حكم جمع الصلاة بسبب الحاجة[جديد]

📌 المدخلُ إلى المسألةِ:

الأصلُ في الصلواتِ عدمُ الجمعِ إلا بدليلٍ.
إذا لم يثبتْ في السنةِ، ولا في الآثارِ الجمعُ للوحلِ والمرضِ، والخوفِ، لم يثبتِ الجمعُ لما هو دونَهما من الحاجاتِ.
أسبابُ الجمعِ عند الأئمةِ الأربعةِ معدودةٌ، لا يَجُوزُ الجمعُ لغيرِها، ولو كان الجمعُ مما تبيحُهُ الحاجةُ لكانت الأسبابُ غيرَ محصورةٍ.
لو كانت الحاجةُ من أسبابِ الجمعِ لَتَكَرَّرَ وقوعُهُ في عصرِ التشريعِ، لكثرةِ الحاجاتِ وتنوعِها من بردٍ، وريحٍ، ووحلٍ وخوفٍ، ومرضٍ، وكلُّها حاجاتٌ عامةٌ.
أُمِرَ الناسُ بالصلاةِ حالَ القتالِ رجالاً وركباناً حفاظاً على الوقتِ، ولم يُؤْمَرُوا بالجمعِ، وكلُّ حرجٍ لن يكونَ بقدرِ ما يصيبُ المجاهدَ حالَ القتالِ.
تَحَزَّبَ العربُ من أقطارِها على المسلمينَ ليبيدوا خضراءَهم، حتى كان النبيُّ ﷺ يشاركُ في نقلِ الترابِ، وقد اجتمعَ عليهم الجوعُ والخوفُ والشغلُ، ولم يُنْقَلْ أنهم جمعوا للصلاةِ.
الخروجُ في شدةِ الحرِّ، خاصةً في أرضِ الحجازِ فيه مشقةٌ كبيرةٌ على المصلينَ، حتى شكا الصحابةُ من ذلك، ومع ذلك لم يُشْرَعْ لهم الجمعُ لدفعِ مثلِ هذا الحرجِ، وإنما شُرِعَ لهم الإبرادُ، وذلك بتأخيرِ صلاةِ الظهرِ إلى آخرِ وقتِها.
الأنصارُ أهلُ حرثٍ ونخلٍ، يعملونَ في مزارعِهم، ويأتيهم مواسمُ الحصادِ والجذاذِ كلَّ عامٍ مرةً أو مرتينِ، ولم يُنْقَلْ عنهم الجمعُ.
إطباقُ الرواةِ على عدمِ نقلِ موضوعِ خطبةِ ابنِ عباسٍ، ولا سببِها يدلُّ على أنها موعظةٌ عامةٌ، وليست أمراً يُجْزَمُ معه أنَّ هناك ضرورةً أملتْ على ابنِ عباسٍ تقديمَ الخطبةِ على الصلاةِ.
خطبَ النبيُّ ﷺ من بعدِ صلاةِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ ولم يجمعْ من أجلِ إكمالِ خطبتِهِ، مع أنَّ خطبتَهُ أطولُ، والمشقةَ فيها على الناسِ أعظمُ، وموضوعَها أهمُّ من خطبةِ ابنِ عباسٍ؛ لتعلقِها بالغيبياتِ التي لا تُدْرَكُ إلا عن طريقِ تلقِّيها من النبيِّ ﷺ.
اختلفَ العلماءُ في الجمعِ بسببِ الحاجةِ:
فَقِيلَ: لا يَجُوزُ الجمعُ للحاجةِ.

وهو قولُ الأئمةِ الأربعةِ[1].

وَقِيلَ: يَجُوزُ الجمعُ للحاجةِ.

ونُسِبَ هذا القولُ لجماعةٍ، منهم: ابنُ سيرينَ، وربيعةُ الرأيُ، وأشهبُ من المالكيةِ، وابنُ شُبْرُمَةَ قاضي الكوفةِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وحكاهُ القفالُ عن أبي إسحاقَ المروزيِّ، ونُسِبَ روايةً عن الإمامِ أحمدَ، ونافحَ عنهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ، وإمامُهم ابنُ عباسٍ -رحمهُ اللهُ- حيث جمعَ لإكمالِ الخطبةِ[2].

💡وتعالَوْا ننظرُ من يثْبُتُ عنهُ صحةُ هذا القولِ:

الأول: الإمامُ محمدُ بنُ سيرينَ، والمتوفى سنةَ (110هـ)، رُوِيَ عنهُ في الجمعِ ثلاثُ رواياتٍ:

الروايةُ الأولى: جوازُ الجمعِ بلا سببٍ، بشرطِ ألا يُتَّخَذَ عادةً[3].

وهذا القولُ أولُ من نسبَهُ لـابنِ سيرينَ بلا إسنادٍ -بحسبِ علمي- ابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (والمتوفى سنةَ: 319)، وبين وفاتَيهما أكثرُ من مائتي سنةٍ.

ومن بعدِ ابنِ المنذرِ نسبَهُ ابنُ بطالٍ في «شرحِ البخاريِّ» (والمتوفى سنةَ 944)، ثم ابنُ عبدِ البرِّ (المتوفى: سنةَ (463)، وبين وفاتَيهما ووفاةِ ابنِ سيرينَ قريبٌ من (350) سنةٍ، ثم تتابعَ بعدَ ذلك النقلةُ عنهم، ونحن أمةُ إسنادٍ، فما لم نقفْ على سندِهِ لـابنِ سيرينَ يبقى القولُ عنهُ معلَّقاً، وقابلاً للطعنِ في صحةِ نسبتِهِ لـابنِ سيرينَ، خاصةً مع الاختلافِ في النقلِ عن ابنِ سيرينَ.

ويُحْتَمَلُ أنَّ القولَ المنسوبَ لـابنِ سيرينَ -على فرضِ ثبوتِهِ عنهُ- ليس القولَ بـجوازِ الجمعِ بلا سببٍ، وإنما جوازُ الجمعِ للحاجةِ، فلما كان الجمعُ للحاجةِ لا يراهُ أكثرُ الفقهاءِ عذراً للجمعِ عُدَّ ذلك من الجمعِ بلا سببٍ، هذا هو التفسيرُ المعقولُ لاختلافِ النقلِ.

الروايةُ الثانيةُ: عن الإمامِ ابنِ سيرينَ أنَّ الجمعَ لا يَجُوزُ إلا في عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ، وهذه الروايةُ صحيحةٌ مسندةٌ عن ابنِ سيرينَ.

فقد روى ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ هارونُ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، ومحمدٍ، قالا: «ما نعلمُ من السنةِ الجمعَ بين الصلاتينِ في حضرٍ ولا سفرٍ، إلا بين الظهرِ والعصرِ بعَرَفَةَ، وبين المغربِ والعشاءِ بجمعٍ».

[صحيحٌ، وهشامُ بنُ حسانٍ من أثبتِ الناسِ في ابنِ سيرينَ][4].

الروايةُ الثالثةُ عن ابنِ سيرينَ: جوازُ الجمعِ للحاجةِ[5].

فقد روى ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا أزهرُ، عن ابنِ عونٍ قال: ذُكِرَ لـمحمدِ بنِ سيرينَ أنَّ جابرَ بنَ زيدٍ يجمعُ بين الصلاتينِ فقال: «لا أرى أن يجمعَ بين الصلاتينِ إلا من أَمْرٍ»[6].

[سندُهُ صحيحٌ].

فقولُ: (إلا من أمرٍ) يعني: إلا من أمرٍ حملَهُ على الجمعِ. وكونُ ابنِ سيرينَ أطلقَ الأمرَ، ولم يحددْهُ، فـيُحْمَلُ على حاجةٍ دعتهُ إلى الجمعِ.

وجاءَ في «الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ:
«وروينا عن ابنِ سيرينَ أنه كان لا يرى بأساً أن يجمعَ بين الصلاتينِ إذا كانت حاجةً أو شيئاً ما لم يُتَّخَذْ عادةً»[7].

فهذه ثلاثُ رواياتٍ عن ابنِ سيرينَ، أحدُهما: جوازُ الجمعِ بلا حاجةٍ، وهذه لم تثبتْ مسندةً عنهُ، والثانيةُ: جوازُ الجمعِ إذا دعتْ لهُ حاجةٌ، والثالثةُ: لا يجمعُ إلا في عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ، والروايتانِ الأخيرتانِ ثابتتانِ عن ابنِ سيرينَ -رحمهُ اللهُ-، واللهُ أعلمُ.

الثاني: جابرُ بنُ زيدٍ أبو الشعثاءِ.

ثَبَتَ عنهُ الجمعُ بلا سببٍ، وإذا جازَ عندَهُ الجمعُ بلا سببٍ، جازَ الجمعُ للحاجةِ من بابِ أَوْلَى.

فقد سبقَ لنا قبلَ قليلٍ روايةُ ابنُ أبي شيبةَ من طريقِ ابنِ عونٍ قال: ذُكِرَ لـمحمدِ بنِ سيرينَ أنَّ جابرَ بنَ زيدٍ يجمعُ بين الصلاتينِ فقال: «لا أرى أن يجمعَ بين الصلاتينِ إلا من أَمْرٍ»[8].
[سندُهُ صحيحٌ].

فواضحٌ أنَّ ابنَ سيرينَ أنكرَ على جابرِ بنِ زيدٍ جمعَهُ بلا سببٍ.

الثالث: ربيعةُ بنُ فَرُّوخَ المتوفى (سنةَ: 136 هـ).

وقد نَسَبَ له القولَ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ ابنُ بطالٍ في «شرحِ البخاريِّ» (والمتوفى سنةَ: 449هـ).

جاءَ في «شرحِ البخاريِّ» لـابنِ بطالٍ:
قال ابنُ سيرينَ:
«لا بأسَ بالجمعِ بين الصلاتينِ في الحضرِ إذا كانت حاجةٌ أو شيءٌ، ما لم يَتَّخِذْهُ عادةً. وأجازَ ذلك ربيعةُ بنُ أبي عبدِ الرحمنِ»[9].

وبين وفاتَيهما أكثرُ من ثلاثمائةِ سنةٍ، ولم أقفْ عليهِ مسنداً عن ربيعةَ، ولا عن أحدٍ ممن عاصرَ ربيعةَ حتى يُقَالَ ربما سمعَهُ منهُ، فهو قولٌ معلَّقٌ، و[المعلَّقُ ضعيفٌ].

وقد نقلَ سحنونُ الجمعَ للمطرِ بين العشاءينِ عن جماعةٍ من التابعينَ وذكرَ منهم ربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرحمنِ، ولم يذكرْ عنهُ جوازَ الجمعِ للحاجةِ[10].

فلو كان هذا القولُ ثابتاً عن ربيعةَ لماذا لم تنقلْهُ كتبُ الآثارِ والمصنفاتُ التي تجمعُ آثارَ التابعينَ مسندةً، ولماذا يكونُ أولُ من ينقلُهُ عنهُ بينَهُ وبينَهُ مفازةٌ عظيمةٌ.

الرابع: أشهبُ بنُ عبدِ العزيزِ من أصحابِ الإمامِ مالكٍ.

نُسِبَ له القولُ بـجوازِ الجمعِ بلا سببٍ، وإذا جازَ الجمعُ بلا سببٍ جازَ الجمعُ للحاجةِ من بابِ أَوْلَى.

قال ابنُ رشدٍ في «المقدماتِ»:
«واختلفوا -يعني: مالكاً وأصحابَهُ- في إباحةِ الجمعِ بينهما لغيرِ عذرٍ، فالمشهورُ أنَّ ذلك لا يَجُوزُ. وقال أشهبُ: ذلك جائزٌ على ظاهرِ حديثِ ابنِ عباسٍ وغيرِهِ»[11].

وقال خليلٌ في «التوضيحِ»:
«حكى الباجيُّ وصاحبُ «المقدماتِ» عن أشهبَ إجازةَ الجمعِ لغيرِ سببٍ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: «جمعَ رسولُ اللهِ ﷺ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ في غيرِ خوفٍ، ولا سفرٍ، ولا مطرٍ»…. والمذهبُ عدمُ جوازِ الجمعِ لغيرِ سببٍ خلافاً لـأشهبَ»[12].

إلا أنَّ هذا القولَ عن أشهبَ لا يَصِحُّ عنهُ، وقد قدَّمْتُ أنَّ المنقولَ عنهُ هو الجمعُ في آخرِ وقتِ الظهرِ وأولِ وقتِ العصرِ، وهو يقولُ: إنَّ هذا الوقتَ وقتٌ مشتركٌ للصلاتينِ، راجعِ النقولَ عن أشهبَ، في الموقفِ الثاني من مواقفِ العلماءِ من حديثِ ابنِ عباسٍ، في بحثِ الجمعِ للمطرِ[13].

الخامس: ابنُ شُبْرُمَةَ قاضي الكوفةِ (المتوفى: 144هـ).

نَسَبَ له ابنُ قدامةَ القولَ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ، حكاهُ عنهُ في «المغني» معلَّقاً، وابنُ قدامةَ متوفى: (سنةَ: 620 هـ)، وبين وفاتَيهما أكثرُ من نصفِ قرنٍ، ولم أقفْ عليهِ مسنداً.

قال الموفقُ ابنُ قدامةَ:
«ولا يَجُوزُ الجمعُ لغيرِ ما ذكرنا -يعني من الأسبابِ السابقةِ- وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: يَجُوزُ إذا كانت حاجةٌ أو شيءٌ لم يُتَّخَذْ عادةً»[14].

السادس: سعيدُ بنُ المسيبِ.

روى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، حدثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حرملةَ، أنَّ رجلاً جاءَ إلى سعيدِ بنِ المسيبِ، فقال: إني راعي إبلٍ أحلبُها، حتى إذا أمسيتُ صليتُ المغربَ، ثم طرحتُ فَرَقدتُ عن العتمةِ، فقال: «لا تنمْ حتى تصليَها، فإن خفتَ أن ترقدَ فاجمعْ بينهما».

[فيه عبدُ الرحمنِ بنِ حرملةَ صدوقٌ سيئُ الحفظِ][15].

هل يَصِحُّ الأخذُ من هذه الفتوى -لو ثبتتْ عن سعيد بن المسيب- جوازَ الجمعِ عند كلِّ شغلٍ أو حاجةٍ؟

فهذا الراعي يرعى طيلةَ النهارِ، ثم يأتي المغربَ فيصليها في وقتِها، ثم ينامُ عن صلاةِ العشاءِ غلبةً، فلا يصليها حتى يخرجَ وقتُها من شدةِ الإعياءِ، فنهاهُ سعيدُ بنُ المسيبِ عن النومِ حتى يصليَ العشاءَ ما دام يقدرُ على ذلك، فإذا خافَ من تضييعِها بالنومِ أذنَ لهُ بالجمعِ.

فهل يستوي رجلٌ يخافُ من نفسِهِ تضييعَ الصلاةِ؛ لكونِهِ قد بلغَهُ الإعياءُ من رعيِهِ طيلةَ النهارِ، فلا يدخلُ في استطاعتِهِ البقاءُ إلى العشاءِ، وإذا نامَ لم يصلِّ العشاءَ إلا وقد خرجَ وقتُها، هل يستوي هذا برجلٍ يقدمُ شغلَهُ وحاجتَهُ مع قدرتِهِ على أداءِ كلِّ صلاةٍ في وقتِها؟

وهل جمعُ هذا الرجلِ يشبهُ الجمعَ من أجلِ إكمالِ الخطبةِ؟

فـالجمعُ من الراعي هذا مُلْحَقٌ بـجمعِ الضروراتِ، وليس بالحاجاتِ كالمريضِ.

وهبْ أنَّ القولَ هذا لا يُعْرَفُ عن أحدٍ من التابعينَ إلا عن سعيدِ بنِ المسيبِ:
أيكونُ هذا القولُ بهذا التفردِ زمنَ التابعينَ ثم يكونُ ديناً للعامةِ عند كلِّ شغلٍ أو حاجةٍ تطرقُ المكلَّفَ؟ وهل قولُ سعيدٍ ممن يُحْتَجُّ بقولِهِ أم يُحْتَجُّ لقولِهِ؟

فإن كان عمدةُ ابنِ المسيبِ حديثَ ابنِ عباسٍ، فقد نقلتُ موقفَ المحدثينَ والفقهاءِ منهُ، ونقلتُ لك من نصوصِهم ومذاهبِهم ما لا يتفقُ مع حديثِ ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهُ- في الموقفِ الأولِ من حديثِ ابنِ عباسٍ عند الكلامِ على جمعِ المطرِ.

السابع: أبو إسحاقَ المروزيُّ، المتوفى سنةَ: 340هـ

وقال الخطابيُّ:
سمعتُ أبا بكرٍ القفالَ (ت: 365)، يحكيهِ عن أبي إسحاقَ المروزيِّ[16].

الثامن: ابنُ المنذرِ، من أصحابِ الشافعيةِ، والمتوفى سنةَ: 319 هـ.

يرى جوازَ الجمعِ بلا سببٍ، وإذا جازَ الجمعُ بلا سببٍ جازَ الجمعُ للحاجةِ من بابِ أَوْلَى، وقد بنى قولَهُ بناءً على صحةِ نسبةِ القولِ به لمن سبقَهُ.

جاءَ في «الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ:
«قالت طائفةٌ: الجمعُ بين الصلاتينِ في الحضرِ مباحٌ، وإن لم تكن علةٌ، قال: لأنَّ الأخبارَ قد ثبتتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه جمعَ بين الصلاتينِ بالمدينةِ، ولم يثبتْ عن النبيِّ ﷺ أنه جمعَ بينهما في المطرِ، ولو كان ذلك في حالِ المطرِ لَأُدِِّيَ إلينا ذلك كما أُدِِّيَ إلينا جمعُهُ بين الصلاتينِ، بل قد ثبتَ عن ابنِ عباسٍ الراوي بحديثِ الجمعِ بين الصلاتينِ في الحضرِ لما سُئِلَ، لم فعلَ ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِجَ أحداً من أمتِهِ»[17].

التاسع: ما يُروى عن الإمامِ أحمدَ أنه أجازَهُ للشغلِ، والشغلُ بإطلاقِهِ من الحاجاتِ.

فلنأخذِ النصَّ المنقولَ عن الإمامِ أحمدَ.

قال في «الفروعِ»:
ونقلَ ابنُ مشيشٍ: يجمعُ في حضرٍ لضرورةٍ، مثلِ مرضٍ وشغلٍ[18].

هذا النصُّ من الإمامِ أحمدَ يَجِبُ ألا يكونَ مفصولاً عن الرواياتِ الأخرى لهُ، فهو يتكلمُ عن جمعِ الضرورةِ، قال أحمدُ: (يجمعُ في حضرٍ لضرورةٍ) ومفهومُهُ: أنه لا يجمعُ في الحضرِ للحاجةِ.

وأما المثالُ الذي ساقَهُ مثلَ مرضٍ وشغلٍ، فهذا ما دام ساقَهُ مثالاً للضرورةِ، فـيُحْمَلُ على المرضِ الشديدِ الذي يكونُ فيه الجمعُ من الضروراتِ، ولا يُحْمَلُ على المريضِ الذي يكونُ معهُ بعضُ المشقةِ، ومثلُهُ يُقَالُ في الشغل.

جاءَ في «الإرشادِ» لـابنِ أبي موسى (ت: 428):
«وجمعُ المريضِ يُخافُ أن يُغلبَ على عقلِهِ تخفيفٌ»[19].

وقال القاضي أبو يعلى:
«وأما المرضُ، فإنما جُعِلَ لهُ الجمعُ بين الظهرِ والعصرِ إذا خشيَ أن يُغلبَ على عقلِهِ، ويشقَّ عليه الوضوءُ»[20].

فتبينَ أنَّ جمعَ المريضِ من جمعِ الضروراتِ، ولذلك يرى الجمعَ للمرضِ من لا يرى الجمعَ للحاجةِ كالإمامِ مالكٍ.

بل يرى الجمعَ للمرضِ من لا يرى الجمعَ للمطرِ كـالليثِ بنِ سعدٍ وعطاءٍ[21].

وذكرَ الإمامُ أحمدُ مع المرضِ الشغلَ، قال القاضي أبو يعلى:
«أراد بالشغلِ ما يَجُوزُ معهُ تركُ الجمعةِ والجماعةِ من الخوفِ على نفسِهِ أو مالِهِ»[22].

فهذا الشغلُ من بابِ الضروراتِ، وليس المرادُ بالشغلِ اشتغالَهُ بحاجاتِهِ.

وقال الموفقُ ابنُ قدامةَ:
«ولا يَجُوزُ الجمعُ لغيرِ ما ذكرنا -يعني من الأسبابِ السابقةِ- وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: يَجُوزُ إذا كانت حاجةٌ أو شيءٌ لم يُتَّخَذْ عادةً»[23].

وهذا النصُّ من ابنِ قدامةَ يُسْتَفادُ منهُ أمرانِ:

الأمرُ الأولُ:
بيانُ أنَّ أسبابَ الجمعِ في مذهبِ الإمامِ أحمدَ معدودةٌ، لا يَجُوزُ الجمعُ في غيرِها، ولو كان الجمعُ مما تبيحُهُ الحاجةُ لكانت الحاجاتُ غيرَ محصورةٍ.

الأمرُ الثاني:
أنه جعلَ جوازَ الجمعِ للحاجةِ قولاً لـابنِ شُبْرُمَةَ، ولو كان يعرفُ أنه روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ لم يكتفِ في نسبتِهِ لـابنِ شُبْرُمَةَ.

وقال في «الإنصافِ»:
«لا يَجُوزُ الجمعُ لعذرٍ من الأعذارِ سوى ما تقدمَ على الصحيحِ من المذهبِ، وعليه الأصحابُ»[24].

وقال ابنُ مفلحٍ في «الفروعِ»:
«واختارَ شيخُنا -يعني: ابنُ تيميةَالجمعَ لتحصيلِ الجماعةِ… ولخوفِ تحرُّجٍ في تركِهِ، أي: مشقةٍ»[25].

ولو كان الجمعُ للحاجةِ روايةً عن أحمدَ لذكرَهُ ابنُ مفلحٍ روايةً، فهو من أعلمِ أهلِ عصرِهِ برواياتِ الإمامِ أحمدَ، فكونُهُ ينسبُ الجمعَ للمشقةِ لشيخِهِ تقيِّ الدينِ فهذا دليلٌ على أنه ليس روايةً عن الإمامِ أحمدَ.

فالمرضُ والشغلُ الذي نقلَهُ ابنُ مشيشٍ عن أحمدَ كانا مثالينِ لجمعِ الضرورةِ، وليس لجمعِ الحاجةِ.

وكيف يكونُ الجمعُ في مذهبِ أحمدَ يَجُوزُ دفعاً للمشقةِ، وقد نصَّ الإمامُ على أنه لا يجمعُ للمطرِ في الظهرينِ كما مرَّ معكَ؟

وأسقطَ الحنابلةُ الجمعةَ والجماعةَ لغلبةِ النعاسِ ولم يجعلوهُ سبباً يبيحُ الجمعَ مع مشقةِ مقاومةِ النومِ، فقد ذُكِرَ في «الوجيزِ» أنه يَجُوزُ الجمعُ لكلِّ شغلٍ أو عذرٍ يبيحُ تركَ الجمعةِ والجماعةِ عدا النعاسِ[26].

ومنعَ الحنابلةُ الجمعَ للمشقةِ في السفرِ القصيرِ.

وبقيَ ممن نُسِبَ لهُ هذا القولُ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ وتلميذُهُ العلامةُ ابنُ القيمِ -عليهما رحمةُ اللهِ-، ويقصدانِ بالحاجةِ تلك التي لو تُرِكَ الجمعُ معها لوقعَ المكلَّفُ في حرجٍ، وليس مطلقَ الحاجةِ، فالوقوعُ في الحرجِ: ضربٌ من المشقةِ، والجمعُ شُرِعَ دفعاً للمشقةِ[27].

هؤلاءِ هم من وقفتُ عليهم ممن نُسِبَ لهُ القولُ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ، إما صريحاً وإما تخريجاً على قولِهِ بـجوازِ الجمعِ بلا سببٍ، وقد تبينَ أنه لا يَصِحُّ القولُ بـجوازِ الجمعِ بلا سببٍ إلا عن ثلاثةٍ: جابرُ بنُ زيدٍ، وأبي إسحاقَ المروزيِّ، وابنُ المنذرِ، ولم يَصِحَّ القولُ بهِ عن أشهبَ بنِ عبدِ العزيزِ.

وصحَّ القولُ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ عن ابنِ سيرينَ في أحدِ قولَيهِ، وابنِ تيميةَ، وابنِ القيمِ.

ولم تَصِحَّ نسبةُ القولِ بهِ عن الإمامِ أحمدَ، ولا عن ربيعةَ الرأيِ، ولا عن ابنِ شُبْرُمَةَ، وأما ما رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، فهو من جمعِ المضطرِّ إذا خافَ أن يضيعَ الصلاةَ بغلبةِ النومِ، واللهُ أعلمُ.

دليلُ من قال: يَجُوزُ الجمعُ للحاجةِ إذا كان في تركِ الجمعِ معها حرجٌ:
الدليلُ الأولُ:

روى الإمامُ مسلمٌ من طريقِ أبي معاويةَ ووكيعٍ، كلاهما عن الأعمشِ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: «جمعَ رسولُ اللهِ ﷺ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ بالمدينةِ في غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ».

في حديثِ وكيعٍ: قال: قلتُ لـابنِ عباسٍ: لم فعلَ ذلك؟ قال: «كي لا يُحْرِجَ أمتَهُ».

وفي حديثِ أبي معاويةَ: قيل لـابنِ عباسٍ: ما أرادَ إلى ذلك؟ قال: «أراد أن لا يُحْرِجَ أمتَهُ»[28].

ورواهُ مسلمٌ من طريقِ حمادٍ، عن الزبيرِ بنِ الخِرِّيتِ، عن عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، قال: «خطبنا ابنُ عباسٍ يوماً بعدَ العصرِ حتى غربتِ الشمسُ، وبدتِ النجومُ. وجعلَ الناسُ يقولونَ: الصلاةَ. الصلاةَ. قال فجاءَهُ رجلٌ من بني تميمٍ، لا يَفْتُرُ، ولا ينثني: الصلاةَ. الصلاةَ. فقال ابنُ عباسٍ: أتعلمُني بالسنةِ؟ لا أمَّ لكَ! ثم قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ جمعَ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ».

قال عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ: فحاك في صدري من ذلك شيءٌ. فأتيتُ أبا هريرةَ، فسألتُهُ، فصدقَ مقالتَهُ[29].

وجهُ الاستدلالِ:

دلالتُهُ على جوازِ الجمعِ للحاجةِ ما فهمَهُ ابنُ عباسٍ من جمعِ النبيِّ ﷺ حينَ سُئِلَ: «لم فعلَ ذلك؟ قال: كي لا يُحْرِجَ أمتَهُ»، ففهموا من جملةِ ابنِ عباسٍ أنها تعليليةٌ، وأنَّ الجمعَ مَشْرُوعٌ لدفعِ كلِّ حرجٍ، ومنهُ الحاجةُ العامةُ والخاصةُ تنزلُ بالرجلِ، فيجدُ أنه لو تركَ الجمعَ لوقعَ في الحرجِ.

وإذا جازَ الجمعُ لمصلحةِ إكمالِ الخطبةِ؛ لأنَّ المتكلمَ قد يصيبُهُ حرجٌ في ربطِ كلامِهِ السابقِ بكلامِهِ اللاحقِ، وإكمالُ الخطبةِ من الحاجاتِ الخفيفةِ فـأَوْلَى بالجمعِ من إكمالِ الخطبةِ إذا نزلَ بالإنسانِ حاجةٌ تدعو إلى الجمعِ لدفعِ الحرجِ والعنتِ.

ويُجابُ:

ناقشتُ في بحثِ (الجمعِ للمطرِ) دلالةَ حديثِ ابنِ عباسٍ من وجوهٍ كثيرٍ، منها:
موقفُ علماءِ الحديثِ، وموقفُ الفقهاءِ من حديثِ ابنِ عباسٍ.

وقولُهُ: «أراد ألا يحرج أمتَه»، هذه الجملةُ موقوفةٌ على ابنِ عباسٍ.

والسؤالُ: أقصدَ ابنُ عباسٍ بهذه الجملةِ التعليلَ، بحيث لا يجمعُ إلا إذا وُجِدَ في تركِ الجمعِ حرجٌ، وكلما وُجِدَ حرجٌ لأيِّ سببٍ من الأسبابِ شُرِعَ الجمعُ، فتكونُ أسبابُ الجمعِ مفتوحةً؟
أم قصدَ ابنُ عباسٍ من نفيِ الحرجِ نفيَ الإثمِ عن الفعلِ، وتجويزَ الجمعِ بلا سببٍ، حتى جمعَ ابنُ عباسٍ لإكمالِ الموعظةِ؟

ولم يقلْ أحدٌ من الصحابةِ، ولا من الأئمةِ الأربعةِ بأنَّ ذلك من أسبابِ الجمعِ.

وإطباقُ الرواةِ على عدمِ نقلِ موضوعِ خطبةِ ابنِ عباسٍ، ولا سببِها يدلُّ على أنها موعظةٌ عامةٌ، وليست أمراً يُجْزَمُ معه أنَّ هناك ضرورةً أملتْ على ابنِ عباسٍ تقديمَ الخطبةِ على الصلاةِ.

لماذا لم يذكرِ ابنُ عباسٍ في جميعِ طرقِ الحديثِ سببَ الجمعِ في المدينةِ؟

ولماذا ابنُ عباسٍ احتجَّ على صحةِ جمعِهِ بنفيِ أسبابِ الجمعِ في قولِهِ: «من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ» وفي روايةٍ: «من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ»؟

ولماذا تلاميذُ ابنِ عباسٍ لم يسألوهُ عن سببِ الجمعِ، وسألوهُ ماذا أرادَ النبيُّ ﷺ بهذا الفعلِ؟

ما الفائدةُ من نفيِ الخوفِ والسفرِ، أو الخوفِ والمطرِ؟
ألم يكن أبلغَ وأقصرَ أن يذكرَ سببَ الجمعِ صريحاً ويلزمُ من ذكرِهِ نفيُ غيرِهِ من الأسبابِ، بدلاً من نفيِ بعضِ أسبابِ الجمعِ، والسكوتِ عن سببِ الجمعِ، أين فصاحةُ ابنِ عباسٍ؟

لو كان جمعُ النبيِّ ﷺ لهُ سببٌ ألم يكن نقلُهُ للأمةِ من ابنِ عباسٍ هو الأهمَّ، وكان السؤالُ عنهُ أهمَّ من سؤالِ ابنِ عباسٍ عن رأيِهِ بقصدِ النبيِّ ﷺ بهذا الفعلِ؟

أترى لو كان الجمعُ لهُ سببٌ، أيتجاهلُ ابنُ عباسٍ ذكرَهُ في كلِّ طرقِ الحديثِ، ويقدمُ فهمَهُ لهذا الفعلِ، وأنه فَهِم من فعلِ النبيِّ ﷺ نفيَ الحرجِ عن الفاعلِ؟ وكذلك فعلَ كلُّ من روى الحديثَ عن ابنِ عباسٍ، حيث تركوا سؤالَهُ عن سببِ الجمعِ، وتوجهَ سؤالُهم فقط عن رأيِ ابنِ عباسٍ عن نيةِ النبيِّ ﷺ بهذا الجمعِ؟

لو كان الجمعُ مَشْرُوعاً كلما وُجِدَ حرجٌ لأيِّ سببٍ من الأسبابِ، فلماذا كانت أسبابُ الجمعِ معدودةً عند الأئمةِ الأربعةِ، وقد ذكرتُ في صدرِ هذه المسألةِ أسبابَ الجمعِ عند الأئمةِ الأربعةِ.

هذه الأسئلةُ وغيرها ناقشتُها، فارجعْ إليها بُوركتَ في جمعِ المطرِ، فقد أغنى ذكرُها هناك عن إعادتِها هنا، ولله الحمد.

الدليلُ الثاني:

ثَبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ في عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ، وأنَّ جمعَهُ لم يكن لعلةِ السفرِ، ولا الخوفِ، ولا المطرِ، ولا لخصوصِ النسكِ، فكذلك جمعُهُ الذي رواهُ ابنُ عباسٍ في المدينةِ، وإنما كان الجمعُ في الموضعينِ لرفعِ الحرجِ عن أمتِهِ، فإذا احتاجوا إلى الجمعِ جمعوا.

يقولُ ابنُ تيميةَ:
«النبيُّ ﷺ كان يجمعُ بالمدينةِ لغيرِ خوفٍ، ولا مطرٍ، بل للحاجةِ تعرضُ لهُ كما قال: «أراد أن لا يحرج أمتَه»، ومعلومٌ أنَّ جَمْع النبيِّ ﷺ بعَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ لم يكن لخوفٍ، ولا مطرٍ، ولا لسفرٍ أيضاً؛ فإنه لو كان جمعُهُ للسفرِ لجمعَ في الطريقِ، ولجمعَ بمكةَ كما كان يقصرُ بها، ولجمعَ لمَّا خرجَ من مكةَ إلى منى، وصلى بها الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والفجرَ، ولم يجمعْ بمنى قبل التعريفِ، ولا جمعَ بها بعد التعريفِ أيامَ منى، بل يصلي كلَّ صلاةٍ ركعتينِ غيرَ المغربِ، ويصليها في وقتِها، ولا جمعُهُ أيضاً كان للنسكِ؛ فإنه لو كان كذلك لجمعَ من حينِ أحرمَ؛ فإنه من حينئذٍ صارَ محرماً فـعُلِمَ أنَّ جمعَهُ المتواترَ بعَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ لم يكن لمطرٍ، ولا خوفٍ، ولا لخصوصِ النسكِ، ولا لمجردِ السفرِ، فهكذا جمعُهُ بالمدينةِ الذي رواهُ ابنُ عباسٍ، وإنما كان الجمعُ لرفعِ الحرجِ عن أمتِهِ، فإذا احتاجوا إلى الجمعِ جمعوا»[30].

ويُناقَشُ:

الجوابُ الأولُ:
قولُ ابنِ تيميةَ -رحمهُ اللهُ-: (لو كان جمعُهُ للسفرِ لجمعَ في الطريقِ، ولجمعَ بمكةَ كما كان يقصرُ بها)، هذا الإلزامُ ليس بلازمٍ؛ فالفطرُ يَجُوزُ للمسافرِ، ولو لم يكن هناك مشقةٌ، ولا يَصِحُّ القولُ: لو كان فطرُهُ للسفرِ للزمَهُ الفطرُ في كلِّ سفرِهِ، فكذلك الجمعُ، فالقصرُ ملازمٌ للسفرِ، وهو سنةٌ، وقيل: واجبٌ، والفطرُ والجمعُ من رخصِ السفرِ، يُبَاحانِ مطلقاً، ويُسْتَحَبانِ مع المشقةِ.

الجوابُ الثاني:
قياسُ الجمعِ في الحضرِ على مشقةِ السفرِ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الجمعَ في السفرِ مباحٌ، ولو لم يكن هناك مشقةٌ كالفطرِ، بخلافِ الجمعِ في الحضرِ على القولِ بهِ لا يَجُوزُ إلا مع المشقةِ الظاهرةِ.

لأنَّ إثباتَ الجمعِ عن طريقِ القياسِ اعترافٌ بأنَّ الفرعَ المقيسَ لا نصَّ فيهِ، وإذا كان الجمعُ للحاجةِ لا نصَّ فيهِ، فلا يَصِحُّ استخدامُ القياسِ فيما تركَ النبيُّ ﷺ فيهِ الجمعَ مع وجودِ المقتضي، أليس التركُ من النبيِّ ﷺ سنةً؟ ويلزمُ منهُ الجمعُ فيما تركَ النبيُّ ﷺ فيهِ الجمعَ؟

الجوابُ الثالثُ:
لا يَصِحُّ تخريجُ الجمعِ في الحضرِ على الجمعِ في عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ؛ لأنَّ الجمعَ فيهما من السننِ، ويُكْرَهُ تركُهُ، والحاجةُ عامةً، والجمعُ في الحضرِ رخصةٌ وليس بـسنةٍ عند المالكيةِ، وتركُهُ أفضلُ عند الشافعيةِ والحنابلةِ، فلا يُقاسُ الأدنى على الأعلى.

الدليلُ الثالثُ:

يقولُ ابنُ تيميةَ:
«المواقيتُ لأهلِ الأعذارِ ثلاثةٌ ولغيرِهم خمسةٌ فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ﴾ [هود: 114]، فذكرَ ثلاثةَ مواقيتٍ والطرفُ الثاني يتناولُ الظهرَ والعصرَ، والزلفُ يتناولُ المغربَ والعشاءَ.

وكذلك قال: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ [الإسراء: 78]، والدلوكُ هو الزوالُ في أصحِّ القولينِ. يُقالُ: دلكتِ الشمسُ وزالت وزاغت ومالت. فذكرَ الدلوكُ والغسقُ وبعدَ الدلوكِ يُصلى الظهرُ والعصرُ وفي الغسقِ تُصلى المغربُ والعشاءُ، ذكرَ أولَ الوقتِ وهو الدلوكُ وآخرَ الوقتِ وهو الغسقُ، والغسقُ اجتماعُ الليلِ وظلمتُهُ. ولهذا قال الصحابةُ كـعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ وغيرِهِ: المرأةُ الحائضُ إذا طهرتْ قبلَ طلوعِ الفجرِ صلتِ المغربَ والعشاءَ. وإذا طهرتْ قبلَ غروبِ الشمسِ صلتِ الظهرَ والعصرَ. وهذا مذهبُ جمهورِ الفقهاءِ كـمالكٍ والشافعيِّ»[31].

ويُناقَشُ بأكثرَ من جوابٍ:

الجوابُ الأولُ:
أما الاحتجاجُ بالآياتِ:
فلا يظهرُ لي أنَّ فيها دلالةً على الجمعِ، فهي تأمرُ بإقامةِ الصلواتِ بأوقاتِها على سبيلِ الإجمالِ، ولم تتعرضْ للجمعِ، ففي آيةِ الإسراءِ ذكرتِ الأوقاتَ الخمسةَ، قال تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ [الإسراء: 78].

فلو فُهِمَ منها الجمعُ لَفُهِمَ منها مشروعيةُ جمعِ العصرِ مع المغربِ، ولا قائلَ بهِ.

الجوابُ الثاني:
وأما الاحتجاجُ بأثرِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ وما يعضدُهُ من آثارٍ في البابِ، وكلُّها آثارٌ [ضعيفةٌ][32]، ولكنَّ الاعتبارَ بها بالمجموعِ، وكونُهُ لا يُعْرَفُ ما يخالفُها من أقوالِ الصحابةِ، فهي وإن دلتْ على أنَّ المانعَ من الصلاةِ من حيضٍ أو جنونٍ، إذا ارتفعَ في وقتِ العصرِ صلى معهُ الظهرَ، وإذا ارتفعَ في وقتِ العشاءِ صلى معهُ المغربَ، إلا أنه لا يدلُّ على مشروعيةِ الجمعِ للعذرِ، بدليلِ أنَّ من وجبتْ عليهِ صلاةُ الظهرِ، ثم طرأَ مانعٌ لم يلزمْهُ إلا قضاءُ الظهرِ فقط، وهذا بـالاتفاقِ، مع أنَّ وقتَ الظهرِ وقتٌ لهُ وللعصرِ في حالِ الجمعِ، فما الفرقُ بين المسألتينِ؟

فكان القياسُ يقتضي أنَّ المانعَ لو ارتفعَ في صلاةِ العصرِ لم تجبِ الظهرُ، وكذلك لو ارتفعَ في وقتِ العشاءِ لم تجبِ المغربُ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ، قال: النبيُّ ﷺ: «وقتُ الظهرِ ما لم يحضرِ العصرُ». رواهُ مسلمٌ، وإنما تُرِكَ القياسُ؛ لما وردَ من آثارٍ عن الصحابةِ -رضي الله عنهم-، ولم يردْ ما يخالفُها عن غيرِهم، وإطباقُ التابعينَ على موافقةِ الصحابةِ إلا ما وردَ عن الحسنِ البصريِّ ثم متابعةُ جمهورِ الفقهاءِ في الجملةِ من المالكيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ، فكان المقتضي اتباعَ الأثرِ، وما وردَ خلافَ القياسِ لا يُقاسُ عليهِ إلا لو كان منصوصاً على علَّتِهِ، فلو كانت هذه الآثارُ تدلُّ على مشروعيةِ الجمعِ للحاجةِ لم يكن هناك فرقٌ بين طروءِ المانعِ وبين ارتفاعِهِ في الصلاتينِ المجموعتينِ.

 فإما أن نقولَ: إنَّ هذا التفريقَ يدلُّ على ضعفِ قولِ الجمهورِ بأنَّ دركَ العصرِ دركٌ للظهرِ، والآثارُ ضعيفةٌ، وهذا قولُ الحنفيةِ.
وإما أن نقتصرَ على ما تقتضيهِ هذه الآثارُ، ولا ندعي أنها تفيدُ جوازَ الجمعِ للحاجةِ، ما دمنا لا نلتزمُهُ في طروءِ المانعِ، وهذا أقربُ، واللهُ أعلمُ.

الجوابُ الثالثُ:
أنَّ الجمهورَ من المالكيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ أخذوا بهذه الآثارِ، وقالوا: تُدْرَكُ الظهرُ بإدراكِ العصرِ، وتُدْرَكُ المغربُ بإدراكِ العشاءِ ولم يفهموا من هذه الآثارِ مشروعيةَ الجمعِ للحاجةِ، فدلَّ على أنَّ هذه الآثارَ لا تدلُّ على ذلك.

وقد نفى النوويُّ أن يكونَ الجمعُ للحاجةِ من أقوالِ الأئمةِ الأربعةِ.

قال النوويُّ:
«في مذاهبِهم في الجمعِ في الحضرِ بلا خوفٍ، ولا سفرٍ، ولا مرضٍ: مذهبُنا ومذهبُ أبي حنفيةَ، ومالكٍ وأحمدَ، والجمهورُ أنه لا يَجُوزُ، وحكى ابنُ المنذرِ عن طائفةٍ جوازَهُ بلا سببٍ، قال: وجوَّزَهُ ابنُ سيرينَ لحاجةٍ ما لم يَتَّخِذْهُ عادةً»[33].

وقال ابنُ عبدِ البرِّ:
«وقالت طائفةٌ شذَّت عن الجمهورِ الجمعُ بين الصلاتينِ في الحضرِ، وإن لم يكن مطرٌ مباحٌ إذا كان عذرٌ وضيقٌ على صاحبِهِ، ويشقُّ عليهِ، وممن قال بذلك محمدُ بنُ سيرينَ»…[34].

الجوابُ الرابعُ:
لو كان أثرُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ وما يعضدُهُ من أثرِ أبي هريرةَ وابنِ عباسٍ تدلُّ على مشروعيةِ الجمعِ للحاجةِ لَوُجِدَ ما يدلُّ على ذلك من التطبيقِ العمليِّ للصحابةِ، فلا تجدُ أثراً واحداً يدلُّ على جوازِ الجمعِ للمرضِ أو الخوفِ أو الوحلِ أو الريحِ الباردةِ، وكلُّها من الحاجاتِ العامةِ الشديدةِ، والجمعُ بسببِها أَوْلَى من الجمعِ من مطلقِ الحاجةِ الخاصةِ، وإنما المحفوظُ في السنةِ أنَّ هذه الأسبابَ تبيحُ التخلفَ عن الجماعةِ، فلو كان الجمعُ مَشْرُوعاً للحاجةِ لَـحُفِظَ الجمعُ لهذه الأسبابِ ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ [مريم: 64].

ولو كان الناسُ كلَّ ما احتاجوا جمعوا، لَتَكَرَّرَ وقوعُ الجمعِ في الحضرِ في عصرِ التشريعِ، فالناسُ لا يعدمونَ من الوقوعِ في حاجةٍ عامةٍ من بردٍ، وريحٍ، ومطرٍ ووحلٍ، ومن التعرضِ لحاجةٍ خاصةٍ من شغلٍ كالحصادِ والجذاذِ، والنعاسِ، والمرضِ، وغيرها، والثابتُ عن النبيِّ ﷺ في دفعِ أذى المطرِ قولُهُ: «صلوا في رحالكم»، وهذا لا يختلفُ عليه الأئمةُ الأربعةُ.

وقد استمرَّ المطرُ أسبوعاً في المدينةِ حتى تُهُدِّمَتِ البيوتُ وانْقَطَعَتِ السبلُ وهَلَكَتِ المواشي ولم يُنْقَلِ الجمعُ.

وقد مرضَ النبيُّ ﷺ مراتٍ كثيرةً حتى صلى جالساً، ومرضَ أياماً قبل وفاتِهِ، حتى تخلفَ عن الجماعةِ، ولم يُنْقَلْ أنه جمعَ قطُّ.

فما هي الحاجاتُ إذاً التي تبيحُ الجمعَ، إذا كانت كلُّ هذه الحاجاتِ التي ذكرتُها لم يثبتْ فيها الجمعُ من السنةِ العمليةِ؟

دليلُ من قال: لا يَجُوزُ الجمعُ للحاجةِ:
الدليلُ الأولُ:

الحاجةُ ملازمةٌ للحياةِ جماعةً وأفراداً، فلو كانت من أسبابِ الجمعِ، لَتَكَرَّرَ الجمعُ، لكثرةِ الحاجاتِ وتنوعِها، ولو فُعِلَ الجمعُ لَـحُفِظَ، فلا سنةَ في البابِ، ولا آثارَ عن الصحابةِ إلا ما كان من حديثِ ابنِ عباسٍ، وقد وقفتَ على مواقفِ العلماءِ منهُ عند الكلامِ على جمعِ المطرِ.

أَيَنْقُلُ الصحابةُ جمعَ النبيِّ ﷺ في أسفارِهِ، والسفرُ عارضٌ ويَتَكَرَّرُ النقلُ في بيانِ صفةِ الجمعِ، ومكانِهِ، وهل كان من جمعِ التقديمِ أو التأخيرِ، وهل كان نازلاً أو جَدَّ به السيرُ، فإذا جاءتِ الإقامةُ، وهي الأصلُ في حياةِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ وقد امتدت عشرَ سنواتٍ، ويَتَكَرَّرُ فيها أسبابُ الجمعِ من مطرٍ، وبرَدٍ، ورياحٍ، ووحلٍ، وقرٍ وحرٍ ومرضٍ، ثم لا يوجدُ فيها نقلٌ واحدٌ مرفوعٌ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ بسببِ هذه الحاجاتِ إلا ما كان في حديثِ ابنِ عباسٍ المشكلِ، والذي شرقَ فيه الأئمةُ وغربوا.

كلُّ ذلك يدلُّ على عدمِ ثبوتِ الجمعِ بسببِ الحاجةِ، واللهُ أعلمُ.

الدليلُ الثاني:

قال تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة: 239].

فلو كان وجودُ الحرجِ من أسبابِ الجمعِ لَـشُرِعَ الجمعُ في حالِ المسايفةِ، فإنَّ الناسَ أُمِرُوا بالصلاةِ حالَ القتالِ رجالاً وركباناً حفاظاً على الوقتِ، ولم يُؤْمَرُوا بالجمعِ، وكلُّ حرجٍ لن يكونَ بقدرِ الحرجِ الذي يصيبُ المقاتلَ حالَ القتالِ.

الدليلُ الثالثُ:

روى مسلمٌ من طريقِ أبي الأحوصِ سلامِ بنِ سليمٍ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ وهبٍ، عن خبابٍ قال: «شكونا إلى رسولِ اللهِ ﷺ الصلاةَ في الرمضاءِ، فلم يُشْكِنَا»[35].

ورواهُ مسلمٌ من طريقِ زهيرٍ، قال: حدثنا أبو إسحاقَ به، وزاد:
قال زهيرٌ: قلتُ لـأبي إسحاقَ: أفي الظهرِ؟ قال: نعم. قلتُ: أفي تعجيلِها؟ قال: نعم[36].

فالصحابةُ شكوا للنبيِّ ﷺ شدةَ الحرِّ، وذلك يعني أنَّ هناك حاجةً وحرجاً في الصلاةِ في شدةِ الظهرِ، فلم يُشْكِهِمْ، وعالجَ النبيُّ ﷺ ذلك بالإبرادِ في الصلاةِ.

فالخروجُ في شدةِ الحرِّ، خاصةً في أرضِ الحجازِ فيه مشقةٌ كبيرةٌ على المصلينَ، ومع ذلك لم يُشْرَعْ لهم الجمعُ لدفعِ مثلِ هذا الحرجِ، وإنما شُرِعَ لهم الإبرادُ، وذلك بتأخيرِ صلاةِ الظهرِ إلى آخرِ وقتِها.

روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: «إذا اشتدَّ الحرُّ فـأَبْرِدُوا بالصلاةِ، فإنَّ شدةَ الحرِّ من فيحِ جهنمَ»[37].

قولُهُ: «إذا اشتدَّ الحرُّ فـأَبْرِدُوا» أي: أخروا إلى أن يبردَ الوقتُ، يُقالُ: (أَبْرَدَ) إذا دخلَ في البردِ، كأَظْهَرَ إذا دخلَ في الظهيرةِ، ومثلُهُ في المكانِ: أَنْجَدَ إذا دخلَ نجداً، وأَتْهَمَ: إذا دخلَ تهامةَ.

وروى البخاريُّ من طريقِ آدمَ بنِ أبي إياسٍ، قال: حدثنا شعبةُ، قال حدثنا مهاجرٌ أبو الحسنِ مولى لبني تيمِ اللهِ، قال: سمعتُ زيدَ بنَ وهبٍ، عن أبي ذرٍ الغفاريِّ، قال: «كنا مع النبيِّ ﷺ في سفرٍ، فأرادَ المؤذنُ أن يؤذنَ للظهرِ، فقال النبيُّ ﷺ: أَبْرِدْ، ثم أرادَ أن يؤذنَ، فقال لهُ: أَبْرِدْ، حتى رأينا فيءَ التلولِ»، فقال النبيُّ ﷺ: «إنَّ شدةَ الحرِّ من فيحِ جهنمَ، فإذا اشتدَّ الحرُّ فـأَبْرِدُوا بالصلاةِ»[38].

ورواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ محمدِ بنِ جعفرٍ[39].

فكان الإبرادُ لهُ غايةٌ ينتهي عندها، وهو قولُ الراوي في الحديثِ: (حتى رأينا فَيْءَ التلولِ)، أي: مالتِ الشمسُ وبعدتْ عن وسطِ السماءِ حتى ظَهَرَ للتلِّ فيءٌ، ولا يظهرُ للتلِّ فيءٌ إلا قربَ وقتِ العصرِ.

ورواهُ البخاريُّ عن مسلمِ بنِ إبراهيمَ، عن شعبةَ به، وفيه: «حتى ساوى الظلُّ التلولَ»[40].

فما بقيَ ليدخلَ وقتُ العصرِ إلا ظلُّ الزوالِ نفسُهُ؛ فإنَّ العصرَ لا يدخلُ إلا بعد أن يكونَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَهُ بعدَ ظلِّ الزوالِ، وقد يكونُ الراوي قصدَ بذلك المبالغةَ، لا حقيقةَ المساواةِ، ولهذا كانت روايةُ الأكثرِ (حتى رأينا فيءَ التلولِ)، واللهُ أعلمُ.

فأيهما أشدُّ حرجاً على المكلَّفِ، قطعُ خطبةِ ابنِ عباسِ، والعودُ إليها بعدَ الصلاةِ، أو الخروجُ إلى الصلاةِ في شدةِ الحرِّ، في بلادٍ كالحجازِ؟

فلو كان الجمعُ مَشْرُوعاً إذا وُجِدَت حاجةٌ أو حرجٌ لكانت الحاجةُ العامةُ من شدةِ الحرِّ أَوْلَى بالجمعِ من الحاجةِ الخاصةِ.

الدليلُ الرابعُ:

اشتغلَ الصحابةُ في حفرِ الخندقِ، وكان هذا من الشغلِ العامِّ، ومصلحتُهُ الدفاعُ عن الملةِ والأمةِ رجالاً ونساءً وأطفالاً، ولم يمرَّ بالنبيِّ ﷺ ولا صحابتِهِ حدثٌ مثلَ حفرِ الخندقِ وقد تَحَزَّبَ عليهم العربُ من أقطارِها ليبيدوا خضراءَهم، فكان النبيُّ ﷺ يشاركُ في نقلِ الترابِ، وقد اجتمعَ عليهم الجوعُ والخوفُ والشغلُ، وقد وصفَ الكتابُ العزيزُ حالَ الصحابةِ.

قال تعالى: ﴿ إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 10-11].

ولم يُنْقَلْ أنهم جمعوا للصلاةِ، فأيُّ شغلٍ بعدَ هذا يكونُ مبرراً للجمعِ؟

روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ -رضي الله عنه- قال: «رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يومَ الأحزابِ ينقلُ الترابَ وقد وارى الترابُ بياضَ بطنِهِ…» الحديث[41].

وفي روايةٍ: «حتى وارى عني الغبارُ جلدةَ بطنِهِ، وكان كثيرَ الشعرِ…» الحديث[42].

وأيُّ شغلٍ أصابَ الناسُ حتى كان النبيُّ ﷺ -بأبي هو وأمي- وهو أعلى رجلٍ في الدولةِ يشاركُ في نقلِ الترابِ، وفي حفرِ الخندقِ؟

وروى البخاريُّ من طريقِ سعيدِ بنِ ميناءٍ قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ -رضي الله عنهما- قال: «لما حُفِرَ الخندقُ رأيتُ بالنبيِّ ﷺ خمصاً شديداً، فانكفأتُ إلى امرأتي، فقلتُ: هل عندكِ شيءٌ؟ فإني رأيتُ برسولِ اللهِ ﷺ خمصاً شديداً…» من حديثٍ طويلٍ[43].

فإذا كان هذا الشغلُ لم يسوّغِ الجمعَ، فأيُّ شغلٍ بعدَهُ يمكنُ أن يبررَ الجمعَ؟

وإذا لم يجمعِ المسلمونَ في مثلِ ذلك اليومِ والذي اجْتَمَعَ فيهِ العملُ، والجوعُ، والخوفُ، وكانوا يسارعونَ الوقتَ قبلَ أن يداهمَهم العدوُّ لم يُشْرَعِ الجمعُ لما هو دونَهُ من الحاجاتِ الخاصةِ أو العامةِ.

الدليلُ الخامسُ:

خطبَ النبيُّ ﷺ من بعدِ صلاةِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ، فكان عليهِ الصلاةُ والسلامُ إذا حضرتِ الصلاةُ نزلَ النبيُّ ﷺ، فصلى، ثم أكملَ خطبتَهُ، كما في صحيحِ مسلمٍ، حتى قال الصحابيُّ: «فأخبرنا بما كان، وبما هو كائنٌ، فأعلمُنا أحفظُنا»[44].

ولم يجمعِ النبيُّ ﷺ بين الظهرينِ من أجلِ إكمالِ خطبتِهِ، مع أنَّ خطبتَهُ أطولُ، والمشقةَ فيها على الناسِ أعظمُ، وموضوعَها أهمُّ من خطبةِ ابنِ عباسٍ؛ لتعلقِها بالغيبياتِ التي لا تُدْرَكُ إلا عن طريقِ تلقِّيها من النبيِّ ﷺ.

الراجحُ:
أنَّ الجمعَ كما لا يُباحُ للوحلِ والمرضِ والخوفِ لا يُباحُ للحاجةِ، واللهُ أعلمُ.
الحواشي والمراجع

[1] أسباب الجمع عند الحنفية محصور في النسك في عرفة ومزدلفة، فلا يرون الجمع في حضر، ولا سفر. انظر: «تحفة الفقهاء» (1/405)، «بدائع الصنائع».

وأسباب الجمع عند المالكية محصورة بالأسباب التالية:
السفر، ولو كان قصيرًا لا تقصر فيه الصلاة، والمرض، والمطر، والطين (الوحل) مع ظلمة، لا الطين فقط، ولا الظلمة فقط، والجمع في عرفة، وفي مزدلفة، وفي الخوف قولان لـابن القاسم. وليس منها الحاجة.

انظر: «مختصر خليل» (ص: 44)، «مواهب الجليل» (2/153، 156)، «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (1/368، 370) وما بعدها، «التاج والإكليل» (2/509، 511، 514)، «تحبير المختصر» (1/481)، «شرح الزرقاني» (2/87، 88)، «جواهر الدرر» (2/447).

وأسباب الجمع عند الشافعية محصور بسببين: السفر الذي تقصر فيه الصلاة، والمطر في الحضر، وليس منه الحاجة، والمرض، والوحل، والخوف.

انظر: «منهاج الطالبين» (ص: 45)، «روضة الطالبين» (1/395)، «أسنى المطالب» (1/242)، «تحفة المحتاج» (2/393)، «مغني المحتاج» (1/925).

وأسباب الجمع عند الحنابلة: السفر، والمطر، ومنه البرَد والثلج والجليد، والوحل، والريح الشديدة الباردة، والمرض، -ومنه: المستحاضة، والعاجز عن الطهارة والتيمم لكل صلاة؛ والعاجز عن معرفة الوقت كأعمى- والمرضع إذا شق عليها تفريق الصلاة؛ لكثرة النجاسة، والجمع لعذر أو شغل يبيح له ترك جمعة وجماعة كخوفه على نفسه، أو ماله، أو أهله، والأعذار التي تبيح التخلف عن الجمعة والجماعة معدودة. وليس منها الحاجة.

قال في «الإنصاف» (2/339):
«لا يجوز الجمع لعذر من الأعذار سوى ما تقدم على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب».

وقال الموفق في «المغني» (2/206):
«ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا».

[2] سيأتي العزو عن كل واحد من هؤلاء من خلال تحري ثبوت النقل عنه.

[3] انظر: «الأوسط» (2/423، 433)، «الإشراف على مذاهب العلماء» (1/415، 417)، «شرح البخاري» لـابن بطال (3/95) و (2/170)، «التمهيد»، ت: بشار (8/60)، «المنتقى» لـالباجي (1/255). «فتح الباري» لـابن رجب (4/272).

[4] «مصنف ابن أبي شيبة» (6528).

[5] انظر: «الأوسط» (2/423، 433)، «الإشراف على مذاهب العلماء» (1/415، 417)، «شرح البخاري» لـابن بطال (3/95) و (2/170)، «التمهيد»، ت: بشار (8/60)، «المنتقى» لـالباجي (1/255). «فتح الباري» لـابن رجب (4/272).

[6] «المصنف» (5528).

[7] «الأوسط» (2/334).

[8] «المصنف» (5528).

[9] «شرح البخاري» لـابن بطال (2/071).

[10] «المدونة» (1/402).

[11] «المقدمات الممهدات» (1/681).

[12] «التوضيح» لـخليل (2/43).

[13] انظر من هذا المجلد: (ص: 469).
وانظر أيضًا: «الجامع لمسائل المدونة» (2/217)، «الاستذكار» (2/212)، «المنتقى» لـالباجي (1/253)، «التبصرة» لـاللخمي (2/450، 451)، «شرح التلقين» (2/829)، «التوضيح» لـخليل (1/259)، «مواهب الجليل» (1/390).

[14] «المغني» (2/602).

[15] سبق تخريجه، انظر في هذا المجلد: (ث-078).

[16] «معالم السنن» (1/265)، وأبو بكر القفال معاصر لـأبي إسحاق المروزي، فيحتمل أنه سمعه منه.

وقال النووي في «شرح صحيح مسلم» (5/219):
«… حكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، عن أبي إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: «أراد أن لا يحرج أمته»، فلم يعلله بمرض ولا غيره والله أعلم».

قوله: (عن القفال والشاشي الكبير) زيادة الواو [خطأ]، فـالصواب: عن القفال الشاشي الكبير.

وقوله: (عن أبي إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث) [وهم آخر]، فالذي حكاه عن جماعة هو ابن المنذر إلا أنه لم يصفهم أنهم من أهل الحديث، وأما أبو بكر القفال فحكاه عن أبي إسحاق المروزي وحده، انظر: «معالم السنن» (1/265)، «المجموع» (4/384).

[17] «الأوسط» لـابن المنذر (2/430).

وقال الخطابي في «معالم السنن» (1/265):
«وكان ابن المنذر يقول ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث».

قلت: لم يسم ابن المنذر هذه الطائفة التي ترى الجمع بلا سبب، ولعله يريد بذلك ابن سيرين، وربيعة وأشهب، وقد تبين لك أن أشهب لا يصح عنه، وابن سيرين يشترط حاجة ما، وربيعة النقل عنه غير مسند.

[18] «الفروع» (3/801).

[19] «الإرشاد إلى سبيل الرشاد» (ص: 425).

[20] «التعليقة الكبرى» (3/79).

[21] انظر: «اختلاف العلماء» لـالطحاوي اختصار الجصاص (1/292)، «شرح البخاري» لـابن بطال (2/171)، «الاستذكار» (2/214)، «التمهيد»، ت: بشار (8/36).

[22] «الإنصاف» (2/633).

[23] «المغني» (2/602).

[24] «الإنصاف» (2/933).

[25] «الفروع» (3/901).

[26] انظر: «الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد» (ص: 87)، «الفروع» (3/110)، «المبدع» (2/125)، «الإنصاف» (2/633).

[27] «مجموع الفتاوى» (24/52).

[28] «صحيح مسلم» (54-507).

[29] سبق تخريجه في هذا المجلد، انظر: (ح-9933).

[30] «مجموع الفتاوى» (24/77).

[31] «مجموع الفتاوى» (24/52).

[32] روى ابن أبي شيبة في «المصنف» (7205)، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عثمان المخزومي، قال: أخبرتني جدتي، عن مولى لـعبد الرحمن بن عوف، قال: سمعته يقول:
«إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء».

الإسناد [ضعيف]؛ لأن مداره على مولى عبد الرحمن بن عوف، وهو لا يعرف، وسبق تخريجه في كتابي «موسوعة الطهارة»، الطبعة الثالثة (8/506).

وروى ابن أبي شيبة (7207)، قال: حدثنا هشيم، عن يزيد، عن مقسم، عن ابن عباس قال:
«إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء».

في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو [ضعيف]، كبر، فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعيًّا، وقد اختلف عليه فيه، وانظر تخريجه في كتابي «موسوعة الطهارة» (8/507).

وروى حرب الكرماني في «مسائله» (1137)، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا النضر بن شميل قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن قيس، عن عطاء، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:
«إذا طهرت المرأة من حيضها فأدركت ركعتين، ثم صلي العصر قبل أن تغيب الشمس، فإنها تصلي الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل أن يطلع الفجر، فإنها تصلي المغرب والعشاء».

رجاله ثقات إلا أن رواية حماد عن قيس فيها كلام، انظر تخريجه (ث-146).

[33] «المجموع» (4/483).

[34] «الاستذكار» (2/212).

[35] «صحيح مسلم» (189-916).

[36] «صحيح مسلم» (190-916).

[37] «صحيح البخاري» (536)، و«صحيح مسلم» (516).

[38] «صحيح البخاري» (935).

[39] «صحيح البخاري» (535)، و«صحيح مسلم» (616).

[40] «صحيح البخاري» (926).

[41] «صحيح البخاري» (2837)، و«صحيح مسلم» (125-3081).

[42] «صحيح البخاري» (6014).

[43] «صحيح البخاري» (4102)، و«مسلم» (141-9302).

[44] رواه مسلم في «صحيحه» (25-2892) من طريق أبي عاصم قال حجاج: حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عزرة بن ثابت، أخبرنا علباء بن أحمر، حدثني أبو زيد، -يعني: عمرو بن أخطب– قال:
«صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا، حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا».

شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *