الطبري» (14028)، من طريق سفيان، عن يونس، عن الحسن، قال: نسختها الزكاة. وسنده صحيح.
وانظر أحد قولي النخعي في: «مصنف ابن أبي شيبة» (10473)، و«سنن سعيد بن منصور»، في التفسير منه (927)، و«تفسير الطبري» (14025، 14026، 14027) من طريق سفيان وجرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن شباك، عن إبراهيم، ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، قال: هي منسوخة، نسختها العشر ونصف العشر، وإسناده صحيح، وشباك: هو الضبي، ثقة، ومغيرة: هو ابن مِقْسَم.
وقد توبع سفيان في «تفسير الطبري»، انظر: (14024).
وانظر قول سعيد بن جبير في: «مصنف ابن أبي شيبة» (10483)، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الحسن، قال: نسختها الزكاة. وسنده صحيح.
وانظر قول الضحاك في: «مصنف بن أبي شيبة» (10484)، قال: حدثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك، قال: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. ورجاله ثقات.
وهو أصح مما رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (10486) من طريق جويبر، عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. قال: زكاته يوم كيله. قال ابن حبان عن جويبر: يروي عن الضحاك أشياء مقلوبة.
وانظر قول السدي في: «مصنف ابن أبي شيبة» (10480)، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، قال: هذه مدنية مكية نسختها العشر ونصف العشر، قلت: عمن؟ قال: عن الفقهاء، يعني قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده.﴾
[14] «رسالة» لـ ابن رجب في كلمة الإخلاص وتحقيق معناها (ص: 20).
[15] «مجموع الفتاوى» (13/272)، «أعلام الموقعين»، ت: عطاءات العلم (1/73)، «الموافقات» لـ الشاطبي (3/344)، «أحكام القرآن» لـ ابن العربي (2/282).
[16] «المصنف» (10528).
ورواه سعيد بن منصور، كما في «التفسير» منه (930)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (4/224)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (10528)، ومن طريقه ابن حزم في «المحلى» (4/283)، وابن عبد البر في «التمهيد» (3/306)، كلاهما (سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة) عن أبي الأحوص به. ورجاله كلهم ثقات.
[17] «التمهيد»، ت: بشار (3/306).
[18] أثر ابن عمر: رواه يحيى بن آدم في «كتاب الخراج» (412)، وابن أبي شيبة (10476)، والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص: 423)، والطبراني في «الأوسط» (6041)، وابن حزم في «المحلى» (4/21)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/223)، من طريق أشعث، عن محمد ابن سيرين، وعن نافع، عن ابن عمر، قال: (﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾) قال: من حضرك يومئذ أن تعطيه القبضات وليس بزكاة. هذا لفظ ابن أبي شيبة، والبقية بنحوه.
وقد قال: أشعث إلا الطبراني والبيهقي، فقالا: «أشعث بن سوار». فإن كان فهو ضعيف. وقال ابن حزم: أشعث هو ابن عبد الملك، وهذا ثقة. وأظن كلام ابن حزم وهم.
وأما قول عطاء: فرواه يحيى بن آدم في «كتاب الخراج» (416)، وابن أبي شيبة في «المصنف»، ت: الشثري (10775)، عن عبد الرحيم، عن عبد الملك، عن عطاء في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: من حضرك يومئذٍ أن تعطيه القبضات، وليس بزكاة. وسنده صحيح.
وسقط عبد الملك من إسناد ابن أبي شيبة.
ورواه الطبري في تفسيره (13986، 13987) من طريقين، عن ابن جريج، عن عطاء.
وأما أحد قولي الحسن، فرواه يحيى بن آدم في «كتاب الخراج» (409)، قال: حدثنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ ]الأنعام: 141[ قال: يمر بك المسكين والضعيف، فتعطيه قبل أن تعلم ما يكون فيه.
وقد لا يكون هذا القول معارضًا للقول بالنسخ المروي عن الحسن في القول السابق.
وأما قول مجاهد: فرواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (7951)، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور وابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: عند الدِّرَاسِ وعند الحصاد، عند الصرام يقبض لهم، فإذا كاله. وسنده صحيح.
وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» (10478)، وسعيد بن منصور في سننه، في التفسير منه (923)، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ ]الأنعام: 141[ قال: إذا حصدته، فحضرك المساكين طرحت لهم منه، وإذا طيبته طرحت لهم منه، وإذا كدسته طرحت لهم، وإذا نقيته وأخذت في كيله حثوت لهم منه، وإذا علمت كيله عزلت زكاته، وإذا أخذت في جذاذ النخل طرحت لهم من التفاريق والتمر، وإذا أخذت في كيله حثوت لهم منه، وإذا علمت كيله عزلت زكاته. وسنده صحيح.
وانظر أحد قولي النخعي: في «كتاب الخراج» لـ يحيى بن آدم (411)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (10482)، و«تفسير الطبري» (14004، 14005، 14006)، من طرق عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم: قال: نحو الضغث. وسنده حسن.
وانظر: قول أبي العالية في: «مصنف ابن أبي شيبة» (10474)، وسنده صحيح.
[19] «تفسير الطبري»، ط: دار التراث (12/170).
[20] «صحيح مسلم» (27-988).
[21] «صحيح البخاري» (851).
[22] «صحيح البخاري» (1430).
[23] «شرح البخاري» لـ ابن بطال (2/463).
[24] انظر: «التبصرة في أصول الفقه» (ص: 58).
[25] «صحيح البخاري» (2731).
[26] «فتح الباري» (5/347).
[27] «روضة الناظر» (1/632).
[28] «سيرة ابن هشام»، ت: السقا (2/327).
[29] انظر: «العدة في أصول الفقه» (1/287).

شارك

تعليق واحد

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *