صور الحوافز التجارية، وبيان حكمها
تقوم بعض الشركات التجارية عند إصدار نوع جديد من منتجاتها بالترويج لها وذلك بتوزيع بعض العينات المجانية تعريفًا بالسلعة طمعًا في إقبال الناس على المنتج بعد ذلك، وتارة يكون تقديم الهدية خاليًا من أي شرط، وتارة تشترط الشركة المنتجة الجواب على بعض الأسئلة إلا أنه في الحالين يكون بذل الهدية ليس مشروطًا بالشراء من الشركة، والغرض من اشتراط الجواب على الأسئلة هو التعريف بالشركة ومنتجاتها، والترويج للسلعة الجديدة.
وهذا العمل جائز شرعًا؛ لأن الترويج للسلعة وطلب اشتهارها جائزان شرعًا إذا ما روعي في ذلك الضوابط الشرعية، من ذلك:
1- التزام الصدق، وذلك بأن لا يزين السلعة بما ليس فيها، ولا يخفي عيوبها.
2- أن يتجنب المبالغة في مدح السلعة.
3- ألا يتعدى على غيره؛ بأن يشمل الترويج لسلعته ذم سلع الآخرين.
وهذه الحوافز لا تخرج عن كونها هبة من الشركة التي أنتجت السلعة؛ لأن التمليك فيها بدون عوض، وهي من طرف واحد فلا تدخل في القمار، ولا أعرف أن أحدًا من أهل العلم حرم مثل ذلك[1].
تقوم بعض المحلات التجارية بربط السلعة بهدية ظاهرة للعيان، بحيث يحصل كل مشتر لهذه السلعة على هذه الهدية، كأن يقول:
من اشترى سيارة كذا وكذا فله جهاز كذا وكذا، وتعرض عينة من الهدية، أو يذكرها بصفاتها المعروفة المتميزة عن غيرها.
من أحضر خمسين كوبونًا أو بطاقة أو غطاء معينًا فله كذا وكذا.
وقد تكون الهدية خدمة معينة، كأن يقال: من اشترى كمية من البنزين حصل على حق تغيير الزيت مجانًا، أو على حق تغسيل سيارته.
وفي كلا الحالين يكون المشتري موعودًا بالهدية قبل الشراء، ويكون مقدار الهدية معلومًا.
ذهب أكثر أهل العلم في عصرنا إلى القول بجواز هذه الهدايا والخدمات، على رأسهم شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- [2]، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في البلاد السعودية[3].
أن هذه الحوافز بالنسبة للمشتري متحققة، وليس مبناها على الحظ والتردد بين الغنم والغرم، فخرجت عن كونها قمارًا أو ميسرًا، وقد قبل المشتري الصفقة وهو يعلم ما سوف يأخذه في مقابل ما سوف يدفعه.
وأما بالنسبة للبائع فإن هذه الحوافز إما أن يكون توصيفها على أنها هبة، فيكون متبرعًا بها، والهبة جائزة.
وإما أن يكون توصيفها على أنها جزء من المبيع، وهذا جائز؛ لأن المبيع معلوم لا جهالة فيه[4].
ذهب جماعة إلى تحريم هذه الجوائز.
وممن قال بهذا القول سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم [5]، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز[6]، وفضيلة الشيخ عبد الله ابن جبرين [7].
أن هذا العمل يغري بعض الناس على الشراء من هذا المحل دون غيره مما يؤدي إلى ترويج سلعته وكساد سلعة الآخرين.
سبق لنا أن البيع بأقل من سعر السوق إن كان يؤدي ذلك إلى خسارة التجار، فإن ذلك محرم، ولا أعتقد أن هذه الجوائز والتي تمنح لكل مشتر تبلغ هذا المبلغ، وإن كانت تؤدي إلى تقليل أرباح التجار فقط، فإن هذا الأمر سائغ، وإلزام التاجر بأن يبيع بمثل ما يبيع به الناس فإن هذا يعني التسعير على التاجر دون حاجة، وقد امتنع الرسول ﷺ عن التسعير بلا حاجة.
فقد روى أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله لو سعرت. فقال: «إن الله هو الخالق القابض الباسط الرزاق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال»[8].
[ صحيح ] [9].
أن هذا الفعل يتسبب في نشر العداوة والبغضاء بين التجار، فيكون من الميسر الذي أخبر الله عنه ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة:91].
بأن العداوة إن كان سببها التعدي فلا يجوز، وإن كان الباعث عليها حب الأثرة والاستئثار، والحسد بين التجار فلا يكلف الشخص بدفع مثل ذلك؛ والناس يتفاوتون في هذا.
أنها تغري المشتري في شراء سلع ليس لهم فيها حاجة طمعًا في الحصول على الجائزة.
الأصل أن الهدايا تابعة، وليس لها قيمة كبيرة؛ لأنها تصرف لكل مشتر، ولم ترفع قيمة السلعة بسبب الهدية، ولو كانت قيمتها كبيرة لأدى ذلك إلى خسارة البائع، ومع ذلك لو فرض أن المشتري أقدم على الشراء بسبب حاجته إلى الجائزة دون السلعة، فإن المبيع بالأصالة في حق المشتري ستكون الجائزة، وتكون السلعة هي التابعة، وهذا غير ممنوع ما دام أن المشتري يعرف حق المعرفة ما سوف يأخذه في مقابل ما سوف يدفعه، والله أعلم.
أرى أن القول بالجواز هو أرجح القولين.
ويمكن أن يخرج ما وضع باسم الجائزة على أنه جزء من المبيع، ويكون مراد التاجر التخفيض من الثمن للسلعة الأصلية بزيادة المبيع، والله أعلم[10].
أن توضع الهدية المجهولة مع كل سلعة
إذا وعد المشتري بأنه مع كل سلعة يشتريها سوف يحصل على هدية إلا أن هذه الهدية مستترة، فهي مجهولة النوع والمقدار، فما حكم البيع مع وجود هذه الهدية؟
فإنهم سيقولون بتحريم هذه من باب أولى. وهذا ما يراه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين، وقد ناقشنا أدلتهم في المسألة السابقة، وأجبنا على الإشكالات الواردة، فأغنى عن إعادتها هنا.
فإن حكمهم سيختلف بناء على اختلافهم في توصيف وتخريج الهدية:
فمن خرجها على أنها هبة محضة:
فإنه لا يمانع من القول بالجواز إذا كانت قيمة السلعة لم تزد بسبب الهدية؛ لأن الجهالة مغتفرة في عقود التبرعات على الصحيح بخلاف الجهالة في عقود المعاوضات فإنها مؤثرة في صحة العقد.
وأما من خرج الهدية على أنها جزء من المبيع:
فسوف يمنع هذه المعاملة؛ لأن الجهالة بالهدية سيؤدي إلى جهالة جزء من المبيع، وجهالة جزء من المبيع جهالة للمبيع كله، وإذا كان العقد محرمًا:
فإما أن نقول: إن العقد باطل؛ لتحريمه.
أو نقول: بتفريق الصفقة.
أن الهدية المجهولة إذا كانت مربوطة مع السلعة فإنها جزء من المبيع، والجهالة بها يؤدي إلى جهالة المبيع، فتحرم، والله أعلم.
قد يعلن المنتج لسلعة ما أنه وضع بداخل بعض السلع هدية، ولا يعلن عن جنس الهدية، وقد يعلن عن جنس الهدية ولا يبين مقدراها، كأن يقول: يوجد داخل بعض السلع نقود ورقية، ولا يبين من أي فئة، أو يعلن عن وجود قطعة ذهبية، ولا يبين زنتها. فهنا المشتري يشتري البضاعة وهو لا يعلم نوع الهدية، ولا يعلم هل يحصل عليها، أو لا يحصل عليها؟ فما حكم هذا النوع من الهدايا؟
لا يجوز الشراء من هذه السلع.
وإلى هذا ذهب الشيخ محمد الحامد[11]، والشيخ رفيق المصري[12]، والشيخ سليمان الملحم[13]، والشيخ خالد المصلح[14]. كما أن هذا القول هو قول من حرم هدايا البيوع مطلقًا، كسماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم [15]، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز[16]، وفضيلة الشيخ عبد الله ابن جبرين [17].
يجوز بشرط ألا يكون هناك زيادة في الثمن من أجل الهدية.
وإلى هذا ذهبت لجنة الإفتاء المصرية[18]، ولجنة الإفتاء بالأزهر[19]، ورجحه الشيخ محمد عثمان شبير[20].
أن هذا البيع مشتمل على غرر ظاهر، فقد يشتري الرجل سلعة واحدة أو أكثر، ولا يحصل على شيء، وإذا حصل عليها قد تكون لها قيمة، وقد لا تكون لها قيمة، وهذا من أقوى الأدلة على المنع.
بأن الهدية إذا كيفت بأنها تبرع، فالجهالة لا تضر على الصحيح؛ لأن باب التبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في باب المعاوضات.
بأن التوصيف على أنها تبرع ليس صحيحًا؛ لأن ربط هذه الهدية بالشراء دليل على أنها جزء من العقد، ولذلك لو رد المشتري السلعة لعيب أو غيره فإنه يرد الهدية معها؛ لأنها من قبيل هدية الثواب.
أن هذه الوسيلة قد تدفع الناس إلى الإسراف في الاستهلاك، حيث يشتري الناس ما لا حاجة لهم فيه طمعًا في الحصول على الهدية التي لا يعرف مقدارها.
بأن الإسراف لا تعلق له بالمبيع، وإنما يتعلق بالمستهلك، ولذا قد يحصل الإسراف في كل أنواع البيوع من مأكولات ومشروبات وملبوسات ونحوها إذا كان الإنسان مسرفًا مبذرًا، وهذا لا يؤاخذ عليه البائع، ولا يمنع من هذه الوسيلة.
أن بعض البائعين ممن يفعل ذلك قد يلجأ إلى رفع أسعار السلع لتغطية قيمة الهدايا، وهذا يؤدي إلى القمار الممنوع شرعًا، والذي بدوره يولد العداوة والبغضاء في قلوب الخاسرين، وعلى التنزل أن البائع لم يرفع السعر من أجل ذلك فإن إباحة هذه الصورة ذريعة للوقوع في الميسر، ومعلوم أن من القواعد الأصولية في الشريعة سد الذرائع، فلو لم يكن في المنع إلا سد الذرائع لكان كافيًا.
بأننا نشترط ألا يرفع سعر السلعة في مقابل الهدية، وهذا يمكن التحقق منه اليوم بسهولة عن طريق معرفة سعر مثلها في السوق، فإذا لم يزد البائع في سعر السلعة فلا تعتبر من القمار؛ لأن المشتري لا يدفع شيئًا مقابل الهدية، وإنما يدفع قيمة السلعة فقط، فالمشتري إما أن يكون غانمًا بتحصيل الهدية، وإما أن يكون سالمًا من الغرم.
أن البائع إذا لم يزد في الثمن من أجل الهدية فإن هذه الأعيان الموضوعة في بعض السلع تعد من قبيل الهدية، وهي عقد تبرع، ولا يشترط العلم بالهدية، ويغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في المعاوضات.
بأن التاجر حين وضع هدية لها قيمة مع بعض السلع، وربط ذلك بالشراء كان ذلك تخفيضًا منه لقيمة السلعة الأصلية، والتجار تارة يخفضون قيمة السلع عن السوق، وتارة يكون التخفيض بإضافة سلعة أخرى للمبيع، كمن يقول: اشتر سلعة، واحصل على الأخرى مجانًا، فالحقيقة أن السلعة الأخرى ليست مجانًا، وإنما باع التاجر السلعة بنصف قيمتها، وحتى يسوق بقية السلع جعل التخفيض في صورة الهبة ليستفيد التاجر في بيع سلعتين بدلًا من سلعة واحدة.
القول بالتحريم أقوى، لأننا إذا حرمنا وضع الهدية المجهولة مع كل سلعة كان أولى بالتحريم وضع الهدية المجهولة مع بعض السلع، والله أعلم.
في المسألتين الماضيتين كانت السلعة مجهولة للمشتري، سواء أكان الحصول عليها مقطوعًا به لكل مشتر، أم كان الحصول عليها غير مقطوع به، كأن يحصل عليها بعضهم دون بعض، وأما مسألتنا هذه فالهدية معلومة بالمشاهدة، كأن يضع سيارة أمام المحل، ويمنح كل مشتر رقمًا أو بطاقة تخوله الدخول في السحب، فإذا انتهت المدة أجريت القرعة، فمن خرج رقمه أو بطاقته فهو الفائز، وليس لغيره شيء، وقد يجعل بعض التجار بدل الجائزة الواحدة عدة جوائز تكون متفاوتة في القيمة، فمن خرج اسمه أولًا استحق الجائزة الكبرى، ومن خرج اسمه ثانيًا استحق التي تليها، وهكذا.
والحصول على الجائزة معلق على أمر احتمالي تخفى عاقبته.
وللجواب على هذا نقول: هذه الحوافز لا تخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يزاد في قيم السلع بسبب الهدية.
الحال الثانية: ألا يزاد في قيم السلع من أجل الهدية.
وسوف نبحث كلام أهل العلم في كل حالة في مبحث مستقل -إن شاء الله تعالى، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه-.
إذا زاد التاجر في قيم السلع عن ثمن مثلها من أجل الهدية فإن الدخول في هذا النوع من الجوائز يعتبر من القمار المحرم؛ لأن المشارك يبذل مالًا زائدًا على ثمن السلعة رجاء حصوله على الهدية، فقد تحصل له، وقد لا تحصل له، فهو بين أن يفوز بالهدية فيكون غانمًا، وبين ألا يفوز بها، فيكون غارمًا، وهذا هو الميسر الذي حرمه الله في كتابه.
أنه لا فرق في القمار بين أن يكون المبلغ المقامر به قليلًا أو كثيرًا ما دام أن مناط الحكم موجود، وعلته قائمة، فكما أن الشارع لم يرخص في اليسير من الربا، سواء أكان ذلك في الفضل أو في النسأ، ولم يرخص في اليسير من الخمر، فكذلك هنا، ولهذا لم تكن يسارة المبلغ المقامر به في اليانصيب موجبة للحل عند أحد من العلماء، إذ لو فتح هذا الباب لتدرج الناس منه إلى المحارم، واستحلوا العظائم[21].
تقوم بعض اللجان الخيرية -تشجيعًا للتبرعات- بتوزيع كوبونات (بطاقات تبرع) وتحمل هذه البطاقات أرقامًا خاصة على كل من يتبرع لها بمبلغ من المال، ومن ثم يجري سحب على هذه الأرقام وصاحب الرقم الفائز سوف تمنحه اللجنة جائزة قيمة.
هذا العمل لا يجوز؛ لأن الحصول على الجائزة مشروط بالتبرع، ويخشى أن يكون المتبرع إنما تبرع من أجل الحصول على الجائزة، ولولا الجائزة لم يتبرع، فيأخذ التبرع هنا حكم المعاوضة، وليس من قبيل التبرع المحض، وإذا أخذ حكم المعاوضة صار الداخل في هذه المعاملة مترددًا بين أن يكون غانمًا وذلك بالحصول على الجائزة، وبين أن يكون غارمًا بأن يخسر ماله الذي قدمه، وهذا حقيقة القمار.
وبهذا أفتت لجنة الفتوى في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت [22].
إذا كان التاجر يبيع السلع بقيمة مثلها، وقد وضع جائزة يجري السحب عليها عن طريق القرعة.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول بالتحريم، وقد ذهب إلى هذا سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم [23]، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز[24]، وفضيلة الشيخ عبد الله ابن جبرين[25]، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في البلاد السعودية[26]، وهو قول قديم لفضيلة شيخنا محمد بن عثيمين [27].
أن كل عقد معلق على خطر الحدوث من عدمه غير جائز شرعًا، وهو من القمار، وإن لم يكن من القمار فهو ذريعة ووسيلة قوية إليه، وقد تقرر في الشريعة سد الذرائع المفضية إلى المحرمات، وهذا من أقوى الأدلة على التحريم.
أن استعمال القرعة في المسابقات التجارية لتحديد الفائز لا يجوز؛ لأنها من قبيل اليانصيب المحرمة التي تتضمن القمار، فهي تؤدي إلى حصر الفائزين في فئة معينة، وأما بقية المشاركين فيخسرون، ولا يحصلون على فائدة.
بأن هناك فرقًا بين ورقة اليانصيب وبين القرعة، فالمشتري لورقة اليانصيب اشتراها قصدًا ليربح بالحظ، فيكون قمارًا، وأما هذا فقد اشترى البضاعة قاصدًا لها، محتاجًا إليها بسعر مثلها، وقد تبرعت الشركة بجائزة، وجعلت هذا الحق للمشتري، فتزاحمت الحقوق لوجود مجموعة من المشترين، ولم يكن هناك سبب لتفضيل بعضهم على بعض فكان الفصل بينهم بالقرعة، والفصل بالقرعة أمر مشروع عند تزاحم الحقوق.
قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾[ الصافات: 141].
وقال تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [ آل عمران: 44].
ومن السنة:
ما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، ولم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة [28].
وكان النبي ﷺ إذا سافر أقرع بين نسائه.
أن وضع الجوائز الكبيرة تغري الناس في الشراء، وترغبهم فيه، فيكون ذلك داعية إلى إسراف وضياع مال.
بأن القول بالجواز مشروط بأن يكون المشتري قد اشترى السلعة لحاجته، ولم يكن الباعث على الشراء الحصول على الجائزة.
أن ذلك يعود الناس على الكسل، وانتظار المكاسب الوهمية.
لا يوجد أحد من الناس يعتمد في كسبه على مثل هذه الجوائز حتى يقال: إن مثل هذه الجوائز تعود الناس على الكسل.
ذهب بعض أهل العلم إلى القول بجواز هذه الحوافز لكن بشروط.
وهذا الاختيار هو آخر القولين لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين [29]، والشيخ محمد عثمان شبير[30]، وأفتى به الدكتور يوسف القرضاوي [31]، ولجنة الفتوى في بيت التمويل الكويتي[32]، وهيئة الفتوى لبنك دبي الإسلامي[33]، واختاره من طلبة العلم الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان[34].
شرط يعود إلى السلعة، وهو ألا يزاد في قيمة السلعة من أجل الهدية حتى لا يكون هناك قمار، ويكون المشتري مترددًا بين الغنم والغرم.
بأن الأسعار يصعب ضبطها، لاسيما مع اختلاف السلع وتنوعها، وقيام بعضها مقام بعض، وبعض السلع لا تباع إلا من جهة البائع فلا يعرف سعرها عن طريق السوق.
بأن معرفة هذا ممكن وذلك بالنظر إلى قيمة السلعة قبل وضع الجائزة، وقيمتها بعدها، ومع ذلك إذا لم يمكن معرفة قيمة السلعة على وجه الدقة ترك هذا لأمانة البائع، وحرصه على الحلال.
شرط يعود على المشتري، وهو أن يشتري السلعة لحاجته إليها، فإن اشترى السلعة من أجل الجائزة فهو يقامر؛ لأنه قد يحصل عليها وقد لا يحصل عليها.
بأن العلم بالمقاصد متعذر فإن ما في القلوب لا يطلع عليه إلا علام الغيوب، وما يدرينا أنه اشتراها لحاجته، أو مخاطرة من أجل الجائزة.
بأن الباعث على الشراء إن علم ذلك بالقرائن أو بغلبة الظن حرم على البائع البيع عليه، وإن لم يعلم فإن ذلك يوكل إلى دين المشتري وذمته، ومثل ذلك كثير في الفقه، كشراء العنب لمن يعصره خمرًا، أو شراء السلاح بقصد القتل، أو غير ذلك من البواعث المحرمة.
شرط يعود على البائع، وهو أن يكون قصده من الهدية الترويج للسلعة، وليس الإضرار بغيره من التجار، أو الإضرار بالسوق، لقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، وهو حديث [ حسن ][35].
ولما رواه الشيخان من طريق قتادة، عن أنس مرفوعًا: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»[36].
أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة ما لم يقم دليل على التحريم، ولا دليل هنا يعتمد عليه في منع هذه الصورة من الجوائز، وما ذكر من الشروط للإباحة إنما هو احتراز من قيام أسباب التحريم من القمار وإضاعة المال.
ذهب الشيخ الزرقاء -رحمه الله- إلى التفريق بين الجوائز البسيطة المعتادة بين التجار كقلم، وساعة يد، وبين الجوائز ذات القيمة الكبيرة كالسيارة، والثلاجة، فأجاز الجوائز البسيطة؛ لأنها تقدمة تعبيرية عن تقديرات التاجر لذلك الزبون، ومنع الجوائز ذات القيمة الكبيرة؛ لأنها من قبيل اليانصيب التجاري الذي هو الآن في نظر علماء الشريعة ضرب من المقامرة محرم يأثم فيه الطرفان التاجر والزبون، ولا يكون ما يستحقه بهذه الطريقة حلالًا، ولاسيما أنه يضر اقتصاديًا بالتجار الذين لا يملكون مثل هذه الوسائل القامرية المغرية، فيصرف عنهم الناس، ويخرجهم من السوق، وهذا ضرر اقتصادي كبير.
كل قول من هذه الأقوال له ما يؤيده، وإن كنت أميل إلى القول الأخير باعتبار أن مثل هذه الهدايا لا تبعث المشتري على الشراء من أجل الحصول على الهدية بخلاف الهدايا ذات القيمة الكبيرة، والله أعلم.
تكلمنا في الصورة الأولى:
أن تبذل الهدية بلا مقابل.
وفي الصورة الثانية:
أن يكون بذل الحوافز بشرط الشراء.
وفي هذه الصورة:
نوع آخر من الحوافز، فقد يبذل التاجر هدية دون أن يكون قد التزم بذلك بوعد سابق على عقد الشراء، فالباعث على الشراء قد خلا من الإغراء بتقديم الحوافز، والمشتري لم يعلم بحصوله على الهدية إلا عندما تم الإيجاب والقبول.
وإنما قصد بذلك ترغيب المشتري بتكرار الشراء منه، أو قصد إكرامه بهذه الهدية مكافأة له على اختيار الشراء منه، أو لغيرها من الأسباب.
• وسواء اعتبرنا هذه الجائزة هبة محضة؛ نظرًا إلى ظاهر اللفظ.
• أو اعتبرناها زيادة في المبيع بعد تمام العقد، لأن البيع هو السبب في حصول الهدية.
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
«الهدية إذا كانت بسبب ألحقت به»[37].
وجاء في «القواعد» لـ ابن رجب:
«تعتبر الأسباب في عقود التمليكات، كما تعتبر في الأيمان، ويتخرج على هذا مسائل متعددة….» ذكر منها:
هبة المرأة زوجها صداقها إذا سألها ذلك، فإن سببها طلب استدامة النكاح، فإن طلقها فلها الرجوع فيها، نص عليه أحمد في رواية عبد الله….
ومنها ما نص عليه أحمد في رواية ابن ماهان فيمن اشترى لحمًا، ثم استزاده البائع، فزاده، ثم رد اللحم بعيب، فالزيادة لصاحب اللحم؛ لأنها أخذت بسبب اللحم، فجعلها تابعة للعقد في الرد؛ لأنها مأخوذة بسببه، وإن كانت غير لاحقة به»[38].
• أو اعتبرناها: حطًا من الثمن.
قال في «مطالب أولي النهى»:
«وهبة بائع لوكيل اشترى منه كنقص من الثمن، فتلتحق بالعقد؛ لأنها لموكله، وهو المشتري، ويخير بها».
فـ أقوى التخريجات اعتبارها هدية على سبب، وهو وجود العقد.
واختلفت الهدية في هذه الصورة عن الهدايا في الصور السابقة؛ لأن الهدايا في الصور السابقة قد التزم بها البائع بوعد سابق على عقد الشراء، بخلاف هذه الصورة فإن المشتري لم يعلم بحصوله على الهدية إلا عندما تم الإيجاب والقبول والله أعلم.
الجواب: ليس في هذا محظور، ما دامت القيمة لم تزد من أجل هذه الجائزة، والقاعدة هي: أن العقد إذا كان الإنسان فيه إما سالمًا وإما غانمًا فهذا لا بأس به. أما إذا كان إما غانمًا وإما غارمًا فإن هذا لا يجوز، هذه القاعدة؛ لأنه إذا كان إما غانمًا وإما غارمًا، فهو من الميسر، وأما إذا كان إما غانمًا وإما سالمًا فإنه لم يتضرر بشيء، إما أن يحصل له ربح وإما ألا يربح ولكنه لم يخسر».
وكان جواب اللجنة في الفتوى رقم (13309) وتاريخ 2/11/1410هـ: «بعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأن الأصل في المعاملات الجواز، ولم يظهر لنا ما يوجب منع هذه المعاملة المسئول عنها».. وانظر فتوى اللجنة أيضًا رقم (13326) وتاريخ 10/11/1410هـ
فمنهم من رأى أنها هبة، والقائلون بأنها هبة اختلفوا فيها على قولين:
أحدهما: أنها هبة محضة، والالتزام بالوفاء بالهبة يأخذ حكم الوفاء بالوعد اختار ذلك ابن قدامة -رحمه الله-، قال في «المغني» (5/384): «ولا يصح تعليق الهبة بشرط; لأنها تمليك لمعين في الحياة فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع. فإن علقها على شرط كقول النبي ﷺ لأم سلمة: إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك كان وعدًا».
والثاني: أنها من قبيل هبة الثواب، والتي يقصد بها المعاوضة، وتأخذ حكم البيع ابتداء وانتهاء عند الجمهور، أو حكم البيع انتهاء عند الحنفية، ويكون صاحبها ملزمًا بتقديمها إذا تحقق شرطه، وينطبق عليها شروط البيع.
ومنهم من رأى أنها بيع محض، وأن الهدية جزء من المبيع حقيقة، وأن الثمن المبذول عوض عن السلعة والهدية معًا.
قال في «تهذيب الفروق» (3/179): «الهبة المقارنة للبيع إنما هي مجرد تسمية، فإذا قال شخص لآخر: اشتري منك دارك بمائة على أن تهبني ثوبك ففعل، فالدار والثوب مبيعان معًا بمائة».
ونفيدكم أنه لا يجوز السماح لمثل هذه الأشياء، ولا يباح استعمالها؛ إذ أنها من أكل أموال الناس بالباطل، فينبغي سد الباب عن أمثال هذه الأعمال، وعدم التهاون بها؛ لأنها تفتح الباب إلى الحرام، فمن الحزم قطع الطريق على كل مموه نهاب يحتال على أموال الناس بشتى الحيل، نسأل الله أن يوفق المسلمين لما يرضيه، والله يحفظكم».
فقد تقدم السيد م أ ح من رعايا المملكة الليبية والمقيم بها بسؤال نصه: إنه يملك شركة لتوريد مسحوق صابون (تايد) للغسيل في المملكة الليبية، وقد اعتادت هذه الشركة أن تطرح في الأسواق كل بضعة أشهر إنتاجا من هذا الصابون يحمل وسيلة جدية للدعاية والترويج، تتيح للمستهلك فرصة الاشتراك في جزء من أرباح الشركة بحصوله على عائد من تلك الأرباح في صور مختلفة، تارة تكون نقودا داخل علب الصابون، وتارة تكون هدايا تمنح لمن يقدم أعدادا مختلفة من أغطية علب الصابون – مثل السيارات والثلاجات الكهربائية والتليفزيونات والراديوهات وغير ذلك من أنواع الهدايا المختلفة، كل ذلك دون أن تحمل المستهلك أية زيادة في ثمن علبة الصابون الذي تباع به في الأسواق المختلفة – بل تتحمل الشركة كافة تكاليف هذه الهدايا على أساس أن ذلك نوع من أنواع الدعاية والمنافسة المشروعة في المجال التجاري….. وأضافت الشركة أخيرًا وسيلة جديدة للدعاية تتيح لعدد أكبر من المستهلكين فرصة الاشتراك في قدر أكبر من أرباح الشركة على نفس المنهج السابق فطبعت صورًا عديدة من الهدايا التي قررت توزيعها ووضع ثلث صورة الهدية داخل علبة من علب الصابون، والثلث الثاني في علبة أخرى وهكذا – وإذا ما تمكن مستهلك من تجمع أجزاء الصورة كاملة تقدم للحصول على الهدية المعينة بالصورة مجانًا من أحد مراكز التوزيع المنتشرة في المملكة الليبية – ولاقت هذه الدعاية الجديدة رواجا عظيما أتاحت لكثير من المستهلكين فرص الحصول على عديد من الهدايا، وبالتالي الاشتراك في قدر من الأرباح – وتقوم الشركة بهذا كله تحت إشراف المسئولين بوزارة الداخلية الليبية – ولقد كان لذلك أثر سيء لدى شركات الصابون الأخرى المنافسة نتيجة لرواج التوزيع، واتساع نطاقه، وإقبال أكثر المستهلكين على إنتاج الشركة فشنت تلك الشركات هجومًا على تلك الدعاية بدعوى أنها حرام شرعًا؛ لأنها نوع من أنواع المقامرة، وطلب السائل حكم الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي في مشروعية هذه الدعاية التي تقوم بها الشركة على الوجه السابق بيانه.
وكان في الجواب «…. الصورة التي تعملها الشركة على سبيل الدعاية ليست قمارًا، وليس فيها معنى القمار، وإنما هي تخصيص أنواع وألوان من الهدايا النقدية أو العينية لمن يشترون منتجاتها، وتضمن بذلك كثرة التوزيع، واتساع نطاقه إلى حد يعود عليها بالنفع والكسب الوفير، والمشترون لمنتجات الشركة لا يدفعون شيئا مطلقًا نظير هذه الهدايا أو في مقابلها، وإنما يدفعون فقط ثمن الصابون الذي يشترونه، والذي توزعه الشركة بالسعر المحدد له والسائد في الأسواق العامة، ولدى سائر الشركات دون زيادة قليلة أو كثيرة، وبذلك يتمحض ما يحصلون عليه من أموال نقدية أو عينية هدايا من قبل الشركة….»

شكر الله لك بحثك الجميل ومرونتك الفقهية