في جواز سجود السهو قبل السلام وبعده[جديد]
📌 المدخل إلى المسألة
المالكية والشافعية: أنه سنة.
خلافًا لـالحنفية والحنابلة القائلين: بـالوجوب.
وهو مذهب الحنفية، وقال به من التابعين الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وهو قول الإمام الثوري(1).
قال الكاساني في «البدائع»:
«وأما بيان محل السجود للسهو فمحله المسنون بعد السلام عندنا»[2].
وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن شهاب، ومكحول، والليث، وابن أبي ذئب وربيعة الرأي، والأوزاعي[3].
وقال الترمذي:
«وهو قول أكثر الفقهاء من أهل المدينة، مثل يحيى بن سعيد، وربيعة، وغيرهما»[4].
قال الشافعي:
«سجود السهو كله عندنا في الزيادة والنقصان قبل السلام، وهو الناسخ، والآخر من الأمرين»[5].
وهو مذهب المالكية، واختاره أبو ثور والمزني من الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وبه قال إسحاق بن راهويه[6].
قال ابن رجب:
«والقول الثالث: إن كان السهو من نقصان من الصلاة؛ فإن سجوده قبل السلام، وإن كان من زيادة فيها؛ فإن السجود بعد السلام؛ لئلا يجتمع في الصلاة زيادتان، وهو قول مالك، والشافعي في القديم، وأبي ثور، وهو رواية عن أحمد»[7].
ولم يكن ذهاب الإمام مالك إلى هذا القول بناء على أصله في تقديم عمل أهل المدينة على غيرهم، فقد نقل الترمذي في «السنن» كما سبق أن أكثر فقهاء أهل المدينة يرون السجود للسهو كله قبل السلام، وذكر منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وذكر غيره أنه أيضًا مذهب سعيد بن المسيب، والزهري، وبه قال أبو هريرة في أحد قوليه، وكل هؤلاء مدنيون[8].
ولا اختار الإمام مالك قوله بناء على تقديم العمل على الآثار، فقد بين أن عمل الناس على السعة والجواز.
قال مالك:
ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلًا[9].
ولا أعلم له سلف من سنة مرفوعة، ولا آثار عن الصحابة تكشف أن العلة الزيادة والنقص.
قال البيهقي:
«فالأشبه بالصواب جواز الأمرين جميعًا، وإلى هذا ذهب كثير من أصحابنا»[11].
وقال أبو العباس القرطبي في «المفهم»:
«وللمكلف أن يفعل أي ذلك شاء من السجود قبل أو بعد في نقص أو زيادة، وهو قول مالك في «المجموعة»»[12].
وقال الحنابلة: سجود السهو كله تبعًا للنصوص الواردة، وما لم يرد فيه نص فالسجود قبل السلام.
وقد ورد النص بالسجود بعد السلام في موضعين.
إذا سلم قبل إتمام صلاته مطلقًا، وهو المذهب، وهي عبارة «المنتهى»، وعبارة «الإقناع»: إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر.
وإذا بنى الإمام على غالب ظنه.
وما عداه فالسجود قبل السلام، وبه قال أبو أيوب سليمان بن داود، وزهير بن أبي خيثمة، ورجحه ابن المنذر [13].
قال ابن المنذر:
«وأصح هذه المذاهب مذهب أحمد بن حنبل؛ لأنه قال بالأخبار كلها في مواضعها، وقد كان اللازم لمن مذهبه استعمال الأخبار كلها إذا وجد إلى استعمالها سبيلًا أن يقول بمثل ما قال أحمد»[14].
جاء في «الإنصاف»:
«ومحله قبل السلام، إلا في السلام قبل إتمام صلاته، وفيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه، وهذا المذهب في ذلك كله، وهو المشهور والمعروف عند الأصحاب»[15].
أحدهما: من سها فقام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد.
الثاني: إذا شك في صلاته، فلم يدر في الثنائية، أصلى ركعة أم ركعتين، وفي الثلاثية، أصلى ثلاثًا أم أقل، وفي الرباعية، أصلى أربعًا أم أقل، فهذا يبني على الأقل، فإذا تشهد في آخر صلاته فهو مخير، إن شاء سجد للسهو قبل السلام، وإن شاء سلم، ثم سجد للسهو.
وهذا اختيار ابن حزم الظاهري[16].
وقال داود الظاهري:
«لا يشرع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد فيها النبي ﷺ فيها فقط»[17].
وهذا متوقع على أصول الظاهرية.
وفي وجه عند الحنابلة رجحه ابن تيمية قالوا: يجب أن يكون سجود السهو في الزيادة بعد السلام، وفي النقص قبل السلام[18].
هذه سبعة أقوال، وتركت قولًا ثامنًا يؤثر عن الشوكاني رحمه الله لانفراده به، وتأخره لم أنشط لذكره، من شاء فليراجعه.
أحدها: مذهب الترجيح.
والثاني: مذهب الجمع.
والثالث: مذهب الجمع والترجيح.
الطريقة الأولى: ترجيح أحاديث السجود قبل السلام، وهذه طريقة الإمام الشافعي، حيث احتج بحديث ابن بحينة، ورأى أن ما يعارضه من الأحاديث فهو منسوخ بما روي عن ابن شهاب أنه قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ السجود قبل السلام»، ولا يصح عن الزهري.
الطريقة الثانية: ترجيح أحاديث السجود بعد السلام: وهذه طريقة الحنفية، احتجوا بحديث أبي هريرة بقصة ذي اليدين، وهو حديث متفق على صحته.
وأجابوا عن حديث ابن بحينة بأنه قد عارضه حديث المغيرة بن شعبة: «أنه -عليه الصلاة والسلام- قام من اثنتين، ولم يجلس، ثم سجد بعد السلام».
وحديث المغيرة ضعيف، ولا يقوى على معارضة حديث ابن بحينة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
واحتجوا أيضا لذلك بحديث ابن مسعود الثابت: «أن رسول الله ﷺ صلى خمسًا ساهيًا وسجد لسهوه بعد السلام»، ولا دليل فيه؛ لأنه ﷺ لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام.
الطريقة الأولى: أن هذه الأحاديث لا تتناقض، فحملوا الأحاديث التي فيها السجود بعد السلام على الزيادة، والتي فيها السجود قبل السلام على النقص، فوجب أن يكون حكم السجود في سائر المواضع كما هو في هذا الموضع، قالوا: وهو أولى من حمل الأحاديث على التعارض.
الطريقة الثانية في الجمع: أن هذه الأحاديث تفيد جواز الأمرين، فله أن يفعل أيهما شاء، مع تفضيل ما ورد فيه النص على غيره، ولكن ليس على سبيل الإلزام.
إذا علم ذلك نأتي إلى تفصيل الاستدلال، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
ورد في حديث ابن بحينة في الصحيحين: «أن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته وانتظر الناس تسليمه سجد سجدتين قبل أن يسلم»[20].
فقال المالكية: إنما سجد النبي ﷺ قبل السلام؛ لأن السهو كان عن نقص.
وروى البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ أصدق ذو اليدين فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ، فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول»[21].
فقال المالكية: إنما سجد النبي ﷺ بعد السلام؛ لأن السهو كان عن زيادة؛ لأنه سها، وسلم من ركعتين، وتكلم، وانصرف، وبنى، فزاد سلامًا، وعملًا، وكلامًا، وهو ساهٍ.
ثم بنوا على هذين الحديثين، فقالوا: كل موضع ليس فيه عن النبي ﷺ حديث، فإنه يسجد فيه في الزيادة بعد السلام على حديث أبي هريرة، وفي النقصان قبل السلام على حديث ابن بحينة، وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث[22].
ولم نقل بوجوب ذلك؛ لأن الحديثين حكاية فعل لا تقتضي الوجوب، وقد جوَّز الأئمة الأربعة تأخير القبلي إلى ما بعد السلام، أو العكس، والخلاف إنما هو في الاستحباب، حتى حكاه طائفة من العلماء إجماعًا[23].
لما اختلف حديث أبي سعيد الخدري وحديث ابن مسعود في محل سجود السهو، فالسجود في حديث أبي سعيد الخدري قبل السلام، والسجود في حديث ابن مسعود بعد السلام، كان ذلك دليلًا على أن السجود يختلف محله باختلاف سببه، وأن الأخذ بالتحري يختلف عن الأخذ بالمتيقن، وإلا لكان محل السجود فيهما واحدًا، والقول نفسه ينطبق على حديث ابن بحينة في السجود للنقص قبل السلام، وعلى حديث أبي هريرة، وعمران بن الحصين في السجود للزيادة بعد السلام.
فالشارع حكيم لا يفرق بين شيئين بلا فرق، فلا يجعل بعض السجود بعده، وبعضه قبله إلا لفرق بينهما، فبحثنا عن هذا الوصف، فوجدنا الزيادة والنقص وصفًا مناسبًا، فأنيط الحكم به.
والشك الذي في حديث أبي سعيد الخدري صريح أنه لا يمكن معه التحري؛ لقوله: «فلا يدري أصلى ثلاثًا أم أربعًا»، بينما لا يوجد مثل هذا في حديث ابن مسعود.
الوجه الأول:
الأصل في أفعال الصلاة عدم التعليل، ومنها اختيار السجود جابرًا دون غيره، واختيار محله.
فمذهب المالكية قائم على أن محل سجود السهو معلل، وأن الزيادة والنقص وصفان مؤثران في اختلاف محل السجود، ومن ثم طردوا الحكم فيما لم يرد فيه نص على كل زيادة ونقص، وهي علة مستنبطة، وليست منصوصة، والأصل في أفعال الصلاة عدم التعليل، وإذا كان اختيار السجود جابرًا دون غيره يعتبر تعبديًّا، فكذلك محله، ولو كانت الزيادة والنقص وصفًا مؤثرًا في محل السجود لكان أولى الناس بالقول به هم الصحابة والتابعون، ولم أجد ذلك مأثورًا عنهم، وقد عُرِف هذا القول عن الإمام مالك، وهو مخالف لما عليه أكثر فقهاء أهل المدينة، كما ذكر ذلك الترمذي في سننه، وسجود النبي ﷺ في حديث ذي اليدين، أو في حديث ابن بحينة أفعال، والفعل لا عموم له، فالجزم بأن وصف الزيادة والنقص هو العلة في التفريق لا دليل عليه.
الوجه الثاني:
قولهم: إن الشارع لا يفرق بين شيئين بلا فرق، فيقال: إن هذا الاختلاف من قبيل التنوع، وهو لا يوجب فرقًا، فهو دليل على السعة والجواز، فلو قدم السجود البعدي أو أخر السجود القبلي لصحت صلاته، وهو قول الأئمة الأربعة في المشهور المعتمد في مذهبهم، حيث أجازوا تأخير السجود وتقديمه، والله أعلم.
ولأن العمل بالظن عند بعض الحنابلة، لا يفرق فيه بين ظن النقص، وظن الزيادة، فما بال السهو المتيقن، يفرق فيه، وكلاهما من أسباب السهو فلو كانت العلة الزيادة والنقص لاطرد الحكم.
ولأن صور السهو في السنة أكثرها ثبت من السنة الفعلية، وجاء الأمر بالسجود قبل السلام من السنة القولية في حديث أبي سعيد.
فإما أن تكون الصور واحدة في حكم السهو ومحله، فيحمل بعضها على بعض، فيكون الاختلاف من باب التنوع والسعة، أو يقال: هما صور مختلفة في الحكم والمحل، فما ثبت أنه سجد بعد السلام من السنة الفعلية، لا يقال بوجوبه إعمالًا للدلالة اللفظية، فالسجود للزيادة بعد السلام ثبت من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، ومن حديث عمران، وهما من السنة الفعلية، لا دلالة فيهما على الوجوب.
وثبت من حديث ابن مسعود، والمحفوظ أنه وقع بعد السلام ضرورة؛ لأنه صلى خمسًا، ولم يعلم إلا بعد السلام، فلا يثبت حديث في الأمر بالسجود للزيادة بعد السلام.
ولو قبلنا حديث ابن مسعود من رواية منصور، فهو في التحري، وليس في الزيادة، ولا فرق فيه بين أن يتحرى النقص، أو يتحرى الزيادة، فمن أين لكم القول بوجوب السجود بعد السلام إذا كان عن زيادة.
فإنْ أثبتنا الاختلاف بين صور السهو الواردة في الأحاديث في محل السجود، لم نحمل بعضها على بعض في حكم السجود، فما ثبت من السنة الفعلية لا يفيد الوجوب، فحَمْلُ السنن الفعلية، كحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران على وجوب السجود بعد السلام إذا كان عن زيادة، استدلالًا بحديث أبي سعيد بالأمر بالسجود في حال الشك مع الحكم باختلاف صور السهو ليس مسلمًا، ولا يقبل من حيث القواعد الأصولية، لأن السبب مختلف، فحديث أبي سعيد سببه الشك وهو سنة قولية، وحديث أبي هريرة وعمران سببه الزيادة، وهما من السنة الفعلية، فإذا اختلفت هذه الأحاديث في السبب وفي محل السجود، كيف يحمل بعضها على بعض في الحكم؛ إذ لا دلالة في الفعل على الوجوب؟.
والقول بالاستحباب ليس مدفوعًا، ولكن بلا تعليل، فيستحب ما ورد فيه النص، وما عداه يكون على السعة والاختيار كما نقل ذلك الإمام مالك عن عمل الناس.
الوجه الثالث:
حديث ابن مسعود رغم أنه وارد في الشك إذا كان معه ترجيح، فظاهره يعارض حديث أبي سعيد الخدري في أمرين:
الأمر الأول: في محل السجود، فحديث أبي سعيد الخدري السجود فيه قبل السلام، وحديث ابن مسعود السجود بعد السلام، وكلاهما لا يتحدثان عن الزيادة، في الصلاة.
الأمر الثاني: حديث أبي سعيد الخدري فيه الأمر بطرح الشك، والبناء على ما استيقن، وحديث ابن مسعود فيه الأمر بالتحري.
أما الاختلاف في موضع السجود فإن حديث ابن مسعود قد رواه الأسود بن يزيد عن ابن مسعود كما في صحيح مسلم[24]، فلم يذكر الأمر بالسجود بعد السلام.
وكذلك رواه علقمة بن قيس، عن ابن مسعود، من رواية إبراهيم بن سويد عنه، كما في صحيح مسلم، ولم يذكر السجود بعد السلام[25].
وكذلك رواه إبراهيم النخعي، عن علقمة به، من رواية الحكم بن عتيبة عنه في الصحيحين[26]، ومن رواية الأعمش عنه في صحيح مسلم[27]، ومن رواية المغيرة بن مقسم عنه خارج الصحيحين بسند صحيح[28]، ولم يذكروا فيه الأمر بالسجود بعد السلام.
وخالف كل هؤلاء منصور بن المعتمر، وروايته في الصحيحين، فرواه عن إبراهيم النخعي، عن علقمة به، فذكر السجود بعد السلام، وذكر الأمر بالتحري، وقد تفرد بهما، وقد أشار الإمام أحمد إلى تفرد منصور، وسيأتي تخريج هذه الطرق بألفاظها إن شاء الله تعالى.
وقد خالف منصور خمسة من الرواة الثقات، كلهم لا يذكرون الأمر بالسجود بعد السلام، ولا يذكرون لفظ التحري، وتوهيم الواحد أقرب من توهيم خمسة من الثقات، والمحفوظ من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ إنما سجد بعد السلام لكونه لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام.
فقد رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم»[29].
فكان سجوده بعد السلام ضرورة، لا عن قصد، فليس في الحديث دليل على أنه لو ذكر قبل السلام أنه كان سوف يسجد بعد السلام، ويخالف حديث أبي سعيد.
جاء في «مسائل أبي داود»:
«قلت لـأحمد: حديث عبد الله: أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا؟
قال: النبي ﷺ: لم يذكر إلا بعد ما سلم وتكلم.
قلت لـأحمد: فإذا صلى خمسًا، وذكر في التشهد، يسجد قبل السلام؟ قال: نعم»[30].
فلم ير الإمام أحمد التعليل بالزيادة، وإلا جعل السجود بعد السلام.
وقال ابن حجر:
«اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام؛ لتعذره قبله؛ لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة لتجويزهم الزيادة في الصلاة؛ لأنه كان زمان توقع النسخ»[31].
ولم يأخذ جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في المعتمد العمل بالتحري بحمله على الظن، بل قالوا: إذا شك أخذ بالمتيقن، وفسروا التحري بقصد الصواب، وهو معنى أصيل ليس من قبيل التأويل مذكور في الكتاب، والسنة، ولغة العرب، وقد ذكرت الأدلة على ذلك عند الكلام على مسألة الشك في عدد الركعات.
فحديث أبي سعيد الخدري لا يصلح حجة في الزيادة والنقص لأنه ورد في الشك، وكذلك لا يؤخذ من حديث ابن مسعود؛ لأنه ورد في الظن، ومحل السجود لا يختلف سواء أظن النقص أم ظن الزيادة، والظن فرد من أفراد الشك عند أهل الفقه وأهل اللغة خلافًا لأهل الأصول حيث جعلوه قسيمًا للشك.
فلم يبق في الاستدلال على المسألة إلا حديث ابن بحينة، وقد سجد فيه النبي ﷺ قبل السلام، وحديث أبي هريرة وعمران، وقد سجد فيهما النبي ﷺ بعد السلام، فمن سجد في هذه المواضع كما ورد فقد أحسن، لكن القياس عليها بناء على أن العلة في هذه الأحاديث الزيادة والنقص قول ضعيف؛ لأن أفعال الصلاة الأصل فيها التعبد، ولكونه لم يُعَلِّم النبي ﷺ هذا لأمته، ولا يُعْرَف هذا القول عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من التابعين، ولو كانت العلة الزيادة والنقص لم يسوِّ الشارع الحكم في باب الظن بين النقص والزيادة، والقول بـالوجوب أضعف، لأنها سنن فعلية، ويكفي في تضعيفه أنه مخالف للمعتمد في مذهب الأئمة الأربعة، وقد سبق أن ذكرت ذلك، ولكن تكراره يزيد المسألة رسوخًا، والله أعلم.
الوجه الرابع:
أن المالكية في المشهور وإن أخذوا بالمتيقن في حال الشك مطلقًا، أمكنه التحري أم لا، فهم لم يقولوا بالسجود قبل السلام، وهذه مخالفة صريحة لحديث أبي سعيد الخدري.
يقول الخرشي:
«المصلي إذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، ولم يكن موسوسًا فإنه يبني على الأقل المحقق، ويأتي بما شك فيه، ويسجد بعد السلام؛ لاحتمال زيادة المأتي به …[32].
ما رواه الطبراني في «الأوسط» من طريق حاتم بن عبيد الله النمَريِّ، عن عيسى بن ميمون، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ سها قبل التمام، فسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم، وقال: «من سها قبل التمام سجد سجدتي السهو قبل أن يسلم، وإذا سها بعد التمام سجد سجدتي السهو بعد أن يسلم»[33].
الوجه الأول:
[أن الحديث تفرد به رجل متروك][34].
الوجه الثاني:
أن الحديث لا دلالة فيه من جهة لفظه؛ لأن قوله: «من سها قبل التمام» يعم كل سهو كان قبل تمام الصلاة، سواء أكان بالزيادة أم بالنقص فيسجد قبل السلام.
وقوله: «وإذا سها بعد التمام» لا يكون السهو بعد التمام إلا إذا قصد بالتمام تمام الأفعال ما عدا التسليم، أو يكون المقصود بـ( سها بعد التمام) أي علم سهوه بعد تمام صلاته فيسجد بعد السلام، فليس في الحديث ما يكون حجة على التفريق بين الزيادة والنقص، مع أننا لا حاجة لنا في البحث في دلالته، وقد تفرد به رجل متروك.
من النظر، قالوا: السجود للسهو حال النقص إصلاح وجبر لما نقص من الصلاة، فناسب أن يكون الجبر قبل الخروج من الصلاة تعويضًا لما نقص من الصلاة، وحتى لا يجتمع في الصلاة النقص، والجبر خارجها.
وأما السجود في حال الزيادة فهو ترغيم للشيطان؛ لأن الصلاة في نفسها تامة، فناسب أن يكون السجود خارج الصلاة حتى لا يجتمع في الصلاة زيادتان، زيادة السهو، وزيادة السجدتين.
الوجه الأول:
من شروط القياس أن تكون العلة مطردة، فالعمل بالظن عند بعض الحنابلة، لا فرق فيه بين ظن النقص، وظن الزيادة، كلاهما السجود قبل السلام، فكذلك السهو المتيقن، وكلاهما من أسباب السهو، فلو كانت العلة الزيادة والنقص لاطرد الحكم.
الوجه الثاني:
إذا شك المصلي، فأخذ بالمتيقن فصلاته تامة يقينًا؛ لأن ما شك فيه قد طرحه، فإذا سجد قبل السلام؛ لحديث أبي سعيد الخدري، كان سجود السهو زيادة في صلاته، ولم يمنع ذلك من سجوده قبل السلام، وإن قدرتم الشك المطروح في حكم الموجود، كان ذلك ركعة خامسة، واحتاجت إلى شفعها بالسجدتين، ولم يمنع تقدير الزيادة من السجود قبل السلام.
الوجه الثالث:
إذا سلم من ركعتين، ثم أتى بالباقي فقد تمت صلاته، وعُدَّ سهوه من الزيادة، ولم يلتفت إلى كونه سها عن نقص في أول الأمر، فكذلك إذا طرح الشك وأخذ بالمتيقن، فقد تمت صلاته، فلماذا يجعل السجود قبل السلام، وهو زيادة على صلاته.
لماذا لا يعد من سلم قبل إتمام صلاته قد اجتمع في حقه سهوان: نقص وزيادة، فيقدم النقص.
فإن قلتم: ألغينا النقص حين أتم صلاته، قلنا: لما لا تقولون: ألغينا الشك حين طرحناه، وأخذنا بالمتيقن.
وقد أخذ المالكية في المشهور بطرف الحديث: وهو الأخذ بالمتيقن، وجعلوا السجود بعد السلام لموافقة القواعد في مخالفة صريحة لحديث أبي سعيد.
الوجه الرابع:
قولهم: السجود في الزيادة بعد السلام حتى لا تجتمع زيادتان.
فيقال: الزيادة إن كانت متعمدة فهي تبطل الصلاة بالإجماع، وإن كانت سهوًا فهي لغو، فالرسول ﷺ في حديث ذي اليدين، سلَّم من صلاته، وتكلَّم، ومشى، ثم عاد، وبنى على ما صلَّى، وكانت هذه الأفعال في حكم العدم، حيث لم يخرج من صلاته حكمًا، فإذا قلنا: لا تجتمع زيادتان اعتبرنا هذه الأفعال الزائدة، والمنافية للصلاة في حكم الموجود، والشرع اعتبرها ملغاة، فلو سجد قبل السلام لم يمنع ذلك من صحة صلاته، وهو المعتمد في مذاهب الأئمة الأربعة.
روى البخاري ومسلم، من طريق مالك، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع».
ورواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن أيوب به[35].
روى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، «أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم»[36].
أن النبي ﷺ سها، فسجد بعد السلام، فأخذ منه الحنفية أن السجود للسهو كله بعد السلام.
الوجه الأول:
القول بتعميم السجود كله بعد السلام استدلالًا بهذين الحديثين يمكن أن يكون مقبولًا لو لم تعارضه أحاديث صحيحة في السجود قبل السلام كما في حديث عبد الله بن بحينة في الصحيحين[37]، وكما في حديث أبي سعيد الخدري في مسلم[38].
قال ابن حزم:
«تعلق أبو حنفية ببعض الآثار، وترك بعضها، وهذا لا يجوز»[39].
الوجه الثاني:
أن هذين الحديثين من السنن الفعلية، وأهل الأصول قالوا: الفعل لا عموم له، بخلاف القول.
ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم»[40].
الوجه الأول:
هذا الحديث بهذه الرواية لا دلالة فيه؛ فإن النبي ﷺ لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام، فكان سجوده بعد السلام ضرورة، لا عن قصد، فليس في الحديث دليل على أنه لو ذكر قبل السلام أنه كان سوف يسجد بعد السلام.
قال ابن حجر:
«اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام؛ لتعذره قبله؛ لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة لتجويزهم الزيادة في الصلاة؛ لأنه كان زمان توقع النسخ»[41].
الوجه الثاني:
أن هذا الحديث مخالف لفقه أبي حنفية وأبي يوسف رحمهما الله، لأن المصلي إذا قام إلى خامسة، ولم يقعد في الرابعة قدر التشهد رجع إلى القعدة ما لم يسجد، وألغى الخامسة، وسجد للسهو؛ لأن ما دون الركعة يقبل الرفض. وإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه؛ لأنه خرج من الفرض قبل إكماله، وتحولت صلاته نفلًا، ولأن الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقية، والسجدة الثانية تكرار، فلو حلف لا يصلي لا يحنث بما دون الركعة، والأفضل أن يضيف إلى الخامسة سادسة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، ثم يستأنف الفرض.
وإن جلس في الرابعة مقدار التشهد، ثم قام إلى الخامسة عاد إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة، وسلم، وإن قيد الخامسة بسجدة ، ثم تذكر ضم إليها أخرى وتم فرضه، ويسجد للسهو استحسانًا، وتكون الخامسة والسادسة نفلًا؛ لأن الركعة الواحدة لا تجزئه؛ لنهيه ﷺ عن البتيراء[42].
وفي هذا الحديث قد صلى الخامسة، فعلى كلا الافتراضين فهو مخالف لفقه أبي حنيفة، فإن افترضنا أنه قعد للتشهد في الرابعة وهذا بعيد، فلم يأت بركعة سادسة، وإن افترضنا أنه لم يقعد للتشهد، وهو الظاهر؛ لأن المصلي يقوم إلى الخامسة وهو يعتقد أنه قام من الثالثة، والثالثة لا قعود فيها، فكان مقتضى مذهب الحنفية بطلان الفريضة، وسجود النبي ﷺ للسهو تصحيح للفريضة، ولم يشفع الخامسة بسادسة، فكيف يحتجون بحديث لم يجر على وفق مذهبهم.
قالوا: إن قول الراوي (صلى الظهر) والظهر اسم لجميع أركان الصلاة ومنها القعدة، وهو الظاهر، فإنما قام إلى الخامسة على تقدير أنها هي القعدة الأولى حملًا لفعل رسول الله ﷺ على ما هو أقرب إلى الصواب، وكونه لم يضف إليها أخرى، دليل الجواز، والأفضل أن يضيف إليها، فإن لم يفعل لم تبطل صلاته[43].
بأن قول الراوي (صلى الظهر) إما ليخبر بأن ذلك جرى في صلاة الظهر، أو أن هذا بحسب اعتقاد المصلي ونيته، لا بالنسبة للواقع.
وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: «صلى بنا النبي ﷺ الظهر ركعتين، ثم سلم …» الحديث[44].
فقوله (صلى الظهر) لا يمكن أن يحمل على أنه قام بجميع فروض الصلاة بالإجماع.
واحتمال أنه قام من الرابعة بعد أن تشهد مرتين، وأنه ظن أنه يقوم من الثانية بعيد جدًّا، بل احتمال أنه ظن أنه يقوم من الثالثة أقرب.
ولأنه لو فعل كما يقول الحنفية لكان الرسول ﷺ زاد ركعة وتشهدًا بعد الخامسة، والراوي لم يذكر إلا أنه زاد خامسة، فهذا الافتراض خلاف ظاهر الحديث.
ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
قال عبد الله صلى النبي ﷺ -قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين»[45].
[ هذا الحديث رواية أخرى للحديث السابق، وقد انفرد منصور، عن إبراهيم بذكر التحري، وبكون الأمر بالسجود بعد السلام][46].
ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن مسافع، أن مصعب بن شيبة أخبره، عن عقبة بن محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر، أن رسول الله ﷺ قال: «من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم»[47].
[ضعيف][48].
بأن الحديث على ضعفه معارض بما هو أقوى منه، فحديث أبي سعيد الخدري في مسلم أمره النبي ﷺ إذا شك أن يطرح الشك، ويسجد قبل السلام[49].
ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير، عن ثوبان، عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم»[50].
[منكر سندًا ومتنًا][51].
قال الحنفية: لما تعارضت السنة الفعلية فبعضها ورد فيه السجود قبل السلام، وبعضها ورد فيه السجود بعد السلام، قدمنا السنة القولية من حديث ثوبان؛ لأن الفعل لا عموم له، ويرد عليه احتمالات كثيرة بخلاف القول، ولأنه ورد فيه لفظ صريح في العموم في قوله: «لكل سهو».
الجواب الأول:
أن الحديث ضعيف، وحديث أبي سعيد الخدري سنة قولية، وهو أصح منه، وقد ذكر السجود قبل السلام، وهو عام في كل شك.
الجواب الثاني:
نقل الذهبي عن الأثرم أنه منسوخ؛ لقول الزهري: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ السجود قبل السلام»[52].
بأن قول الزهري لا يثبت عنه، ولو ثبت لكان فهمًا غير معصوم؛ فليس سجوده بعد السلام معارضًا لأحاديث سجوده قبل السلام حتى يلتمس فعله في آخر سهو تعرض له النبي ﷺ، فيتمسك به، ويترك ما فعله قبل ذلك، فإذا أمر النبي ﷺ بشيء ثم خالفه لم يحمل ذلك على النسخ، إلا أن يأتي في النصوص ما يدل على رفع الحكم الأول، بل يحمل الأمر على الاستحباب، وسيأتي إن شاء الله تعالى تخريج قول الزهري في أدلة الشافعية.
ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، رضي الله عنه أنه قام في الركعة الثانية فسبح به القوم فاستتم أربعًا، ثم سجد سجدتين بعدما سلم، ثم قال: «إذا وهمتم فافعلوا هكذا»[53].
[المحفوظ أن أنسًا قعد في الثالثة، فسبح به فقام، وسجد بعد السلام][54].
بأن الدلالة ليس في سبب السجود، بل في عموم قول أنس رضي الله عنه: «إذا وهمتم فافعلوا هكذا» فالعموم مستفاد من الشرط، وهو يدل على عدم اختصاص السجود بعد السلام بهذا السهو خاصة حتى يقصر السجود بعد السلام على هذا السبب، بل في عموم كل وهم عرض للمصلي، والمستفاد من قوله: «إذا وهمتم» فأطلق الوهم، وإذا كان أثر أنس مختلفًا عليه فقد ورد عنه أثر صحيح صريح لم يختلف عليه فيه، والله أعلم.
فقد روى ابن المنذر من طريق يزيد بن زريع، قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس والحسن أنهما قالا في الرجل يشك في صلاته فلم يدر أزاد أو نقص فليسجد سجدتين بعدما يسلم.
[صحيح موقوفًا، وسماع ابن زريع من سعيد قبل تغيره][55].
وروى ابن المنذر من طريق زهير، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال:
صلى سعد بن أبي وقاص، فسها في ركعتين، فقام في الثانية، فسبح به القوم من خلفه، فمضى حتى فرغ، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعدما سلم.
[صحيح موقوفًا وقد روي مرفوعًا، ولا يصح][56].
تابع بيان أبو بشر إسماعيل بن أبي خالد:
فقد رواه الطحاوي، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن بيان أبي بشر الأحمسي، قال: سمعت قيس بن أبي حازم، قال:
صلى بنا سعد بن مالك، فقام في الركعتين الأوليين، فقالوا: سبحان الله، فقال: سبحان الله فمضى، فلما سلم، سجد سجدتي السهو[57].
ومن الآثار: ما رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» من طريق أبي داود، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، قال: صلى بنا ابن الزبير رضي الله عنهما، فقام في الركعتين الأوليين، فسبحنا به، فقال: سبحان الله، ولم يلتفت إليهم فقضى ما عليه، ثم سجد سجدتين بعد ما سلم[58].
[صحيح][59].
الجواب الأول:
أثر أنس رضي الله عنه في الشك ظاهره مخالف لحديث أبي سعيد الخدري المرفوع، وأثر سعد بن أبي وقاص وابن الزبير ظاهرهما مخالف لحديث ابن بحينة، فقد يرى بعضهم أن المرفوع مقدم على الموقوف.
وأرى أن هذه الآثار ليست معارضة؛ لأن هؤلاء الصحابة كانوا يصلون بالصحابة والتابعين، فإما أن يقال: إن جماعتهم إمامًا ومأمومين يجهلون السنة المرفوعة؛ لأنهم لم ينكروا عليهم، وتابعوهم على مخالفة السنة، وهذا بعيد.
وإما أن يقال: إنهم يرون أن هذا من الأمر الواسع، فسواء سجد قبل السلام أو سجد بعد السلام فالأمر فيه على السعة والتنوع، وهذا الأقرب، وهو أولى من تجهيل جماعة من الصحابة والتابعين، خاصة أن هذه جماعات مختلفة، في مساجد متعددة، ويكون هذا مصداقًا لما نقله مالك: أن الناس ما كانوا يحتاطون في السجود قبل وبعد، وكان ذلك عندهم سهلًا.
روى ابن أبي شيبة في «المصنف»، قال: حدثنا غندر، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، أن أبا هريرة، والسائب القاري، كانا يقولان: السجدتان قبل الكلام وبعد التسليم[60].
[رجاله ثقات إلا أنه مرسل][61].
روى ابن أبي شيبة في «المصنف»، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، عن جعفر، عن أبيه، أن عليًّا قال: سجدتا السهو بعد السلام، وقبل الكلام[62].
[ضعيف][63].
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن أشعث، عن الشعبي، أن سعدا، وعمارا، سجداهما بعد التسليم.
[ضعيف][64].
ولأن سجود السهو إنما أمر بتأخيره إلى آخر الصلاة؛ لأنه ينوب عن كل سهو يقع فيها، فإذا سجد للسهو قبل السلام فمن الجائز حدوث السهو في السلام، ولا خلاف أن سجود السهو لا يجب مرتين في صلاة واحدة، فأمر بفعله بعد السلام.
الجواب الأول: أن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا.
الجواب الثاني: قال شيخنا في تعليقه على «الكافي»:
«الظاهر -والله أعلم- أنه أخر من أجل ألا يختل ترتيب الصلاة؛ لأنه لو كان يسجد عقب السهو اختل ترتيب الصلاة، فكان تأخيره هو الحكمة، أما أنه أخر؛ ليجمع السهو كله، فهذا قد يبدو صحيحًا، لكن يقال: لو كان كذلك لانتقض فيما إذا لم يكن على الإنسان إلا سهو واحد، كما لو سها بعد السجدة الأولى في آخر ركعة»[65].
والجواب الأول أقوى، والظاهر أنه أخر من أجل أن يجمع السهو كله في سجود واحد، ولو سها بعد السجدة الأولى في آخر ركعة لاحتمل أن يقع السهو في التشهد، أو في السلام، ولو كان التأخير من أجل مراعاة ترتيب الصلاة لما سجد للتلاوة عقب سببه، وسجود التلاوة ليس بواجب، ولا مرتبط بالصلاة، بينما سجود السهو واجب عند شيخنا، ومرتبط بالصلاة، والله أعلم.
ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ:
«إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان»[66].
هذا الحديث من السنن القولية، وهو أصرح من السنن الفعلية، وفيه الأمر بالسجود قبل السلام، فإن لم يدل على الوجوب فهو مقطوع به بالاستحباب.
قال الشافعي في حديث أبي سعيد:
«فإن كانت خامسة شفعها، نص على السجود قبل السلام مع تجويز الزيادة، والمجوَّز كالموجود»[67].
الجواب الأول:
بينت فيما سبق أن صور السهو في السنة أكثرها ثبت من السنة الفعلية، و جاء الأمر بالسجود قبل السلام من السنة القولية في حديث أبي سعيد، فإما أن تكون الصور واحدة في حكم السهو ومحله، فيحمل بعضها على بعض، فيكون الاختلاف من باب التنوع والسعة، أو يقال: هما صور مختلفة في الحكم والمحل، فما ثبت أنه سجد بعد السلام من السنة الفعلية، لا يقال بوجوبه إعمالًا للدلالة اللفظية، فالسجود بعد السلام ثبت من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، ومن حديث عمران، وهما من السنة الفعلية، لا يوصلان للقول بـالوجوب، وثبت من حديث ابن مسعود، والمحفوظ أنه وقع بعد السلام ضرورة؛ لأنه صلى خمسًا، ولم يعلم إلا بعد السلام، وإذا كان أكثر صور سجود السهو من السنن الفعلية كان الأمر في حديث أبي سعيد يدل على الاستحباب، وليس على وجوب السجود قبل السلام.
والقول بأن الأصل في الأمر الوجوب هو القول الراجح من الخلاف الأصولي؛ إلا أن الأمر الشرعي قد يصرف إلى الاستحباب لدليل آخر أو قرينة.
الجواب الثاني:
إذا كان المجوَّز كالموجود فالنقص مجوَّز أيضًا في حديث أبي سعيد، وهو أقوى؛ بدليل أن الزيادة طرحت، وأخذ بالمتيقن، ولو كانت الزيادة في حكم الموجودة لما طرحت وأخذ باليقين.
الجواب الثالث:
أن حديث أبي سعيد قد سبق تخريجه في مسألة حكم سجود السهو، وكشف التخريج بأن مالكًا وداود بن قيس قد روياه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ مرسلًا، والإمام مالك لا يعدله أحد ممن خالفه، ولو كانوا جماعة.
بأن ابن عبد البر قد صرح بأن إرسال مالك ليس علة فقال: «والحديث متصل مسند صحيح، لا يضره تقصير من قصر به في اتصاله؛ لأن الذين وصلوه حفاظ مقبولة زيادتهم»[68].
وبدليل أنه قد روي عن مالك موصولًا من طريق الوليد بن مسلم في صحيح ابن حبان، وسنن البيهقي[69]، وإن كان كبار أصحابه قد رووه عنه مرسلًا، والله أعلم.
وقد نص الإمام الدارقطني وابن عبد البر وغيرهما في غير هذا الحديث بأن الإمام مالكًا يصنع ذلك كثيرًا فيرسل أحاديث موصولة، ولا يلزم من ذلك القدح في صحة الحديث ولا في وصله[70].
ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه، أنه قال: «إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك»[71]
أن النبي ﷺ سها، وسجد لسهوه قبل السلام، وقد قال ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
الجواب الأول:
هذا الحديث دليل على جواز وقوع السهو قبل السلام، إمَّا مطلقًا على قول، وإمَّا في حال كان السهو عن نقص على قول آخر، وليس في الحديث ما يدل على وجوب السجود قبل السلام لا مطلقًا، ولا في حال قام عن نقص؛ لأن هذا الحديث من السنة الفعلية، والفعل لا يستفاد منه الوجوب إلا لو كان بيانًا لمجمل واجب، وهذا ليس منه.
الجواب الثاني:
الاستدلال بقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، سبق الجواب عنه، ولو صح الاستدلال به لكان هذا أمرًا بأن نصلي كما كان يصلي في كل مواضع سهوه، وليس في هذا الموضع خاصة، وقد حفظ من صلاته ﷺ في بعض سهوه أنه كان يسجد بعد السلام، والله أعلم.
الجواب الثالث:
عارض الحنفية الاستدلال بحديث ابن بحينة بما رواه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد، أخبرنا المسعودي، عن زياد بن علاقة، قال:
صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين، قام ولم يجلس، فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم، ثم سجد سجدتين، ثم قال: هكذا صنع بنا رسول ﷺ[72].
وفي رواية لـأحمد في الإسناد نفسه: … فلما أتم الصلاة سجد سجدتي السهو[73].
[بأن الحديث ضعيف، وقوله: (سلم ثم سجد) تفرد بها الضعفاء، والمحفوظ وقفه على المغيرة بن شعبة، وليس فيه بيان موضع السجدتين][74].
قال ابن عبد البر:
«حديث ابن بحينة ثابت بنقل الأئمة، وحديث المغيرة ضعيف الإسناد، ليس مثله بحجة»[75].
وقال أيضًا في «التمهيد»:
«قال أحمد بن حنبل: سجود السهو على ما جاءت به الأخبار، إذا نهض من اثنتين سجدهما قبل السلام، على حديث ابن بحينة، قال ابن عبد البر: هذا يدلك على أن حديث ابن بحينة أصح عند أحمد بن حنبل -وهو إمام أهل الحديث- من حديث المغيرة بن شعبة»[76].
ولو فرض أن حديث المغيرة صحيح بطرقه، فإنه لا يقوى على معارضة حديث ابن بحينة وقد رواه الإمام البخاري ومسلم والإمام مالك وأصحاب الأمهات، ولم يختلف على رواته، لا في إسناده ولا في لفظه، وله شاهد من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، بخلاف حديث المغيرة، فقد تجنبه الشيخان البخاري ومسلم والنسائي، وفي أكثر طرقه اختلاف في لفظه وفي إسناده، فإذا تعارضت الأدلة قدم الأقوى منهما، إلا أن ثبوت حديث ابن بحينة لا يعني التسليم بثبوت دلالته كما يراه الشافعية، فالحديث لا يدل على وجوب سجدتي السهو قبل السلام إذا قام من اثنتين، فضلًا أن يدل على وجوب ذلك في عموم السهو، لما تقدم من أن الحديث من السنن الفعلية، والفعل لا يدل على الوجوب، ولما ثبت في الصحيحين وغيرهما من ثبوت السجود للسهو بعد السلام أيضًا، والله أعلم.
الجواب الرابع:
قالوا: يحتمل أن المراد بالسجود في حديث ابن بحينة سجود الصلاة الذي من صُلب الركعة، ويحتمل أن المراد بقوله: (قبل السلام) قبل السلام الثاني، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ سجد في قصة ابن بحينة قبل السلام سهوًا[77].
بأن رد الأحاديث المتفق على صحتها بالاحتمالات البعيدة لإبطال دلالة النصوص أو تأويلها بتعسف؛ لموافقة المذهب عمل لا يجوز، ولو اتبع ذلك مع النصوص لم يسلم لنا دليل من كتاب، أو سنة، وأكثر من يفعله بعض متعصبة المذاهب.
قال العلائي:
«وهذه كلها خلاف الظاهر، أو باطلة، وكيف يحمل السجود ظنًا على ركن الصلاة، وقد قال عبد الله بن بحينة: فلما قضى الصلاة وانتظرنا تسليمه سجد سجدتين، ثم سلم.
وكذلك حمل السلام على التسليمة الثانية، فإن سجود السهو لا يكون إلا بعد التسليمتين اتفاقًا.
وأما السهو فالأصل عدمه، وتطريقه إلى الأفعال الشرعية من غير دليل يدل على ذلك الفعل لا يجوز»[78].
ما رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، أن محمد بن عجلان مولى فاطمة، حدثه عن محمد بن يوسف مولى عثمان، حدثه عن أبيه:
أن معاوية بن أبي سفيان، صلى بهم فقام، وعليه جلوس، فلم يجلس. فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم، وقال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع»[79].
[حسن إن شاء الله تعالى][80].
وجه الاستدلال به:
كالاستدلال بالحديث السابق، والجواب عنه كالجواب عنه، فهو دليل على جواز سجود السهو قبل السلام، ولكن لا دلالة فيه أن ذلك على سبيل الوجوب؛ لأن الأصل في الأفعال الاستحباب والله أعلم.
ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثني محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، أنه قال له عمر: يا غلام هل سمعت من رسول الله ﷺ، أو من أحد من أصحابه: «إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع»؟ قال: فبينا هو كذلك، إذ اقبل عبد الرحمن بن عوف، فقال: فيم أنتما؟ فقال عمر: سألت هذا الغلام: هل سمع من رسول الله ﷺ، أو أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أواحدةً صلى أم ثنتين؟ فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثًا؟ فليجعلها ثنتين، وإذا لم يدر أثلاثًا صلى أم اربعا؟ فليجعلها ثلاثًا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته، وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين»[81].
[وصله معلٌّ، والمحفوظ أنه عن مكحول عن النبي مرسلًا، ويغني عنه حديث أبي سعيد الخدري][82].
روى أبو داود في سننه من طريق إبراهيم بن سعد، وابن ماجه من طريق يونس بن بكير، كلاهما عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته، فيدخل بينه وبين نفسه حتى لا يدري زاد أو نقص، فإذا كان ذلك، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم»[83].
ورواه أبو داود من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن أخي الزهري، عن الزهري به بنحوه، وقال: وهو جالس قبل التسليم[84].
[قوله: (قبل أن يسلم، أو قبل التسليم) حرف شاذ][85].
ذكر البيهقي في السنن، والحازمي في «الاعتبار»: أن الشافعي روى في القديم، عن مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري قال: «سجد رسول الله ﷺ قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام»[86].
[مرسل بسند ضعيف].
قال البيهقي:
قول الزهري منقطع … ومطرف بن مازن غير قوي[87].
الوجه الأول:
قال البيهقي: قول الزهري منقطع … ومطرف بن مازن غير قوي[88].
الوجه الثاني:
قول الزهري: «وآخر الأمرين قبل السلام» هذا الجزء من كلام الزهري مقطوع عليه، وليس جزءًا من المرسل، ورأي الزهري ليس بحجة لو ثبت عنه، فكيف إذا كان لا يثبت عنه، وإنما المشهور عنه أنه يرى سجود السهو قبل السلام كغيره من أهل المدينة ممن يرى السجود قبل السلام، وهو قول أكثر أهل المدينة كما أفاده الترمذي.
الوجه الثالث:
القول بالنسخ مرده إلى اعتقاد التعارض بين الأحاديث المرفوعة في سجود السهو، حيث وقع السجود في بعضها قبل السلام وفي بعضها بعده، وهو قول ضعيف جدًّا؛ ولا حاجة إلى افتراض التعارض مع اختلاف المحل.
يقول الحافظ ابن رجب:
«سجود النبي ﷺ قبل السلام وبعده، إن كان في صورتين، أمكن العمل بهما معًا، وإن كان في صورة واحدة، دل على جواز الأمرين، والعمل بهما جميعًا، والنسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع»[89].
ويقول إمام الحرمين وهو شافعي:
«لئن صح ما ذكره الزهري أنه سجد آخرًا، فهذا لا يعين ذلك، ولا ينفي جواز ما تقدم»[90].
الوجه الرابع:
لو حدث تغيير في تشريع سجود السهو لنقل مثل ذلك عن النبي ﷺ تبليغًا لأمته للأخذ بالناسخ وترك المنسوخ، ولا يحفظ نص واحد يقول: كنا نسجد بعد السلام، فأمرنا بالسجود قبل السلام.
قال ابن تيمية:
«النسخ إنما يكون بما يناقض المنسوخ، والنبي ﷺ سجد بعد السلام، ولم ينقل مسلم أنه نهى عن ذلك، فبطل النسخ»[91].
الوجه الخامس:
الصحابة رضي الله عنهم مع اختلافهم في المسألة لم يدَّعِ أحد منهم القول بالنسخ، ولو وقع لاحتج به من يقول بالسجود قبل السلام على من يقول بالسجود بعده، ولا أعلم أحدًا قال بالنسخ قبل الزهري، هذا على افتراض ثبوته عنه، والله أعلم.
من الآثار ما رواه ابن المنذر من طريق جرير، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه كان يأمر بسجدتي السهو قبل أن يسلم[92].
[انفرد به محمد بن إسحاق على اختلاف عليه في وقفه ورفعه، وكبار أصحاب الزهري يروونه مرفوعًا ولا يذكرون موضع السجدتين][93].
من النظر، أن السهو يحدث خللًا في الصلاة، فاحتاجت الصلاة إلى جبران، وجبرانها يكون قبل السلام، لأن الأصل أن الجابر يقع داخل المجبور وليس بعده كالحج.
الوجه الأول:
هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا؛ لكونه يلزم منه رد النصوص التي ثبت أن النبي ﷺ سجد فيها بعد السلام.
الوجه الثاني:
لا نسلم بأن سجود السهو يكون جبرًا للصلاة، فالسجود قد يكون ترغيمًا للشيطان.
الوجه الثالث:
القياس على جبران الحج فيه نظر، فالدم في الحج يشترط لوجوبه أن يكون متعمدًا على الصحيح، بخلاف السهو، فلا يصح في حال العمد، ولو صح القياس فإن الجبران في الحج قد يقع خارج المجبور، فالدم قد يقع بعد التحلل من النسك، والصيام يقع بعد رجوعه إلى بلده، فبطل القياس.
الوجه الرابع:
لو كان الحكم لمطلق النظر، فالنظر لا يمنع من جواز الأمرين، فالقائلون بالسجود بعد السلام لهم دليل نظري أيضًا، حيث يقولون: إن سجود السهو ليس من الصلاة، فما كان زائدًا عليها تعين أن يكون محله بعد الفراغ منها، والفراغ لا يكون إلا بالتسليم.
ولأنه قد يحصل منه سهو في السلام، فيحتاج إلى إعادة سجود السهو، فناسب أن يكون ذلك بعد الفراغ من الصلاة.
فلما كان لكلا القولين دليل نظري دل ذلك على جواز الأمرين، والأمران ثابتان في السنة، فالقول بالتخيير هو الأقرب، والله أعلم.
سجود السهو قد وجد سببه في الصلاة، فكان محله في صلب الصلاة قياسًا على سجود التلاوة.
يقول الماوردي:
«لأنه سجود عن سبب وقع في صلاته، فوجب أن يكون محله في الصلاة قياسًا على سجود التلاوة»[94].
بأن سجود التلاوة سجود يفعل عقيب سببه، فناسب أن يكون في الصلاة، بخلاف سجود السهو؛ فإنه لما كان لا يفعل عقيب سببه دل على أن له تأخيره إلى بعد السلام.
لو كان محل السجود بعد السلام لوجب إذا فعله ناسيًا قبل السلام أن يسجد لأجله بعد السلام، وفي إجماعهم على ترك السجود له بعد السلام دليل على أن محله قبل السلام.
بأن هذا دليل على جواز الأمرين، وليس على وجوب كونه قبل السلام مع التذكير بأن كل نظر يلزم منه رد النصوص الصحيحة فهو رد على صاحبه.
سجد النبي ﷺ قبل السلام في بعض صور السهو، وفي بعضها سجد بعد السلام، وإن كانت الصورة مختلفة فمرد ذلك إلى قلة حوادث السهو من النبي ﷺ، وقد وجد آثار عن الصحابة بالسجود قبل السلام وبعده، وبعض هذه الصور تخالف في ظاهرها ما رود مرفوعًا، والذي يظهر أن مخالفتها للمرفوع مرده إلى السعة والتنوع، ولا يظهر لي أنها معارضة.
فقد روى ابن المنذر من طريق يزيد بن زريع، قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس والحسن أنهما قالا في الرجل يشك في صلاته فلم يدر أزاد أو نقص فليسجد سجدتين بعدما يسلم.
[صحيح موقوفًا، وسماع ابن زريع من سعيد قبل تغيره][95].
فسجد أنس رضي الله عنه في الشك بعد السلام، وظاهره مخالف لحديث أبي سعيد الخدري.
ومنها: ما رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» من طريق أبي داود، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، قال: صلى بنا ابن الزبير رضي الله عنهما، فقام في الركعتين الأوليين، فسبحنا به، فقال: سبحان الله، ولم يلتفت إليهم فقضى ما عليه، ثم سجد سجدتين بعد ما سلم.
[صحيح][96].
فقام ابن الزبير من اثنتين، وسجد بعد السلام، وظاهره مخالف لحديث ابن بحينة.
ومنها: ما رواه ابن المنذر من طريق زهير، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: صلى سعد بن أبي وقاص، فسها في ركعتين، فقام في الثانية، فسبح به القوم من خلفه، فمضى حتى فرغ، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعدما سلم.
[صحيح موقوفًا، وقد روي مرفوعًا، ولا يصح][97].
تابع بيان أبو بشر إسماعيل بن أبي خالد:
فقد رواه الطحاوي، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن بيان أبي بشر الأحمسي، قال: سمعت قيس بن أبي حازم، قال:
صلى بنا سعد بن مالك، فقام في الركعتين الأوليين، فقالوا: سبحان الله، فقال: سبحان الله فمضى، فلما سلم، سجد سجدتي السهو[98].
[وسنده صحيح].
فهذا أنس وابن الزبير وسعد بن مالك رضي الله عنه خالفوا ما ورد في السنة المرفوعة والذي يظهر أن مرد ذلك إلى السعة؛ لأنه يبعد جدًّا أن يخالف هؤلاء الصحابة السنة المرفوعة، ثم لا يوجد من المصلين من الصحابة والتابعين من ينكر عليهم، أو يراجعهم، فتقبل الناس ذلك منهم مرده إلى أحد احتمالين:
إما أن يقال: إن الإمام وجماعة المأمومين يجهلون السنة، وهذا بعيد جدًّا في حق الصحابة والتابعين، خاصة مع تكرر هذا في جماعات مختلفة.
وأما أن يقال: إنهم يرون أن محل السجود على التنوع والسعة، فمن سجد قبل السلام، أو سجد بعد السلام؛ فإن ذلك يجزئه، وإن كانت موافقة المرفوع أحب إليَّ، ويتأكد ذلك أنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة من فرق في محل السهو بين الزيادة النقص.
روى البخاري من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود في قصة سهو النبي ﷺ، وفيه: قيل: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، قال: «فسجد بهم سجدتين، ثم قال: هاتان السجدتان لمن لا يدري: زاد في صلاته أم نقص …»[99].
فأوجب السجدتين وسوَّى بين الزيادة والنقص، فإذا سها المصلي فعليه أن يسجد سجدتين، أما محلهما فآخر صلاته، سواء أفعل ذلك قبل السلام، أم فعل ذلك بعده، فالأمر واسع، ولأنه إذا فرغ من التشهد فقد قضى صلاته، ولم يبق عليه إلا التسليم حتى ذهب جماعة من أهل الحديث إلى القول بصحة صلاة من أحدث قبل السلام، كالإمام سعيد بن المسيب، وعطاء، والإمام الثوري، وإسحاق بن راهويه، وإبراهيم النخعي، ومكحول، واختاره بعض الفقهاء كـأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم، وقد وثقت ذلك عنهم في هذا المجلد، وفي صفة الصلاة عند الكلام على حكم التسليم، فلم يكن هناك فرق كبير بين أن يقع السجود قبل السلام أو يقع بعده.
قال مالك رضي الله عنه:
ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلًا[100].
والمقصود بالناس العلماء؛ لأن العوام لا حجة في أفعالهم، فإذا كان هذا عمل كثير من العلماء زمن الإمام مالك، ولم نجد نصًا مرفوعًا عن النبي ﷺ، ولا أثرًا عن صحابي يرد سجود السهو قبل السلام وبعده إلى الزيادة والنقص، فالأصل أن ذلك كله واسع.
الحنفية يرون السجود كله بعد السلام، وقد نقلوا الإجماع على أنه لو سجد قبل السلام ناسيًا لا يعيد سجود السهو بعد السلام حتى لا يتكرر[101].
ولو كان وقوعه قبل السلام في غير محله لم يفت به السجود؛ وكان مطالبًا إذا سلم أن يسجد، ولا يعتبر تكرارًا؛ لأن وقوعه في غير محله لغو، ولكن لما كان ذلك الأمر واسعًا اعتبر كأنه وقع في محله، والله أعلم.
الأصل في العبادات أنها توقيفية، ولا تقبل القياس، وإلا لأدى ذلك إلى إحداث عبادات غير مشروعة، وأظهر ما يكون التعبد في أفعال الصلاة، فالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، والفجر ركعتان، والمغرب ثلاث، كل ذلك لا يدرك بالاجتهاد، واختيار السجود ليكون جابرًا للسهو دون غيره، واختيار محله، الأصل فيه عدم التعليل، والتفريق بين الزيادة والنقص ذهاب إلى تعليل ذلك، وهو خلاف الأصل.
وعندما نقول الأصل في العبادات عدم التعليل، لا يعني أنها لم تشرع لحكم ومصالح للعباد في الدنيا والآخرة، فالله سبحانه وتعالى حكيم، ولا يشرع شيئًا لعباده إلا لحكمة ومصلحة للعباد عاجلًا وآجلًا، ولكن التعليل الذي يراد منه قياس فرع على أصل لعلة جامعة، ليس هذا هو الأصل في العبادات.
سجود السهو لا يعتبر جزءًا من ماهية الصلاة، سواء سجد قبل السلام أم سجد بعده، فسجوده داخل الصلاة لا يعني أنه بمنزلة السجدة التي في صلب الصلاة، بل هو أشبه بسجود التلاوة يقع خارج الصلاة وداخلها، ولا يعد جزءًا من الماهية، وإذا سجد بعد السلام لا يعني انفصاله عنها كانفصال سنة الصلاة البعدية والتي يشترط لدخول وقتها الفراغ من الصلاة المكتوبة إلا أنها مستقلة بنفسها، سواء أصلاها في المسجد أم في البيت، بل يشترط لسجود السهو البعدي موالاته للصلاة، بدليل أنه تشترط له الطهارة، وقرب الفاصل في الأصح، فإذا أحدث، أو طال الفصل فات السجود، وبناء عليه لم يكن هناك فرق، سواء سجد قبل السلام أم سجد بعده، فإذا أخره بعد السلام فإن السلام لا يباح إلا بشرط السجود للسهو، فإذا لم يسجد لم يكن سلامه من الصلاة مأمورًا به، ولم تبرأ ذمته، والله أعلم.
ذهب الحنابلة إلى أن الأصل في سجود السهو أن يكون قبل السلام؛ لأن سجود السهو من تمام الصلاة، فكان فعله قبل السلام كسائر أفعالها.
قال أحمد:
«لولا ما جاء عن النبي ﷺ لكان السجود كله قبل السلام؛ لأنه من تمام الصلاة»[102].
ولأن السجود سببه السهو، وقد وجد داخل الصلاة، فلا ينفك المسبب عن سببه، كسجود التلاوة إذا وجد سببه في الصلاة لم يسجد له خارج الصلاة.
ولأن السهو خلل في الصلاة، فكان الأصل أن يكون جبره داخل الصلاة، لا خارجها.
لهذا اعتبرنا السجود قبل السلام في حديث ابن بحينة في الصحيحين، وحديث أبي سعيد الخدري في مسلم جاريًا على وفق الأصل.
تُرِك هذا الأصل استحسانًا في المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ بعد السلام؛ لحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران بن الحصين في قصة الخرباق، لورود النص، ومواضع الاستحسان لا يناقض بها، ولا يقاس عليها، هذا ملخص ما اعتمده الحنابلة دليلًا على التفريق.
فـالحنابلة رأوا أحاديث السجود بعد السلام على خلاف القياس، فاقتصروا فيها على ما ورد، ولم يقيسوا عليها، بخلاف الأحاديث التي ورد السجود فيها قبل السلام، فهي جارية على الأصل.
الوجه الأول:
بأنه لم يرد نص مرفوع ولا موقوف أن سجود السهو من تمام الصلاة، ولو جاء ذلك صريحًا لم يلزم منه أن يكون ذلك مقصورًا على ما قبل السلام، فتسوية الصفوف جاء النص فيها أنها من تمام الصلاة، وهي من أفعال ما قبل الصلاة، فسجوده بعد السلام لا ينافي ذلك كونه من تمام الصلاة.
الوجه الثاني:
وقوع السجود بعد السلام لا يعني انفكاك السجود عن سببه؛ لأننا نشترط موالاته للصلاة، ولأن كل ما يحرم على المصلي فعله يحرم على من عليه سجود سهو بعد السلام حتى يسجد للسهو ويتحلل منه بالسلام، كتعمد الحدث، والكلام الأجنبي، والانحراف عن القبلة والمشي، والقياس على سجود التلاوة قياس مع الفارق، فالسجود في التلاوة يعقب سببه، بخلاف سجود السهو فهو يتأخر عنه، سواء تأخر إلى ما قبل السلام، أو تأخر إلى ما بعده متصلًا به.
الوجه الثالث:
قال ابن تيمية:
«قول من يقول: القياس يقتضي أنه كله قبله، لكن خولف القياس في مواضع للنص فبقي فيما عداه على القياس؛ يحتاج في هذا إلى شيئين:
إلى أن يبين الدليل المقتضي لكونه كله قبله.
ثم إلى بيان أن صورة الاستثناء اختصت بمعنى يوجب الفرق بينها وبين غيرها، وإلا فإذا كان المعنى الموجب للسجود قبل السلام شاملًا للجميع امتنع من الشارع أن يجعل بعض ذلك بعد السلام.
وإن كان قد فرق لمعنى، فلا بد أن يكون المعنى مختصًا بصورة الاستثناء، فإذا لم يعرف الفرق بين ما استثنى، وبين ما استبقى كان تفريقًا بينهما بغير حجة.
وإذا قال: علمت أن الموجب للسجود قبل السلام عام، لكن لما استثنى النص ما استثناه علمت وجود المعنى المعارض فيه.
فيقال له: فما لم يرد فيه نص، جاز أن يكون فيه الموجب لما قبل السلام، وجاز أن يكون فيه الموجب لما بعد السلام، فإنك لا تعلم أن المعنى الذي أوجب كون تلك الصور بعد السلام منتفيًا عن غيرها، ومع كون نوع من السجود بعد السلام يمتنع أن يكون الموجب التام له قبل السلام عامًا، فما بقي معك معنى عام يعتمد عليه في الجزم بأن المشكوك قبل السلام، ولا بأن المقتضي له بعد السلام مختص بمورد النص، فنفي التفريق قول بلا دليل يوجب الفرق، وهو قول بتخصيص العلة من غير بيان فوات شرط، أو وجود مانع، وهو الاستحسان المحض الذي لم يتبين فيه الفرق بين صورة الاستحسان وغيرها»[103].
بأن هذا الكلام مبني على أن اختلاف محل السجود في الأحاديث يرجع لمعنى أوجب التفريق، وإلا لكان السجود كله قبل السلام، أو كله بعد السلام.
وإذا لم نعرف هذا المعنى فإننا لا نستطيع أن نجزم بالسهو الذي لم يرد فيه نص، هل حقه أن يسجد له قبل السلام أو بعده، بخلاف ما إذا قلنا: إن المعنى هو الزيادة والنقص، فإنه يمكن لنا القياس عليهما فيما لم يرد فيه نص هذا ملخص كلام ابن تيمية رحمه الله.
وهذا الكلام سبق الجواب عنه، فلو كان اختلاف محل السجود يرجع إلى وجود معنى يوجب التفريق، فهل هذا المعنى عَلَّمه النبي ﷺ لأمته، أو اكتفى بالسجود، ولم يعلمهم هذا المعنى؟
فإذا ترك النبي ﷺ أمته دون أن يعلمهم ما يوجب التفريق عرَّض صلاتهم للخلل.
وإذا فرضنا أن هذا تركه النبي ﷺ لاجتهاد العلماء ليستنبطوه، فهل عرفه الصحابة والتابعون، أو جهلوه؟
فإن كان هذا المعنى لا يعرف في أقوال الصحابة، وكان بعضهم يسجد للسهو قبل السلام، وبعضهم يسجد للسهو بعد السلام، ولم ينكر بعضهم على بعض، ولم ينقل عن أحد منهم أن مرد ذلك لوصف الزيادة والنقص، أصبح القول بأن ذلك هو العلة في التفريق قولًا ضعيفًا، وأن الاختلاف من قبيل التنوع، وهو لا يوجب فرقًا، بل أراد الشرع السعة والتيسير، فلو قدم السجود البعدي أو عكس لصحت صلاته، وهو قول الأئمة الأربعة في المشهور المعتمد في مذهبهم، وقد ذكرت هذا المعنى فيما سبق، والله أعلم.
أحدهما: من سها فقام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد، فهذا إن شاء سجد قبل السلام على حديث ابن بحينة، وهو في الصحيحين.
وإن شاء سجد بعد السلام على حديث المغيرة بن شعبة، وسبق تخريجه.
قال ابن حزم:
«وكلا الخبرين صحيح، فكلاهما الأخذ به سنة»[104].
وقد تبين لك من تخريج حديث المغيرة بن شعبة أنه ضعيف[105].
الثاني: إذا شك في صلاته، فلم يدر في الثنائية أصلى ركعة أم ركعتين؟ وفي الثلاثية أصلى ثلاثًا أم أقل؟ وفي الرباعية أصلى أربعًا أم أقل؟ فهذا يبني على الأقل، فإذا تشهد في آخر صلاته فهو مخير إن شاء سجد للسهو قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري في مسلم، وإن شاء سلم، ثم سجد للسهو على حديث ابن مسعود في الأمر بالتحري، والأمر بالسجود بعد السلام.
إذا كان الأئمة الأربعة يتفقون على جواز تقديم السجود وتأخيره، ولا يتفقون على محل الندب، فبعضهم يستحبه كله قبل السلام، وبعضهم يستبحه كله بعد السلام، ومنهم من يرى التفريق بين الزيادة والنقص، ومنهم من يخص الندب بالسجود قبل السلام إلا ما ورد فيه النص فيسجد بعد السلام، ومنهم من يرى التخيير.
فما اتفقوا عليه من الجواز أحب إلى نفسي مما اختلفوا فيه في محل الندب، إلا ما فعله النبي ﷺ فموافقته أحب إلي، فالأمر على السعة والاختيار كما نقل ذلك مالك عن عمل الناس، وأنهم لا يحتاطون لذلك سواء وقع قبل السلام أم بعده.
قال ابن مفلح في «الفروع»:
«محل سجود السهو ندبا (و) -أي وفاقًا للأئمة الأربعة- … وذكره بعض المالكية وبعض الشافعية (ع) -أي إجماعًا- وكذا قال القاضي: لا خلاف في جواز الأمرين، وإنما الكلام في الأولى والأفضل»[106].
فإنك لا تخرج عن محل اتفاقهم إلا لتنتقل إلى مخالفة جمهورهم في أي خيار اخترته من الأقوال السبعة الواردة في المسألة.
وأضعف الأقوال
من قال بوجوب محل سجود السهو، فإن السجود بعد السلام ثبت من السنة الفعلية، وهي لا يستفاد منها الوجوب.
يليه في الضعف
من علل محل السجود، فاستحب محل السجود قبل السلام للنقص، وبعد السلام للزيادة، لأن هذا القول عار من أقوال الصحابة والتابعين، يليهما في الضعف، من قال: كله قبلي، أو كله بعدي، فإن هذا القول وإن كان قد قال بكل قول بعض الصحابة، إلا أنه يخالف السنة المرفوعة.
ويبقى الترجيح بين قولين:
إما القول بأن كله قبل السلام إلا ما ورد.
وإما القول بأنه على التخيير، وهو أقرب القولين للحق إن شاء الله تعالى، وأن الأمر كما حكى مالك بأن الناس كانوا يرون أنه على السعة، والله أعلم.
وانظر قول ابن شهاب والليث وربيعة والأوزاعي في «الإشراف على مذاهب العلماء» لـابن المنذر (2/72)، «الجامع لمسائل المدونة» (2/801، 822)، «النوادر والزيادات» (1/364).
«التبصرة» لـالخمي (2/525)، «شرح التلقين» لـالمازري (2/600)، و«بداية المجتهد» (1/206)، «المبدع» (1/472)، «الإنصاف» (2/154).
وانظر قول أبي ثور في «الأوسط» لـابن المنذر (3/311)، «التمهيد» (5/30)، «الاستذكار» (1/516)، «المغني» (2/18)، «طرح التثريب» (3/21).
وانظر قول المزني في «فتح الباري» لـابن حجر (3/94)، «بحر المذهب» لـالروياني (2/147).
وانظر رواية أحمد: «المبدع» (1/473)، «الإنصاف» (2/154).
وذكر العز بن عبد السلام في اختصاره لـ«نهاية المطلب» (2/86): ثلاثة أقوال في مذهب الشافعية، قال: والثالث: يتخير بينهما.
إذا نهض من اثنتين، ولم يتشهد كما في حديث ابن بحينة.
وإذا شك فبنى على اليقين، سجدهما قبل السلام، كما في حديث أبي سعيد الخدري.
انظر: «مسائل أحمد وإسحاق» رواية الكوسج (203)، «الإقناع» (1/143)، «كشاف القناع» (1/409)، «المبدع» (1/473)، «الإنصاف» (2/154)، «شرح المقنع» لـالتنوخي (1/420)، «مسائل حرب الكرماني» ت الغامدي (ص: 230، 231)، «الهداية» لـالخطابي (ص: 93)، «الأوسط»، ط دار الفلاح (3/505).
قال الزركشي في «شرح الخرقي» (2/19): «قال أبو البركات: الخلاف في محل السجود، وهل هو قبل السلام أو بعده في الاستحباب، أما الجواز فإنه لا خلاف فيه، ذكره القاضي، وأبو الخطاب في خلافيهما، وظاهر كلام أبي محمد وأكثر الأصحاب خلاف هذا».
ولم يسم الزركشي الأصحاب الذين قالوا بالوجوب، وهو مخالف لما نقله المرداوي، قال في «الإنصاف» (2/155): «محل الخلاف في سجود السهو: هل هو قبل السلام، أو بعده …. على سبيل الاستحباب والأفضلية، فيجوز السجود بعد السلام إذا كان محله قبل السلام وعكسه، وهذا هو الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وذكره القاضي، وأبو الخطاب وغيره وجزم به المجد وغيره وقدمه في «الفروع» وغيره. قال القاضي: لا خلاف في جواز الأمرين، وإنما الكلام في الأولى والأفضل وذكره بعض المالكية والشافعية إجماعا، وقيل: محله وجوبا اختاره الشيخ تقي الدين.
وقال: عليه يدل كلام الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام صاحب «المستوعب»، و«التلخيص»، و«المصنف»، وغيرهم قال الزركشي: وظاهر كلام أبي محمد، وأكثر الأصحاب: أنه على سبيل الوجوب وقدمه في «الرعاية»، وأطلقهما في «الفائق»، وابن تميم». اهـ
فمنهم الأصحاب، إذا خرج منهم القاضي، وأبو الخطاب، والمجد، وصاحب «الفروع»، وأطلقهما في «الفائق» وابن تميم، فمن بقي لـالزركشي حتى يطلق قوله: وأكثر الأصحاب؟
وإذا حكى الإجماع أبو يعلى وأبو الخطاب والماوردي وابن عبد البر على جواز تقديم السجود وتأخيره، فكلهم متقدمون على ابن قدامة وابن تيمية، ولهذا قال ابن حجر في «الفتح» (3/95): «ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماوردي وغيره قبل هذه الأراء في المذاهب المذكورة».
ومن الشافعية: الماوردي.
ومن الحنابلة، القاضي أبو يعلى، وسوف أنقل النصوص عنهم عند بحث مسألة (تقديم السجود البعدي وعكسه) في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.
وفي وجه عند الحنابلة، رجحه ابن تيمية: أن ما شرع قبل السلام يجب فعله قبله، وما شرع بعده يجب فعله بعده، خلافًا للمعتمد في المذهب، وسيأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
وقال الدردير في «الشرح الكبير» (1/275): «ظن الإتيان بالسنن معتبر بخلاف ظن الإتيان بالفرائض فإنه لا يكفي في الخروج من العهدة، بل لابد من الجبر، والسجود». يقصد أنه لا عمل بالظن عند التردد، بل لا بد من اليقين.
تفرد بهذا الحديث عيسى بن ميمون، وهو ضعيف جدًّا.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة بهذا اللفظ إلا عيسى بن ميمون، تفرد به حاتم.
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/153): رواه الطبراني في «الأوسط» هكذا، وفيه عيسى بن ميمون، واختلف في الاحتجاج به، وضعفه الأكثر.
قال النسائي: ليس بثقة.
وقال البخاري: منكر الحديث، وفي رواية: ذاهب الحديث، وفي ثالثة: ضعيف. انظر «حاشية تهذيب الكمال» لـالمزي (23/51).
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه أحد عليه.
وقال ابن معين ليس حديثه بشيء، قال الذهبي: فأما عيسى بن ميمون المكي الذي روى عنه أبو عاصم التفسير، قال فيه ابن معين: ليس به بأس. انظر: «تاريخ الإسلام» (4/472، 473) ففرق يحيى بين عيسى بن ميمون المدني ويقال له: الواسطي المتروك وبين المكي الصدوق.
وقال ابن حبان: يروي عن الثقات أشياء كأنها موضوعات.
رواه مسلم (93-572) من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فقلنا: يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسًا، قال: إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون، ثم سجد سجدتي السهو.
فالحديث اشتمل على سنة فعلية: وهي السجود للسهو بسبب الزيادة.
وكون السجود وقع بعد السلام فهذا لكونه لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام، ولم يذكر التحري، وجزم بأنه صلى خمسًا بلا تردد.
ورواه علقمة بن قيس النخعي، عن ابن مسعود، واختلف على علقمة:
فرواه عنه إبراهيم بن سويد النخعي، فلم يذكر فيه الأمر بجعل السجود بعد السلام، ولا ذكر التحري، وجزم بأنه صلى خمسًا على نحو رواية الأسود بن يزيد عن ابن مسعود.
رواه مسلم (572) حدثنا ابن نمير (محمد بن عبد الله) حدثنا ابن إدريس ح.
وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، واللفظ له كلاهما عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن سويد، عن علقمة .. وذكر فيه سهو علقمة، ثم قال: قال عبد الله: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال: لا، قالوا: فإنك قد صليت خمسًا، فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون.
وزاد ابن نمير في حديثه: فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين.
فالحديث اشتمل على سنة فعلية، وهو السجود للسهو بسبب الزيادة، وقد وقع سجوده بعد السلام ضرورة؛ لكونه لم يعلم إلا بعد السلام.
واشتمل على سنة قولية، وهو الأمر بالسجود سجدتين، تفرد بها ابن نمير عن ابن إدريس، ورواه جماعة عن ابن إدريس فلم يذكروا في الحديث الأمر بالسجود، منهم الإمام أحمد والشافعي والإمام إسحاق بن راهويه، وأبو خيثمة زهير بن حرب، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، كلهم رووه عن ابن إدريس وليس فيه الأمر بالسجود، وأشار مسلم إلى تعليلها بتفرد ابن نمير، ورواية الجماعة عن ابن إدريس موافقة لرواية جرير ومفضل، وزائدة بن قدامة، عن الحسن ابن عبيد الله به، وليس فيه الأمر بالسجود، وسيأتي تخريج هذه الطرق إن شاء الله تعالى عند التعرض للتفصيل، ولو سلمنا أن الأمر بالسجود محفوظ من رواية إبراهيم بن سويد، فلم يقيد ذلك بكونه بعد السلام.
ورواه إبراهيم بن يزيد النخعي، عن علقمة، واختلف عليه في ثلاثة أمور:
الأول: الأمر بالتحري إذا شك.
والثاني: والأمر بجعل السجود بعد السلام في سنة قولية.
والثالث: التردد: أزاد النبي ﷺ في صلاته أم نقص؟
فرواه عنه الحكم بن عتيبة، والأعمش، ومغيرة بن مقسم، فلم يذكروا فيه الأمر بجعل السجود بعد السلام، ولا التحري عند الشك.
اقتصر فيه الحكم بن عتيبة، والمغيرة على السنة الفعلية، وجزما بأنه صلى خمسًا بلا شك، وهو الصحيح الذي لا شك فيه.
ورواه الأعمش عن إبراهيم، ونسب الشك إلى إبراهيم: (أزاد أم نقص).
واشتمل حديث الأعمش على الأمر بالسجدتين من السنة القولية، إلا أنه لم يقيد ذلك بكونهما بعد السلام، ولا نزاع في مشروعية السجود للسهو، وإنما الخلاف في موضعه، فـمنصور يرويه بأنه يسلم، ثم يسجد، بخلاف رواية الجماعة.
ورواه منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، وذكر الشك في الصلاة، أزاد أم نقص على اضطراب في الشاك، أهو منصور، أم إبراهيم، وهل الشك حصل من إبراهيم نفسه، أو شك في نسبة الشك أحصل من علقمة، أم من عبد الله، وتفرد منصور بذكر التحري، كما تفرد بذكر الأمر بالسجود بعد السلام من السنة القولية.
قال البيهقي في «السنن» (2/474): «رواه جماعة عن إبراهيم، منهم الحكم بن عتيبة، وسليمان ابن مهران الأعمش، فلم يذكروا هذه اللفظة -يعني التسليم- ولا كلمة التحري، ورواه إبراهيم بن سويد النخعي، عن علقمة، فلم يذكرهما، وهو غير إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه … ورواه الأسود بن يزيد عن ابن مسعود، فوافق إبراهيم بن سويد، عن علقمة في أنه صلى خمسًا ولم يذكر اللفظتين – يعني التحري والتسلم- والله أعلم».
يشير البيهقي إلى تفرد منصور بذكر التحري والأمر بالتسليم بعد السجود.
وقد يقال: منصور مقدم على الحكم والأعمش في إبراهيم، ولهذا خرج الشيخان البخاري ومسلم رواية منصور.
وقد يقال: هذا لو كان الخلاف محصورًا في إبراهيم النخعي، قُدِم منصور في أصحاب إبراهيم، أما وقد رواه إبراهيم بن سويد عن علقمة بما يوفق رواية الحكم والأعمش والمغيرة، عن إبراهيم، كما رواه الأسود بن يزيد عن علقمة كذلك، فهذه ترجح رواية الحكم والأعمش والمغيرة من خارج رواية إبراهيم بن يزيد النخعي، فاحتمال الخطأ من الواحد أكثر من توهيم خمسة من الثقات.
لا سيما أن منصور بن المعتمر قد أشعر بعدم ضبطه في شكه أزاد أم نقص:
ففي رواية عثمان بن أبي شيبة كما في صحيح البخاري (401)، عن جرير، عن منصور جعل منصور التردد من إبراهيم نفسه، (قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص).
ويؤيد ذلك رواية الأعمش، عن إبراهيم كما في «المسند»، (1/424) (صلى بنا رسول الله ﷺ فإمَّا زاد وإما نقص، قال إبراهيم: وإنما جاء نسيان ذلك من قبلي).
وفي رواية الحميدي كما في «مستخرج أبي عوانة» (1767)، عن جرير عن منصور (صلى رسول الله ﷺ صلاة، فلا أدري أزاد أم نقص -شك منصور- … الحديث. فجزم الحميدي أن الشك وقع من منصور.
وفي رواية شعبة، عن منصور، لم يجعل التردد من إبراهيم وإنما التردد في سماعه ذلك من شيخه علقمة أحصل ذلك التردد منه أم حصل من عبد الله، وليس من قبل إبراهيم نفسه، قال منصور (إبراهيم القائل: لا يدري، علقمة قال: زاد أو نقص، أو عبد الله).
وفي رواية عبد العزيز بن عبد الصمد وزائدة بن قدامة وشيبان ينسب منصور التردد إلى نفسه، (قال: منصور: لا أدري إبراهيم وهم أم علقمة).
وهذه رواية عبد العزيز بن عبد الصمد، عن منصور في صحيح البخاري.
وفي رواية زائدة بن قدامة عن منصور (فأما الناسي لذلك فإبراهيم عن علقمة، أو علقمة عن عبد الله)، وهذا ظاهر أن التردد حصل من منصور.
وفي رواية شيبان، عن منصور كما في «التاريخ الكبير» (3/95)، قال منصور: (لا أدري إبراهيم نسي أو علقمة). وقد رجح ذلك الحميدي في روايته عن جرير، عن منصور كما سبق.
ولا شك أن الراجح رواية من قال: إنه زاد خمسًا بلا شك، كما هي رواية الحكم والمغيرة عن إبراهيم ابن يزيد، عن علقمة، ورواية إبراهيم بن سويد، عن علقمة، ورواية الأسود بن يزيد، عن عبد الله.
قال ابن رجب في «شرح البخاري» (9/392، 393): «وقد اتفقت الروايات عن إبراهيم في هذا الحديث أن النبي ﷺ لما ذكر بسهوه لم يزد أن سجد سجدتين، وهذا يدل على أنه كان سهوه بزيادة، لا بنقص، فإنه لو كان سهوه بنقص لأتى بما نقص من صلاته، ثم سجد، فلما اقتصر على سجدتي السهو دل على أن صلاته كانت قد تمت، وأن السهو كان في الزيادة فيها».
وتخريج الشيخين يفيد تصحيحهما لرواية منصور.
وقال الإمام أحمد فيما حكى الأثرم عنه نقلًا من «التمهيد» لـابن عبد البر (3/458): «حديث التحري ليس يرويه إلا منصور». إشارة إلى علته بالتفرد.
وجاء في «مسائل أبي داود» (370): قلت لـأحمد: حديث عبد الله: أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا؟
قال: النبي ﷺ: لم يذكر إلا بعد ما سلم وتكلم.
قلت لـأحمد: فإذا صلى خمسًا، وذكر في التشهد، يسجد قبل السلام؟
قال: نعم. اهـ
فلو كان الإمام أحمد يرى زيادة منصور بالأمر بالسجود بعد السلام لم يخالفه، وفيه رواية عن أحمد العمل بغلبة الظن، والسجود بعد السلام، وفيه قول ثالث: إن كان منفردًا أخذ بالأقل، وإن كان إمامًا عمل بغلبة ظنه.
وقال مالك والشافعي: إذا شك يبني على اليقين، ولا يجزئه التحري، وروي مثل ذلك عن الثوري، وبه قال داود والطبري، وحجتهم في ذلك حديث أبي سعيد الخدري. انظر «التمهيد» (5/35)، فهؤلاء ثلاثة أئمة: أحمد ومالك والشافعي لم يعملوا برواية منصور، وكلام الإمام أحمد صريح بإعلال رواية منصور بالتفرد، وأن السجود بعد السلام في حديث ابن مسعود وقع ضرورة؛ لكونه لم يعلم به إلا بعد السلام، وليس للأمر به كما هي رواية منصور.
وقال ابن عبد البر (5/37): «وحديث ابن مسعود عندي ليس مما يعارض به شيء من الآثار التي ذكرناها في هذا الباب، وقد قال أحمد بن حنبل فيما حكى الأثرم عنه: حديث التحري ليس يرويه إلا منصور».
فظاهر حديث أبي سعيد الخدري يعارض حديث منصور في الشك، فهو يأمر من شك في صلاته بالأخذ باليقين، وبالسجود قبل السلام، وظاهره مطلقًا حصل عنده تحرٍ أم لا.
ولوكان الحديث محفوظًا لأمكن الجمع بينهما بحيث يحمل حديث أبي سعيد على الشك إذا لم يكن معه غلبة ظن، وحديث ابن مسعود على الشك إذا كان معه ترجيح.
وبعض العلماء يفسر التحري بالبناء على اليقين مفسرًا قوله: (فليتحر الصواب) أي يقصد الصواب، ويقال: تحرى الأمر: قصده وتوخاه. جاء في «تاج العروس» (37/420): هو قصد الأولى والأحق. اهـ
ولما كان الأمر ليس بمطلق التحري، وإنما الأمر بتحري الصواب، أي الذي لا شك فيه، وهو المتيقن، وهو الذي يقطع فيه المصلي بأنه هو الصواب الذي خلص من الشك، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴾. أي قصدوه، والله أعلم.
وسوف تأتينا هذه المسألة إن شاء الله تعالى في بحث مستقل، والله أعلم.
إذا عرفت هذا من حيث الإجمال نأتي لتفصيل ذلك.
• الطريق الأول: علقمة، عن ابن مسعود.
رواه عن علقمة، اثنان: إبراهيم بن يزيد النخعي، وإبراهيم بن سويد النخعي.أما رواية إبراهيم بن يزيد النخعي، عن علقمة، فقد رواه جماعة عن إبراهيم، منهم:
• الأول: منصور، عن إبراهيم.
رواه البخاري (401)، ومسلم (89-572) وقد جاء في حديثه زيادة قوله: (… إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.وهي زيادة صريحة من السنة القولية، بأن المصلي إذا شك فإنه يتحرى الصواب، وذكر أنه يسلم، ثم يسجد بعد السلام. والقول له من العموم والانتشار ما ليس للفعل.
وقد رواه جماعة عن إبراهيم، فلم يذكروا فيه التحري، ولم يذكروا فيه السجود بعد السلام، وإنما وقع السجود بعد السلام لتعذره قبله؛ لكون النبي ﷺ لم يعلم بسهوه إلا بعد أن سلم، منهم:
• الثاني: الحكم، عن إبراهيم النخعي.
رواه البخاري (1226)، ومسلم (91-572) من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم.
فلم يذكر التحري، وليس فيه الأمر بالسجود بعد السلام، وأكتفي بالصحيحين.
• الثالث: الأعمش، عن إبراهيم.
رواه عن الأعمش جماعة، منهم:1- علي بن مسهر، عن الأعمش، كما في صحيح مسلم (94-572)، و«سنن ابن ماجه» (1203)، و«مستخرج أبي نعيم» (1263)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/483)، وفيه: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين، وهو جالس، ثم تحول رسول الله ﷺ فسجد سجدتين).
فذكر السنة القولية، ولم يذكر التحري، وذكر السجود، ولم يذكر أنه بعد السلام.
2- عبد الله بن نمير، عن الأعمش، كما في «مسند أحمد» (1/424)، و«سنن أبي داود» (1031)، و«صحيح ابن خزيمة» (1055)، و«مستخرج أبي نعيم» (1263)، و«مسند الشاشي» (306)، رواه أحمد عن ابن نمير بتمامه، ولفظه: (صلى بنا رسول الله ﷺ فإما زاد أو نقص -قال إبراهيم: وإنما جاء من قَِبلي- فقلنا: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك، قلنا: صليت قبل كذا وكذا، قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين، ثم تحول فسجد سجدتين).
3- أبو معاوية، عن الأعمش.
رواه أحمد (1/456)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (1263).
وهناد ومحمود بن غيلان كما في «سنن الترمذي» (393)،
وإسحاق بن إبراهيم كما في حديث السراج برواية الشحامي (1966)، أربعتهم، رووه عن أبي معاوية به، ولفظه: أن رسول الله ﷺ سها في الصلاة، فسجد سجدتي السهو بعد الكلام. ولم يذكر السلام.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة وأبوكريب كما في صحيح مسلم (95-572).
وهاشم بن زياد، ويوسف بن موسى كما في «صحيح ابن خزيمة» (1059)،
ومحمد بن عبد الله بن نمير كما في صحيح مسلم (95-572)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/482)، خمستهم (ابن أبي شيبة، وأبو كريب، وهاشم، ويوسف وابن نمير) رووه عن أبي معاوية به، بلفظ: (أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام).
(4): حفص بن غياث، عن الأعمش، كما في صحيح مسلم (95-572)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (4474)، ، و«المجتبى من سنن النسائي» (1329)، وفي «الكبرى» (599، 1253)، و«صحيح ابن خزيمة» (1058)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/482)، و«مستخرج أبي نعيم» (1263)، بلفظ: (سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام).
وهذه متابعة لرواية أبي معاوية عن الأعمش، وأبو معاوية من أثبت أصحاب الأعمش..
ولفظ النسائي: (أن النبي ﷺ سلم، ثم تكلم، ثم سجد سجدتي السهو).
(5): زائدة، عن الأعمش، كما في صحيح مسلم (96-572)، و«مستخرج أبي عوانة» (1944)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (10/27)ح 9832، و«مستخرج أبي نعيم» (1263)، وفيه: (فقلنا: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ فقال: لا. فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين، ثم سجد سجدتين).
ولم يذكر التحري، ولا كون السجود بعد التسليم.
هذا ما يتعلق برواية الأعمش، عن إبراهيم.
• الرابع: المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم.
رواه أبو القاسم البغوي في «الجعديات» (886)، والبزار في مسنده (1465، 1559)، والنسائي في «المجتبى» (1255)، وفي «الكبرى» (582، 1179)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ت بشار (12/379)، من طريق النضر بن شميل، أخبرنا شعبة، عن الحكم والمغيرة، عن إبراهيم به، بلفظ: (عن النبي ﷺ أنه صلى بهم الظهر خمسًا، فقالوا: إنك صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم، وهو جالس).ورواه ابن خزيمة (1056) من طريق محمد بن بكر، أخبرنا شعبة، عن مغيرة وحده به.
قال البزار كما في «البحر الزخار» (5/7): «هذا الحديث عن المغيرة لا نعلم رواه إلا شعبة، ولا نعلم رواه عن شعبة إلا النضر ومحمد بن بكر …».
فرواية المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم، فيها الجزم بأن النبي ﷺ صلى خمسًا، وحكى السجدتين من السنة الفعلية، ووقوعها بعد السلام باعتبار أنه لا يمكنه غير ذلك لعلمه بالموجب بعد السلام.
وخالف أبو عوانة اليشكري، شعبة، كما في «السنن الكبرى» لـالنسائي (583)، فرواه عن مغيرة، عن إبراهيم، أن النبي ﷺ …. مرسل. والمحفوظ رواية شعبة.
والمغيرة تكلم الإمام أحمد في روايته عن إبراهيم، جاء في «العلل» رواية ابنه عبد الله (218): قال أحمد: «كان صاحب سنة، ذكيًّا حافظًا، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخولة، ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد … ».
والمغيرة ثقة في نفسه، واتهامه بأنه يدلس عن إبراهيم ما لم يسمعه منه، مدفوعة في هذا الطريق لأنه من رواية شعبة، عن المغيرة، وشعبة لا يحمل من شيوخه إلا ما سمعوه.
والعنعنة لا تعني التدليس فقد أخرج الشيخان حديث إبراهيم من رواية المغيرة في صحيحيهما، وهي في صحيح مسلم أكثر منها في البخاري، وبعضها معنعن.
وعلة التدليس لا يعل بها الحديث حتى تثبت، بحيث يكشف جمع الطرق عن وجود واسطة بين إبراهيم والمغيرة، أو يصرح الراوي بأنه لم يسمعه من شيخه، أو يصرح إمام من الأئمة بأنه لم يسمعه منه، فإذا لم يوجد كل ذلك فلا يمكن إعلاله، كيف إذا كان المتن مستقيمًا، وقد توبع على لفظه بالصحيحين، تابعه الحكم بن عتيبة عن إبراهيم بحروفه، ويكفي في دفع هذه العلة كونه من رواية شعبة، عن المغيرة.
ونفى أبو داود عنه التدليس، قال أبو عبيد الآجري في سؤالاته (166): سمع مغيرة من مجاهد، قال: نعم …. ومغيرة لا يدلس، سمع مغيرة من إبراهيم مائة وثمانين حديثًا … وقال علي -يعني ابن المديني-: وفي كتاب جرير عن مغيرة، عن إبراهيم مائة سماع … أدخل مغيرة بينه وبين إبراهيم قريبًا من عشرين رجلًا، وأدخل منصور بينه وبين إبراهيم عشرة رجال».
يقصد أنه لو كان يدلس أحاديث المغيرة لم يفعل ذلك.
وقال علي بن المديني كما في «المعرفة والتاريخ» (3/14): «… ومغيرة كان أعلم الناس بإبراهيم ما سمعه منه، وما لم يسمع، لم يكن أحد أعلم به منه حمل عنه، وعن أصحابه».
وهذا العدد من أبي داود يدل على تتبع لأحاديث المغيرة، وهو لم يتهم بالتدليس في غير روايته عن إبراهيم.
ورواه مندل بن علي كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (10/28) ح 9837، و«مسند الشاشي» (311)، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله موصولًا، ولم يقم لفظه، وتفرد بذكر ذي اليدين في القصة، ومندل رجل متروك.
ورواه عن إبراهيم -غير منصور والأعمش والحكم ومغيرة– أبو حصين الأسدي عثمان ابن عاصم، وحصين بن عبد الرحمن السلمي، وطلحة بن مصرف، وحماد بن أبي سليمان وحبيب بن حسان، إلا أنه لا يصح منها شيء، لهذا اقتصرت على الطرق الصحيحة طلبًا للاختصار، والله أعلم.
• الطريق الثاني: رواية إبراهيم بن سويد النخعي، عن علقمة.
فرواها جرير بن عبد الحميد كما في صحيح مسلم (92-572)، و«سنن أبي داود» (1022)، و«مسند البزار» («البحر الزخار») (1617)، (1941)، و«مسند أبي عوانة» في مستخرجه (1/519)، و«صحيح ابن خزيمة» (1061)، و«مسائل حرب الكرماني» ت الغامدي (445)،و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/482)،
ومفضل بن مهلهل كما في «المجتبى من سنن النسائي» (1256)، وفي «الكبرى» (1180)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (10/30) ح 9846.
وزائدة بن قدامة كما في «مستخرج أبي عوانة» (1940)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (10/30) ح 9845، ثلاثتهم (جرير، ومفضل، وزائدة) رووه عن الحسن بن عبيد الله.
ورواه أحمد (1/438)، وابن حبان (2661) عن محمد بن جعفر،
والطبراني في «الكبير» (10/31) ح 9847، من طريق مسلم بن إبراهيم، كلاهما (محمد بن جعفر، ومسلم بن إبراهيم) عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، كلاهما (الحسن بن عبيد الله، وسلمة بن كهيل) روياه عن إبراهيم بن سويد، عن علقمة به.
وقد اتفق سلمة بن كهيل والحسن بن عبيد الله من رواية جرير، وزائدة، ومفضل عنه، على أنه صلى خمسًا بلا شك، وذكر السجدتين من السنة الفعلية، وليس في روايتهما الأمر بالسجدتين.
ورواه ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، واختلف على ابن إدريس:
فرواه محمد بن عبد الله بن نمير كما في صحيح مسلم (92-572)، عن ابن إدريس فذكر فيه الأمر بالسجدتين، ولم يقيد ذلك بكونه بعد السلام.
وخالف محمدَ بن عبد الله بن نمير كلٌ من:
الإمام أحمد كما في «المسند أحمد» (1/448)،
والإمام الشافعي كما في «الأم» (7/194).
والإمام إسحاق بن راهويه كما في «السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/482).
وأبي خيثمة زهير بن حرب، كما في «مسند أبي يعلى» (5252)، و«مستخرج أبي عوانة» (1941)، و«مستخرج أبي نعيم» (1261).
ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، كما في «المنتقى» لـابن الجارود (246).
خمستهم (أحمد والشافعي وإسحاق، وأبو خيثمة ويعقوب)، كلهم رووه عن ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله كرواية الجماعة، عن الحسن، وليس فيه الأمر بالسجدتين، وهو المحفوظ.
ورواه سفيان الثوري، واختلف عليه:
فرواه عبد الرزاق كما في «المصنف» (3455)، ومن طريقه أبو عوانة في مستخرجه (1939).
وعبد الله بن المبارك، كما في «المجتبى من سنن النسائي» (1258)، وفي «الكبرى» (1182)،
ويحيى بن آدم، كما في «الرابع من الإغراب» لـالنسائي (40)، ثلاثتهم رووه عن سفيان الثوري، عن الحسن ابن عبيد الله، عن إبراهيم، عن علقمة أنه صلى خمسًا، فلما سلم، قال إبراهيم بن سويد: يا أبا شبل صليت خمسًا، فقال: أكذلك يا أعور؟ فسجد سجدتي السهو، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ. فأرسله.
خالفهم محمد بن يوسف الفريابي كما في «مستخرج أبي عوانة» (1937)،
وقبيصة بن عقبة، كما في «مستخرج أبي عوانة» (1938)، و«مسند البزار» (1618)، كلاهما روياه عن سفيان، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن سويد، عن علقمة، عن عبد الله به مرفوعًا، فوصله.
والرواية الموصولة أرجح من وجهين:
أنها رواية الجماعة عن الحسن بن عبيد الله، والثاني: أنه قد توبع على وصلها، تابعه سلمة بن كهيل، والله أعلم.
• الطريق الثالث: رواية الأسود، عن عبد الله بن مسعود.
فرواه أبو بكر النهشلي (عبد الله بن معاوية بن قطاف) كما في صحيح مسلم (93-572)، و«المجتبى من سنن النسائي» (1259)، وفي «الكبرى» (584، 1183)، و«مستخرج أبي عوانة» (1942)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (10/31) ح 9852، و«مستخرج أبي نعيم» (1262).ومحمد بن مرة كما في «التاريخ الكبير» لـالبخاري (742)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (10/31) ح 9851.
وأبو خالد الدالاني كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (10/32) ح 9853، ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فقلنا: يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسًا، قال: إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، ثم سجد سجدتي السهو.
فليس في الحديث الأمر بالسجود، ولا في موضعه، ولا الأمر بالتحري. والله أعلم.
العلة الأولى: في إسناده عبد الله بن مسافع، فيه جهالة، لم يذكر بجرح ولا تعديل، سكت عليه البخاري في «التاريخ الكبير» (674)، وليس له من الرواية إلا هذا الحديث، وحديث آخر في مسند الإمام أحمد.
العلة الثانية: في إسناده مصعب بن شيبة، تكلم فيه غير واحد، وقد وثقه ابن معين،
وقال النسائي: مصعب منكر الحديث.
وقال أحمد: روى أحاديث مناكير.
وقال أبو حاتم: لا يحمدونه وليس بقوي.
وقال الدارقطني: ليس بالقوي، ولا بالحافظ.
وقد أخرج له مسلم ثلاثة أحاديث، أحدها: في اغتسال المرأة إذا احتلمت، والحديث قد توبع عليه، وأصله في الصحيحين.
وحديث عائشة قالت: خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مِرطٌ مُرحَّل من شعر أسود (2081 و 2424)، وقد روي ما يشهد لصحة معناه.
والثالث: حديث عائشة: عشر من الفطرة، وهذا الحديث شاذ، والمعروف أنه من قول طلق ابن حبيب غير مرفوع، وقد ضعفه الإمام أحمد والنسائي والدارقطني والعقيلي.
هذا كل ما له في مسلم.
وقد تجنب مسلم إخراج حديث الباب.
العلة الثالثة: مخالفته لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في مسلم (88-571)، حيث أمره إذا شك أن يطرح الشك، ويسجد قبل السلام.
قال البيهقي: «هذا الإسناد لا بأس به، إلا أن حديث أبي سعيد الخدري أصح إسنادًا منه … ».
وانتقد ابن التركماني في «الجوهر النقي» (2/337) قول البيهقي: (هذا الإسناد لا بأس به).
العلة الرابعة: الاختلاف على ابن جريج في إسناده، فرواه حجاج بن محمد وروح بن عبادة، عنه، عن عبد الله بن مسافع، عن مصعب بن شيبة، عن عقبة، وقيل: عن عتبة بن محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر، بذكر مصعب بن شيبة بين ابن مسافع وعقبة.
ورواه عبد الله بن المبارك، والوليد بن مسلم، ومخلد بن يزيد الحراني، حيث رووه عن ابن جريج، عن عبد الله بن مسافع، عن عقبة بن محمد بن الحارث به. بإسقاط مصعب بن شيبة.
كما اختلف أصحاب ابن جريج، في تسمية عتبة بن محمد بن الحارث.
فسماه: روح: عقبة بن محمد بن الحارث، وكذلك قال عبد الله بن المبارك، والوليد بن مسلم، ومخلد بن يزيد، ولم يختلف عليهم في تسميته (عقبة).
ووافقهم حجاج بن محمد في رواية.
ورواه حجاج بن محمد في رواية أخرى عن ابن جريج، فقال: عتبة بن محمد.
ورجح الإمام أحمد أنه عتبة بن محمد، قال أحمد كما في «تحفة الأشراف» (19/322): أخطأ فيه روح إنما هو عتبة، كذا حدثناه عبد الرزاق. وانظر: «تهذيب الكمال» (19/322).
وكذلك رجح ابن خزيمة أنه عقبة. وإذا كان الراجح فيه عتبة، قال النسائي: ليس بمعروف، ويقال عقبة، انظر «تحفة الأشراف» (4/303).
وذكره ابن حبان في الثقات.
كما أن فيه اختلافًا في لفظه، فروي بلفظ: فليسجد سجدتين بعد ما يسلم، وفي رواية: فليسجد سجدتين، وهو جالس، ولم يذكر السلام، وظاهره أنه قبل السلام.
هذا هو الاختلاف على ابن جريج في إسناده ولفظه في الجملة، وإليك تفصيله.
رواه حجاج بن محمد، واختلف عليه:
فرواه الإمام أحمد كما في «المسند» (1/205)، ومن طريقه الضياء في «الأحاديث المختارة» (9/184)، وابن الجوزي في «التحقيق» (607)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (33/44)، والمزي في «تهذيب الكمال» (16/120).
ويحيى بن معين كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (19/162) ح 14791، ومن طريقه الضياء في «الأحاديث المختارة» (9/183).
ومحمد بن الفرج الأزرق كما في «التدوين في أخبار قزوين» (4/9، 10)، ثلاثتهم عن حجاج ابن محمد، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن مسافع، عن مصعب بن شيبة، عن عقبة بن محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر.
فسمى شيخ مصعب (عقبة بن محمد بن الحارث)، وهو كذلك في «أطراف المسند» (3091).
وقد خالفهم:
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم كما في «المجتبى من سنن النسائي» (1250)، و«معجم الشيوخ» لـالذهبي (1/95).
وهارون بن عبد الله كما في «المجتبى من سنن النسائي» (1251)،
وأحمد بن إبراهيم كما في «سنن أبي داود» (1033)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/475)، ثلاثتهم رووه عن حجاج به، وقالوا عتبة بن محمد بن الحارث، بدلًا من عقبة.
وقرن البيهقي رواية أحمد بن إبراهيم برواية محمد بن الفرج الأزرق، ولعل اللفظ لأحمد بن إبراهيم؛ فقد سبق لنا أن محمد بن الفرج رواه عن حجاج وقال: عقبة.
وقال أحمد في «المسند» (1/205) عقب رواية روح في قوله: (عقبة) قال: وقال حجاج: عتبة بن محمد بن الحارث.
ورواه روح بن عبادة كما في «مسند الإمام أحمد» (1/204، 205)، و«تهذيب الآثار»، الجزء المفقود (78)، و«المجتبى من سنن النسائي» (1251)، وفي «الكبرى» (1175)، و«مسند أبي يعلى» (6792، 6800)، و«صحيح ابن خزيمة» (1033)، و«طبقات المحدثين» لـأبي الشيخ (4/170)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (3/264)، عن ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن مسافع، عن مصعب بن شيبة، عن عقبة بن محمد بن الحارث به.
وهذه موافقة لإحدى روايتي حجاج.
واتفق حجاج وروح على ذكر مصعب بن شيبة في إسناده.
وخالفهم كل من:
عبد الله بن المبارك كما في «مسند أحمد» (1/205)، و«المجتبى من سنن النسائي» (1248)،
وفي «الكبرى» (597، 1172).
والوليد بن مسلم كما في «المجتبى من سنن النسائي» (1249)،
ومخلد بن يزيد الحراني كما في «مسند أبي يعلى» (6802)، ثلاثتهم رووه عن ابن جريج، قال: حدثني عبد الله بن مسافع، عن عقبة بن محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله ﷺ: من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم.
فأسقطوا مصعب بن شيبة، وقالوا: عقبة بن محمد.
فالظاهر أن ابن جريج لم يضبط اسمه، فكان يسميه مرة عتبة، ومرة عقبة.
والمحفوظ أن عبد الله بن مسافع سمعه من ابن عمه مصعب بن شيبة، انظر «إكمال تهذيب الكمال» (8/195)، و«تذهيب تهذيب الكمال» (5/306)، «تاريخ الإسلام» (2/1129)، والله أعلم.
فرواه عبد الوارث، كما في «شرح معاني الآثار» (1/442)، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس أنه قام في الركعة الثانية، فسبح به القوم، فاستتم أربعًا، ثم سجد سجدتين بعد ما سلم.
وهذا الأثر مخالف للنص المرفوع لو كان محفوظًا، فإن حديث ابن بحينة في الصحيحين لما قام النبي ﷺ من الثانية، سجد بعد السلام.
وقد خالف عبد الوارث خالفه ابن علية كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (4419، 4486)، فرواه عن عبد العزيز بن صهيب، أن أنس بن مالك قعد في الركعة الثالثة، فسبحوا به، فقام، فأتمهن أربعًا، فلما سلم سجد سجدتين، ثم أقبل على القوم بوجهه، فقال: إذا وهمتم فاصنعوا هكذا.
ولا أدري الوهم من عبد الوراث أم من الرواة بعده، فقد رواه الطحاوي حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث.
فشيخ الطحاوي أحمد بن داود البصري المكي، أكثر عنه الطحاوي، وروى عنه الطبراني في معاجمه الثلاثة، والعقيلي وغيرهم، قال ابن يونس: ثقة، وتبعه ابن الجوزي.
وأبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج مقدم في عبد الوارث، حتى قال علي بن المدني: أبو معمر في عبد الوارث أحب إلي من عبد الوارث في رجاله، رواه الأجري في سؤالاته بلغه ذلك عن علي.
فالحمل على شيخ الطحاوي أقرب منه من الحمل على أبي معمر، والله أعلم.
فرواه يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة والحسن، موقوفًا كما في «الأوسط» لـابن المنذر (3/309).
خالفه جعفر بن عون، فرواه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/471): من طريق أحمد بن حازم بن أبي غرزة، أنبأ جعفر، أنبأ سعيد يعني ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس وحده، عن النبي ﷺ قال: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر اثنتين صلى أو ثلاثا فليلق الشك وليبن على اليقين.
ورواية يزيد بن زريع أرجح؛
أولًا: لأنه قديم السماع من سعيد بن أبي عروبة.
الثاني: أن أحمد بن حازم، قد قال الدارقطني في «الأفراد» (4749): «…. يقال: إن أبا عمرو بن أبي غرزة اختلط عليه حديث سهل بن عامر بحديث جعفر بن عون».
الثالث: أن رواية سعيد بن أبي عروبة الموقوفة من رواية ابن زريع عنه قد توبع عليها، بينما رواية سعيد بن أبي عروبة المرفوعة من رواية أحمد بن حازم بن أبي غرزة، عن جعفر بن عون عنه لم يتابعه أحد على رفعها.
فقد رواه حماد بن سلمة البصري كما في «تهذيب الآثار»، الجزء المفقود (54)، فرواه عن قتادة والحسن به موقوفًا.
وتابعه أيضًا يزيد بن إبراهيم كما في «شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/442)، عن قتادة، عن أنس وحده به موقوفًا، والله أعلم.
اختلف فيه على إسماعيل بن أبي خالد،
فرواه زهير كما في «الأوسط» (3/288)،
والثوري كما في «مصنف عبد الرزاق» (3486)،
ويعلى بن عبيد كما في «الأوسط» لـابن المنذر (3/288)،
ووكيع، كما في «مسند أبي يعلى» (760)، أربعتهم رووه عن إسماعيل به، موقوفًا.
وخالفهم أبو معاوية كما في «مسند أحمد بن منيع» نقلًا من «المطالب العالية» (668)، و«مسند أبي يعلى» (759، 785، 794)، و«مسند البزار» (1217)، و«صحيح ابن خزيمة» (1032)، و«مستدرك الحاكم» (1205)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/485)، والمقدسي في «الأحاديث المختارة» (1035)، فرواه عن إسماعيل به مرفوعًا.
قال عمرو بن محمد الناقد كما في «المطالب»: ولم أسمع أحدًا رفعه غير أبي معاوية.
وقال يحيى بن معين كما في «التمهيد» ت بشار (7/65): خطأ، ليس يرفع. اهـ
وقد اختلف فيه على شعبة:
فرواه عبد الرحمن كما في «شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/441)، موقوفًا.
وخالفه بقية بن الوليد، كما في «المعجم الأوسط» لـالطبراني (1413)، فرواه عن شعبة به، مرفوعًا، ورفعه وهم، ورواية عبد الرحمن هي المحفوظة،
فقد رواه أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي كما في «الحجة على أهل المدينة» (1/227)،
ومحمد بن فضيل كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (4493)،
روياه عن بيان أبي بشر به، موقوفًا.
قال الدارقطني في «العلل» (4/379): «… يرويه بيان بن بشر، وإسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، فأما بيان، فرفعه بقية بن الوليد، عن شعبة، عن بيان، عن قيس، عن سعد، عن النبي ﷺ، ووقفه غندر، وغيره عن شعبة.
وأما إسماعيل فرفعه أبو معاوية الضرير عنه وأسنده، ووقفه زائدة، وزهير، وهشيم، والمحاربي، وابن عيينة، وخالد الواسطي، ويحيى القطان، ومروان، وأبو حمزة السكري، وغيرهم، والموقوف هو المحفوظ». اهـ
وقد رواه ابن جريج كما في «مصنف عبد الرزاق» (3492)، ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن المنذر في «الأوسط» (3/237)،
وهمام كما في «مسند أبي يعلى» (2597): قال عطاء: صلى بنا ابن الزبير ذات يوم المغرب فقلت: وحضرت ذلك؟ قال: نعم، فسلم في ركعتين، قال الناس: سبحان الله، سبحان الله، فقام فصلى الثالثة، فلما سلم سجد سجدتي السهو، وسجدهما الناس معه قال: فدخل أصحاب لنا على ابن عباس فذكر له بعضهم ذلك، كأنه يريد أن يعيب بذلك ابن الزبير، فقال ابن عباس: أصاب وأصابوا. وسنده صحيح.
وقد جاء من طرق أخرى عن عطاء إلا أن فيها ضعفًا، وهي صالحة في المتابعات.
فقد رواه أشعث بن سوار كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (4504)، و«المعجم الأوسط» لـالطبراني (5674)، و«المعجم الكبير» (11/199) ح 11484،
ومطر بن طهمان كما في «مسند أحمد» (1/351)،
وعسل بن سفيان كما في «مسند أبي داود الطيالسي» (2780)، و«مسند البزار» (5200)، و«مسند الحارث» كما في «بغية الباحث» (186)، و«خلافيات البيهقي» (2077)، و«السنن الكبرى» له (2/506)، ثلاثتهم عن عطاء به، بنحوه.
فيوسف بن ماهك ينقل أن ابن الزبير قام من اثنتين ولم يجلس، وسجد بعد السلام وظاهره يخالف حديث ابن بحينة.
وعطاء ذكر أنه سلم في ركعتين، والسجود بعد السلام إذا سلم المصلي من ركعتين غير مدفوع، فهو ثابت بالسنة المرفوعة، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة ذي اليدين. فإن كانت القصة متعددة، فذاك، وإلا كان ما نقله عطاء مقدم على ما نقله يوسف بن ماهك، والله أعلم.
ولأنه ولد سنة (47 هـ)، وتوفي أبو هريرة عام (58 هـ)، وقد روي عن الزهري خلافه.
فقد روى ابن المنذر في «الأوسط» (3/308) من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه كان يأمر بسجدتي السهو قبل أن يسلم.
وسوف يأتي تخريجه في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
والأثر منقطع، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أرسل عن جديه الحسن والحسين، وعن جده الأعلى علي بن أبي طالب، انظر: «جامع التحصيل» (700).
أما طريق زياد بن علاقة عن المغيرة: فعلته أنه قد تفرد به المسعودي عن زياد بن علاقة، والراوي عن المسعودي ممن روى عنه بعد اختلاطه، فلا يصح هذا الطريق.
وأما طريق قيس بن أبي حازم عن المغيرة: فرواه إبراهيم بن طهمان، وجابر الجعفي، وقيس بن الربيع عن المغيرة بن شُبَيْلٍ، عن قيس بن أبي حازم.
وطريق ابن طهمان طريق شاذ كما سيتضح لك من خلال التخريج، والشاذ لا يصلح للاعتبار؛ لأنه وهم.
وطريق قيس بن الربيع منكر، والمنكر لا يعتبر به، لأن المعروف فيه أنه يرجع إلى طريق جابر الجعفي، فصارت رواية المغيرة بن شُبَيْلٍ مردها إلى جابر الجعفي، وهو متروك.
وأما طريق الشعبي عن المغيرة: فتفرد به عن الشعبي اثنان:
أحدهما: علي بن مالك الرؤاسي وهو متروك.
والثاني: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ.
وأما طريق ثابت بن عبيد، عن المغيرة: فرواه أبو العميس: عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله ابن مسعود، عن ثابت بن عبيد، عن المغيرة مرفوعًا.
وتابع أبا العميس أبو سعد البقال، عن ثابت بن عبيد، وأبو سعد الأعور متروك، فلا تضيف هذه المتابعة شيئًا.
خالفه مسعر، فرواه عن ثابت بن عبيد، عن المغيرة موقوفًا على المغيرة، وليس فيه أن السجود بعد السلام، وهذا أصح طريق جاء فيه حديث المغيرة، فيكون الأصح في حديث المغيرة أنه موقوف، ولا تعرض فيه لموضع السجود.
إذا عرفت هذا من حيث الإجمال، ننتقل بعد ذلك إلى تفصيل التخريج.
روى حديث المغيرة جماعة منهم:
• الأول: زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة.
رواه يزيد بن هارون، كما في «مسند أحمد» (4/247، 253)، و«سنن أبي داود» (1037)، و«سنن الترمذي» (365)، و«سنن الدارمي» (1542)، و«شرح معاني الآثار» (1/439)، و«سنن البيهقي الكبرى» (2/477).وأبو داود الطيالسي كما في مسنده (730)، ومن طريقه الطبراني في «المعجم الكبير» (20/422) ح 1019، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/439)، كلاهما عن المسعودي به.
وعلته تفرد المسعودي بالحديث عن زياد بن علاقة، والمسعودي قد اختلط، ويزيد بن هارون، والطيالسي ممن روى عنه بعد الاختلاط.
وصححه الترمذي، قال في سننه (2/201): «هذا حديث حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ».
ولو قال الترمذي حديث حسن على اصطلاحه في الحسن بأنه الضعيف إذا روي من غير وجه لكان أقرب، والله أعلم.
• الطريق الثاني: قيس بن أبي حازم، عن المغيرة.
رواه عن قيس المغيرة بن شُبَيْلٍ، ورواه عن المغيرة بن شُبَيْلٍ، جماعة، إبراهيم بن طهمان، وجابر الجعفي، وقيس بن الربيع، وإليك تخريجها.فأما رواية إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شُبَيْلٍ.
فقد رواه إبراهيم بن طهمان، واختلف عليه فيه:
رواه أبو عامر العقدي، رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/440)، قال: حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا أبو عامر (يعني العقدي)، عن إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام من الركعتين قائمًا، فقلنا: سبحان الله! فأومى وقال: سبحان الله! فمضى في صلاته، فلما قضى صلاته وسلم، سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: صلى بنا رسول الله ﷺ، فاستوى قائمًا من جلوسه، فمضى في صلاته، فلما قضى صلاته، سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: إذا صلى أحدكم فقام من الجلوس، فإن لم يستتم قائمًا فليجلس، وليس عليه سجدتان، فإن استوى قائمًا فليمض في صلاته، وليسجد سجدتين وهو جالس.
فقوله: (فلما قضى صلاته) مجمل، يحتمل قضى صلاته بأن سلم منها، ويحتمل (قضى صلاته) أي فرغ من أفعالها وقبل التسليم، والأول هو الأصل.
وهذا الإسناد رجاله ثقات.
خالف محمد بن سابق أبا عامر العقدي، كما في «المعجم الأوسط» (1793)، والحسين بن إسماعيل المحاملي في أماليه (83)، قال: أخبرنا إبراهيم بن طهمان، عن أيوب بن موسى، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم العصر، فقام في الركعتين، ثم لم يجلس حتى قضى صلاته، ثم سجد سجدتين وهو جالس.
هذا هو المحفوظ من رواية ابن طهمان، فإن حديث الزهري، عن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة رواه كبار أصحاب الزهري في الصحيحين وفي غيرهما.
رواه مالك في «الموطأ» (1/96)، ومن طريقه البخاري (1224)، ومسلم (85-570)، وأكتفي بهما.
والليث بن سعد كما في «البخاري» (1230)، ومسلم (86-570).
وشعيب كما في «البخاري» (829)،
وابن أبي ذئب كما في «البخاري» (6670)، كلهم رووه عن الزهري، عن الأعرج به.
ورواه جماعة من أصحاب الزهري خارج الصحيحين، وفي الصحيحين كفاية.
كما رواه جعفر بن ربيعة كما في صحيح البخاري (830).
ويحيى بن سعيد كما في صحيح مسلم (87-570)، كلاهما رواه عن الأعرج به.
وهذه متابعة لـالزهري.
فرواية ابن طهمان الموافقة للجماعة أولى أن تكون محفوظة من الرواية الغريبة، والذي تفرد بها أبو عامر العقدي، وتفرد بها عنه إبراهيم بن مرزوق.
والذي يؤكد أن هذا الطريق وهم أنه لا يعرف لـإبراهيم بن طهمان رواية عن المغيرة بن شبيل إلا ما ورد في هذا الطريق، وقد يكون الوهم من أبي عامر، وقد يكون من إبراهيم بن مرزوق وهو أقرب، ولوكان الحديث محفوظًا من رواية ابن طهمان لما تركه الترمذي وأبو داود وأخرجاه من طريق جابر الجعفي، حتى اعتذر أبو داود في سننه (1036) عن إخراجه من طريق جابر بقوله: وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث، والله أعلم.
وإبراهيم بن طهمان معروف بالرواية عن جابر الجعفي، انظر: «الزيادات على كتاب المزني» (348)، و«أحاديث طاهر بن خالد بن نزار» (7)، و«المعجم الأوسط» (6523)، و«تاريخ أصبهان» (2/170، 219، 276)، و«معرفة الصحابة» لـأبي نعيم (2860)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (1/591)، وفي «معرفة السنن» (4/146)، وغيرها من كتب السنة، فلعله سقط من إسناده جابر الجعفي.
وأما رواية جابر الجعفي، عن المغيرة بن شُبَيْلٍ.
فرواها عن جابر الجعفي كل من الثوري، وشعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وإسرائيل.
فرواية الثوري عن الجعفي:
رواها عبد الرزاق في «المصنف» (3483)، وأحمد (4/253)، وأبو داود (1036)، وابن ماجه (1208)، والطبراني في «الكبير» (20/399) ح 947، وأبو علي الطوسي في مستخرجه (339)، والدارقطني (1418)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/484)، ولفظه: إذا قام أحدكم، فلم يستتم قائمًا، فليجلس، وإذا استتم قائمًا، فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو.
هذا لفظ الإمام أحمد، ولم يبين موضع سجدتي السهو.
ورواية شعبة، عن جابر الجعفي.
رواها أحمد في «المسند» (4/254) حدثنا حجاج، حدثني شعبة، عن جابر الجعفي، عن المغيرة بن شبيل، قال: سمعته يحدث عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، أنه قام في الركعتين فسبح القوم، قال: فَأُرَاهُ فسبح ومضى، ثم سجد سجدتين بعد ما سلم، وقال: هكذا فعلنا مع النبي ﷺ، إنما شك في سبح.
ورواه أبو عامر العقدي كما في «شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/440)، حدثنا شعبة، عن جابر الجعفي، عن قيس بن أبي حازم به، بإسقاط المغيرة بن شبيل، ولم يذكر لفظه، وإنما أحال على لفظ الشعبي، عن المغيرة، وليس في اللفظ المحال عليه بيان موضع السجدتين.
و رواية زيد بن أبي أنيسة، عن الجعفي:
رواها الطبراني في «الأوسط» (1160)، من طريقه عن جابر، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس ابن أبي حازم قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في الركعتين الأوليين، فسبحنا به، فأومأ بيده: أن قوموا، فقمنا، فلما قضى صلاته، سجد سجدتين وهو جالس بعد ما سلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ صنع هكذا، وقال: إن ذكر قبل أن يستتم قائمًا فليجلس، وإن لم يذكر حتى يستتم قائمًا فليمض في صلاته، ثم يسجد سجدتين بعد التسليم.
ورواية إسرائيل عن جابر الجعفي:
رواها الإمام أحمد (4/253)، قال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، قال: أمنا رسول الله ﷺ، في الظهر، أو العصر، فقام، فقلنا: سبحان الله، فقال: سبحان الله، وأشار بيده، يعني، قوموا، فقمنا فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين، ثم قال: إذا ذكر أحدكم قبل أن يستتم قائمًا، فليجلس، وإذا استتم قائمًا، فلا يجلس.
وهذا الطريق في إسناده جابر الجعفي، رافضي متروك.
قال الترمذي كما في «السنن» (2/200): «… وجابر الجعفي قد ضعفه بعض أهل العلم، تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهما، والعمل على هذا عند أهل العلم: على أن الرجل إذا قام في الركعتين مضى في صلاته وسجد سجدتين منهم من رأى قبل التسليم، ومنهم من رأى بعد التسليم، ومن رأى قبل التسليم فحديثه أصح؛ لما روى الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله ابن بحينة».
وأما رواية قيس بن الربيع، عن المغيرة بن شبيل:
فقد رواه قيس واختلف عليه فيه:
فرواه شبابة بن سوار كما في «شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/440)، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين، فسبح الناس خلفه، فأشار إليهم أن قوموا. فلما قضى صلاته سجد سجدتي السهو، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: إذا استتم أحدكم قائما فليصل وليسجد سجدتي السهو، وإن لم يستتم قائمًا فليجلس، ولا سهو عليه.
شبابة ثقة، لكنه قد خولف.
خالفه يحيى بن آدم، وهو أثبت من شبابة، كما في «سنن الدارقطني» (1419)، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن جابر، عن المغيرة بن شبيل به.
فرجع حديث قيس إلى جابر الجعفي.
• الطريق الثالث: عامر الشعبي، عن المغيرة بن شعبة.
تفرد به عن الشعبي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ، وعلي بن مالك الرؤاسي، وهو متروك، كلاهما عن الشعبي.أما رواية ابن أبي ليلى، فقد اختلف عليه فيه:
رواه الثوري كما في «مصنف عبد الرزاق» (3452) وط التأصيل (3567)، و«مسند أحمد» (4/248)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (20/411) ح 987، وابن نصر في فوائده (14)،
وعلي بن هاشم كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (4492)،
وهشيم بن بشير كما في «سنن الترمذي» (364)،
وأبو أسامة حماد بن أسامة كما في «سنن البيهقي» (2/485)، أربعتهم رووه عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، أنه قام في الركعتين الأوليين، فسبحوا به فلم يجلس، فلما قضى صلاته، سجد سجدتين بعد التسليم، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ، هذا لفظ الثوري عند أحمد، والبقية بنحوه.
خالفهم في لفظه: عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
رواه الطبراني في «الكبير» (20/412) ح 988، وفي «الأوسط» له (8124)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/500)، من طريق محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثني أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ تشهد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو.
وذكر التشهد بعد سجود السهو منكر مخالف للأحاديث الصحيحة في الصحيحين وفي غيرهما.
قال الطبراني: لم يروه هذا الحديث إلا ابن أبي ليلى، تفرد به ولده عنه. اهـ
وكأن البيهقي جعل الحمل على محمد بن عبد الرحمن، وليس من قبل ولده، فقال في «السنن» (4/500): وهذا يتفرد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الشعبي، ولا يفرح بما يتفرد به والله أعلم.
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (3/317): الخبر غير ثابت.
وأما رواية علي بن مالك الرؤاسي، فرواها الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/440) من طريق بكر بن بكار، قال: حدثنا علي بن مالك الرؤاسي -من أنفسهم- قال: سمعت عامرًا يحدث، أن المغيرة بن شعبة سها في السجدتين الأوليين، فسبح به، فاستتم قائمًا حتى صلى أربعًا، ثم سجد سجدتي السهو.
وعلي بن مالك العبدي قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. «الجرح والتعديل» (6/203)، «الضعفاء» لـالعقيلي (3/251).
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: هو شيخ ليس بالقوي، وهو عبد الأعلى بن أبي المساور. «الجرح والتعديل» (6/203).
وابن أبي المساور قال عنه الحافظ في «التقريب»: متروك، كذبه ابن معين.
• الطريق الرابع: ثابت بن عبيد، عن المغيرة.
واختلف على ثابت بن عبيد، فروي عنه مرفوعًا وموقوفًا.فرواه أبو العميس، كما في «سنن أبي داود» معلقًا أورده بعد حديث (1037)، ووصله أبو علي ابن السكن كما في «النكت الظراف» (8/471)، بسند صحيح إلى أبي عميس، عن ثابت بن عبيد به مرفوعًا، وذكر السجود بعد السلام.
قال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» (1/296): «وحديث أبي عميس أجود شيء في هذا؛ فإن أبا العميس عتبة بن عبد الله ثقة احتج به الشيخان في صحيحيهما، وثابت بن عبيد ثقة احتج به مسلم».
وتابع أبا العميس أبو سعد البقال، عن ثابت بن عبيد،
رواه محمد بن الحسن المزني كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (20/ 415) ح 998.
ومروان بن معاوية كما في «مسند ابن أبي عمر العدني»، انظر: «إتحاف الخيرة» (1455)، كلاهما قال المزني: حدثنا أبو سعد البقال: وقال مروان: عن أبي سعيد الأعور، عن ثابت، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين، فسبح به القوم، فلم يجلس حتى أتم الصلاة، ثم سجد بعدها سجدتين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل.
هذا لفظ مروان، ولفظ المزني بنحوه، وفيه: (…. فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم، ثم التفت إلى القوم، فقال: لو سبحتم قبل أن أستوي قائمًا جلست، ولكن هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ.
وأبو سعد البقال هو سعيد بن المرزبان الأعور، مختلف فيه، قال البخاري: منكر الحديث.
وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، وفي رواية: ليس بشيء.
وقال عمرو بن علي الفلاس: ضعيف الحديث، متروك الحديث.
وقال الدارقطني: متروك، فهذه المتابعة لا طائل من ورائها.
وقد خالفهما مسعر، فرواه عن ثابت بن عبيد، قال: صليت خلف المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين فلم يجلس، فلما فرغ سجد سجدتين، هكذا رواه مسعر موقوفًا، وهو المعروف.
رواه محمد بن بشر كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (4501)، ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه ابن المنذر (3/288).
وأبو نعيم الفضل بن دكين كما في «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» (633).، كلاهما عن مسعر به.
وليس فيه أنه سجد للسهو بعد السلام.
ومسعر مقدم في الحفظ على أبي العميس عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فروايته هي المحفوظة، والله أعلم.
جاء في «التاريخ الكبير» (3380): سمع معاوية، روى عنه ابنه محمد، يعد في أهل المدينة. اهـ
وانظر: «الجرح والتعديل» (9/235).
وقال البرقاني كما في سؤالاته (466): قلت لـالدارقطني: محمد بن يوسف مولى عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن معاوية؟ قال: محمد ثقة من أهل المدينة، وأبوه لا بأس به، سمع من معاوية. اهـ
وقال المزي كما في «التحفة» (8/451): قرأت بخط النسائي: يوسف ليس بالمشهور.
ونفي الشهرة قد يحمل على قلة الرواية، ولم يتفرد بما ينكر عليه، فالحكم ثابت من حديث ابن بحينة، وهو مجمع على صحته.
وذكره ابن حبان في الثقات، وقول الحافظ في «التقريب»: مقبول، هو أكبر من ذلك بل هو كما قال الدارقطني.
والحديث رواه ابن عجلان، وابن جريج، عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه يوسف، عن معاوية بن سفيان.
أما رواية ابن عجلان: فرواه عنه بكير بن عبد الله بن الأشج، ويحيى بن أيوب الغافقي المصري، وابن لهيعة، وروايتهم صريحة بأن سجدتي السهو قبل السلام.
ويرويه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، بأنه سجد بعد أن أتم الصلاة، وروايته محتملة، وهي محمولة على رواية بكير بن الأشج ومن معه، والمقصود سجد بعد أن أتم أفعال الصلاة، وقبل السلام.
ويرويه سليمان بن بلال، عن ابن عجلان مختصرًا مقتصرًا على المرفوع، وفيه الأمر بالسجدتين إذا سها، ولم يبين موضع السجدتين، وكذلك رواه ابن جريج، عن محمد بن يوسف، والله أعلم.
هذا من حيث الإجمال، فإذا تصورت ذلك فإليك بيانه على وجه التفصيل.
• الأول: الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان.
رواه يونس بن محمد المؤدب كما في «مسند أحمد» (4/100)، ومن طريقه المزي في «تهذيب الكمال» (27/62).وشعيب بن الليث كما في «المجتبى من سنن النسائي» (1260)، وفي «الكبرى» (598، 1184)، كلاهما عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان به، ولفظه: أنه صلى أَمَامَهُمْ فقام في الصلاة وعليه جلوس، فسبح الناس، فتم على قيامه، ثم سجد بنا سجدتين وهو جالس بعد أن أتم الصلاة، ثم قعد على المنبر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من نسي من صلاته شيئًا فليسجد مثل هاتين السجدتين.
وهذا إسناد حسن وقوله: (بعد أن أتم الصلاة) ليس صريحًا في موضع السجود، فيحتمل قوله (بعد أن أتم الصلاة) أتم أفعالها، ويكون سجوده قبل السلام، ويحتمل قوله: (أتمها) أي فرغ منها بالكلية، فيكون السجود بعد السلام. وهذا اللفظ المجمل محمول على اللفظ المبين في الروايات الأخرى.
• الطريق الثاني: بكير بن الأشج، عن محمد بن عجلان.
رواه عمرو بن الحارث، كما في «شرح معاني الآثار» (1/439)، والطبراني في «الكبير» (19/336) ح 774، 776، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/472)، وفي «معرفة السنن» (3/276)، ووقع في إسناد البيهقي (عن العجلان)، وهو خطأ.ومخرمة بن بكير كما في «التاريخ الكبير» لـالبخاري (1/263)، و«سنن الدارقطني» (1407)، كلاهما عن بكير بن الأشج، عن محمد بن عجلان به، ولفظ عمرو بن الحارث ( أن معاوية بن أبي سفيان صلى بهم، فقام، وعليه جلوس، فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع).
ولفظ مخرمة: (أن معاوية صلى بهم، فقام في الركعتين، وعليه الجلوس، فسبح الناس به، فأبى أن يجلس حتى إذا جلس للتسليم سجد سجدتين، وهو جالس، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي).
ورواية عمرو بن الحارث صريحة أن السجدتين قبل السلام
وظاهر رواية مخرمة أنه سجد قبل التسليم؛ لأنه قوله: (حتى إذا جلس للتسليم سجد سجدتين) فجعل السجدتين بعدما جلس للتسليم وليس بعد ما جلس وسلم، فتبين أن رواية مخرمة ليست معارضة لرواية عمرو بن الحارث، كل ما هنالك أنها ليست نصًا في كون السجدتين قبل السلام، وإنما دلالته على قبل السلام من قبيل الظاهر، وتأكد هذا الظاهر بالنص في رواية عمرو بن الحارث، ولو فرض أنها معارضة لقدمت عليها رواية عمرو بن الحارث؛ لأن مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا، وروايته عن أبيه إنما هي من كتاب أبيه وجادة.
ورواية عمرو بن الحارث مبينة للإجمال الواقع في رواية الليث بن سعد، وأن السجود كان قبل السلام، والله أعلم.
• الطريق الثالث: يحيى بن أيوب الغافقي المصري وابن لهيعة، عن ابن عجلان.
رواه الطبراني كما في «المعجم الكبير» (19/336) ح773، من طريق سعيد بن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، وابن لهيعة، قالا: حدثنا ابن عجلان به، ولفظه: أن معاوية بن أبي سفيان صلى بهم، فنسي، فقام وعليه جلوس، فلم يجلس، فلما كان آخر صلاته سجد سجدتين قبل التسليم، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع.وابن أبي مريم ثقة، ويحيى بن أيوب ليس به بأس إذا حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه ربما أخطأ، لكنه هنا لم ينفرد، فقد تابعه جماعة عن ابن عجلان، فالإسناد إلى ابن عجلان من هذا الطريق حسن.
• الطريق الرابع: سليمان بن بلال، عن ابن عجلان.
رواه الطبراني في «الكبير» (19/337) ح 778، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان به، واقتصر من لفظه على المرفوع، ولفظه: أن النبي ﷺ قال: من نسي شيئًا من صلاته فليسجد سجدتين. ولم يبين موضع السجدتين.والإسناد إلى ابن عجلان فيه إسماعيل ابن أبي أويس قدح فيه النسائي وغيره.
وأما رواية ابن جريج، عن محمد بن يوسف:
فقد اختلف فيه على ابن جريج:
فرواه روح بن عبادة كما في «المسند» (4/100)، وابن جرير الطبري في «تهذيب الآثار»، الجزء
المفقود (77)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (19/335) ح 772، قال: حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه، عن معاوية بن سفيان أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من نسي شيئًا من صلاته فليسجد سجدتين، وهو جالس.
واقتصر منه على المرفوع، ولم يذكر سهو معاوية رضي الله عنه.
خالفه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (19/337) ح 777، فرواه عن ابن جريج، حدثني أبو بكر، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عمرو بن عثمان، عن أبيه يوسف، أنه رأى معاوية صلى بالناس، فقام في الثنتين، فسبح الناس، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين قبل السلام، وسجدهما الناس معه، ثم قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من داخله شك في صلاته، فليسجد سجدتين، وهو جالس.
والمعروف رواية روح بن عبادة، وذكر أبي بكر وابن عجلان بين ابن جريج ومحمد بن يوسف وهم، وأبو بكر هذا لا يعرف.
فتبين بهذا التخريج أن الحديث صحيح إلى محمد بن يوسف، لمتابعة ابن جريج لمحمد بن عجلان، والحديث حسن لتفرد يوسف مولى عثمان به عن معاوية، وهو لا بأس به، والله أعلم.
رواه محمد بن إسحاق، واختلف عليه فيه:
فرواه إبراهيم بن سعد كما في «مسند أحمد» (1/190)، و«سنن الترمذي» (398)، و«تهذيب الآثار» لـالطبري، الجزء المفقود (22)، و«مسند أبي يعلى» (839)، وفي «مسند الشاميين» لـالطبراني (3615)، وابن المنذر في «الأوسط» (3/313)، وفي «مسند البزار» (996)، و«مسند الشاشي» (234)، وفي «الأحاديث المختارة» لـالمقدسي (899).
ومحمد بن سلمة الباهلي كما في «سنن ابن ماجه» (1209)، و«مسند الشاميين» لـالطبراني (3614)، و«مستدرك الحاكم» (1213).
وأحمد بن خالد الوهبي كما في «تهذيب الآثار»، الجزء المفقود لـالطبري (21)، و«شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/433)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/469، 478)، وفي «معرفة الآثار» (3/267).
وسلمة بن الفضل كما في «تهذيب الآثار» لـالطبري، الجزء المفقود (19)، أربعتهم رووه عن ابن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس به.
خالف هؤلاء:
عبد الله بن نمير كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (4414)، وفي ت عوامة (4447).
والمحاربي عبد الرحمن بن محمد بن زياد، كما «مسند الشاميين» لـالطبراني (3617)، و«مسند البزار» (994)، وفي «سنن الدارقطني» (1390)، رووه عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، أن رسول الله ﷺ قال: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أو نقص، فإن كان شك في الواحدة والثنتين فليجعلها واحدة، حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين، وهو جالس، قبل أن يسلم، ثم يسلم.
قال محمد: قال لي حسين بن عبد الله: هل أسند لك مكحول الحديث، قال محمد: ما سألته عن ذلك قال: (أي حسين): فإنه ذكره عن كريب، عن ابن عباس، أن عمر وابن عباس تماريا فيه، فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: أنا سمعت من رسول الله ﷺ هذا الحديث.
ورواه إسماعيل بن علية، واختلف عليه فيه:
فرواه الإمام أحمد كما في «المسند» (1/193)،
ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، كما في «تهذيب الآثار» لـالطبري، الجزء المفقود (20)، و«مستخرج الطوسي» (248-381)، كلاهما عن إسماعيل بن علية، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني مكحول، أن رسول الله ﷺ …. فذكره مرسلًا … وفيه: قال محمد بن إسحاق: وقال لي حسين بن عبد الله: هل أسنده لك؟ فقلت: لا، فقال: لكنه حدثني أن كريبًا مولى ابن عباس، حدثه عن ابن عباس، قال: جلست إلى عمر بن الخطاب فقال: يا ابن عباس إذا اشتبه على الرجل في صلاته، فلم يدر أزاد أم نقص؟ قلت: والله يا أمير المؤمنين، ما أدري ما سمعت في ذلك شيئًا، فقال عمر: والله ما أدري، قال: فبينا نحن على ذلك إذ جاء عبد الرحمن بن عوف فقال: ما هذا الذي تذاكران؟ فقال له عمر: ذكرنا الرجل يشك في صلاته كيف يصنع، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا الحديث.
خالفهما مؤمل بن هشام اليشكري، كما في «مسند البزار» (995)، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن محمد بن إسحاق، عن حسين، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي ﷺ، قال: إذا صلى أحدكم فشك في الواحدة أو الثنتين فليجعلها واحدة، وإذا شك في الثنتين والثلاث فليجعلها ثنتين حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم ليسجد سجدتين، ثم يسلم.
فجعل فيه واسطة بين ابن إسحاق ومكحول، ورواه عن ابن علية موصولًا، ولعل الوهم من البزار، فإنه أضعف رجل في الإسناد، فإن المؤمل بن هشام ثقة مكثر عن ابن علية، وهو ختنه.
وخالف الفضلُ بنُ الفضل أبو عبيدة السقطي، في إسناده، كما في «السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/470)، فرواه عن إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن ابن عباس، قال: كنا عند عمر، فتذاكرنا الرجل يسهو في صلاته، فلم يدر كم صلى قال: فقلت: ما سمعت في ذلك شيئًا. قال: فبينا نحن كذلك إذ جاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: فيم أنتم؟ قلنا الرجل يسهو في صلاته، فلا يدري كم صلى، قال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا سها الرجل، فلم يدر اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا فليجعل السهو في الزيادة، وليسجد سجدتين. قال محمد بن إسحاق: فلقيت حسين بن عبد الله فذاكرته في هذا الحديث، فقال لي: هل أسنده؟ قلت: لا، قال: لكن حدثني مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي ﷺ بمثله بهذا الحديث.
فلم يقم إسناده ولا لفظه، فوصله، وأسقط كريبًا من إسناده، والمحفوظ عن ابن علية إرساله، عن مكحول، عن النبي ﷺ، والله أعلم. والفضل بن الفضل فيه لين، والله أعلم.
ورواه عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، والوليد بن رباح، عن أبي هريرة، واقتصرا على قوله: (إذا سمع الشيطان الأذان ولَّى، وله ضراط حتى لا يسمع الصوت*. ولم يذكرا (السهو في الصلاة).
ورواه أبو سلمة عن أبي هريرة، وروايته في الصحيحين وفي غيرهما من أمهات دواوين السنة، وزاد فيه: (فإذا فعل ذلك فليسجد سجدتين).
رواه عن أبي سلمة: الإمام الزهري، ويحيى بن أبي كثير، ومحمد بن عمرو، وسلمة بن صفوان الزرقي.
واتفق يحيى بن أبي كثير، ومحمد بن عمرو، على الأمر بالسجدتين، ولم يذكرا محلهما، أهما قبل السلام أم بعده?.
واختلف على سلمة بن صفوان، فذكر السجود في رواية قبل السلام، وفي أخرى بعد السلام.
ورواه الزهري، واختلف عليه:
فرواه الإمام مالك، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد، وابن عيينة، ومعمر، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وصالح بن كيسان، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث، وشعيب بن أبي حمزة، وعبيد الله بن عمر، وزمعة بن صالح، وغيرهم، كل هؤلاء رووه عن الزهري، عن أبي سلمة به، فلم يذكروا موضع السجدتين، بما يوافق رواية يحيى بن أبي كثير ومن معه عن أبي سلمة.
وخالف هؤلاء ابن إسحاق، وابن أخي الزهري، فروياه عن الزهري، عن أبي سلمة به، بذكر السجدتين قبل السلام، ولا شك أن انفراد هذين دون كبار أصحاب الزهري، يجعل زيادتهما شاذة، وتفردهما وهمًا.
هذا مجمل الخلاف، وإليك تفصيله إن شاء الله تعالى.
• الطريق الأول: أبو سلمة، عن أبي هريرة.
رواه الزهري، عن أبي سلمة، واختلف عليه فيه:فرواه إبراهيم بن سعد كما في «سنن أبي دواد» (1032)، و«تهذيب الآثار»، الجزء المفقود (72).
ويونس بن بكير كما في «سنن ابن ماجه» (1216)،
ويزيد بن هارون كما في في «تهذيب الآثار» لـالطبري ، الجزء المفقود (70)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/479)، ثلاثتهم، عن ابن إسحاق، عن الزهري به، بذكر موضع السجدتين قبل السلام.
وتابع ابنَ إسحاق ابنُ أخي الزهري كما في «سنن أبي داود» (1031)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/478).
وخالفهما كبار أصحاب الزهري حيث رووه عن الزهري بالأمر بالسجدتين، ولم يذكروا موضع السجدتين، وهو المحفوظ من أولئك:
الإمام مالك، كما في «البخاري» (1232)، و«مسلم» (82-389)، وهو في «الموطأ» (1/100)، وأكتفي بالصحيحين.
والليث بن سعد، كما في صحيح «مسلم» (389)، و«سنن الترمذي» (397)، و«مستخرج أبي نعيم» (1246).
وسفيان بن عيينة، كما في صحيح «مسلم» (389)، و«مسند الحميدي» (977)، و«مستخرج أبي علي الطوسي» (247-380)، و«مستخرج أبي نعيم» عليه (1245)، و«مشيخة ابن البخاري» (1058، 1059).
وابن أبي ذئب، كما في «مصنف عبد الرزاق» على إثر (3465)، و«صحيح ابن خزيمة» (1020)، و«مستخرج أبي عوانة» (1901).
ويونس بن يزيد، كما في «مسند أبي يعلى» (5964)، و«تهذيب الآثار» الجزء المفقود (69)، و«صحيح ابن حبان» على إثر حديث (2683)
وابن جريج، كما في «مصنف عبد الرزاق» ط المكتب الإسلامي (3464)، و«مسند أحمد» (2/273)، و«صحيح ابن خزيمة» (1020)،
ومعمر، كما في «مصنف عبد الرزاق» (3465)، و«مسند أحمد» (2/283، 284)، و«تهذيب الآثار» الجزء المفقود (66)، و«الأوسط» لـابن المنذر (3/279).
وصالح بن كيسان، كما في «مستخرج أبي عوانة» (900)،
وعمرو بن الحارث، كما في «شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/431)،
والأوزاعي، كما في «تهذيب الآثار»، الجزء المفقود (62، 63)، و«السنن الكبرى» لـالنسائي (595)، و«مسند أبي العباس السراج» (85)، و«فوائد تمام» (1358).
وشعيب بن أبي حمزة كما في «مستخرج أبي عوانة» (1901)، و«مسند الشاميين» لـالطبراني (3046).
وعبيد الله بن عمر، كما في «المعجم الأوسط» (2236)،
وزمعة بن صالح كما في «شرح معاني الآثار» (1/431).
كل هؤلاء وغيرهم انظر «علل الدارقطني» (8/13) ذكروا الأمر بالسجدتين، ولم يذكروا موضعهما، فتبين بهذا شذوذ ما تفرد به ابن إسحاق وابن أخي الزهري في ذكر السجود قبل السلام، والله أعلم.
وتابع الزهري من رواية الجماعة عنه على عدم ذكر موضع السجدتين: كل من:
يحيى بن أبي كثير، كما في صحيح البخاري (3285)، و«صحيح مسلم» (83-389)، وأكتفي بهما، وليس فيه ذكر موضع السجدتين.
ومحمد بن عمرو بن علقمة، كما في «أحاديث إسماعيل بن جعفر» (151)، و«مسند أحمد» (2/503)، و«تهذيب الآثار» لـالطبري، الجزء المفقود (56)، و«مسند أبي العباس السراج» (87، 88)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (1267)، ومحمد بن عمرو بن علقمة صدوق، إلا أنه متكلم في روايته عن أبي سلمة، إلا أنه لم يتفرد به.
وعمر بن أبي سلمة، على ضعف فيه، كما في «تهذيب الآثار» لـالطبري (71).
ورواه سلمة بن صفوان الزرقي بذكر موضع السجود، إلا أنه قد اختلف عليه فيه:
فرواه ابن إسحاق كما في «سنن ابن ماجه» (1217)، و«تهذيب الآثار» لـالطبري الجزء المفقود (72)، و«سنن الدارقطني» (1404)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/479)، ولفظه: (إذا أذن المؤذن خرج الشيطان من المسجد، وله حُصَاصٌ، فإذا سكت رجع حتى يأتي المرء المسلم في صلاته، فيدخل بينه وبين نفسه حتى لا يدري أزاد أم نقص، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين، وهو جالس قبل أن يسلم، ثم يسلم.
وأشار البيهقي إلى مخالفة ابن إسحاق، فقال في «السنن» (2/479): ورواه هشام الدستوائي والأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة دون هذه الزيادة …». قصده زيادة قوله: (قبل أن يسلم، ثم يسلم).
يشير البيهقي إلى أن يحيى بن أبي كثير مقدم في أبي سلمة على ابن إسحاق، ولم يخالف ابن إسحاق يحيى بن أبي كثير، ولو خالفه وحده لم يقبل منه، فكيف إذا كان قد خالف الإمام الزهري ومحمد بن عمرو أيضًا، وربما يكون دخل على ابن إسحاق روايته عن الزهري والذي حكمت بشذوذها بروايته عن سلمة بن صفوان، فحمل أحد اللفظين على الآخر، وهو لم يضبط ما رواه عن الزهري حتى خالف كبار أصحاب الزهري، فكذلك ما وقع له في هذه الرواية.
خالف فليحُ بن سليمان ابنَ إسحاق كما في «مسند أحمد» (2/483)، فرواه عن سلمة بن صفوان بن سلمة الزرقي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الشيطان إذا سمع النداء ولى وله حصاص، فإذا سكت المؤذن أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه لينسيه صلاته، فإذا شك أحدكم في صلاته فليسلم، ثم ليسجد سجدتين، وهو جالس.
فجعل السجود بعد السلام، وفليح ليس بالقوي، وقد تفرد بذكر السجود بعد السلام، ولو كانت المقارنة بين ابن إسحاق وفليح لكان الحكم لابن إسحاق، لكن عندما نرى رواية أبي سلمة من رواية يحيى بن أبي كثير والإمام الزهري عنه، تخالف رواية سلمة بن صفوان عن أبي سلمة من رواية ابن إسحاق، فالحكم ليحيى بن أبي كثير والزهري بلا تردد، وروايتهما في الصحيحين، والله أعلم.
وقد رواه عن أبي هريرة غير أبي سلمة، إلا أنهم لم يتعرضوا فيه للسجود، كما سيأتي بيانه في الطرق التالية إن شاء الله تعالى.
• الطريق الثاني: الأعرج، عن أبي هريرة.
رواه البخاري (608)، ومسلم (19-389)، وأكتفي فيه بالصحيحين، ولفظه: عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان، وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى.ولم يذكر سجدتي السهو.
• الطريق الثالث: أبو صالح، عن أبي هريرة.
رواه مسلم (16-389)، وأحمد (2/398، 531)، وأبو العباس السراج في مسنده (52)، وفي حديثه أيضًا (179، 180، 468، 469)، وأبو نعيم في مستخرجه (848)، والبيهقي في «السنن» (1/635)، ولفظه: (إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال له ضراط، حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس). ولم يذكر السجدتين.هذا لفظ الأعمش عن أبي صالح، ورواه سهيل عن أبي صالح به وذكر فيه قصة،
رواه مسلم (18-398)، وأبو عوانة في مستخرجه (977)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (7/103)، وفي «شعب الإيمان» (2786)، والبغوي في «شرح السنة» مقتصرًا على المرفوع (2/275)، من طريق روح، عن سهيل به، بلفظ: أرسلني أبي إلى بني حارثة، قال: ومعي غلام لنا أوصاحب لنا، فناداه مناد من حائط باسمه، قال: وأشرف الذي معي على الحائط، فلم ير شيئًا، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتًا، فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى له حصاص.
ورواه خالد بن عبد الله كما في صحيح مسلم (17-389).
وأبو أنس محمد بن أنس، كما في «مستخرج أبي عوانة» (976)، كلاهما عن سهيل به، مختصرًا بلفظ: (قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصاص).
• الطريق الرابع: همام بن منبه، عن أبي هريرة.
رواه مسلم (20-389)، وأحمد (2/313)، وأبو العباس السراج في مسنده (80)، وفي حديثه أيضًا (472، 2562)، وابن حبان (1663)، و«مستخرج أبي نعيم» (853، 855)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (1/634)، ولفظه عند أحمد: (إذا نودي بالصلاة، أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، حتى إذا ثوَّب بها أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، لِما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل إن يدري كيف صلى). ولم يذكر السجدتين ولا محلهما.
ورواه غير هؤلاء عن أبي هريرة، كالعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة،
وأنس بن عياض عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، واقتصرا على هروب الشيطان من الأذان، ولم أتعرض لتخريجهما لعدم ذكر السهو في حديثهما، والله أعلم.
فرواه ابن جرير كما في «الأوسط» لـابن المنذر (3/308)، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة موقوفًا.
وخالفه كل من:
إبراهيم بن سعد كما في «سنن أبي دواد» (1032)، و«تهذيب الآثار»، الجزء المفقود (72).
ويونس بن بكير كما في «سنن ابن ماجه» (1216)،
ويزيد بن هارون كما في «تهذيب الآثار» لـالطبري ، الجزء المفقود (70)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/479)، ثلاثتهم، رووه عن ابن إسحاق، عن الزهري به، بلفظ: أن النبي ﷺ قال: إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته، فيدخل بينه وبين نفسه حتى لا يدري زاد أو نقص، فإذا كان ذلك، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم.
وقد خالفه كبار أصحاب الزهري، منهم الإمام مالك، ومعمر، ويونس، وابن عيينة وشعيب، والليث بن سعد وغيرهم، فقد رووه عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فلم يذكروا موضع السجدتين. وقد سبق تخريج الحديث في أدلة القول الأول، فارجع إليه إن شئت.

بارك الله فيكم وجزاكم خير على هذا البحث الرائع والمفيد وهذا الجهد المبارك في تأصيل وتفصيل هذا المسألة الفقهيّة المهمه وبارك الله في علمكم وعملكم وعمركم ونفع بك الإسلام والمسلمين اللهم امين.
جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم
جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم تفصيل طيب من فقيه مطلع