ذكرنا في ما سبق الخلاف في الوضوء بفضل المرأة.
وعلمنا أن قول الجمهور جواز الوضوء بفضل المرأة، والذي منع من الوضوء بفضل المرأة هم الحنابلة[1]، وابن حزم[2]، كما سبق.
ولا شك أن الذي أجاز الوضوء بفضل المرأة أجاز الوضوء بفضل الرجل من باب أولى.
ولم يمنع الحنابلة وابن حزم[3] الوضوء بفضل الرجل، مع منعهم الوضوء بفضل المرأة، وقد حكي فيه الإجماع، نقله جماعة من أهل العلم.
قال ابن عبدالبر:
لا بأس بفضل وضوء الرجل المسلم يتوضأ منه، وهذا كله في فضل طهور الرجل إجماع من العلماء - والحمد لله[4].
وقال النووي - رحمه الله -:
واتفقوا على جواز وضوء الرجل والمرأة بفضل الرجل.
وقال أيضًا:
لا نعلم أحدًا من أهل العلم منعها - أي: المرأة - فضل الرجل[5].
وقال أيضًا:
وأما تطهير المرأة بفضل الرجل، فجائز بالإجماع أيضًا[6].
ومع نقل الإجماع إلا أن الحديث الوارد قد جمع النهي عن الوضوء بفضل الرجل كما نهى عن الوضوء بفضل المرأة، فإن صح الإجماع فذاك، وإلا فلينظر في الحديث، فقد روى الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا يونس وعفان، قالا: ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبدالله الأودي، عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة أربع سنين، قال: نهانا رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في مغتسله، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعًا [7].
وهذا حديث رجاله ثقات.
وما حكي من الإجماع فينظر في صحة دعواه؛ فإن صح كان دليلاً لقول الإمام أحمد في تضعيف النهي عن الوضوء بفضل المرأة؛ لأنه لا يمكن أن ينهى الرسول ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة، ويسوي الحديث بينهما في النهي، ثم ينقل الإجماع على عدم النهي عن وضوء المرأة بفضل الرجل، إلا إذا كان النهي الوارد لا يثبت عن الرسول ﷺ والله أعلم.
----------------------
انظر العزو إلى كتبهم في المسألة السابقة.
المحلى (1/204).
قال المرداوي في الإنصاف (1/51): مفهوم قوله "امرأة" أن الرجل إذا خلا به لا تؤثر خلوته منعًا، وهو صحيح، وهو المذهب. وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم. ونقله الجماعة عن أحمد. وحكاه القاضي وغيره إجماعًا. وذكر ابن الزاغوني عن الأصحاب وجهًا بمنع النساء من ذلك. قال في الرعاية: وهو بعيد. وأطلقهما ناظم المفردات. اهـ
وقال ابن حزم في المحلى (1/204): أما فضل الرجال، فالوضوء به والغسل جائز للرجل والمرأة، إلا أن يصح خبر في نهي المرأة عنه فنقف عنده، ولم نجده صحيحًا. اهـ
التمهيد (1/218).
المجموع (2/221، 222).
شرح صحيح مسلم (4/2).
مسند أحمد (4/111)، وسبق تخريجه.