ما القدر الذي يحصل به إدراك الجماعة؟
📌 المدخل إلى المسألة
قال النووي:
«لا خلاف أنه لا يكون مدركًا للركعة، لكن يجب عليه متابعة الإمام فيما أدرك» [1].
وقال ابن نجيم:
«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، وهو مجمع عليه» [2].
وقال أبو الوليد الباجي:
«لا خلاف بين الأمة أن من أدرك السجدة من صلاة الإمام فإنه لا يعتد بها، وإنما يعتد بها إذا أدرك الركعة»[3].
وروى مالك في «الموطأ»، عن نافع، أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يقول:
إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة[4].
وإذا فاته الركوع في ركعات الصلاة كلها فقد فاتته الركعات بلا خلاف.
وهو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية، والحنابلة، زاد الحنفية: حتى لو أدرك سجود السهو بعد السلام فقد أدرك الجماعة، وهو رواية عن أحمد[5].
وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية[6].
ففرق الجمهور بين فوات الركعة بفوات الركوع، وهذا محل اتفاق، وبين الحكم بإدراك الجماعة.
قال ابن قدامة:
«ومن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة وإلا فلا»[7].
روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»[9].
قوله: «فما أدركتم» اسم شرط عام فيما أدرك من الصلاة، فمن أدرك جزءًا من الصلاة يسمى مدركًا، وبه يدرك فضل الجماعة.
ما هو المقصود من الإدراك في الحديث؟ أهو الإدراك الشرعي أم اللحوق بالشيء: أي الإدراك الحسي؟
إن فسرنا الإدراك بالإدراك الشرعي، وهو الراجح، حيث جعل في مقابل الفوات، «فما أدركتم… وما فاتكم» فإذا فاتك الركوع فقد فاتك بقية الركعة، وإذا فاتتك ركعات الصلاة كلها إلا التشهد فقد فاتتك الصلاة، ومن فاتته الصلاة لم يدرك فضل الجماعة؛ لأنك لم تدرك منها شيئًا، فكل جزء من صلاتك لا تعتد به إذا صليت به مع الإمام فأنت لم تدركه، وبالتالي لا يدخل تحت قوله: «فما أدركتم فصلوا» فالحديث يأمرك بصلاة ما أدركت لا ما فاتك، فدخولك مع الإمام في جزء من الصلاة بعد أن فاتتك ركعات الصلاة كلها لا يعد إدراكًا شرعيًّا، لحديث أبي هريرة في الصحيحين: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».
مفهومه:
أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، والإدراك في العبادات حكم شرعي، لا مدخل له في اللغة، وهو اللحوق بالشيء، فإدراك الحج يكون بإدراك عرفة، فمن فاته عرفة لم يدرك الحج، وإن كان قد بقي من الحج أركان كثيرة، وإدراك الصلاة يكون بإدراك ركعة، فمن أدرك من الصلاة أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، فكذلك قوله: «فما أدركتم فصلوا…» هذا الإدراك لا سبيل في تفسيره تفسيرًا لغويًّا، وقد خصه الشارع بتفسير خاص، وهو إدراك ركعة، والله أعلم.
وإن فسرنا الإدراك في قوله: «فما أدركتم فصلوا» باللحوق بالشيء، وليس بالإدراك الشرعي، وقلنا: إنك مأمور بالدخول مع الإمام في أي جزء من الصلاة وما دخلت فيه مع الإمام فقد أدركته ولو كان هذا الجزء من الصلاة بقدر تكبيرة الإحرام، فلا يجوز أن نرتب على هذا الإدراك اللغوي إدراكًا شرعيًّا بحيث نقول: من أدرك مقدار تكبيرة الإحرام مع الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك الصلاة، ومن أدركها فقد أدرك فضيلة الجماعة مع معارضة هذا للإجماع، أن من فاته الركوع فقد فاتته الركعة، وهذا يصدق على كل ركعات الصلاة ومن أدرك أقل من ركعة من الصلاة فقد فاتته الصلاة، ويجب عليه أن يصلي أربعًا.
قال ابن تيمية:
«قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئًا من الأحكام، لا في الوقت، ولا في الجمعة، ولا الجماعة، ولا غيرها، فهو وصف ملغى في نظر الشارع، فلا يجوز اعتباره… والنبي ﷺ إنما علق الأحكام بإدراك الركعة، فتعليقها بالتكبيرة إلغاء لما اعتبره واعتبار لما ألغاه وكل ذلك فاسد»[10].
فقوله: «فما أدركتم فصلوا» عمومه:
أن كل شيء صليناه مع الإمام فقد أدركناه.
هذا العموم مخصوص بمفهوم حديث: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» فإن مفهومه:
أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة.
وتخصيص العموم بالمفهوم جائز في أحد القولين عند الأصوليين، خاصة إذا كان التخصيص بمفهوم الشرط كما هو في مسألتنا.
وقد احتج الجمهور بتخصيص العموم بمفهوم الصفة وهو أضعف، كما في قوله ﷺ: «في أربعين شاة شاة»[11]
فإن منطوقه: وجوب الزكاة في الغنم سائمة كانت أم معلوفة.
وحديث: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة»[12]
مفهومه:
لا زكاة في المعلوفة، فكان منطوق حديث: «في أربعين شاة شاة» قد خص بمفهوم حديث: «في سائمة الغنم زكاة»، والله أعلم.
ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فَلْيُتمَِّ صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فَلْيُتمَِّ صلاته»[13].
قول الرسول ﷺ: «إذا أدرك أحدكم سجدة» فالسجدة هنا على حقيقتها، أي: مقدار سجدة، وذكر السجدة تنبيهًا على أن الإدراك يحصل بجزء من الصلاة حتى يكون مدركًا لفضل الجماعة بإدراك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام.
ووجه ذلك:
أن الأحاديث مرة تذكر الركعة «من أدرك ركعة»، ومرة «من أدرك سجدة»، فسبرنا أوصافهما، فوجدناهما يجمعان الركنية والفرضية، وأول الفروض تكبيرة الإحرام، فقدرناه بذلك، فمن أدرك من صلاة الإمام مقدار تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام فقد أدرك فضيلة الجماعة، والله تعالى أعلم.
بأن المراد بالسجدة هي الركعة؛ لما يلي:
أولًا: أن البخاري ومسلم قد رويا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة»[14].
ورواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة بلفظ: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر»[15].
ثانيًا: روى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها، والسجدة إنما هي الركعة»[16].
فقوله: «والسجدة إنما هي الركعة» تفسير من الراوي، وهو أعلم بما روى.
ثالثًا: قد ورد في السنة الصريحة إطلاق السجدة على الركعة.
فقد روى البخاري، قال رحمه الله: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وأخرجه مسلم[17].
وروى مسلم من طريق سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل، حدثه، أن أم هانئ حدثته عن رسول الله ﷺ في قصة اغتسال النبي ﷺ عام الفتح وفيه: ثم قام فصلى ثَمَانيَِ سجداتٍ وذلك ضُحًى[18].
والمراد: ثمَاَنيَِ ركعاتٍ… والأمثلة في هذا كثيرة.
قال القرطبي: «أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة»[19].
رابعًا: قال الباجي:
«إنه قد شرط إدراك السجدة، ومن لم يدرك الركعة فلم يدرك السجدة، بدليل أنه لا يعتد بها من صلاته»[20].
فعلم إطلاق السجدة على الركعة في العُرْفِ.
ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، أن سعيد بن الحكم، حدثهم، أخبرنا نافع بن يزيد، حدثني يحيى بن أبي سليمان، عن زيد بن أبي العتاب، وابن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة، فقد أدرك الصلاة»[21].
[ضعيف][22].
ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا إسماعيل بن علية، عن كثير بن شنظير، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: إذا انتهى الرجل إلى القوم وهم قعود في آخر صلاتهم فقد دخل في التضعيف، وإذا انتهى إليهم، وقد سلم الإمام، ولم يتفرقوا فقد دخل في التضعيف.
وقال عطاء: كان يقال إذا خرج من بيته وهو ينويهم فأدركهم أو لم يدركهم فقد دخل في التضعيف.
[موقوف على أبي هريرة، وأرجو أن يكون حسنًا][23].
وروي عن أبي هريرة مرفوعًا، ولا يصح.
فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز ابن محمد، عن محمد بن طحلاء، عن محصن بن علي، عن عوف بن الحارث، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله مثل أجر من صلاها، أو حضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا»[24].
[ضعيف][25].
هذا له أجر الجماعة بالنية، وليس بإدراك الجماعة؛ لأنه حكم له بالتضعيف حتى لو أنه انتهى إلى المصلين وقد سلَّم الإمام، وفرق بين إدراك الشيء حقيقة، وبين احتساب الثواب له بالنية، كما أن هذا مشروط بشرطين:
الأول: أن يكون من عادته الصلاة جماعة.
الثاني: أن يتخلف لعذر، وليس عن تهاون وتفريط.
لما رواه البخاري من طريق العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ: «إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا»[26].
فاشترط الشارع أن يكون العامل معذورًا من مرض أو سفر، وأنه يكون قبل العذر من عادته العمل، وهذا من بركة المحافظة على الطاعة وقت القدرة.
قال ابن تيمية:
«ليس كل معذور يكتب له ما كان يعمل؛ بل إنما يكتب لمن كانت نيته -لولا العذر- أن يعمل، ومن عادته ذلك، فهذا يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح، أما من لم يكن له نية، ولا عادة، كيف يكتب له ما لم يكن من عادته العمل به؟!»[27].
وقال ابن رجب:
«… لو كان المصلي فذًّا له عذر، ولم يكن له عادة بالصلاة في حال عدم العذر جماعة، لم يكتب له سوى صلاة واحدة»[28]. اهـ
وروى الإمام البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: «إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر»[29].
أن الحكم إذا عُلِّقَ بالإدراك، فإن الإدراك يستوي فيه القليل والكثير، كما يجب على المسافر الإتمام إذا اقتدى بمقيم في جزء من الصلاة، فكذلك يدرك فضل الجماعة بإدراك جزء من الصلاة، فالصلاة لا تتجزأ، فإذا أدرك بعضها أدركها كلها.
وجوب الإتمام على المسافر محل خلاف بين الفقهاء، وهو فرع عن الخلاف في هذه المسألة، فلا يحتج على أصل المسألة بما تفرع عنها.
فالإمام مالك:
يرى أن المسافر إذا لم يدرك من صلاة المقيم ركعة، صلى ركعتين؛ وإن أدرك مع المقيم ركعة صلى أربعًا؛ فالإمام طَرَدَ أصلَه، فلا فرق عنده بين إدراك الوقت، وإدراك حكم الجماعة، ووجوب الائتمام على المسافر خلف المقيم، فيشترط للجميع إدراك ركعة، وهو قول الزهري وقتادة والحسن والنخعي.
وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد:
إذا أدرك المسافر من صلاة المقيم جزءًا من صلاته قبل التسليم صلى صلاة مقيم أربعًا، فطردوا أصلهم، واختلافهم في هذه المسألة فرع عن اختلافهم في مسألة الباب.
وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى في موضعها من البحث في فصل مستقل، والله أعلم.
ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا حاجب بن مالك: ثنا عباد بن الوليد الغبري: ثنا صالح بن زريق المعلم: ثنا محمد بن جابر، عن أبان، عن طارق، عن كثير بن شنظير، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة قبل أن يفترقوا، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة».
قال: وكنا نتحدث أن من أدرك القوم قبل أن يفترقوا فقد أدرك فضل الجماعة.
[ضعيف][30].
ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن ابن مسعود أدرك قومًا جلوسًا في آخر صلاتهم، فقال:
«قد أدركت إن شاء الله»[31].
[ضعيف][32].
أولًا: أن هذا مخالف لما ثبت عن ابن مسعود.
فقد روى الطبراني من طريقين عن الثوري. ورواه أيضًا من طريق شعبة، كلاهما عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: «من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة»[33].
[صحيح].
وروى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ، عن ابن مسعود، قال:
«من فاتته الركعة الآخرة فليصل أربعًا»[34].
[صحيح].
فالأثر الأول منطوقه: الصلاة تدرك بإدراك ركعة.
والأثر الثاني: فوات الصلاة بفوات الركعة الأخيرة.
ثانيًا: لو صح فإن المعنى قد أدركت الأجر، وليس الصلاة.
فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن حماد، قال: «إذا أدركهم جلوسًا في آخر الصلاة يوم الجمعة، صلى ركعتين».
قال معمر: قال قتادة: «يصلي أربعًا»، فقيل لـ قتادة: فإن ابن مسعود جاءهم جلوسًا في آخر الصلاة، فقال لأصحابه: «اجلسوا، أدركتم إن شاء الله».
فقال قتادة: «إنما يقول: أدركتم الأجر»[35].
[صحيح][36].
علق الشارع إدراك الصلاة بإدراك ركعة، وعلق إدراك الوقت بإدراك ركعة، فكذلك إدراك فضل الجماعة لا يكون إلا بإدراك ركعة.
فقد روى البخاري ومسلم قد رويا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:
«من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة»[37].
وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر»[38].
• فالحديث الأول: في بيان إدراك الصلاة.
• والحديث الثاني: في بيان إدراك الوقت.
والاحتجاج بهما مأخوذ من المفهوم، فالحديثان لهما منطوق ومفهوم.
فمنطوق الحديث الأول: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».
ومفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة.
ومنطوق الحديث الثاني: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر».
ومفهومه: أن من أدرك من الوقت أقل من ركعة فقد فاته الوقت، والاحتجاج بالمفهوم خاصة مفهوم الشرط عليه أكثر الأصوليين، ولو كان إدراك أقل من ركعة بمنزلة الركعة لم يكن لتخصيص الركعة معنى. وتكبيرة الإحرام لا تسمى ركعة، لا شرعًا، ولا عرفًا، ولا لغة.
قال ابن تيمية:
«قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئًا من الأحكام، لا في الوقت، ولا في الجمعة، ولا الجماعة، ولا غيرها. فهو وصف ملغى في نظر الشارع، فلا يجوز اعتباره… فالنبي ﷺ إنما علق الأحكام بإدراك الركعة، فتعليقها بالتكبيرة إلغاء لما اعتبره، واعتبار لما ألغاه وكل ذلك فاسد»[39].
ما رواه مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، به، بلفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة»[40].
[قوله: (مع الإمام) انفرد بذكرها يونس بن يزيد، على اختلاف عليه في ذكرها، وقد رواه أصحاب الزهري مالك، وعبيد الله بن عمر وغيرهما ولم يذكروها، وهو المحفوظ، وقد أشار مسلم إلى إعلالها][41].
روى ابن أبي شيبة في «المصنف»، حدثنا هشيم، قال أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله: «من أدرك ركعة من الجمعة فليصلِّ إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع فليصلِّ أربعًا».
[صحيح][42].
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى».
[صحيح عن ابن عمر موقوفًا][43].
وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، وسعيد بن المسيب، أنهما قالا: «من أدرك من الجمعة ركعة، فليصلِّ إليها أخرى».
[صحيح][44].
إذا كانت الجمعة لا تدرك إلا بـ ركعة، فالتفريق بين إدراك الجمعة وبين إدراك سائر الصلوات، أو التفريق بين إدراك الجمعة والجماعة غير صحيح، فالكل لا يدرك إلا بـ ركعة.
قال ابن تيمية:
«الجمعة لا تدرك إلا بـ ركعة، كما أفتى به أصحاب رسول الله ﷺ، منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأنس، وغيرهم، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة، والتفريق بين الجمعة والجماعة غير صحيح، ولهذا أبو حنيفة طرد أصله، وسوى بينهما، ولكن الأحاديث الثابتة وآثار الصحابة تبطل ما ذهب إليه»[45].
أن فضل الجماعة لا يدرك إلا بإدراك صلاتها، ولا تدرك الصلاة إلا بإدراك ركعة منها.
جاء في «المبسوط» (2/35): «ومن أدرك الإمام في التشهد في الجمعة، أو في سجدتي السهو فاقتدى به، فقد أدركها، ويصليها ركعتين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى.»
وجاء في «أسنى المطالب» (1/211): «يدرك المسبوق فضل الجماعة بالإحرام قبل السلام من الإمام، وإن لم يقعد معه بأن سلم عقب تحرمه لإدراكه ركنًا معه.»
وجاء في «الإقناع» (1/161): «ومن كبر قبل سلام الإمام التسليمة الأولى أدرك الجماعة، ولو لم يجلس».
وجاء في «الإنصاف» (2/222): «ظاهر كلامه: أنه يدركها بمجرد التكبير قبل سلامه، سواء جلس، أو لم يجلس، وهو صحيح، وهو المذهب. وقال بعض الأصحاب: يدركها بشرط أن يجلس بعد تكبيره، وقبل سلامه. وحمل ابن منجا في «شرحه» كلام المصنف عليه. وظاهر كلام المصنف أيضًا: أنه لا يدركها إذا كبر بعد سلام الإمام من الأولى، وقبل سلامه من الثانية، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب. وقيل: يدركها، وأطلقهما في «الفائق»، وعنه يدركها أيضًا إذا كبر بعد سلامه من الثانية إذا سجد للسهو بعد السلام، وكان تكبيره قبل سجوده». اهـ
وهذا الحديث له علتان ذكرهما البخاري، قال البخاري كما في «القراءة خلف الإمام» (ص: 57): «ويحيى: منكر الحديث، روى عنه أبو سعيد مولى بني هاشم وعبد الله بن رجاء البصري مناكير، ولم يتبين سماعه من زيد، ولا من ابن المقبري، ولا تقوم به الحجة.»
وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (9/155): «ليس بالقوى، مضطرب الحديث يكتب حديثه».
وأعله البيهقي بتفرد يحيى بن أبي سليمان به، وليس بالقوي، انظر: «السنن الكبرى» (2/721)، و«معرفة السنن» (3/9).
وقال ابن عدي: تكتب أحاديثه وإن كان بعضها غير محفوظة.
وللحديث طريق آخر: رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (4592)، وعنه الخطيب في «المتفق والمفترق» (229)، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الأزهر، حدثه عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، قال: «إنما مثل العبد المؤمن حين يصيبه الوعك أو الحمى كمثل حديدة تدخل النار، فيذهب خبثها، ويبقى لهيبها». وقال رسول الله ﷺ: «إذا جئتم الصلاة، ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة».
وفي إسناده عبد الحميد بن عبد الرحمن بن أزهر، لم يصل لنا من حديثه إلا هذا الحديث، تفرد به عن أبيه، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي عن أبيه، وعن جماعة من التابعين، روى عنه أهل المدينة. اهـ ففيه جهالة، وبقية الإسناد كلهم ثقات إلا عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب، وهو صدوق.
زيادة حديث («إذا جئتم الصلاة ونحن سجود») مع حديث الوعك زيادة شاذة، لم ترد إلا بهذا الإسناد.
ورواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (34/185) من طريق محمد بن عبد الله بن إبراهيم البغدادي أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي أخبرنا ابن أبي مريم به. بجمع الحديثين: حديث الوعك، وحديث متابعة السجود، إلا أن هذه المتابعة لا أثر لها؛ لأن محمد بن عبد الله بن إبراهيم البغدادي، قال الدارقطني كما في «الضعفاء والمتروكين» (494): «كذاب دجال يضع الحديث». وقال الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد»، ت بشار (3/456): «حدث أحاديث باطلة، وكان كذابًا يضع الحديث.»
وقد رواه جماعة عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم، بذكر («مثل المؤمن حين يصيبه الوعك»)، ولم يذكروا معه زيادة حديث: («إذا جئتم الصلاة، ونحن سجود»)، والوهم ليس من سعيد بن الحكم، بل الوهم ممن دونه إما من إسماعيل بن عبد الله العبدي سَمُّويَه (وهو ثقة ثبت) أو من تلميذه عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس [وثقه ابن مردويه وعبد الله بن أحمد السوذرجاني، وقال ابن منده: كان شيوخ الدنيا خمسة، وذكر منهم ابن فارس، وقال الذهبي: كان من الثقات العباد، «سير أعلام النبلاء» (15/553)]، وأقرب الرجلين أن يكون الوهم من عبد الله بن جعفر، والله أعلم.
وقد خالفه جماعة ممن رووا حديث إصابة المؤمن بالوعك ولم يذكروا فيه حديث المتابعة بالسجود، منهم: يعقوب بن سفيان، وهو ثقة حافظ، كما في «المعرفة والتاريخ» (1/284، 375)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (3/524). ومحمد بن سهل بن عسكر، وهو ثقة، كما في «المرض والكفارات» لـ ابن أبي الدنيا (42)، و«أمثال الحديث» لـ أبي الشيخ (279). ومحمد بن مسكين بن نميلة، وهو ثقة، كما في «مسند البزار» (3456). ويحيى بن أيوب كما في «معجم الطبراني» نقلًا من «إتحاف المهرة» (13469). ومحمد بن إسحاق الصغاني، وهو ثقة ثبت، كما في «مسند الروياني» (9351)، وعبيد بن عبد الواحد بن شريك البزار، وهو صدوق، كما في «مستدرك الحاكم» (8821)، و«شعب الإيمان» لـ البيهقي (8739)، وأبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، وهو ثقة حافظ، كما في «المستدرك» (4285)، وعبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم كما في «شعب الإيمان» (9378). وأبو الحسن علي بن محمد المصري، وهو ثقة، كما في «شعب الإيمان» لـ البيهقي (8739)، و«الآداب» له (738). وعلي بن داود القنطري، وهو ثقة، كما في «أسد الغابة» لـ ابن الأثير (3/100). ومحمد بن سنجر، وهو صدوق، كما في «التمهيد» لـ ابن عبد البر، ت بشار (15/469)، كلهم رووه عن ابن أبي مريم، عن نافع بن يزيد به، بالاقتصار على الجملة الأولى («مثل المؤمن حين يصيبه الوعك أو الحمى كمثل حديدة تدخل النار، فيذهب خبثها، ويبقى طيبها») وليس فيه ذكر حديث المتابعة بالسجود.
وهذا الحديث لم يروه عن أبي هريرة إلا عوف بن الحارث، وليس له من الرواية عن أبي هريرة إلا هذا الحديث فيما وصل إلينا، وأين أصحاب أبي هريرة عن هذا الحديث، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وأخرج له البخاري في المتابعات، ولم يروه عن عوف بن الحارث إلا محصن بن علي الفهري، وفيه جهالة، لم يذكر توثيقه إلا عن ابن حبان، حيث ذكره في ثقاته، وقال: يروي المراسيل، وقال ابن القطان الفاسي: لا يعرف إلا به -يعني حديث من خرج فوجد الناس قد صلوا- وهو مجهول. اهـ وفي «التقريب»: مستور. اهـ وهو قليل الرواية، لم يصل لنا من حديثه إلا ثلاثة أحاديث، هذا أحدها، وحديث: (ذكر الله في الغافلين كالمقاتل في الفارين) عند الطبراني في «معجميه الأوسط والكبير»، و«مسند البزار»، و«حلية أبي نعيم». والثالث: حديث من دعا ربه فعرف الاستجابة فليقل: الحمد لله الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات… الحديث عند البيهقي في كتابيه: «الأسماء والصفات» و«الدعوات الكبير»، وفي حديث إسماعيل بن جعفر، والله أعلم، فالإسناد ضعيف.
كما تابع يحيى بن سعيد من الوجه المرفوع حجاج بن أرطاة، رواه أبو يعلى في «مسنده» ت السناري (2626)، وابن عدي في «الكامل» (2/526) من طريق الحجاج بن أرطاة، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر به مرفوعًا قال: («من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى»). وقال الدارقطني في «العلل» (12/347): «وروي عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، ولا يصح.» والمحفوظ عن ابن عمر أنه موقوف عليه، فقد رواه معمر، عن أيوب السختياني كما في «مصنف عبد الرزاق»، ط التأصيل (7265)، وعبيد الله بن عمر العمري وعلي بن الحكم البناني، ذكره الدارقطني كما في «تنقيح التحقيق» (2/578)، وعبد الله بن عمر العمري، كما في «مصنف عبد الرزاق»، ط التأصيل (5628)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (4/101). والأشعث بن سوار الكندي، كما في «مصنف عبد الرزاق» (5629)، أربعتهم، عن نافع عن ابن عمر قال: «إذا أدرك الرجل يوم الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، وإن وجدهم جلوسًا صلى أربعًا». ورواية معمر عن أيوب فيها كلام. وعبد الله بن عمر العمري والأشعث بن سوار ضعيفان، ويبقى الصحيح رواية عبيد الله بن عمر، وعلي بن الحكم فهما ثقتان، والمحفوظ من رواية يحيى بن سعيد، فالأثر ثابت عن ابن عمر رضي الله عنه موقوفًا.
