هل تجب الزكاة على المدين؟
📌 المدخل إلى المسألة
اختلف الفقهاء في الرجل يكون مديناً لغيره بقدر من المال وفي يده مال زكوي حال عليه الحول، هل يعد الدين مانعًا من الزكاة بحيث يخصم قدر الدين من النصاب، ويزكي الباقي؟ ولو كان الدين يستغرق النصاب أو ينقصه هل تسقط عنه الزكاة؟
وقبل الجواب على ذلك نبين محل النزاع:
جاء في «الجوهرة النيرة على مختصر القدوري»:
«إذا لحقه الدين بعد وجوب الزكاة لم تسقط الزكاة؛ لأنها قد ثبتت في ذمته واستقرت، فلا يسقطها ما لحقه من الدين بعد ثبوتها»[1].
وقال الباجي:
«وإنما يؤثر الدين في منع وجوب الزكاة لا في إسقاطها بعد وجوبها»[2].
ولا أعلم خلافًا في هذه المسألة.
جاء في «المغني»:
«فإن كان له ثلاثون مثقالًا، وعليه عشرة، فعليه زكاة العشرين، وإن كان عليه أكثر من عشرة، فلا زكاة عليه»[4].
وهو أظهر الأقوال في مذهب الشافعية وهو نص الشافعي في الجديد، ورواية في مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وحماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأحد القولين عن إبراهيم النخعي، وقد رجع عنه كما سيأتي بيانه في القول الثاني إن شاء الله تعالى[5].
قال النووي في «المنهاج»:
«ولا يمنع الدين وجوبها في أظهر الأقوال»[6].
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال سليمان بن يسار والليث بن سعد وسفيان الثوري، وعطاء، وميمون بن مهران، والشعبي، والحسن، وطاوس، ورجع إليه إبراهيم النخعي[7].
وهذان قولان متقابلان.
وبه قال الزهري وابن سيرين، وهو رواية عن أحمد، وبه قال الحنفية، إلا أن الحنفية اشترطوا في غير الزروع والثمار كي يمنع من الزكاة: أن يكون له مطالب من قبل العباد، سواء أكان الدين لله كالزكاة، أو كان للعبد، وسواء أكان الدين حالًا أم مؤجلًا. فإن كان الدين لا مطالب به من جهة العباد؛ كنذر وكفارة، فلا يمنع وجوب الزكاة[8].
جاء في «خزانة المفتين»:
«وكل دين له مطالب من جهة العباد يمنع وجوب الزكاة، سواء كان الدين لله تعالى كالزكاة، والعشر، والخراج، أو الدين للعباد كالثمن، ونفقة المحارم، والزوجات. وكل دين لا مطالب له من جهة العباد كالنذور، والكفارات، والحج، لا يمنع وجوب الزكاة»[9].
وهذا مذهب المالكية، وقول الشافعي في القديم، ورواية عن الإمام أحمد[10].
وبه قال ابن سيرين والزهري، والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، وسبق أنه مذهب الحنفية، إلا أن الحنفية اشترطوا في غير الزروع والثمار كي يمنع من الزكاة أن يكون له مطالب من قبل العباد[11].
اختاره بعض الحنفية، وهو رواية عن أحمد، رجحها شيخ الإسلام ابن تيمية[12].
جاء في «تحفة الفقهاء»:
«وقال بعض مشايخنا: إن المؤجل؛ لا يمنع لأنه غير مطالب به عادة»[13].
وقال شريك، وقد سئل عن الرجل يكون له المال، وعليه من الدين ما يحيط بماله، أيزكيه؟ قال:
«ما يعجبني أن يمسكه، ولا يقضي دينه، ولا يزكيه»[14].
وإذا كان يحيط بماله فمعناه: أنه إذا قضى دينه سقطت زكاته، وإن أمسكه زكاه، وهذا القول مطابق لأثر عثمان -رضي الله عنه-.
كما لا يفرقون في الدَّين بين ما هو حق لله وما هو حق للآدمي، إلا أن الحنفية فرقوا بين الدين الذي ليس له مطالب من جهة العباد فلا يمنع، وبين الذي له مطالب فيمنع، ولو كان حقًا لله كالزكاة.
فصارت الأقوال في تأثير الدين خمسة أقوال:
- لا يمنع الدين من وجوب الزكاة مطلقًا من غير فرق بين الأموال الظاهرة والباطنة، وبين المؤجل والحال، وبين حق الله وحق الآدمي.
- يمنع مطلقًا، من غير فرق بين الأموال الظاهرة والباطنة، وبين المؤجل والحال، وبين حق الله وحق الآدمي.
- لا يمنع في الأموال الظاهرة خاصة من غير فرق بين المواشي وبين الحبوب والثمار.
- لا يمنع في الحبوب والثمار من الأموال الظاهرة دون المواشي، ولا في الدين الذي ليس له مطالب من جهة العباد كالكفارة بخلاف عكسه ولو كان حقًا لله كالزكاة.
- لا يمنع في الدين المؤجل دون الحال.
روى مالك في «الموطأ»، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، أن عثمان بن عفان كان يقول: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه. حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة»[15].
ورواه سفيان بن عيينة، عن الزهري به، بلفظ: «إن هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليقضه، وزكوا بقية أموالكم»[16].
ورواه معمر، عن الزهري به، بلفظ: «إن هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، ثم ليؤد زكاة ما فضل»[17].
ورواه إبراهيم بن سعد، عن الزهري، بلفظ: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، حتى تخرجوا زكاة أموالكم، ومن لم تكن عنده لم تطلب منه حتى يأتي بها تطوعًا، ومن أخذ منه حتى يأتي هذا الشهر من قابل» قال إبراهيم: أراه يعني شهر رمضان[18].
[صحيح][19].
قال الزركشي:
«اعتمد أحمد رحمه الله بأن عثمان -رضي الله عنه- خطب الناس فقال: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤدِّ دينه، ثم ليزك ما بقي» فلم يأمر بإخراج الزكاة عن المؤدَّى في الدَّين، وهذا قاله بمحضر من الصحابة، ولم ينقل مخالفته، فيكون إجماعًا»[20].
وظاهر كلام الإمام أحمد أن الدين يمنع الزكاة بقدره، سواء أقام بقضاء الدين قبل إخراج الزكاة أم لا؛ لأن قوله: (هذا شهر زكاتكم): أي الشهر الذي وجبت فيه زكاتكم، وقوله: (زكوا ما بقي) دليل على وجوب الزكاة عليهم قبل ذلك، ولو كان رأيه وجوب الزكاة في قدر الدين لكان أبعد الخلق من إبطال الزكاة وتعليمهم الحيلة فيه، وإذا أمكن إسقاط مقدار الدين من النصاب بعد وجوب الزكاة، دل ذلك على أنه لا فرق في الحكم قام بسداد الدين أو أبقى الدين في يده، ألا ترى أن من وجبت عليه في ماله زكاة، ثم إنه أخرج بعضه أو كله في قضاء دين وجب عليه بعد الحول، أن ذلك لا يزيل عنه وجوب الزكاة فيما مضى من دينه [21].
ويقول ابن رشد:
«والدليل على صحة اشتراط عدم الدين في وجوب الزكاة في العين إجماع الصحابة على ذلك بدليل ما روي أن عثمان بن عفان كان يصيح في الناس: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤدِّه حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة، والصحابة متوافرون مسلِّمون بذلك، فدل ذلك على إجماعهم على القول بذلك. وبالله التوفيق»[22].
الوجه الأول: لماذا جعل عثمان سداد الدين شرطًا لسقوطها من النصاب الزكوي؟ فقوله: (فمن كان عليه دين فليؤد دينه. حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة)، مفهوم الشرط: إذا لم يؤدِّ دينه فسوف تؤخذ الزكاة من جميع ما في يده، وإلا كان الأمر بالسداد قبل أداء الزكاة لا مفهوم له، مع أن عثمان ساقه مساق الشرط، وعلل ذلك بقوله: (حتى تحصل أموالكم)، وإعمال الشرط أولى من إهماله مما يدل على أنه مقصود في الحكم، والذي طلب أداء الدين قبل أداء الزكاة هو الإمام وليس صاحب الدين، وربط ذلك قبل أداء الزكاة، مع الاتفاق أن قضاء الدين ليس ناجزًا إلا بطلب صاحب الحق، فلا أعرف نكتة بكون الوالي يطلب من المزكي أداء الدين قبل أداء الزكاة إلا لأحد أمرين:
أحدهما: أن يكون السداد شرطًا في سقوط الزكاة عن مقدار الدين، وهو الظاهر، فلو كان الدين يمنع مطلقًا سدد أو لم يسدد لم يكن لاشتراط عثمان -رضي الله عنه- السداد قبل أداء الزكاة معنى، ولذلك قال شريك، «وقد سئل عن الرجل يكون له المال، وعليه من الدين ما يحيط بماله، أيزكيه؟ قال: ما يعجبني أن يمسكه، ولا يقضي دينه، ولا يزكيه»[23].
الثاني: أن يكون عثمان -رضي الله عنه- أمر بالسداد قبل وجوب الزكاة؛ لأن الزكاة إذا وجبت لم يسقط الدين الزكاة.
وهذا ما يفهم من كلام الإمام الشافعي، قال رحمه الله:
«وحديث عثمان يشبه -والله تعالى أعلم- أن يكون إنما أمر بقضاء الدين قبل حلول الصدقة في المال في قوله: (هذا شهر زكاتكم) يجوز أن يقول: هذا الشهر الذي إذا مضى حلت زكاتكم كما يقال شهر ذي الحجة، وإنما الحجة بعد مضي أيام منه»[24].
ويرد على احتمال الشافعي ما ورد عن ابن عباس وابن عمر الأمر بسداد الدين بعد وجوب الزكاة ثم إخراج الزكاة من الباقي.
فقد روى يحيى بن آدم، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» قال: حدثنا أبو عوانة، عن جعفر بن إياس، عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وابن عمر في الرجل يستقرض، فينفق على ثمرته، وعلى أهله، قال: قال ابن عمر: «يبدأ بما استقرض فيقضيه، ويزكي ما بقي»، قال: قال ابن عباس: «يقضي ما أنفق على الثمرة، ثم يزكي ما بقي».
[صحيح][25].
فهذان القولان من ابن عمر وابن عباس في إحدى الروايتين اتفقا على أمر المدين بسداد الدين بعد وجوب الزكاة وقبل إخراجها، فأثر عثمان متفق مع هذا الأثر، ولا يعلم لهؤلاء الصحابة مخالف. وفيه رد على الحنفية والحنابلة القائلين بمنع الدين للزكاة ولو لم يسدد دينه، وفيه رد على قول المالكية بأن الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة.
الوجه الثاني: أن تعلق حق الدائن بالمال سابق لـ وجوب الزكاة، والحق للمتقدم، فأنت لا تتكلم عن دين لحقه بعد وجوب الزكاة، فهذا لا يسقط الزكاة بالإجماع؛ لأنها قد ثبتت في ذمته واستقرت قبل الدين، وإنما نتكلم عن دين كانت ذمته مشغولة به قبل أن تشغل بوجوب الزكاة.
ولأن الدين حق خاص، والحق في الزكاة لا يتعلق بشخص بعينه، فهو حق عام، والحق الخاص مقدم على الحق العام.
وقد صرح الماوردي بأن أثر عثمان يدل على تقديم الدين في السداد على إخراج الزكاة؛ يقول الماوردي:
«وأما حديث عثمان -رضي الله عنه- فلا دليل فيه على إسقاط الزكاة بالدين، وإنما يدل على تقديم الدين على الزكاة»[26].
وهذا هو المتعين في فهم قول عثمان؛ لأنه إذا لم يسدد فلن تسقط الزكاة عنه في مقدار الدين، وإن قدَّم سداد الدين على الزكاة سقطت، هذا معنى كلام عثمان، وهو تفسير الماوردي.
لا تعارض بين الحقين إذا وجبت الزكاة، يؤدي الزكاة من جميع المال بما فيه مقدار الدين، ثم يؤدي الدين بما بقي.
أولًا: هذا إسقاط لمفهوم أثر عثمان وابن عمر وابن عباس فهي صريحة على تقديم سداد الدين، ثم إخراج الزكاة من الباقي، فالقول: يخرج الزكاة من جميع النصاب، ثم يقوم بسداد الدين من الباقي عكس ما يدل عليه آثار الصحابة، ولا يعلم لهم مخالف.
ثانيًا: لو سلمنا أنه يخرج الزكاة، ثم يسدد الدين فهذا لا يصح إلا على تقدير أن الدين لا يستغرق النصاب كله، أو أن الباقي بعد وفاء الزكاة يكفي بما عليه من الدين، وليس هذا يصدق على كل الديون، فإذا كان الدين يستغرق النصاب فبراءة ذمة المالك بسداد الدين أهم من دفع الزكاة لحاجة الفقراء، فالفقراء لم يتعين حقهم في مال هذا الرجل.
الوجه الثالث: قوله عثمان -رضي الله عنه-: (هذا شهر زكاتكم) قوله: (زكاتكم) هل قصد به عثمان عموم الزكاة حتى في الأموال الباطنة كالنقد كما تفيده إضافة النكرة إلى المعرفة؟
وقول عثمان: (حتى تحصل أموالكم) فأموال: نكرة مضافة إلى معرفة، فهل تعم كل مال، أو كان يقصد به مالًا خاصًا، وهو زكاة الأموال الظاهرة، والتي يتوجه بعث السعاة لأخذها؟
قال الجصاص في «أحكام القرآن»:
«وأما زكاة الأموال فإن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر قد كانوا يأخذونها كما يأخذون صدقات المواشي، فلما كان أيام عثمان خطب الناس فقال: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤدِّه ثم ليزك بقية ماله فجعل الأداء إلى أرباب الأموال، وصاروا بمنزلة الوكلاء للإمام في أدائها»[27].
ونص المالكية أن المقصود بالحديث الأموال الباطنة خاصة، فهو الذي يسقطه الدين، وفيه قال عثمان: (هذا شهر زكاتكم … الأثر)، وأما الماشية والثمار فقد بعث النبي ﷺ والخلفاء بعده الخراصَ والسعاة فخرصوا على الناس وأخذوا منهم زكاة مواشيهم، ولا يأمرونهم بقضاء ما عليهم من الديون، ولم يسألوهم، هل عليهم دين أم لا؟ والعين مصروف إلى أمانتهم، مقبول قولهم فيه[28].
ويحتجون بأثر عن ابن سيرين، جاء في «المدونة»: قال ابن مهدي عن أبي عبد الرحمن عن طلحة بن النضر قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: «كانوا لا يرصدون الثمار في الدين وينبغي للعين أن ترصد في الدين»[29].
قال ابن مهدي، عن حماد بن زيد عن أيوب، عن ابن سيرين قال: «كان المصدق يجيء فأين ما رأى زرعًا قائمًا أو إبلًا قائمة أو غنمًا قائمة أخذ منها الصدقة»[30].
وظاهره: أن الساعي يأخذها من غير فرق بين أن يكون المالك مديناً أو غير مدين.
وهذان حكمان: أحدهما ينقل ابن سيرين فيه عمل الناس، وهو قوله: «كانوا لا يرصدون الثمار في الدين». وهو مخالف لقضاء ابن عمر وابن عباس.
والحكم الآخر يقوله برأيه، وهو قوله: «وينبغي للعين أن ترصد في الدين».
ولم يستبعد الباجي حمله على العموم، قال:
«يحتمل أن يريد أنه الشهر الذي جرت عادة أكثرهم بإخراج الزكاة فيه إن كان يريد العين، وإن كان يريد الماشية، والذي يجب إخراج الزكاة فيه ليتمكن من بعث السعاة ذلك الوقت، فيؤخذ الزكاة منها، ولا يحتسب لهم في شيء من ذلك بما عليهم من الدين»[31].
والشافعية مختلفون في تفسير حديث عثمان -رضي الله عنه-:
وظاهر كلام الماوردي في «الحاوي»: أن خطاب عثمان كان لزكاة المواشي[32].
ويقول الرافعي:
«فعل الأداء يفرض على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يباشره بنفسه، وهو جائز في الأموال الباطنة؛ لما روى عن عثمان -رضي الله عنه- أنه قال في المحرم: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقض دينه ثم ليزك بقية ماله»…[33].
ولمَّا كان للإمام أحمد روايتان في زكاة من عليه دين ينقص النصاب فسر الحنابلة حديث عثمان وفقًا للروايتين.
جاء في «شرح المنتهى»:
«ولا زكاة في مال من عليه دين حال أو مؤجل بنقص النصاب باطناً كان المال، كأثمان وعروض تجارة، أو ظاهرًا، كماشية وحبوب وثمار. لما روى أبو عبيد في «الأموال» عن السائب بن يزيد قال: (سمعت عثمان بن عفان يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم)[34].
فمن قال: الدين يمنع الزكاة؛ كـ الحنابلة في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهي المشهورة من المذهب:
حملوا الأثر على الأموال الظاهرة والباطنة.
ومن قال: الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة دون الباطنة كـ المالكية:
حملوا أثر عثمان على الأموال الباطنة دون الظاهرة.
ومن قال: الدين لا يمنع الزكاة كالإمام الشافعي:
حمل الأثر على سداد الدين قبل وجوب الزكاة.
وبعض المستقلين كـ أبي عبيد القاسم بن سلام حمل الأثر على الأموال الظاهرة وهو الأسعد بالنظر، ويؤيده: أثر ابن عمر وابن عباس المتقدم إذ كان الدين فيما استدانه على الثمرة.
ولأن زكاة الأموال الباطنة ليس لها شهر معروف، فلا يتفق وجوب الزكاة على كل الناس في شهر واحد؛ لأن هذه الأموال تدور بين الناس وكل غني له حوله، بل كل مال مستفاد، له حوله المستقل، ولو كان المالك واحدًا، ولهذا ترك إخراج الزكاة لأصحابها، وأما زكاة الأموال الظاهرة فهي التي كانت تؤخذ الزكاة من أهلها تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾، وقوله ﷺ: «تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم». متفق عليه.
دلالة على أنّ أمر الأخذ إلى العامل من قبل الإمام أو الإمام نفسه.
يقول أبو عبيد:
«الصامت إنما يزكيه صاحبه لشهر معلوم عنده، وليس ذلك لرب الماشية؛ لأن حكمها إلى السلطان، إنما يبعث في كل عام مرة من يزكيها»[35].
ويقول ابن حزم:
«ورووا عنه -أي عن عثمان– أنه كان يخاطب أصحاب الديون من الذهب والفضة، فيقول على المنبر: (هذا شهر زكاتكم) فقالوا: ليس عليه العمل وليس للدنانير والدراهم شهر زكاة معروف»[36].
وهل يمكن حمل الخطاب على زكاة الثمار خاصة؛ حيث موسم الحصاد يستوي فيه جميع الزراع؟
إذا حملنا خطاب عثمان على زكاة الثمار فلا يصح تفسير خطاب عثمان بأن السداد كان قبل وجوب الزكاة؛ لأن عثمان يتكلم عن شهر أداء الزكاة، وهو متأخر في الثمار عن وقت الوجوب، فالحبوب والثمار لها وقتان بالاتفاق:
وقت وجوب الصدقة: وهو وقت اشتداد الحب وبدو صلاح الثمر.
ووقت أداء الزكاة، وهذا لا يكون إلا بعد الحصاد والتصفية، فلا يصح أن يقال: أمر بسداد الدين قبل وجوب زكاة الثمار.
قال الطبري:
«الجميع مجمعون لا خلاف بينهم: أنّ صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدِّياس والتنقية والتذرية، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الإجزاز»[37].
وقال ابن حزم:
«ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن الزكاة لا يجوز إيتاؤها يوم الحصاد، لكن في الزرع بعد الحصاد، والدرس والذرو والكيل، وفي الثمار بعد اليبس والتصفية والكيل»[38].
وإن كان حلول الصدقة لا يكون إلا بمجيء المصدق ولو تأخر كما يقوله المالكية في المواشي خاصة، ومال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام.
جاء في «المدونة»:
«قال مالك: لو أن رجلًا كانت عنده غنم، فحال عليها الحول فذبح منها وأكل، ثم إن الْمُصَدِّقَ أتاه بعد ذلك وقد كان حال الحول عليها قبل أن يذبح: إنه لا ينظر إلى ما ذبح ولا إلى ما أكل بعدما حال عليها الحول، وإنما يصدق الْمُصَدِّقُ ما وجد في يديه ولا يحاسبه بشيء مما مات أو ذبح فأكل»[39].
ويقول أبو عبيد:
«الصامت إنما يزكيه صاحبه لشهر معلوم عنده، وليس ذلك لرب الماشية؛ لأن حكمها إلى السلطان، إنما يبعث في كل عام مرة من يزكيها، وقد تختلف أوقاته في ذلك، فإذا جاءه المصدق مع حئول الحول، وجبت عليه الصدقة حينئذ؛ فلهذا قال من قال: إنما تجب الصدقة في المواشي عند مجيء المصدقين، وفرقوا ما بينها وبين الدراهم والدنانير»[40].
فهذا القول لـ المالكية من مفرداتهم، وهم لا يحملون أثر عثمان عليه، لأنهم يخصون أثر عثمان على العين (المال الباطن) كما سبق نقل كلامهم.
وإذا كانت الدنانير والدراهم لا شهر لها معروف في أداء زكاتها خرجت من العموم في خطاب عثمان، فبقيت الأموال الظاهرة هي التي لها شهر معلوم، فالحبوب والثمار وقت إخراج زكاتها عام لجميع الناس؛ لأنه يتعلق بموسم الحصاد والتصفية، والمواشي لها وقت معلوم؛ لأنه معلق ببعث السلطان السعاة لأخذها، فيصح أن يقال: (هذا شهر زكاتها)؛ لأن وقت أخذها موكول إلى الإمام ببعث السعاة لأخذها في شهر معين من العام.
وإذا ثبت أن سداد الدين مقدم على أداء الزكاة في الأموال الظاهرة، فما ثبت في الأموال الظاهرة ثبت في غيرها؛ لعدم الفارق إلا بدليل.
إن النبي ﷺ والخلفاء بعده بعثوا الخراص والسعاة فخرصوا على الناس وأخذوا منهم زكاة مواشيهم، ولم يسألوهم، هل عليهم دين أم لا؟
فالجواب: هذا لا يخالف أثر عثمان؛ لأن عثمان طالب المدين بسداد الدين قبل قدوم السعاة، فإذا لم يسدد حتى قدموا عليه فلن يسألوه عن الدين الذي عليه، فمن أراد أن يبقي المال في يده فعليه زكاته؛ هذا هو مفهوم كلام الإمام عثمان، ولأن الزكاة متعلقة بعين المال، والدين متعلق بالذمة.
ولأن السعاة كما يأخذون الزكاة من الماشية المختلطة إذا كانت نصابًا ولو كان نصيب كل واحد من الشريكين لا يبلغ نصابًا؛ ولا يأخذون الزكاة من الماشية إذا تفرقت ولو كانت لو ضمت لكانت نصابًا؛ لأنهم لا يكلفون السؤال، والدين مثله.
ولأن المدين إذا دفع المال لصاحبه زكاه صاحبه، وقد يزكيه بمجرد أن يقبضه باعتبار حول الدائن، أما إذا استبد به المدين ليترفه به أو ليستثمره وجبت عليه زكاته.
قال القنازعي في تفسير «الموطأ»:
«قال ابن أبي زيد: أسقط الصحابة الزكاة من الديون إذ …. ليست ملكًا لمن هي عليه، ولهذا كان يخطب عثمان بن عفان فيقول: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه) يعني: كي يقبضه صاحبه فيزكيه»[41].
والخلاصة: أن أثر عثمان الذي استدل به الحنفية والحنابلة على أن الدين يمنع الزكاة فهو يمنعها بشرط سداد الدين، وأن سداد الدين مقدم على الزكاة مطلقًا، ولو وجبت الزكاة، فإن أمسك المدين المال فلا دليل فيه على سقوط الزكاة، والله أعلم.
روى يحيى بن آدم، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» قال: حدثنا أبو عوانة، عن جعفر بن إياس، عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وابن عمر في الرجل يستقرض، فينفق على ثمرته، وعلى أهله، قال: قال ابن عمر: «يبدأ بما استقرض فيقضيه، ويزكي ما بقي»، قال: قال ابن عباس:
«يقضي ما أنفق على الثمرة، ثم يزكي ما بقي».
[صحيح وسبق تخريجه].
فـ ابن عمر وابن عباس يتفقان على سداد ما استقرضه ولو بعد وجوب الزكاة، ويختلفان على سداد ما أنفق على ثمرته بلا استدانة.
بأن أثر ابن عمر وابن عباس أمرا صاحب الثمرة أن يسدد، ثم يزكي ما بقي، وظاهره الترتيب، وليس فيه دلالة على أنه يسقط عنه ما استدانه ولو لم يسدد، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ ﴾، فأمر بإعطاء الغارمين من الصدقة.
روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ بعث معاذًا -رضي الله عنه- إلى اليمن، وفي الحديث …. «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم»…. الحديث، هذا لفظ البخاري[42].
فحصل لنا بمجموع الآية والخبر، أن الغارم فقير، وأن الناس صنفان: صنف غني تؤخذ منه الصدقة شكرًا لنعمة الغنى وطهرة له من الذنوب، كما قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ [التوبة: 103]، وآخر فقير تدفع إليه الزكاة مواساة له. فالصدقة تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، فصار المقدار المستحق بالدين، كأنه في غير ملكه.
ليس كل مدين فقيرًا، فمن الناس من يكون غنيًّا مديناً، وأغلب التجار اليوم يتخذون الدين وسيلة للتجارة، وقل ما تتوفر السيولة عندهم، ولم يدخلهم الدين في وصف الفقر، وإذا أدَّى زكاة النصاب الذي معه، حتى لم يعد يملك نصابًا واحتاج لأخذ الزكاة فلا مانع أن تسد حاجته من الزكاة، فالرجل الذي يملك خمسًا من الإبل تجب عليه الزكاة بالإجماع، وقد يكون الرجل ذا عائلة كبيرة، ويكون محتاجًا لسد عجزه في النفقة من الزكاة، فلا تسقط زكاة نصاب الإبل الذي معه بحجة أنه محتاج لسد عجزه من النفقة، ويأخذ من الزكاة، فيجتمع في الرجل وصف الغنى؛ لامتلاكه النصاب، ووصف الفقر في الوقت نفسه، فالتقسيم الثنائي ليس حصرًا.
والقول بأن الزكاة فرضت في حق الفقير مواساة له فعلى التسليم بهذه العلة المستنبطة فإنما تصدق على فقير لا يملك نصابًا، فإذا ملك نصابًا صار غنيًّا، فاحتاج إلى أن يطهر نفسه وماله بالزكاة إلا أن يسدد دينه، فينقص المال الذي معه عن النصاب، والله أعلم.
قال ابن قدامة: وروى أصحاب مالك، عن عمير بن عمران، عن شجاع، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان لرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم، فلا زكاة عليه».
[لم أقف عليه مسندًا، وعمير بن عمران مجروح][43].
القياس على منع الدين للحج، فإذا منع الدين الحج، وهو أحد أركان الإسلام منع من الزكاة بقدره.
قال العمراني:
«ولأنه حق يتعلق بماله، فمنع منه الدين كالحج»[44].
قال الماوردي:
«وأما قياسهم على الحج، فغير صحيح؛ لأن الجمع بين الحج والزكاة ممتنع؛ لوجوب الزكاة على الصبي والمجنون، وإن لم يجب الحج عليها، ووجوب الحج على الفقير، إذا كان مقيمًا بمكة، وإن لم تجب الزكاة عليه، فثبت أن اعتبار أحدهما بالآخر في الوجوب غير صحيح»[45].
القياس على منع الدين من الميراث، فإذا منع الدين من الميراث كما لو كان الدين يستغرق التركة، فكذلك يمنع من الزكاة.
بأن الدين لا يمنع من الميراث، وإنما هو مقدم عليه؛ لسبقه، فلو أبرأه الدائن، أو قضاه الوارث من ماله استحق ميراث مورثه.
يقول الماوردي:
«ليس الدين مانعًا من الميراث؛ لأن الميراث حاصل وقضاء الدين واجب، ألا ترى أن الوارث لو قضى الدين من ماله لاستحق ميراث ميته»[46].
من شروط الزكاة أن يكون الملك تامًّا مستقرًّا، وملك المدين لمقدار الدين غير مستقر؛ فلا يعلم متى يطلب الدائن حقه، فالدين يوجب نقصان الملك.
لا نسلم أن الملك فيه غير تام؛ لأن يده مطلقة في التصرف فيه، له غنمه، وعليه غرمه؛ وذلك لتمام ملكه، ولا نسلم أن ملكه له غير مستقر؛ لأن حق الدائن لم يتعلق بعين مال الزكاة، وإنما يتعلق بذمة المدين، وقد يكون عنده من العروض ما يفي بدينه، وعلى التسليم فإنه إذا سدد دينه لم نطالبه بالزكاة كما أفاده أثر عثمان، وأما إذا أراد أن يمسك بالمال ولا يقضي دينه، فالزكاة واجبة عليه.
مال المدين مشغول بقدر الدين بحاجته الأصلية وهو دفع المطالبة والملازمة والحبس في الحال والمؤاخذة في المآل؛ لكون نفس المؤمن معلقة بدينه، فاعتبر معدومًا كالماء المستحق بالعطش يجوز معه التيمم.
لا ننكر وجود أصل الحاجة، وإنما يكون مال المدين مشغولًا بالدين مع القيام بقضاء الدين فعلًا، فأما إذا لم يقم بقضاء الدين لم يكن المال مشغولًا بالدين؛ لما بينا أن الدين متعلق في الذمة وليس في عين مال المدين وإنما يتصل بعين المال عند الوفاء فلا يوصف باشتغاله به قبل الأداء[47].
القياس على مال المكاتب، فكما أن المكاتب لا تجب عليه الزكاة؛ لأن ماله مستحق لغيره، فكذلك من عليه دين.
بأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فصارً ملكه للمال ناقصًا، والله أعلم.
الأصل وجوب الزكاة في مال المدين، ولا يوجد دليل يدل على سقوط الزكاة عن مقدار الدين، والأصل عدم الإسقاط.
قال ابن حزم:
«لم يأت به قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا إجماع؛ بل قد جاءت السنن الصحاح بإيجاب الزكاة في المواشي، والحب، والتمر، والذهب، والفضة، بغير تخصيص من عليه دين ممن لا دين عليه»[48].
بأن المسألة لم يأت فيها نص من الكتاب، ولا من السنة المرفوعة، ولكن جاء فيها ثلاثة آثار، عن عثمان -رضي الله عنه-، وعن ابن عمر وابن عباس، ولا يعلم لهم مخالف، وقد أمروا بسداد الدين، وإخراج الزكاة من الباقي، ولا يظن بالصحابة أن ينتهكوا عصمة مال المسلم لولا علمهم هذا من صاحب الشرع، والله أعلم، وكون ابن حزم لا يحتج بقول الصحابي خاصة إذا اشتهر ولا يعرف له مخالف فهذا مما أخذ على المذهب الظاهري، وليس هذا هو المأخذ الوحيد على الظاهرية.
قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103].
أمر الله نبيه أن يأخذ الزكاة من أموالهم، والأمر مطلق، فيشمل المدين وغيره. وقوله: (من أموالهم) نكرة مضافة إلى معرفة فتعم كل أموالهم، بما في ذلك مقدار الدين الذي عليه، والمال في يد المدين يعد من جملة ماله، له غنمه، وعليه غرمه، ولو فات فات من ماله وليس من مال الدائن، ولا يوجد حديث مرفوع يقيد المطلق، ولا يخصص العام، والمطلق والعام جارٍ على إطلاقه وعمومه لا يقيده، ولا يخصصه إلا نص مثله.
قوله: (من أموالهم) إما عام أريد به الخصوص للإجماع على أنه لا تجب الزكاة في كل مال، بل في أموال خاصة، أو يقال: الآية عامة خصصها حديث أبي هريرة في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة»[49].
وإذا كان لفظ (أموالهم) ليس من العام، لم يصح الاحتجاج بعمومه على مال المدين.
بأن مال القنية خرج من العموم بحديث أبي هريرة، ولم يأت نص يخرج مال المدين، فبقي داخلًا في العموم، والله أعلم.
الزكاة تتعلق بالملك، والمدين يملك مبلغ الدين ملكًا مستقرًا، وملكه عليه تام بدليل أن له مطلق التصرف فيه، ويستبد بغنمه، وعليه غرمه، والزكاة تجب في عين المال، وكون ذمة المدين مشغولة بالوفاء لا يكفي لإسقاط الزكاة، فإن كان يرصده للوفاء فليؤد الدين الذي عليه، وتسقط عنه الزكاة كما دل عليه أثر عثمان وابن عمر وابن عباس، وإن كان لا يريد أن يؤدي الدين الذي عليه منه فليؤد زكاته كما يؤدي زكاة سائر أمواله، وإذا كان الإنسان لو رصد ماله لحاجاته الضرورية من مسكن ومأكل ونكاح لا تسقط عنه زكاته فكذلك ما يرصده لدينه إذا لم يرد أن يسدد دينه قبل أداء زكاته.
روى يحيى بن آدم في «كتاب الخراج»، قال: حدثنا أبو بكر النهشلي، عن حماد بن أبي سليمان، أنه قال:
«يزكي الرجل ماله، وإن كان عليه من الدين مثله؛ لأنه يأكل منه، وينكح فيه».
[صحيح][50].
يقصد أن ملكه ملكًا تامًّا، وله مطلق التصرف فيه.
وقال ابن حزم:
«وأما من طريق النظر فإن ما بيده له أن يصدقه ويبتاع منه جارية يطؤها ويأكل منه وينفق منه؛ ولو لم يكن له لم يحل له التصرف فيه بشيء من هذا؛ فإذا هو له ولم يخرجه عن ملكه، ويده ما عليه من الدين فزكاة ماله عليه بلا شك»[51].
قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾. [التوبة: 103].
وروى الشيخان من حديث ابن عباس، عن معاذ بن جبل، وفيه: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»…. الحديث[52].
وروى الإمام البخاري، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدثني أبي قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس: أن أنسًا حدثه: أن أبا بكر -رضي الله عنه-، كتب له هذا الكتاب، لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة، التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله … وذكر حديث الصدقات، وفيه: …. «وفي الرقة ربع العشر»… الحديث[53].
وروى البخاري من طريق يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه -رضي الله عنه-، عن النبي ﷺ قال: «فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريا، العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر»[54].
فقوله ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ وقوله في الحديث: «وفي الرقة ربع العشر»، وقوله: «فيما سقت السماء العشر» ففي الآية والأحاديث من الفقه أن الزكاة تتعلق بعين المال، وهو قول جمهور الفقهاء، ولهذا وجبت في مال المجنون والصبي، وذمتهما لا تقبل التكليف، ولو أتلف المال قبل الحول باختياره، أو تلف بعد الحول بلا تعد أو تفريط لم يلزم صاحب المال إخراجها من سائر ماله، وإذا تقرر وجوب الزكاة في عين المال وجبت الزكاة في مال المدين؛ بدليل أن هذا المال لو هلك هلك من مال المدين؛ لأن حق الدائن متعلق في ذمة المدين، ولو كان حقه متعلقًا بعين المال لسقط حقه بهلاك المال كالوديعة إذا تلفت بغير تعد ولا تفريط هلكت من مال المالك، ولم يضمن المودَع.
بأن هناك من الفقهاء من يرى أن الزكاة تتعلق في الذمة، وأنها إذا تلفت بعد الوجوب فهو ضامن، وله أن يخرج الزكاة من غير المال الذي وجبت فيه.
بأن الفقهاء اختلفوا في (تعلق الزكاة) على ثلاثة أقوال:
فقيل: الزكاة تتعلق بعين المال.
وهو مذهب الحنفية والمالكية والجديد من قولي الشافعي، فلو ملك أربعين شاة، فلم تؤدَّ زكاته أحوالًا، لم تجب فيه إلا زكاة عام واحد، لنقص النصاب بها[55].
وقيل: تتعلق بالذمة.
وهو القديم من قولي الشافعي، وقول في مذهب الحنابلة، فلو ملك أربعين شاة، فلم تؤدَّ زكاته أحوالًا، وجبت الزكاة لكل حول؛ لأنها لا تخرج منه فلا ينقص النصاب بها[56].
وقيل: تتعلق بعين المال، ولها تعلق في الذمة، فله إخراج الزكاة من غير المال الذي وجبت فيه، وللمالك نماؤه بعد وجوبها، فلا تتعلق الزكاة بما نتجته السائمة بعد الحول، وتعلقها كأرش جناية لا كدين برهن، أو بمال محجور عليه لفلس.
وهو المشهور من مذهب الحنابلة[57].
والقول بأنها تتعلق في الذمة قول ضعيف، والقول بأنها تتعلق بالعين ولها تعلق في الذمة بحجة أن الزكاة قد تجب في المال ويخرجها من غيره، فهذا من باب الرخصة والتيسير، فهو لا يخالف القول الأول، وضمانها بالتعدي والتفريط لا يعني تعلقها في الذمة، كالأمانات، وإذا تلفت بلا تعد ولا تفريط لم يضم، والله أعلم.
قال الماوردي:
«رهن المال في الدين أقوى من استحقاقه بالدين؛ لأن الرهن في الرقبة، والدين في الذمة، فلما لم يكن الرهن في الدين مانعًا من وجوب الزكاة كان أولى أن لا يكون مجرد الدين مانعًا من وجوب الزكاة»[58].
اختلف العلماء في وجوب الزكاة في المرهون.
والأصح من أقوال أهل العلم أنه لا زكاة فيه؛ وهو مذهب الحنفية، والمالكية؛ لتعطل نموه؛ ولأن الشارع إنما اشترط الحول في المال المرصود للنماء؛ من أجل تمكين المالك من العمل على نماء المال، فإذا وجبت الزكاة في المال المرهون، وهو في يد المرتهن لم يكن لاشتراط الحول معنى، ولأن الحبوب والثمار إذا زكاها في المرة الأولى لم يكرر الشارع زكاتها؛ لتوقف نموها، ولأن السائمة إذا أعلفت سقطت زكاتها على الصحيح مع الانتفاع بدرها ونسلها، فالمرهون أولى بسقوط الزكاة، وقد سبق بحث المسألة في مبحث مستقل فارجع إليه إن شئت.
الدائن مخاطب بزكاة الدين على الصحيح، فإذا أوجبنا الزكاة على المدين أفضى إلى وجوب زكاة المال الواحد مرتين.
لا يتصور أن المال في يد المدين يملكه الدائن والمدين معًا، فلا شراكة بينهما، فالدائن يملك في ذمة المدين مقدار الدين، وهو يزكي ما وجب في ذمة المدين، والمدين يملك وحده عين المال الذي في يده، فهو يزكي ما في يده، فالمال ليس واحدًا، ولذلك لو خسر أو تلف المال الذي في يد المدين لم يسقط شيء من الدين، ولو ربح كان ربحه للمدين، واختصاصه بالخسارة والربح دليل على اختصاصه بالملك.
بعث النبي ﷺ والخلفاء بعده الخراصَ والسعاة فخرصوا على الناس ثمارهم وأخذوا منهم زكاة مواشيهم، ولم يسألوهم، هل عليهم دين أو لا؟
ولو كان الدين يمنع من الزكاة لوجب سؤالهم؛ لعصمة مال المسلم.
ولأن الحرث والماشية من الأموال الظاهرة موكول أخذها إلى الإمام لا إلى أربابها فلم تؤتمن عليها، ولو قلنا: إن الدين يسقط الزكاة عن الحرث والماشية، لعمل الناس الحيل في إسقاط المأخوذ على هذا الوجه، بخلاف العين فإنها تخفى، وزكاتها موكولة إلى أمانة أربابها، ومقبول قولهم فيه[59].
بأن عثمان قد أرشد إلى وفاء الدين قبل أداء الزكاة، بقوله: (هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده … الأثر) ولو فعلوا ذلك بأن قدموا الدين على الزكاة لم تؤخذ منهم زكاة الدين، كما أفتى ابن عمر وابن عباس بأن يبدأ بسداد ما استقرض على ثمرته، ثم يزكي ما بقي.
جاء في «المدونة»: قال ابن مهدي عن أبي عبد الرحمن عن طلحة بن النضر قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: «كانوا لا يرصدون الثمار في الدين وينبغي للعين أن ترصد في الدين»[60].
بأن ابن سيرين لم ينقل عمل الناس أنهم كانوا يرصدون العين في الدين، وإنما نقل ذلك عن رأيه، بخلاف الثمار فهو نقل عمل الناس في عصره، وسكت عن المواشي، ونقل ابن سيرين مخالف لأثر ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- في كونه يبدأ بما استقرض على ثمرته فيقضيه، ثم يزكي ما بقي، وظاهره اشتراط سداد الدين لسقوط الزكاة عن مقدار الدين، فإن أبقى المال في يده أخذت منه الزكاة.
جاء في «المدونة»، قال ابن مهدي، عن حماد بن زيد عن أيوب، عن ابن سيرين قال: «كان المصدق يجيء فأين ما رأى زرعًا قائمًا أو إبلًا قائمة أو غنمًا قائمة أخذ منها الصدقة»[61].
وظاهره أن الساعي يأخذها من غير فرق بين أن يكون المالك مديناً أو غير مدين.
ويجاب عن هذا الدليل بما أجيب به عن الدليل السابق.
استدلوا بأدلة القائلين إن الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة، إلا أنهم حملوها على الحبوب والثمار دون المواشي.
روى يحيى بن آدم في «كتاب الخرج»، قال: قال: حدثنا ابن المبارك، عن يونس، قال: سألت الزهري عن الرجل يستسلف على حائطه وحرثه ما يحيط بما تخرج أرضه، فقال: «لا نعلم في السنة أن يترك حرث أو ثمرة رجل عليه فيه دين فلا يزكي، ولكنه يزكي، وعليه دينه»، قال: «فأما الرجل يكون له ذهب وورق عليه فيه دين، فإنه لا يزكيه حتى يقضي الدين».
[صحيح عن الزهري][62].
دلالة هذا الأثر عن الزهري كدلالة الأثر المأثور عن ابن سيرين، والجواب عنهما واحد، وقد سبق الجواب عنه.
وقول الزهري: (لا نعلم في السنة) يختلف عن قوله: (من السنة كذا)، فالأول النفي منسوب إلى علمه، وهو لا يمنع ثبوته، والثاني يقتضي إثباته من السنة، وبينهما فرق كبير، وفي الثاني خلاف: هل هو موقوف، أو مرسل مرفوع قولان لأهل العلم، وكلاهما لا حجة فيه على الصحيح.
روى مالك في «الموطأ»، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، أن عثمان بن عفان كان يقول: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه. حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة»[63].
[صحيح وسبق تخريجه.]
قوله: (فليؤدِّ دينه) فالأمر بالوفاء لا يتوجه إلا إلى الدين الحال، وأما المؤجل فيتربص به إلى حول أجله.
ومفهوم الأثر: إذا لم يؤد دينه لأي سبب من الأسباب ومنه شرط التأجيل فستؤخذ منه الزكاة.
أن الدين المؤجل لا يزاحم الزكاة الحالة؛ لأن الزكاة على الفور، بخلاف الدين المؤجل فإنه غير مطالب به في الحال.
فإنه وإن كان لا يطالب به فإن ذمته مشغولة به، ولو مات أو أفلس حل المؤجل.
الوجه الأول: إذا وقع الموت أو الفلس تحقق وجود المانع، فلم تجب الزكاة على الميت، ولا على المحجور عليه، ما لم تجب عليه الزكاة قبل الموت والحجر، وقبل تحقق وجود المانع من موت أو فلس لا يسقط عنه واجب الزكاة، فمظنة المانع لا تمنع الزكاة حتى يتيقن وجوده.
الوجه الثاني: مسألة حلول الأجل بالموت فيه خلاف بين الفقهاء، فـ الحنابلة قالوا: لا يحل الأجل بالموت خلافًا لـ الجمهور[64].
قال ابن قدامة:
«لا نسلم أن الدين يحل بالموت»[65].
وذهب المالكية إلى أن المسلم إليه إذا مات، وكان المسلم فيه غير موجود عند الوفاة فإن تركته توقف إلى أن يأتي إبان المسلم فيه، فيقضى، ثم تقسم التركة.
يقول القرافي:
«إن وقع الموت وقفت التركة إلى الإبان، فإن الموت لا يفسد البيع»[66].
أن حق الله مبني على المسامحة فلا يمنع الدين من الزكاة بخلاف حق الآدمي فهو مبني على المشاحة، فيمنع الدين الزكاة.
بأن حق الله أحق بالقضاء.
فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:
أتى رجل النبي ﷺ، فقال له: إن أختي قد نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ: «لو كان عليها دين، أكنت قاضيه؟» قال: نعم. قال: «فاقض الله، فهو أحق بالقضاء»[67].
بأن قوله: («فالله أحق بالقضاء») هذا التعبير لا يدل على الوجوب فيما سيق له فكيف يدل على الوجوب بقياس الزكاة عليه، فالحج عن الميت، وكذا الصيام عنه، ووفاء نذره لا يجب على غير الميت، ولكن القضاء عنه من الوفاء له، والبر به؛ لأن الأصل في العبادة أنها واجبة على الإنسان نفسه، لكن إن تطوع أحد من الورثة كان محسناً، فلا يدل تعبير فالله أحق على وجوب القضاء بخلاف دين الآدمي فإنه واجب القضاء على الشخص في حياته، وفي ماله بعد وفاته.
أن الزكاة تتعلق بالعين والدين يتعلق بالذمة، وما تعلق بعين المال فهو مقدم على غيره، كالرجل يجد ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من سائر الغرماء.
فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام أخبره. أنه سمع أبا هريرة -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره»[68].
الديون التي لا مطالب لها من جهة العبادات كالنذور، والكفارات، وصدقة الفطر، ووجوب الحج، ونحوها لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأنها ما لم يُقضَ بها لا تكون ديناً، فإذا قضي بها صارت ديناً.
ولأنه لا يجبر ولا يحبس على تركها، فكانت ملحقة بالعدم في حق أحكام الدنيا؛ لأنه لا يطالبه بها أحد في الدنيا.
الرجل إذا كان له ألف درهم، وعليه ألف درهم، وعنده عروض بألف درهم فهذه العروض مال من ماله يملكه، فيجعلها مكان دينه، وتكون عليه زكاة الألف العين، ألا ترى أنه لو لم يكن له الألف لكان لغريمه أن يأخذه بالدين حتى تباع العروض له.
ومن لم يحتسب بالعرض، يقول: لأنها ليست مما يجب على الناس فيه الزكاة في الأصل.
أن الدين مقدم على الزكاة بشرط الوفاء قبل أداء الزكاة، فإن أمسك المال، ولا يريد قضاء الدين الذي عليه فإن الزكاة واجبة عليه، هذا ما يفيده أثر عثمان -رضي الله عنه-، وقد سئل شريك عن الرجل يكون له المال، وعليه من الدين ما يحيط بماله، أيزكيه؟ قال: «ما يعجبني أن يمسكه، ولا يقضي دينه، ولا يزكيه»[69].
وإذا كان يحيط بماله فمعناه: أنه إذا قضى دينه سقطت زكاته، وإن أمسكه زكاه، وقول شريك بهذا التفصيل لا أعلم له حجة إلا أثر عثمان -رضي الله عنه-.
والقول بالتفصيل ملفق من قولين:
فإذا أمسك الرجل المال ولم يسدد الدين وجبت عليه زكاته، وهذا جزء من مذهب الشافعية القائلين بوجوب الزكاة على المدين مطلقًا.
وإذا سدد الرجل الدين عليه سقطت عنه زكاته، وهو جزء من قول الحنابلة بسقوط الزكاة عن المدين مطلقًا.
ولأن الإمام مالكًا يقول: إن كان عند من عليه الدين من العروض ما يفي بدينه لزمته الزكاة فيما بين يديه من الدين، فالملاحظ في سقوط الزكاة هو: ضمان حق الدائن في مال المدين سواء أكان زكويًا أم كان من عروض القنية التي تباع على المفلس، فإذا كان يريد أن يمسك المال ويتصرف فيه وتسقط عنه زكاته بسبب الدين، فلا هو حفظ حق الدائن؛ لأن تصرفه في المال يعرض حق الدائن للضياع، ولا هو راعى حق الفقير في عين هذا المال.
ولأن ما يرصده لحاجاته الأصلية إذا بقي نقدًا في يده تجب عليه زكاته فكذلك ما يرصده للدين إذا لم يسدد دينه فزكاته واجبة عليه.
ولأن الزكاة تجب في عين المال، وهذا مال زكوي قد بلغ النصاب فتجب زكاته، وكون الدين الذي في ذمته ينقص النصاب لا أثر له، أرأيت أربعين شاة سائمة: لأحدهما شاة واحدة، والآخر له تسع وثلاثون شاة، توفرت في هذا المال شروط الخلطة، فتجب الزكاة فيها، ولم ينظر إلى ذمة أحدهما من كونه لا يملك إلا شاة واحدة، جزءًا من أربعين جزءًا من النصاب، وأن مثله بحاجة إلى المواساة، ما دام أن عين هذا المال نصاب، فالزكاة تجب فيه على الصحيح، فكذلك هذا المال الذي في يد المدين، إذا كان نصابًا تجب عليه زكاته، ولا يلتفت إلى ذمته إلا حيث أراد أن يبرئ ذمته، ويسدد دينه، كما يفيده أثر عثمان -رضي الله عنه-، وكما يفيده أثر ابن عباس وابن عمر حيث أمرا المدين بسداد الدين قبل إخراج الزكاة ولو بعد وجوب الزكاة، والله أعلم.
«وإن كان ماله أكثر من الدين زكى الفاضل إذا بلغ نصابًا».
وجاء في «المدونة» (1/328): «قلت لـ ابن القاسم: أرأيت رجلًا كانت عنده دنانير قد حال عليها الحول تجب فيها الزكاة، وعليه إجارة أجراء قد عملوا عنده قبل أن يحول على ما عنده الحول، أو كراء إبل أو دواب، أيجعل ذلك الكراء والإجارة فيما في يديه من الناض، ثم يزكي ما بقي؟ فقال: نعم إذا لم يكن له عروض. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم.»
وقال ابن هانئ كما في «مسائله» لـ أحمد (614): «سمعت أبا عبد الله يقول: يبدأ بالدين: إذا كان استقرض على الثمرة فأنفق عليها، يبدأ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة فيزكي ما بقي.»….
وانظر: «الخراج» لـ يحيى بن آدم (ص: 157)، «تبيين الحقائق» (1/255).
انظر قول ابن حزم في: «المحلى» (4/220).
وروى أبو عبيد في «الأموال» (1249)، حدثنا محمد بن كثير، عن حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: «إنما الزكاة على الذي يأكل مهنأه». [وسنده حسن].
ومقتضاه: وجوب الزكاة على المدين، وسقوطها عن الدائن.
وروى البيهقي من طريق يحيى، ثنا أبو بكر النهشلي، عن حماد بن أبي سليمان أنه قال: «يزكي الرجل ماله، وإن كان عليه من الدين مثله؛ لأنه يأكل منه وينكح فيه». [وسنده حسن].
وانظر: قول ربيعة الرأي، وحماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى في: «معرفة السنن» لـ البيهقي (6/151)، «الحاوي الكبير» (3/309)، «الخراج» لـ يحيى بن آدم (586).
وانظر: قول الحسن بن صالح في «الخراج» لـ يحيى بن آدم (584).
وروى مالك في «الموطأ»، رواية يحيى (3/253)، ومن طريق مالك أخرجه ابن زنجويه في «الأموال» (1755)، والطحاوي في «أحكام القرآن» (568)، عن يزيد بن خصيفة، أنه سأل سليمان بن يسار عن رجل له مال، وعليه دين مثله، أعليه زكاة؟ فقال: «لا». [وسنده صحيح].
وروى أبو عبيد في كتاب «الأموال» (1230): حدثنا ابن أبي زائدة، عن عبد الملك بن عطاء، عن عطاء، قال: «لا يزكي الذي عليه الدين، ولا يزكيه صاحبه حتى يقبضه». [وسنده صحيح].
وروى البيهقي في «السنن الكبرى» (4/250) من طريق وكيع، عن إسماعيل بن عبد الملك، قال: قلت لـ عطاء: الأرض أزرعها، فقال: «ادفع نفقتك، وزك ما بقي».
وإسماعيل صدوق كثير الوهم، ولكن صح عن عطاء من غير هذا الطريق.
وروى أبو عبيد في «الأموال» (1248)، حدثنا كثير بن هشام، عن جفعر بن برقان، عن ميمون بن مهران، قال: «إذا حلت عليك الزكاة فانظر كل مال لك، ثم اطرح منه ما عليك من الدين، ثم زك ما بقي». [وسنده حسن].
وروى ابن زنجويه في «الأموال» (1758) من طريق ابن المبارك، عن سفيان، قال: «إذا كان عليه ألف درهم، وعنده ألف درهم عروض وخادم ليست للتجارة، فليس عليه زكاة الألف لدينه». [وسنده صحيح].
وروى الطحاوي في «أحكام القرآن» (569)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/250)، من طريق ابن المبارك، قال: أخبرنا هشام، عن الحسن، قال: «إذا كان للرجل مال وعليه دين مثله فليس عليه شيء». [وسنده صحيح].
وروى ابن زنجويه في «الأموال» (1756)، والطحاوي في «أحكام القرآن» (570)، من طريق ابن المبارك، عن شريك، عن المغيرة، عن فضيل، عن الشعبي، وعن إبراهيم قالا: «إذا كان عليك دين ولك مال، فاحسب دينك منه، فإنما زكاته على صاحب الدين».
وشريك سيئ الحفظ.
لكن تابع شريكًا إسرائيل كما في «السنن الكبرى» لـ البيهقي (4/250)، فرواه عن المغيرة، عن فضيل، عن إبراهيم، قال: «ما عليك من الدين فزكاته على صاحبه». [وسنده حسن].
وفضيل هو ابن عمرو أبو النضر، من كبار أصحاب إبراهيم النخعي عليهم رحمة الله.
وروى البيهقي في «السنن» (4/250) من طريق الحسن، ثنا يحيى، ثنا عبد السلام، عن مسعر، عن الحكم، أن إبراهيم قال: «يزكي ماله وإن كان عليه مثله». قال: فكلمته حتى رجع عنه. [وسنده صحيح].
والحسن هو ابن علي بن عفان، قال أبو حاتم: صدوق، ووثقه الدارقطني. ويحيى: هو ابن آدم، ثقة.
وروى ابن زنجويه في «الأموال» (1757) من طريق شريك، والطحاوي في «أحكام القرآن» (570) من طريق ابن المبارك.
ورواه أيضًا (571) من طريق زائدة، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/250) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، أربعتهم عن ليث، عن طاوس قال: «إذا كان لك دين وعليك دين مثله، فلا زكاة عليك». زاد الطحاوي: «فإنما زكاته على صاحب الدين». [وسنده ضعيف بسبب الليث بن أبي سليم، لكنه قد توبع].
فقد رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (4/250) من طريق الحسن، ثنا يحيى، عن ابن مبارك، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن طاوس قال: «ليس عليه صدقة». [وسنده صحيح].
وانظر قول الليث بن سعد وسفيان الثوري في: «الأموال» لـ أبي عبيد (1252، 1254).
وانظر رواية الإمام أحمد في:
وانظر: قول الإمام الزهري وابن سيرين في «الخلافيات» لـ البيهقي (4/394).
«لا نعلم في السنة أن يترك حرث أو ثمر رجل عليه فيه دين فلا يزكي ولكنه يزكي وعليه دينه، فأما الرجل يكون له ذهب وورق عليه فيه دين فإنه لا يزكي حتى يقضي الدين». [وسنده صحيح].
الحسن هو ابن علي بن عفان، ويحيى هو ابن آدم، وسبق الكلام عليهما في القول السابق، وسكت عن المواشي، وظاهره أنها لا تلحق بالعين.
وروى البيهقي (4/250) من طريق ابن المبارك، عن طلحة بن النضر، قال: سمعت ابن سيرين يقول:
«كانوا لا يرصدون الثمار في الدين»، قال: قال ابن سيرين: «وينبغي للعين أن ترصد في الدين». [وسنده صحيح] قال البيهقي: «هذا هو مذهب الشافعي في القديم، فرق في ذلك بين الأموال الظاهرة والأموال الباطنة».
قلت:
مذهب الشافعي في القديم في كثير منه يوافق مذهب شيخه الإمام مالك، لكن ظاهر مذهب الإمام الزهري وابن سيرين أخص من مذهب الشافعي، فهم يفرقون بين الثمار والمواشي، والله أعلم.
وجاء في «الاستذكار» (3/160): قال الأوزاعي: «الدين يمنع الزكاة، ولا يمنع عشر الأراضي».
وانظر: «الخلافيات» لـ البيهقي (4/394)، «المقنع في فقه الإمام أحمد» (ص: 83)، «المبدع» (2/301)، «المغني» (3/68).
فرواه وكيع كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (10096)، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن عمرو ابن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عمر، وابن عباس في الرجل ينفق على ثمرته فقال: «أحدهما يزكيها» وقال الآخر: «يرفع النفقة ويزكي ما بقي».
وكذلك رواه لوين في «جزئه» (59) حدثنا أبو عوانة به، بلفظ: فقال ابن عباس: «يزكي ما خرج من الثمرة منها». وقال ابن عمر: «يقضي ما أنفق على ثمرته وأهله ثم يزكي ما بقي».
خالفهما أبو نعيم كما في «الأموال» لـ ابن زنجويه (1928) وعمرو بن عون كما في «الأموال» لـ ابن زنجويه (1929)، ويحيى بن آدم كما في كتاب «الخراج» له (589)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (4/249)، فرووه عن أبي عوانة به، بلفظ: قال ابن عمر: «يبدأ بما استقرض، ثم يزكي ما بقي»، وقال ابن عباس: «يبدأ بما أنفق على الثمرة، فيقضيه من الثمرة، ثم يزكي ما بقي».
والفرق: أن ما أنفق على الثمرة أعم مما استدان على الثمرة، فما أنفقه على الثمرة يعم الدَّين وغيره، بخلاف ما استقرض فهو في الدَّين خاصة.
فأي اللفظين أرجح؟
أرى أن تقديم الثلاثة على الاثنين أرجح من جهة العدد، يضاف إلى ذلك أن وكيعًا لم يستطيع أن يميز قول ابن عباس من قول ابن عمر، فقال: قال أحدهما: … وقال الآخر.
وجاء في «المغني» لـ ابن قدامة (3/68):
«وروي عن أحمد أنه قال: قد اختلف ابن عمر وابن عباس، فقال ابن عمر: يخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته وأهله، ويزكي ما بقي. وقال الآخر: يخرج ما استدان على ثمرته، ويزكي ما بقي.»
والرصد والإرصاد: الترقب والإعداد. وقيل: رصدت: ترقبت، وأرصدت: أعددت. وقيل: رصدت في الخير، وأرصدت في الشر. وقيل: يقال فيهما جميعًا. انظر: «التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة» (1/379).
«وضرب يعتبر فيه الحول كالمواشي، فينبغي أن يكون وقت مجيء الساعي معروفًا، ليتأهب أرباب الأموال لدفعها، ويتأهب الفقراء لأخذها، ويختار أن يكون ذلك في المحرم؛ لما روي عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه قال: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه وليزك بقية ماله.»
وجاء في «المهذب» لـ الشيرازي (1/308):
«يجوز لرب المال أن يفرق زكاة الأموال الباطنة بنفسه، وهي: الذهب والفضة وعروض التجارة والركاز؛ لما روي عن عثمان -رضي الله عنه- أنه قال في المحرم: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقض دينه وليزك بقية ماله.»
وحمل الحنابلة أثر عثمان على الرواية الثانية عن أحمد في الدين، وأنه لا يمنع الدين زكاة الأموال الظاهرة، حملوه على الأموال الباطنة ليوافق هذه الرواية. انظر: «الكافي» (1/381)، «المغني» (2/512) و (3/67)، «الممتع شرح المقنع» لـ التنوخي (1/672).
«حدث بالبواطيل عن الثقات وخاصة عن ابن جريج …. ولعمير بن عمران غير ما ذكرت ومقدار ما ذكرت مما رواه، عن ابن جريج لا يرويها غيره، عن ابن جريج والضعف بين على حديثه».
وانظر: «ميزان الاعتدال» (3/296)، و«المغني في الضعفاء» (4739).
وقال العقيلي في «الضعفاء» (3/318): «في حديثه وهم وغلط.»
وضعفه الدارقطني في «العلل» (4/194).
وقال الدارقطني كما في «سؤالات البرقاني» (318، 319): «عبد الكبير بن عبد المجيد، هو أبو بكر الحنفي، وهم أربعة أخوه هذا، وأخوه عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي، وشريك، وعمير. ولا يعتمد منهم إلا على أبي بكر، وأبي علي.»
وضعفه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/141).
وأبو بكر النهشلي وثقه ابن معين كما في «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (1613، 2348)، و«سؤالات ابن الجنيد» (350).
والإمام أحمد، كما في «سؤالات أبي داود للإمام أحمد» (415).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (1/382): «الزكاة تتعلق بالعين لا بالذمة.»
وقال الشيرازي في «المهذب» (2/264): «وإن كان له ماشية أو غيرها من أموال الزكاة، وعليه دين يستغرقه أو ينقص المال على النصاب، ففيه قولان: قال في القديم: لا تجب الزكاة فيه؛ لأن ملكه غير مستقر؛ لأنه ربما أخذه الحاكم بحق الغرماء فيه. وقال في الجديد: تجب فيه الزكاة؛ لأن الزكاة تتعلق بالعين، والدين يتعلق بالذمة، فلا يمنع أحدهما الآخر.»
وانظر: «المنتقى شرح الموطأ» (2/116)، «المسالك في شرح موطأ مالك» (4/45)، «المجموع» (5/343)، «الحاوي الكبير» (3/373)، «البيان» لـ العمراني (3/162)، «المهذب» لـ الشيرازي (1/264، 280)، «فتح العزيز» (5/551)، «حاشية الشرواني على تحفة المحتاج» (5/63)، «دقائق أولي النهى» (1/397)، «مطالب أولي النهى» (2/25).

عمل رائع ومشرف
نفع الله بكم اباعمر وزادكم توفيقا
آمين وإياكم
جزاكم الله خيرًا.