هل يصح وقف النقود؟
بحث وقف النقود يدخل تحت أكثر من عنوان، فإن شئت أدرجت هذا البحث تحت عنوان وقف المنقول باعتبار النقود من المنقولات، وإن شئت أدرجت هذا البحث تحت عنوان: اشتراط التأبيد في الأعيان الموقوفة، باعتبار أن النقود تتلف بالاستعمال، كما يصح بحث وقف النقود تحت عنوان: وقف ما لا تصح إجارته، والذي يهم القارئ هو بحث وقف النقود تحت أي عنوان من هذه العناوين.
والفائدة من هذا التنبيه:
هو معرفة مظان بحث هذه المسألة عند البحث عن كلام العلماء في كتب الفقه، والله أعلم.
قال ابن تيمية رحمه الله:
«وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي، ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانًا بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود بها الانتفاع بها بنفسها، فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية، أو الشرعية، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها، ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت »[2].
وجاء في «المدونة»:
«لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة، وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة »[3].
صحة وقف السلاح والكراع من أجل الجهاد دليل على صحة وقوف النقود.
اختلف العلماء في صحة وقف النقود: الدراهم والدنانير، ويدخل فيها المطعوم والشمع، وكل عين تكون منفعتها باستهلاكها على قولين:
اختاره ابن شاس، وابن الحاجب من المالكية[4]، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية[5]، والمشهور من مذهب الحنابلة[6]، وهو مقتضى قول أبي حنيفة وأبي يوسف حيث منعا من وقف المنقول[7].
وهو قول عند المالكية[8].
وهو مذهب المالكية[9]، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية[10]، ووجه في مذهب الحنابلة، رجحه ابن تيمية[11]، وهو مقتضى قول محمد بن الحسن، حيث يرى أن المنقول إذا جرى التعامل بوقفه صح وقفه[12].
قال في «الاختيار»: والفتوى على قول محمد؛ لحاجة الناس، وتعاملهم بذلك[13].
فإن أوقفها للإنفاق والتزين لم يصح، وهو المنصوص عن الإمام مالك [14]، ورواية الأنصاري عن الإمام زفر[15].
وكذا بأن تدفع مضاربة إلى من يعمل بها، ثم يتصدق بالربح في الوجه الذي وقفت عليه، وهذا مروي عن زفر من الحنفية[16].
وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، فإن وقفها، وأطلق بطل الوقف عند الحنابلة[17].
يرجع الخلاف في وقفها إلى الخلاف في مسألتين:
اشتراط التأبيد في الأعيان الموقوفة، فمن قال: يشترط في الوقف التأبيد كـ الجمهور قال: لا يصح وقف النقود، وكذا المطعوم؛ لأن ما لا يتأبد لا يصح وقفه.
ومن قال: لا يشترط في الوقف التأبيد لم يمنع من وقف النقود، والطعام، كـ المالكية.
وقد سبق بحث اشتراط التأبيد، ولله الحمد.
الخلاف في وقف الأعيان التي لا يمكن الانتفاع بها إلا بإتلافها، باعتبار أن حقيقة الوقف: هو عبارة عن تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، فرقًا بين الوقف، وبين الصدقة المطلقة.
والنقود، والطعام لا يمكن الوصول إلى منفعتها إلا باستهلاك أصلها، فمن ثم وقع الخلاف في وقف النقود، والطعام، وكيفيته، إذا قيل بالصحة.
وإذا عرفنا سبب الخلاف نأتي على ذكر الأدلة على وجه التفصيل.
ذكر الحنفية أن من شروط صحة الوقف التأبيد، والنقود والطعام كسائر المنقولات لا تتأبد؛ لكونها قابلة للفناء، والزوال، وقد استثنينا السلاح، والكراع؛ لورود النص فيهما، والقياس يترك للنص، وبقي ما عداهما على المنع [18].
قال أحمد رحمه الله تعالى:
«لا أعرف الوقف في المال، إنما الوقف في الدور والأرضين على ما وقف أصحاب النبي ﷺ، قال: ولا أعرف وقف المال البتة»[19].
الوجه الأول: إن كان المقصود من اشتراط التأبيد هو قصر الوقف على العقار فقط، ومنع الوقف في المنقول فقد ناقشت هذه المسألة في بحث مستقل، وقدمت الأدلة على صحة وقف المنقول، ويدخل فيها النقود، والطعام باعتبارها أعيانًا منقولة، ويكفي في ضعف هذا الشرط صحة النصوص في وقف السلاح، والكراع في سبيل الله، فإن ورود الوقف في هذه المنقولات يؤخذ منه فائدتان:
إحداها: جواز وقف السلاح والكراع دليل على ضعف هذا الشرط.
ثانيتهما: اعتبار النصوص الدالة على وقف السلاح والكراع أصل بذاتها، فيقاس عليها غيرها من سائر المنقولات.
وإن كان المقصود من اشتراط التأبيد ألا ينقطع مصرف الوقف بحيث ينتقل من بطن إلى آخر حتى ينتقل في آخر الأمر إلى جهة لا تنقطع، كالفقراء، والمساكين، فهذه مسألة أخرى سوف نتعرض لها بالبحث إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، أسأل الله العون والتوفيق.
الوجه الثاني: على فرض أن التأبيد شرط في صحة الوقف، فإن محمد بن الحسن يصحح وقف المنقول إذا جرى به التعامل وتعارف الناس على وقفه، كما قاله في السلاح والكراع[20].
قال ابن عابدين:
«لا يخفى عليك أن المفتى به الذي عليه المتون جواز وقف المنقول المتعارف»[21].
وقد صحح العلماء وقف الماء مع أنه منقول، ويهلك بالاستهلاك، فالنقود مثله، بل أولى، فإن النقود مال بالأصالة، والماء مال بالتقويم والحيازة.
بأن العرف معتبر في الموضع، أو الزمان الذي جرى فيه، ووقف النقود كان موجودًا في الدولة الرومية فقط، فلا يصح وقفها في البلاد الأخرى.
قال ابن عابدين:
«الظاهر اعتبار العرف في الموضع أو الزمان الذي اشتهر فيه دون غيره، فوقف الدراهم متعارف في بلاد الروم دون بلادنا، ووقف الفأس والقدوم كان متعارفًا في زمن المتقدمين، ولم نسمع به في زماننا، فالظاهر أنه لا يصح الآن، ولئن وجد نادرًا لا يعتبر؛ لما علمت من أن التعامل هو الأكثر استعمالًا فتأمل»[22].
بأننا إذا لم نصحح الوقف في النقود والطعام لجريان التعامل قلنا بالصحة لمقتضى القياس على النصوص الدالة على صحة وقف المنقول من سلاح، وكراع، والقياس دليل لم يخالف فيه إلا الظاهرية، وقولهم شاذ، بينما القول باعتبار العمل دليلًا شرعيًا، خاصة عمل ما بعد الصحابة، ولو في بعض البلاد الإسلامية لم يقل به إلا الحنفية، وهو قول ضعيف، وعمل الناس ينبغي أن يعرض على الشرع، لا أن يعرض الشرع على عمل الناس، وكيف يكون الشيء في بلد حلالًا، وفي آخر حرامًا، وذات الشيء واحدة، أليس هذا مدعاة لاضطراب الأحكام.
أن الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وكيف يتصور حبس النقود والطعام، إذا كانت منفعتهما هي الثمنية والأكل، وهاتان المنفعتان لا يمكن تحصيلهما إلا باستهلاك أصلهما.
قال ابن قدامة:
«ولا يصح وقف ما لا ينتفع به مع بقاء عينه كالأثمان، والمأكول، والمشروب، والشمع؛ لأنه لا يحصل تسبيل ثمرته مع بقائه»[23].
وقال أيضًا:
«أن ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالدنانير، والدراهم، والمطعوم، والمشروب، والشمع، وأشباهه لا يصح وقفه في قول عامة الفقهاء، وأهل العلم، إلا شيئًا يحكى عن مالك، والأوزاعي في وقف الطعام…» [24].
بأن وقف النقود، والطعام يكون على أكثر من طريقة، فإن كان وقفها لإقراضها، فإن بدل القرض يقوم مقام بقاء العين.
قال ابن عابدين:
«إن الدراهم لا تتعين بالتعيين فهي وإن كانت لا ينتفع بها مع بقاء عينها لكن بدلها يقوم مقامها لعدم تعيينها فكأنها باقية»[25].
وإن كان وقف النقود يكون للمضاربة بها، وصرف ربحها على الموقوف عليه فإن رأس مال المضاربة يكون بمنزلة الأصل، والربح بمنزلة الثمرة، ومثله يقال في المضاربة بالطعام فإن الصحيح جواز المضاربة بالعروض مثليًا كان، أو متقومًا بعد تقويمه، والله أعلم.
لا أعلم دليلًا يقتضي كراهة وقف النقود، ولعل مأخذ القائلين بـ الكراهة هو طلب الخروج من الخلاف، فإن كان هذا هو دليلهم فهو دليل ضعيف؛ لأن الكراهة دليل شرعي يقوم على دليل شرعي، والخروج من الخلاف ليس من أدلة الشرع، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والخروج من الخلاف عند من يقول به في بعض المسائل، لا يؤدي إلى إحداث قول قائم برأسه، وإنما يكون الخروج من الخلاف في مسألة يكون الخلاف قويًا، ويمكن الجمع بين القولين احتياطًا، كما لو اختلف الناس في وجوب شيء واستحبابه، فإن فعله يكون خروجًا من الخلاف، أما إذا كان فعله يدور بين الصحة والبطلان لا تكون الكراهة خروجًا من القول بـ البطلان، والله أعلم.
الوقف من عقود التبرع، ويراد للإرفاق والإحسان، والأصل فيه الجواز، والصحة، سواء تبرع المالك بالمال أصلًا وعينًا، كالصدقات، والهبات، أو تبرع بمنفعة المال، وحبس أصله كالوقف، ولا يمنع منه شيء إلا لدليل من الشرع، أو معنى يقتضي المنع، ولا دليل من الشرع يمنع من صحة وقف النقود، وسائر المنقولات، ولا يوجد معنى يقتضي المنع حتى يقال به، فكان القول بـ الصحة هو مقتضى القواعد.
الأدلة العامة الدالة على مشروعية الوقف، فإن هذه النصوص تشمل النقود، كما تشمل غيرها من سائر الأموال الثابتة، والمنقولة، ولا يوجد دليل من كتاب، ولا سنة يخصص هذه النصوص، أو يقيدها بالثابت دون المنقول، ولا بالدائم دون المستهلك، والأصل أن الدليل العام يبقى على عمومه، والمطلق على إطلاقه، حتى يرد دليل من الشرع يقتضي التخصيص، أو التقييد، ولا يجوز تخصيص العام، أو تقييد المطلق بالرأي المحض، والله أعلم.
بأننا لا نسلم أن وقف النقود يدخل في عموم أدلة مشروعية الوقف، فكان الواجب الاقتصار على مورد النص.
ليس الأصل في الوقف المنع حتى يقال: يجب الاقتصار على مورد النص، وإذا كان البيع الأصل فيه الجواز، والصحة، وهو قائم على المعاوضة، فما بالك بالوقف القائم على التبرع، والإحسان، فكل من منع معاملة من المعاملات المالية، فإنه مطالب بالحجة والبرهان على هذا المنع، وليس العكس.
قياس وقف النقود على النصوص الدالة على صحة وقف المنقول من سلاح، وكراع، بجامع أن كلًا منها مال منقول.
لا يصح قياس وقف النقود على وقف السلاح، والكراع؛ لأن المعنى الموجود في السلاح، والكراع لا يوجد في النقود.
جاء في «فتح القدير»:
«حكم الوقف الشرعي التأبيد، ولا يتأبد غير العقار، غير أنه ترك في الجهاد؛ لأنه سنام الدين، فكان معنى القربة فيهما أقوى، فلا يلزم من شرعية الوقف فيهما، شرعيته فيما هو دونهما، ولا يلحق دلالة أيضًا؛ لأنه ليس في معناهما»[26].
بأن الكلام هذا مبني على مقدمتين ونتيجة:
المقدمة الأولى: حكم الوقف الشرعي التأبيد، ولا يتأبد غير العقار.
المقدمة الثانية: استثني وقف السلاح، والكراع، وإن كان منقولًا لا يتأبد من أجل مصلحة الجهاد.
النتيجة: لا يلزم من صحة الوقف في السلاح والكراع صحة الوقف في سائر المنقولات، ومنها النقود.
فيجاب: بأن القول بأن حكم الوقف الشرعي التأبيد هذه دعوى في محل النزاع، فأين البرهان على هذه الدعوى حتى يصح أن يقال: إن مقتضى القياس المنع من وقف السلاح والكراع، وإنما ترك هذا من أجل مصلحة الجهاد، فلم تصح المقدمة الأولى حتى تصح المقدمة الثانية، وإذا لم تصح المقدمات لم تصح النتائج.
فلو عكس أحد هذا، فقال: إن كان وقف السلاح، والكراع صحيحًا من أجل الجهاد، دل على صحة وقف النقود؛ لأن حاجة الجهاد إلى المال، لا تقل عن حاجة الجهاد إلى السلاح، والكراع، فالله سبحانه وتعالى ذكر في الجهاد نوعين منه: الجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، وكان يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في أكثر الآيات القرآنية، فلو كانت الحاجة هي التي أباحت الوقف في السلاح، والكراع فهي قائمة في النقود.
وإن كان وقف السلاح، والكراع صحيحًا من أجل أنه مال ينتفع به، فهذا المعنى موجود في النقود أيضًا.
ما رواه البخاري تعليقًا، قال أبو عبد الله البخاري:
وقال عثمان: قال النبي ﷺ:
«من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين؟» فاشتراها عثمان.
[رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، وهو حديث صحيح بطرقه][27].
إذا صح وقف الماء، وهو منقول، ولا يتأبد، ومنفعته باستهلاكه صح وقف المال؛ حيث لا فرق.
بأن وقف البئر أعم من وقف الماء، والبئر غير منقول، والله أعلم.
القول بـ جواز وقف النقود أقوى من حيث القياس، وأنفع للعباد، والمنع فيه تضييق لباب من أبواب الخير، دون دفع مفسدة تخشى، وإذا حبس المال، ودفع منه لراغبي الزواج، أو لأصحاب الاستثمارات الصغيرة الناجحة، وقدمنا المساعدات للموقوف عليهم على شكل قروض ميسرة تحققت المصلحة، ودفعت الحاجة، وأبقينا على رأس المال، ليدور فترة أطول في نفع البلاد، والعباد، على أنه لا يجوز لناظر هذا المال أن يدفعه إلى مشاريع ذات مخاطر عالية، كاستثماره في سوق الأسهم حتى يحمى رأس المال من المخاطر العالية، وينبغي أن يحرص على الحصول على ضمانات شرعية من رهن أو كفيل لاسترداد المال، والله أعلم.
ونقد من باب قتل، والفاعل ناقد، والجمع نقاد: مثل كافر، وكفار، يقال: نقدت الدراهم أنقُدُها نقْدًا إذا أعطيته إياها، ونقدتها له فانتقدها: أي قبضها.
ونقد الدراهم: ميز جيدها من رديئها، ونقد الشعر: أظهر ما فيهما من عيب، أو حسن، والنقد: فن تمييز جيد الكلام من رديئه، وصحيحه من فاسده، وفلان ينقد الناس: يعيبهم ويغتابهم
والنقد خلاف النسيئة، يقال: نقدت له الثمن: أي أعطيته له معجلًا.
والنقد: هو العين المضروب دنانير ودراهم من الذهب والفضة ليس بعرض. انظر: مادة (نقد) من «الصحاح» و«لسان العرب»، وانظر «تاج العروس» (9/230)، «المعجم الوسيط» (2/944).
