غسل شعر الوجه وأحكامه
📌مدخل في ذكر الضوابط الفقهية
وفيه مسائل:
اتفق الجمهور على تقسيم شعر اللحية إلى قسمين:
خفيف، وكثيف:
والشعر الخفيف: يجب إيصال الماء إلى ما تحته من البشرة[1].
واختلف في حد الشعر الكثيف:
وهو ظاهر كلام الكاساني في «بدائع الصنائع»، ولم يرتضِه ابن نجيم وابن عابدين[3].
حكي عن بعض المالكية[4]، واختاره المزني وأبو ثور[5]، وهو قول في مذهب الحنابلة[6].
💡الأصل: وجوب غسل البشرة؛ لقوله تعالى: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾، انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى إذا كان كثيفًا؛ لأنها طهارة مبنية على التخفيف.
ولأن إيصال الماء إلى الحوائل في الوضوء كافٍ وإن لم تكن متصلة بالبدن اتصال خلقة؛ كالخف، والعمامة، والجبيرة، فالمتصل خلقةً أولى.
حديث ابن عباس في «البخاري» أن النبي ﷺ توضأ، فغرف غرفة فغسل بها وجهه… الحديث.
وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف مع كثافة اللحية، خاصة أن النبي ﷺ كان كثير شعر اللحية كما في «مسلم»، وفي رواية: كان كث اللحية؛ أي: كثيرها ليس بالطويل ولا بالقصير.
لعلهم قاسوا ذلك على غسل الجنابة؛ بجامع أن كلاًّ منهما طهارة من حدث.
ما رواه «البخاري» في صحيحه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بَشَرتَه، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده.
ولعلهم رأوا أن الواجب هو غسل البدن، وإذا طرأ على البدن شعر لم يمنع ذلك من وجوب غسل البدن، حتى يتعذر غسله، والشعر لا يمنع من وصول الماء إلى البدن.
• ويجاب على ذلك:
بأن الطهارة الصغرى مبنيَّة على التخفيف؛ ولذلك جاز فيها المسح على الرأس وعلى الخفين، وكانت على أعضاء مخصوصة، بخلاف الطهارة الكبرى، فإن طهارتها ليس فيها مسح، وتعم جميع البدن، والله أعلم.
كما يمكن أن يستدل ببعض الأدلة التي سقناها في تخليل اللحية، وفيها: أن النبي ﷺ خلل لحيته، وقال: «هكذا أمرني ربي».
ومنها حديث أنس – رضي الله عنه – أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل لحيته، وقال: «هكذا أمرني ربي».
والأصل في الأمر الوجوب.
انظر هذه الأدلة في مسألة تخليل اللحية، وهي أحاديث كلها ضعيفة، لا تقوم بها حجة.
وقالوا: إن ما تحت الشعر الكثيف بقي داخلاً في حد الوجه بعد نبات الشعر، فيجب غسله.
وجاء عن سعيد بن جبير: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها، وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية؟
ولعل كلام سعيد بن جبير يكون متوجهًا لمن قال: يسقط الغسل إلى غير بدل، أما من غسل لحيته فلا يقال له: فإذا أنبت لِمَ لم يغسلها؟ والله أعلم.
التفريق بين الشعر الخفيف والشعر الكثيف، فيجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الخفيف؛ نظرًا لأن البشرة ما زالت ظاهرة غير مستترة، والأصل وجوب غسل البشرة، فإن حجبت بالشعر كان الغسل للشعر فقط، وناب مناب البشرة.
اختلف العلماء في شعر اللحية: هل يغسل أم يمسح كما في شعر الرأس ونحوه؟
واختار أبو يوسف صحة الوضوء ولو لم يمس لحيته بالماء[8].
قال الكاساني:
وهذه الروايات – يعني: رواية أبي حنيفة وأبي يوسف – مرجوع عنها[9].
رأى أن الشعر على الوجه حكمه حكم الحائل من خف ونحوه، فينتقل الفرض من الغسل إلى المسح؛ ولذلك قالوا: لا يشرع أن يأخذ للحية ماء جديدًا، بل بفضل ماء الوجه.
ومن قال: يمسح مقدار الربع من اللحية، رأى أن كل ممسوح طهارته مبنية على التخفيف، فالخف لا يجب استيعابه، وكذلك مسح الرأس عنده، فإذا مسح من اللحية ومن الرأس مقدار الربع، فقد قام بما هو واجب عليه.
قال: إن الواجب غسل البشرة، وحين استترت بالشعر انتقل الواجب إلى الشعر حيث كان كثيفًا، أما لو كان خفيفًا لوجب غسل البشرة، فالغسل لا يسقط.
فقد روى «مسلم»، قال: حدثني أحمد بن جعفر المعقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله: أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة – قال عكرمة: لقي شداد أبا أمامة وواثلة، وصحب أنسًا إلى الشام وأثنى عليه فضلاً وخيراً – عن أبي أمامة، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: «ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر، إلا خرت خطايا وجهه وفِيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء…» الحديث.
فإذا كان الماء يقطر من أطراف اللحية، كان هذا دليلاً على غسلها، وليس على مسحها فقط، والله أعلم.
فـالجمهور لا يفرِّقون بين شعر اللحية وبين غيرها مما ينبت في الوجه كالشارب والعنفقة وشعر الحاجبين، فما كان كثيفًا غسل ظاهره، وما كان خفيفًا وجب غسل البشرة تحته[14].
وذهب الشافعية إلى التفريق بين شعر اللحية وبين غيرها، فقالوا في اللحية كقول الجمهور، فرقًا بين الكثيفة والخفيفة، وأما شعر غير اللحية فأوجبوا وصول الماء إلى تحت البشرة مطلقًا، كثيفًا كان أو خفيفًا.
قال النووي:
«قال أصحابنا: ثمانية من شعر الوجه يجب غسلها وغسل البشرة تحتها، سواء خفت أو كثفت، وهي: الحاجبان، والشارب، والعنفقة، والعذار، واللحية من المرأة والخنثى، وأهداب العينين، وشعر الخد»[15].
وعللوا ذلك: بأن الشعر كونه كثيفًا في هذه المواضع نادر، والنادر لا حكم له.
وقول الجمهور أرجح؛ لأن شعر اللحية كغيره، فالأصل غسل البشرة، فلما حجبها الشعر انتقل الحكم إلى الشعر؛ لأن الحكم في اللحية إن كان معللاً بكونه تحصل به المواجهة، فقد انتقلت هذه العلة إلى الشعر، ولم تبق البشرة تحصل بها المواجهة بعد سترها، وإن كان الحكم في اللحية معللاً بالمشقة في إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف، فالمشقة موجودة في شعر الشارب الكثيف والحاجب الكثيف ونحوهما، والله أعلم.
اختلف العلماء في حكم ما استرسل من اللحية:
استدل بقوله تعالى: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾[22]، فالله أمر بغسل الوجه أمرًا مطلقًا، ولم يخص صاحب لحية من أمرد، فكل ما أطلق عليه اسم وجه، فواجبٌ غسلُه؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، فوجب غسلها بدلاً من البشرة.
ولأن اللحية النازلة من الذقن تشبه اللحية النابتة على الخد، فإذا وجب غسل النابت على الخد، وجب غسل النابت على الذقن مطلقًا، سواء نزل على الصدر أم لم ينزل.
أولاً: الأصل المأمور بغسله: هو بشرة الوجه، وإنما وجب غسل اللحية بدلاً من البشرة حين نبتت فوق الوجه، وما انسدل من اللحية على الصدر ليس تحته ما يلزم غسله فيكون غسل اللحية بدلاً منه.
ثانيًا: القياس على الرأس، فكما أن جلد الرأس مأمور بمسحه، فلما نبت عليه الشعر ناب مسح الشعر عن مسح الرأس، وما انسدل من الرأس سقط، فليس تحته بشرة يلزم مسحها، ومعلوم أن الرأس سمي رأسًا لعلوه ونبات الشعر فيه، وما سقط من الشعر وانسدل فليس برأس، فكذلك ما انسدل من اللحية فليس بوجه[23].
لعله قال ذلك احتياطًا، وخروجًا من الخلاف، فلم يبلغ الدليل عنده من القوة ما يجعله يجزم بالوجوب، ورأى أن الاحتياط في الترغيب في مسحه فاستحبه، خاصة أن فيه من الأدلة ما يدل على غسل ظاهر اللحية:
كما في الحديث الذي رواه «مسلم»، قال: حدثني أحمد بن جعفر المعقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة – قال عكرمة: لقي شداد أبا أمامة وواثلة، وصحب أنسًا إلى الشام وأثنى عليه فضلاً وخيرًا – عن أبي أمامة، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: «ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر، إلا خرت خطايا وجهه وفِيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء…» الحديث.
فقوله: من أطراف لحيته مطلق، يشمل اللحية المسترسلة وغيرها. والله أعلم.
أن اللحية المسترسلة لا يجب غسلها؛ لقوة أدلة القائلين بعدم الوجوب، وأما قولهم: إنها تحصل بها المواجهة، فلا يكفي في الوجوب، فالرقبة متصلة بالوجه، وتحصل بها المواجهة ولا يجب غسلها، فكيف بالشعر النازل عن حد الرقبة، وأما حديث: «مع أطراف لحيته» فلا يُشعِر بالوجوب، قد يشعر بالاستحباب، مع أن الحديث ليس نصًّا في اللحية المسترسلة، والله أعلم.
ذكر كثير من الفقهاء أن على المتوضئ إذا غسل وجهه أن يغسل جزءًا من رأسه، وسائر الجوانب المجاورة للوجه، احتياطًا، وليس هذا الغسل واجبًا لنفسه وجوب المقاصد؛ وإنما وجب لغيره من باب الوسائل؛ لأن استيعاب الوجه واجب، ولا يمكنه الاستيعاب إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما يجب إمساك جزء من الليل في الصيام ليستوعب النهار[24].
أما ظاهر الأنف وحمرة الشفتين الظاهرة، فهما من الوجه، فيجب غسلهما؛ لدخولهما في حد الوجه طولاً وعرضًا، وأما باطن الأنف وداخل الفم فهل يدخلان في الوجه، فتكون المضمضة والاستنشاق واجبين في الوضوء؟ أو لا يدخلان في حد الوجه، كما لا يدخل باطن العينين فيه، فتكون المضمضة والاستنشاق سُنة؟ وقبل نقل خلاف العلماء في المضمضة والاستنشاق، ينبغي أن أبين أن المضمضة والاستنشاق مجمَعٌ على مشروعيتهما في الوضوء، وإنما الخلاف في وجوبهما.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام:
والذي عليه المسلمون أن الاستنشاق والمضمضة من سنة الوضوء التي لا يجوز تركها[25].
وقال ابن عبد البر:
أجمع المسلمون طرًّا أن الاستنشاق والاستنثار من الوضوء، وكذلك المضمضة ومسح الأذنين[26].
وقال ابن حزم:
واتفقوا على أن من غسل يديه ثلاثًا، ثم مضمض ثلاثًا، ثم استنشق ثلاثًا…. أنه قد أدى ما عليه في الأعضاء المذكورة[27].
وأما الخلاف في وجوبهما، فقد اختلف أهل العلم فيهما على أقوال:
وفيه قولان آخران متقابلان أيضًا:
وانظر أدلة الأقوال في سنن الوضوء، فقد ذكرتها هناك.
قال في «مواهب الجليل»:
وليس عليه أن يغسل ما تحت الذقن، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا[28].
قلت: يقصد – والله أعلم – استيعاب ما تحت الذقن بالغسل، وإلا فقد تقدم أنه يجب عليه إذا غسل رأسه أن يغسل ما يجاوره من جوانب الوجه، فلا بد أن يغسل جزءًا ولو يسيرًا من تحت ذقنه؛ ليمكنه استيعاب وجهه.
ولذلك قال النووي:
يجب على المتوضئ غسل جزء من رأسه ورقبته وما تحت ذقنه مع الوجه؛ لأنه لا يمكنه استيعاب الوجه إلا بذلك، كما يجب إمساك جزء من الليل من الصيام ليستوعب النهار[29]. اهـ
