موقع الشيخ دبيان الدبيان

تعريف الدَّين وتوصيفه، والفرق بين الدَّين والعَيْن

📌 مدخل:

قال ابنُ مفلحٍ: «الدَّيْنُ» لا يثبتُ إلا في الذِّمَمِ[1].
قال في «الحاوي»: جميعُ الديونِ تُقْضَى من جميعِ الأموالِ[2].
وفيهِ أيضاً: كلُّ حقٍّ ثابتٍ في الذمةِ لا يبطلُ بتلفِ المالِ كـالدَّيْنِ والقرضِ[3].

تعريفُ الدَّيْنِ [4]

«الدَّيْنُ» في اصطلاحِ الفقهاءِ:

عَرَّفَهُ ابنُ عابدينَ بقولِهِ:
«الدَّيْنُ: ما وجبَ في الذمةِ بـعقدٍ أو استهلاكٍ، وما صارَ في ذمتِهِ دَيْناً باستقراضِهِ»[5].

فقولُنا (ما وجبَ في الذمةِ):

الذمةُ: وصفٌ يصيرُ بهِ الإنسانُ أهلاً لما لهُ، وما عليهِ، فيكونُ أهلاً للتملكِ، كما يكونُ أهلاً لتحملِ دفعِ ثمنِ ما يملكُ[6].

هذا هو تعريفُ الحنفيةِ لـالذمةِ، فهو وصفٌ قَدَّرَهُ الشارعُ وافترضَ وجودَهُ في الشخصِ إيذاناً بصلاحيتِهِ لأن تكونَ لهُ حقوقٌ، وعليهِ واجباتٌ.

وخالفهم آخرونَ، فلم يَرَوْا أنَّ الذمةَ وصفٌ مُقَدَّرٌ، وإنما الذمةُ: هي النفسُ والذاتُ، فإذا قِيلَ: ثبتَ المالُ في ذمةِ فلانٍ، وتعلقَ بذمتِهِ، وبرئتْ ذمتُهُ، وشُغِلَتْ ذمتُهُ، فالمرادُ بذمتِهِ: ذاتُهُ، ونفسُهُ؛ لأنَّ الذمةَ في اللغةِ: العهدُ والأمانةُ، ومحلُّها: النفسُ، فَسُمِّيَ محلُّها باسمِها[7].

كما أنَّ التعريفَ جعلَ الدَّيْنَ يشملُ ثلاثةَ أمورٍ:

الأمرُ الأولُ: ما وجبَ بـعقدٍ في الذمَّة:
كـالمعاوضةِ عن طريقِ البيعِ والشراءِ والإجارةِ.

الأمرُ الثاني: ما ثبتَ عن طريقِ الاستهلاكِ:
كالإتلافِ مثلاً.

الأمرُ الثالثُ: ما ثبتَ عن طريقِ القرضِ.

💡 فـالدَّيْنُ أعمُّ من القرضِ، فكلُّ قرضٍ دَيْنٌ، وليس العكسَ.

وقال ابنُ نجيمٍ:
الدَّيْنُ «لزومُ حقٍّ في الذمةِ»[8].

وهذا أحسنُها؛ لأنهُ يشملُ كلَّ ما يشغلُ ذمةَ الإنسانِ، سواءٌ أكان حَقّاً للهِ، أم للعبدِ. 

📖 ودَينُ اللهِ: حقوقُهُ التي ثبتتْ في الذمةِ، ولا مُطَالِبَ لها من جهةِ العبادِ.
 كالنذورِ والكفاراتِ، وصدقةِ الفطرِ…[9].

توصيفُ الدَّيْنِ:

يُطْلِقُ الفقهاءُ كلمةَ (الدَّيْنِ) في مقابلِ كلمةِ (العينِ).

فإذا كانتِ العينُ من الأموالِ هي ذَاتاً يمكنُ الإشارةُ إليها بالتعيينِ، وتُرَى بالعينِ، فإنَّ الدَّيْنَ وصفٌ، وليس عَيْناً، ويثبتُ في الذمةِ، ولا يمكنُ الإشارةُ إليهِ.

فإذا اشتريتَ سيارةً بسيارةٍ: فقد اشتريتَ عَيْناً بعينٍ.

وإذا اشتريتَ سيارةً بدراهمَ غيرِ معينةٍ، أو معينةٍ -على القولِ بأنَّ الدراهمَ لا تتعينُ بالتعيينِ-: فقد اشتريتَ عَيْناً بـدَيْنٍ، حتى ولو كانت الدراهمُ حَالَّةً فإنها تُسَمَّى دَيْناً، لأنَّ الدَّيْنَ قد يكونُ حَالّاً، وقد يكونُ مؤجَّلاً.

والفرقُ بينهما:
أنَّ المعيَّنَ إذا تَلِفَ فقد فاتَ.
وغيرُ المعيَّنِ (الدَّيْنُ) إذا تَلِفَ مالُ الإنسانِ لم يَفُتْ؛ لأنَّ تعلقَهُ بـالذمةِ، وليس بعينِ المالِ فَتُشْغَلُ ذمتُهُ بدفعِ مثلِهِ.

جاءَ في «مجلةِ الأحكامِ العدليةِ»:
«الدَّيْنُ ما يثبتُ في الذمةِ، كمقدارٍ من الدراهمِ في ذمةِ رجلٍ، ومقدارٌ منها ليس بحاضرٍ، والمقدارُ المعيَّنُ من الدراهمِ أو من صبرةِ الحنطةِ الحاضرتينِ قبلَ الإفرازِ، فكلُّها من قبيلِ الدَّيْنِ»[10].

فجعلَ شراءَ المقدارِ المعيَّنِ بكيلٍ من صبرةِ الحنطةِ قبلَ كيلِها من قبيلِ الدَّيْنِ، ولو كانت حاضرةً.

فتقسيمُ المالِ إلى دَيْنٍ وعينٍ إنما هو تقسيمٌ باعتبارِ متعلقِهِ.

فالمالُ:

• إما أن يتعلقَ بـالذمةِ، وهو ما يُسَمَّى: بـالدَّيْنِ.

• أو لا يتعلقَ بـالذمةِ، فـيُسَمَّى: بـالعينِ.

وأقربُ مثالٍ يوضحُ ذلك:

أنَّ الزكاةَ لما كانت متعلقةً بـعينِ المالِ، وليست بـالذمةِ وجبتْ في مالِ الصبيِّ والمجنونِ، مع أنَّ ذمتَهما ليست مَحَلّاً لـالتكليفِ.

قال ﷺ: «فإن هم أجابوكَ لذلك فأعلمْهم أنَّ اللهَ افترضَ عليهم صدقةً في أموالِهم»[11].

الفرقُ بين الدَّيْنِ والعينِ من وجوهٍ:

الأولُ: المالُ المعيَّنُ إذا تَلِفَ بغيرِ تعدٍّ ولا تفريطٍ فقد فاتَ.

أما المالُ الثابتُ في الذمةِ فإنهُ لا يبطلُ بتلفِ مالِ صاحبِهِ.

الثاني: من عليهِ دَيْنٌ فلهُ قضاؤُهُ من أيِّ مالِهِ شاءَ، فـالدَّيْنُ يمكنُ وفاؤُهُ بدفعِ مثلِهِ، وإن لم يدفعْ عينَهُ.

بخلافِ العينِ فإنَّ الحقَّ يتعلقُ بذاتِها، لا بأمثالِها.

الثالثُ: الحوالةُ، والمقاصةُ لا تجري إلا في الديونِ؛ لأنَّ الأعيانَ إنما تُسْتَوْفَى بذاتِها، لا بأمثالِها.

فائدةٌ: إذا تزاحمَ حقانِ في محلٍّ: أحدهما متعلقٌ بذمةِ من هو عليهِ، والآخرُ متعلقٌ بعينِ من هي لهُ:

قُدِّمَ الحقُّ المتعلقُ بـالعينِ على الآخرِ؛ لأنهُ يفوتُ بفواتِها، بخلافِ الحقِّ الآخرِ[12].

لحديثِ أبي هريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «من أدركَ مالَهُ بعينِهِ عند رجلٍ أو إنسانٍ قد أفلسَ، فهو أحقُّ بهِ من غيرِهِ». [متفقٌ عليهِ][13].

الحواشي والمراجع
[1] «الفروعُ» (4/163).
[2] «الحاوي» (17/414).
[3] «الحاوي» (3/128).
[4] الدَّيْنُ: يُقَالُ: دانَ فلانٌ يَدِينُ دَيْناً: استقرضَ، وصارَ عليهِ دَيْنٌ، فهو دائنٌ. ورجلٌ مَدِينٌ: كمقيلٍ. ومديونٌ، ومُدَانٌ كمجابٍ، وتُشَدَّدُ الدالُ: أي لا يزالُ عليهِ دَيْنٌ. أو رجلٌ مديونٌ: كثيرٌ ما عليهِ من الدَّيْنِ. وأَدَانَ وادَّانَ واستدانَ وتديَّنَ: أخذَ دَيْناً. ورجلٌ مِدْيَانٌ: يقرضُ الناسَ كثيراً.

وقِيلَ: يستقرضُ كثيراً.

وقال ابنُ الأثيرِ:
المديانُ: مفعالٌ من الدَّيْنِ للمبالغةِ، وهو الذي عليهِ الديونُ.

وداينتُهُ مداينةً: أقرضتُهُ وأقرضني. انظر «تاجَ العروسِ» (18/214).

[5] «حاشيةُ ابنِ عابدينَ» (5/157).
[6] انظر «دررَ الحكامِ شرحَ مجلةِ الأحكامِ» (1/25).
[7] انظر «معجمَ المصطلحاتِ الاقتصاديةِ» – نزيه حماد (ص: 173).
[8] «فتحُ الغفارِ بشرحِ المنارِ» (3/20)، وانظر «شرحَ التلويحِ على التوضيحِ» (2/132-133).
[9] «الموسوعةُ الكويتيةُ» (21/142).
[10] «مجلةُ الأحكامِ العدليةِ» مادة (158).
[11] «صحيحُ البخاريِّ» (1308) و«مسلمٌ» (27).
[12] انظر «المنثورَ في القواعدِ» (2/64).
[13] «البخاريُّ» (2402)، و«مسلمٌ» (1559).

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*