حكم مسح الأذنين في الوضوء

📌 مدخل في ذكر الضابط الفقهي

لم يأت ذكر للأذنين في صفة الوضوء في كتاب الله.
ثبت مسح الأذنين وتركهما في السنة الفعلية، فكان المسح دليلًا على المشروعية، والترك دليلًا على عدم الوجوب.
اختلف في الأذنين، هل هما عضوان مستقلان، ومن ثم اختلفوا:
هل مسحهما سنة كالمضمضة، أو فرض باعتبار أن السنة الفعلية هي بيان للمجمل في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ على القول بأن هذه الآية مجملة؟
وهل هما عضوان مستقلان باعتبار أن الرأس تسمية لجارحة مخصوصة والأذنان ليستا منه حسًا، وقد اتفقوا على أن من اقتصر على مسحهما دون مسح الرأس فإن ذلك لا يجزيه وهذا دليل على أنهما ليستا من الرأس، فتغني عنه.
أو هما من الرأس حكمًا لا حقيقة، بدليل أن فرضهما مسح ظاهرهما كما يمسح الرأس، ولا يؤخذ لهما ماء جديد غير ماء الرأس، ولا ترتيب بين الأذن اليمنى واليسرى بخلاف اليدين والرجلين، ولا يكرر مسحهما؟
اختلف العلماء في حكم مسح الأذنين:
فقيل: مسحهما سنة، فمن تركه فلا إعادة عليه.

وهو مذهب الجمهور[1]، ورواية عن أحمد[2]، واختيار ابن حزم[3].

وقيل: يجب مسحهما.

وهو المشهور من مذهب الحنابلة[4]، وقول إسحاق[5]، واختاره بعض المالكية[6].

وقيل: يستحب مسح داخلهما، وأما خارج الأذنين فقولان.

حكاه ابن بشير[7].

دليل الجمهور على أن مسحهما سنة:
الدليل الأول

الإجماع.

قال النووي: قال ابن جرير الطبري في كتاب «اختلاف الفقهاء»:
«أجمعوا أن من ترك مسحهما فطهارته صحيحة، وكذا نقل الإجماع غيره»[8].

كما حكى الإجماع ابن عبد البر[9].

والحق: أن الخلاف محفوظ.

ولذلك قال ابن هبيرة:
«وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، إلا أحمد فإنه رأى مسحهما واجبًا، وعنه أنه سنة» [10].

وقال القرطبي:
«وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي ﷺ، ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق»[11].

وقال ابن بشير:
«وأما داخل الأذنين فلا خلاف أنهما سنة، فمن ترك مسحهما لم تبطل صلاته، وأما خارج الأذنين ففيه قولان، أحدهما: أنه فرض. والثاني: أنه سنة»[12].

فكل هذه النقول تثبت أن هناك قولًا في وجوب مسح الأذنين مما يضعف حكاية الإجماع على أن مسحهما سنة.

الدليل الثاني

ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلًا قال لـ عبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟

فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر بدأ، بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
ورواه مسلم بنحوه[13].

وجه الاستدلال

أن هذا الوضوء وقع جوابًا كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكر صفة الوضوء من المضمضة والاستنشاق والتثليث فيهما، وذكر مسح الرأس مبينًا من أين يبدأ، وأنه من مقدم الرأس، وذكر إقبال اليدين وإدبارهما، ثم انتقل إلى غسل الرجلين، ولم يذكر الأذنين، ولو أن الراوي قال: ومسح برأسه لقيل: ربما أنه أجمل، فلما ذكر صفة مسح الرأس بداية ونهاية، ولم يتعرض للأذنين علم أنه لم يمسحهما، وتركه لهما وهو في معرض بيانه لصفة وضوء النبي ﷺ دليل على أن مسحهما ليس بواجب.

الدليل الثالث

ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره،

أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ:
«من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه».
ورواه مسلم[14].

وجه الاستدلال

الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالحديث السابق، حيث ذكر مسح الرأس، ولم يذكر مسح الأذنين، والسياق في بيان صفة وضوء النبي ﷺ، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين حصل له من الأجر كذا وكذا، وهذا الوضوء ليس فيه مسح الأذنين، فمن امتثل الحديث فقد صح وضوءه، وفعل ما أمر به.

الدليل الرابع

لم يرد في السنة أمر من النبي ﷺ بمسح الأذنين، وما نقل عنه أنه كان ﷺ يمسح أذنيه هي مجرد أفعال، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.

دليل الحنابلة على وجوب مسح الأذنين:
الدليل الأول

قوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ [المائدة: 6].

وجاء في الأحاديث أن الأذنين من الرأس، وسبق تخريجها في «سنن الوضوء»، وإذا كانت الأذنان من الرأس فيكون الأمر بمسح الرأس أمرًا بمسحهما، فيثبت وجوبه بالنص القرآني، وأحاديث «الأذنان من الرأس» إما أن نقول: إنها حجة بمجموعها، أو نقول: إنها موقوفة، فإن رجحنا كونها مرفوعة فلا إشكال، وإن رجحنا كونها موقوفة على الصحابة، فإن قول الصحابي حجة إذا لم نعلم له مخالفًا، وقد حكى النووي الإجماع على أن الأذنين تطهران، كما في «المجموع» وحكاه غيره.

ويجاب عنه بوجهين:

الوجه الأول: القول بأن الأذنين من الرأس: أي يمسحان بماء الرأس، وليس فيه دليل على وجوب المسح من هذا الحديث على أن الحديث لا يثبت مرفوعًا.

الوجه الثاني: لو أخذنا وجوب مسح الأذنين من حديث «الأذنان من الرأس» فإن ذلك يعني القدح في الصحابة الذين نقلوا لنا صفة وضوء النبي ﷺ ولم يمسحوا الأذنين، مع أن المقام مقام تعليم، كحديث عثمان بن عفان وعبد الله بن زيد في الصحيحين، وحديث ابن عباس في البخاري.

الدليل الثاني

ما رواه مالك في «الموطأ»، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المؤمن، فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، قال: ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة»[15].

وجه الاستدلال

قوله: «فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه»، دليل على أن الأذنين من الرأس، فيكون حكم مسحهما حكم مسح الرأس، فإذا كان مسح الرأس فرضًا كان مسحهما فرضًا.

وأجيب:

أولًا: أن الحديث وإن كان رجاله ثقات إلا أنه مرسل، الصنابحي لم يدرك النبي ﷺ، والمرسل من قسم الضعيف[16].

ثانيًا: قد روى مسلم نحو هذا الحديث من مسند عمرو بن عبسة، إلا أنه جعل خروج الخطايا من الرأس مع أطراف الشعر، ولم يذكر الأذنين. فقد أخرجه مسلم من حديث طويل وفيه: «ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء»[17]. الحديث، وهذا أصح.

ثالثًا: هذا الحديث مجرد فعل، ونحن لا ننازع بمشروعية مسح الأذنين، ولكن النزاع في وجوب مسحهما، والله أعلم.

الدليل الثالث

ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال:
«توضأ رسول الله ﷺ فغرف غرفة فمضمض واستنشق، ثم غرف غرفة فغسل وجهه، ثم غرف غرفة فغسل يده اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل يده اليسرى، ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى».
[رجاله ثقات إلا ابن عجلان فإنه صدوق، وأكثر الرواة على عدم ذكر مسح الأذنين في الحديث][18].

وفي الباب حديث عثمان بن عفان[19]، وعبد الله بن عمرو[20]، والربيع بنت معوذ[21]، وقد سبق تخريجها.

وجه الاستدلال

هذه الأحاديث وإن كانت أفعالًا إلا أنها بيان لما أجمل في قوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ﴾.

وأجيب:

بأننا لا نسلم بأنها بيان للمجمل، وغاية ما فيها أنها تدل على استحباب مسح الأذنين، وهذا لا نزاع فيها بيننا، وإنما الخلاف هل مسحهما فرض أم لا؟

الراجح:

أن مسح الأذنين سنة، وليس بفرض، والله أعلم.

الحواشي والمراجع
[1] «أحكام القرآن» لـ الجصاص (2/553)، «بدائع الصنائع» (1/23)، «فتح القدير» (1/27)، «المدونة» (1/123)، «المنتقى شرح الموطأ» لـ الباجي (1/75)، «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (1/118)، «حاشية الدسوقي» (1/98)، وقال الشافعي في «الأم» (1/42): ولو ترك مسح الأذنين لم يعد.اهـ «المجموع» (1/443).
[2] «الفروع» (1/149، 150).
[3] «المحلى» (مسألة: 199).
[4] «الإنصاف» (1/162، 163)، «كشاف القناع» (1/100).
[5] «الأوسط» (1/405).
[6] «المنتقى شرح الموطأ» (1/75).
[7] «مواهب الجليل» (1/254).
[8] «المجموع» (1/446).
[9] «التمهيد» (4/41).
[10] «الإفصاح» (1/74).
[11] «الجامع لأحكام القرآن» (6/90).
[12] «مواهب الجليل» (1/254).
[13] «صحيح البخاري» (185)، ورواه مسلم (235).
[14] «صحيح البخاري» (159)، و«مسلم» (236).
[15] «الموطأ» (1/31) وسبق تخريجه انظر حديث رقم (254).
[16] انظر حديث (878) من هذا الكتاب.
[17] «صحيح مسلم» (832).
[18] سبق تخريجه في مسألة (ماء الأذنين) انظر حديث رقم (247)، وحديث (540).
[19] سبق تخريجه، انظر ح (249)، [وهو حديث ضعيف].
[20] سبق تخريجه، انظر ح: (252).
[21] سبق تخريجه، انظر ح (250)، وكذا حديث (40).
شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *