📌 مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
📌 أدلة الجمهور على اشتراط الطهارة:
من الكتاب قولُه تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)
[الواقعة: 77-79]، فالآيةُ خبرٌ بمعنى النهيِ، أي لا يمسُّ المصحفَ إلا المطهرُ: والمطهرُ هو المتطهرُ من الحدثِ الأصغرِ والأكبرِ، ومنه الحيضُ.
بأن المرادَ بـالمطهرون الملائكةُ. والضميرُ في قولِه: (لاَّ يَمَسُّهُ) يعودُ إلى أقربِ مذكورٍ، وهو الكتابُ المكنونُ.
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) إنما هي بمنزله هذه الآية التي في عبس: قول الله تبارك وتعالى: (كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: 11 – 16]
الآيةِ التي في عبس: قولُ اللهِ تبارك وتعالى: (كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: 11-16]» [7].
قالوا: إن ما ورد في الآيةِ ليس أمرًا، وإنما هو خبرٌ، واللهُ سبحانه وتعالى لا يقولُ إلا حقًا، ولا يجوزُ أن يُصرفَ لفظُ الخبرِ إلى معنى الأمرِ إلا بنصٍ جليٍّ، أو إجماعٍ متيقنٍ، ولما كان المصحفُ يمسُّه الطاهرُ وغيرُ الطاهرِ علمنا أنه عز وجل لم يعنِ المصحفَ، وإنما عنى كتابًا آخرَ، وهو الكتابُ المكنونُ.
(1759-220) ما رواه الدارقطنيُّ من طريقِ سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى قال: سمعتُ سالمًا يحدثُ عن أبيهِ قال قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا يمسُّ القرآنَ إلا طاهرٌ» [10].[ضعيف، والمعروفُ أنه من فعلِ ابن عمر] [11].
(1760-221) ما رواه الدارقطنيُّ من طريقِ إسماعيل بن إبراهيم المنقري، قال: سمعتُ أبي، أخبرنا سويد أبو حاتم، أخبرنا مطر الوراق، عن حسان بن بلال، عن حكيم بن حزام أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: «لا تمسَّ القرآنَ إلا وأنت على طهرٍ» [12].[إسناده ضعيف] [13].
(1761-222) ما رواه الطبرانيُّ في الكبير حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي، حدثنا يعقوب بن حميد، حدثنا هشام بن سليمان، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن سعيد بن عبد الملك، عن المغيرة بن شعبة، قال:
قال عثمان بن أبي العاص -وكان شابًّا- [14] وفدنا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فوجدني أفضلهم أخذًا للقرآن، وقد فضلتهم بسورة البقرة فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «قد أمرتك على أصحابك، وأنت أصغرهم، فإذا أممت قومًا فأمهم بأضعفهم؛ فإن وراءك الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة، وإذا كنت مصدقا فلا تأخذ الشافع: وهي الماخض، ولا الربى، ولا فحل الغنم، وحزرة الرجل هو أحق بها منك، ولا تمس القرآن إلا وأنت طاهر. واعلم أن العمرة هي الحج الأصغر، وأن عمرة خير من الدنيا وما فيها وحجة خير من عمرة» [15].[ضعيف جدًّا] [16].
(1762-223) ما رواه علي بن عبد العزيز في منتخبه، قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا مسعدة البصري، عن خصيب بن جحدر، عن النضر بن شفي، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر، العمرة الحج الأصغر، وعمرة خير من الدنيا وما فيها، وحجة أفضل من عمرة» [17].[ضعيف جدًّا] [18].
قال ابن القطان: «وهو إسناد في غاية الضعف، ولم أجد للنضر بن شفي ذكرًا في شيء من مظان وجوده. وهو مجهول جدًّا».
وأما الخصيب بن جحدر، فقد رماه ابن معين بالكذب، واتقى أحمد بن حنبل حديثه، وإنما كان يروي ثلاثة عشر أو أربعة عشر حديثًا.
وقال أبو حاتم: له أحاديث مناكير.
وأما مسعدة البصري: فهو ابن اليسع، خرق أحمد بن حنبل أحاديثه، وتركه. وقال أبو حاتم: إنه يكذب على جعفر بن محمد.
فهو إسناد مظلم.
حديث عمرو بن حزم، وهو حديث طويل، من كتاب كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن، وسنذكره بطوله لنرى ما توبع فيه مما انفرد به.
(1763-224) فقد روى ابن حبان من طريق الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها:
من محمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قَيْلِ [19] ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد.
فقد رجع رسولكم، وأعطيتم الغنائم خمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار، وما سقت السماء أو كان سيحًا أو بعلًا ففيه العشر إذ بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق. وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين فإذا زادت واحدةً على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض، فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإذا زادت على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسًا وأربعين، فإذا زادت على خمس وأربعين ففيها حقة طروقة إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين واحدة ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت على خمس وسبعين واحدة ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين فإن زادت على تسعين واحدة ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومئة، فما زاد ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل. وفي كل ثلاثين باقورة بقر وفي كل أربعين شاة سائمة إلى أن تبلغ عشرين ومئة فإن زادت على عشرين ومئة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مئتين فإن زادت واحدة فثلاثة شياه إلى أن تبلغ ثلاثة مائة فما زاد ففي كل مائة شاة شاة، ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا عجفاء ولا ذات عوار ولا تيس الغنم، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، فما زاد ففي كل أربعين درهم، وليس فيها دون خمس أواق شيء. وفي كل أربعين دينارًا دينار، وإن الصدقة لا تحل لـمحمد، ولا لأهل بيته وإنما هي الزكاة تزكى بها أنفسهم في فقراء المؤمنين، أو في سبيل الله، وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر وليس في عبد المسلم ولا فرسه شيء، وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم وإن العمرة الحج الأصغر. ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتق حتى يبتاع، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على منكبه منه شيء، ولا يحتبين في ثوب واحد ليس بينه وبين السماء شيء، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد وشقه باد، ولا يصلين أحدكم عاقصًا شعره، وإن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فهو قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار لفظ الخبر لـحامد بن محمد بن شعيب.
قال أبو حاتم: سليمان بن داود هذا هو سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون وسليمان بن داود اليمامي لا شيء وجميعهما يرويان عن الزهري [20].
[ضعيف جدًّا، والصحيح أنه مرسل] [21].
وما ورد مسندًا لا تقوم به حجة؛ لأنه من رواية متروك وأما المرسل فإسناده صحيح، ولكن المرسل من قسم الضعيف.
وبعضهم احتج به لا من جهة الإسناد، ولكن من جهة تلقي العلماء له بالقبول، قال ابن حجر: «صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة.
فقال الشافعيُّ في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة.
وقال العقيليُّ: هذا حديث ثابت محفوظ إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع ممن فوق الزهري.
وقال يعقوبُ بنُ سفيانَ: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم.
قال الحاكمُ: قد شهد عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وإمام عصره الزهريُّ لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما» [٢٢].
وقال ابنُ تيميةَ: «قال أحمدُ لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه له» [٢٣].
أولًا: مناقشة دعوى تلقي الناس له بالقبول، كما نقله الحافظ عن ابن عبد البر. المقصود بالناس: هم العلماء، فهي حكاية عن الإجماع.
وهل هي حكاية للإجماع بما ورد فيه من أحكام، أو الإجماع على صحة الكتاب وثبوته، ولا يلزم منه الإجماع على دلالته؛ لأنه قد يصح الدليل، وينازع في الاستدلال، كلاهما محتمل، وإن كان الراجح أن المقصود الإجماع على صحة الكتاب، ودعوى أن الكتاب متلقى بالقبول يدخلها ما يدخلها.
ثانيًا: إثبات هذا التلقي؛ فإن كثيرًا من الفقهاء قد يدّعون في أحاديث أنها متلقاة في القبول، وعند التمحيص لا تثبت هذه الدعوى، ولم أر البخاريَّ ومسلمًا قد خرجا في صحيحيهما أحاديث اعتمادًا على تلقي الناس لها بالقبول، وإنما المعتمد هو الإسناد، وقد ضعف هذا المرسل داود الظاهريُّ، وابنُ حزمٍ، وابنُ المنذرِ، وخلافهم معتبر، وهو يبطل دعوى الإجماع؛ لأنهم من جملة المؤمنين الداخلين في قوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) [النساء: 115]، هذا إن كانت دعوى الإجماع على صحة الكتاب، وإن كانت دعوى الإجماع على ما ورد فيه من أحكام؛ فإن الخلاف في مس المصحف محفوظ من لدن التابعين إن لم يكن من لدن الصحابة.
ثالثًا: عبارة ابن عبد البر في التمهيد تختلف عن العبارة التي نقلها الحافظ، فقد قال ابن عبد البر: «والدليل على صحة كتاب عمرو بن حزم تلقي جمهور العلماء له بالقبول …» إلخ [24]. وفرق بين قوله: «تلقي الناس له بالقبول»، وبين قوله: «تلقي جمهور العلماء ..» فإن اللفظ الثاني يثبت أن التلقي ليس من كافة العلماء، وإنما هو من جمهورهم.
رابعًا: على فرض أن دعوى التلقي بالقبول مسلم؛ فإن مسألة مس المصحف مستثناة، أرأيت الصحيحين قد قال بعض أهل العلم: إن أهل العلم قد تلقاهما الناس بالقبول، ومع ذلك لا يدخل في هذا التلقي ما تكلم فيه الأئمة كالدارقطني وغيره. فإذا كنا نستثني الأحاديث التي تكلم فيها العلماء من هذا التلقي، استثنينا أيضًا مس المصحف من ثبوت التلقي لثبوت النزاع فيها؛ إذ لا يمكن إثبات الإجماع وضده في آن واحد، فإن قال قائل: لا يمكن أن نحتج بهذا المرسل في الدماء والأموال، ثم لا يحتج به في هذه المسألة، التي هي أهون بكثير من انتهاك مال المسلم أو دمه، بل قد انعقد الإجماع على استحباب الطهارة لـمس المصحف.
أن ما يتعلق بالأموال والدماء ليس الاعتماد على هذا المرسل، بل الاعتماد على أحاديث أخرى ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [25].
قالوا: إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة والحيض أو الحدث الأصغر لا يصح حقيقة ولا مجازًا، فـالمؤمن طاهر دائمًا، سواء كان جنبًا، أو حائضًا، أو على بدنه نجاسة، أم لا.
فقوله: (لا يمس القرآن إلا طاهر) يحتمل أن المعنى: لا يمس القرآن إلا مؤمن. يؤيده كون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بعثه إلى نجران، وفيها مشركون، وقد قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: 28].
(1764-225) وروى البخاري، من طريق أبي رافع،
عن أبي هريرة، قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم جئت، وهو قاعد، فقال: أين كنت يا أبا هر.
فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم [26].
(1765-226) وروى مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال قرأت على مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.
ويحتمل أنه طاهر من الحدث الأكبر. ويحتمل أنه طاهر من الحدث الأصغر. ويحتمل أنه طاهر من النجاسة الحسية، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل الاستدلال.
بأن القرآن والسنة كانت تخاطب جماعة الصحابة بوصف الإيمان والإسلام (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا…) (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ…) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه…) (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ…) ولم يخاطب القرآن جماعة الصحابة بصفة الطاهرين، فلم يقل: يا أيها الطاهرون .. فيبقى الطاهر، هل هو من الحدث أو من النجاسة؟
أما من تطهر من الحدث، وعلى بدنه نجاسة فإنه لا يمنع من مس المصحف، إذا كانت النجاسة لا تتعدى. لا أعلم في المسألة خلافًا، فخرجت طهارة الخبث، وبقيت طهارة الحدث، ونحن نقول بشمولها للحدثين الأصغر والأكبر، فلا يمنع من حمل المشترك على جميع أفراده، وعدم إخراج واحد منها إلا بدليل. والله أعلم.(1766-227) وقد روى البخاري من طريق عروة بن المغيرة،
عن أبيه، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. ورواه مسلم [27]>.
فوصف الرسول صلى الله عليه وسلم قدميه بعد الوضوء بأنها طاهرة: أي من الحدث.
وقال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ…) إلى قوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: 6].
فسمى الله الاغتسال من الجنابة طهارة، مع أنه صلى الله عليه وسلم هو القائل: إن المؤمن لا ينجس.
(1767-228) روى مسلم من طريق مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال:
ألا تدعو لي يا ابن عمر، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول وكنت على البصرة [28].
والطهور: اسم لما يتطهر به. وهذا الكلام صحيح لو أن حديث: لا يمسك القرآن إلا طاهر متصل وصحيح الإسناد، فالمتصل ضعيف جدًّا، وصحيح الإسناد مرسل، وكلاهما ليسا بحجة.
•الدليل السادس:
(1768-229) ما رواه الدارقطنيُّ من طريقِ إسحاقَ الأزرقِ، أخبرنا القاسمُ بنُ عثمانَ البصريُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال:
خرج عمرُ متقلدًا السيفَ، فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا، فأتاهما عمرُ، وعندهما رجل من المهاجرين، يقال له خبابٌ، وكانوا يقرؤون طه، فقال: أعطوني الكتابَ الذي عندكم أقرأه، وكان عمرُ يقرأ الكتابَ، فقالت له أخته: إنك رجسٌ، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمرُ فتوضأ، ثم أخذ الكتابَ، فقرأ طه.
[قال الدارقطني: القاسم بن عثمان ليس بقوي] [29]
(وهذا الأثر مع كونه موقوفًا، يشكل عليه أن الكافرَ لا تصح منه العبادةُ، ولو توضأ وقت كفره أو اغتسل لم تصح منه الطهارةُ حال كفره، وقولُها: إنك رجسٌ: أي نجسٌ، ومعلوم أن الكافرَ نجاستُه معنويةٌ، وليست حسيةً، وهو رجسٌ بكفره).
•الدليل السابع:
(1769-230) ما رواه الدارقطنيُّ من طريقِ شجاع بن الوليدِ، ومن طريقِ أبي معاويةَ، كلاهما عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد الرحمن بن يزيدَ، عن سلمانَ قال:
كنا معه في سفر، فانطلق فقضى حاجته، ثم جاء، فقلت: أي أبا عبد الله توضأ لعلنا نسألك عن آي من القرآنِ، فقال: سلوني فإني لا أمسه؛ إنه لا يمسه إلا المطهرون، فسألناه فقرأ علينا قبل أن يتوضأ.
[صحيح، وصححه الدارقطنيُّ] [30]
بأن استدلال سلمان رضي الله عنه على وجوب الطهارة من الآية فيها نزاع، وقد خالفه في ذلك ابن عباس، وهو أفقه وأعلم بكتاب الله، ووافقه على ذلك أنس رضي الله عنه، وقد فسرا رضي الله عنهما (المطهرون) بالملائكة، والضمير في قوله: (لا يمسه) يعود إلى أقرب مذكور، وهو الكتاب المكنون [31]، وقال مالك: «أحسن ما سمعت في هذه الآية (لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) إنما هي بمنزله هذه الآية التي في عبس: قول الله تبارك وتعالى: (كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي [32] سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: 11-16]
قال ابن المنذر: «قال أنس [33]، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية: المراد بالآية: الملائكة [34].
ولو أراد به الطهارة لمس المصحف، لقال: المتطهرون، كما قال تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) فأضاف الطهارة إلى فعلهم بقوله: (تَطَهَّرْنَ)، وقوله: (الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222].
•الدليل الثامن:
(1770-231) روى مالك في الموطأ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال:
كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت. فقال: لعلك مسست ذكرك. قال: فقلت: نعم. فقال: قم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت [35].
[صحيح]
أحدهما: مع صحة إسناده، إلا أنه ليس صريحًا في وجوب الوضوء؛ لأن الوضوء لا نزاع في كونه مشروعًا لمس المصحف، ولكن النزاع هل يجب أو لا يجب. والصحابة من أحرص الناس على الخير، وأكملهم في طلبه، ولا غرابة أن يطلب من ابنه الطهارة لقراءة القرآن ومسه.
ثانيًا: أن هذا الأثر قد وقع فيه خلاف على سعد من جهة وجوب الوضوء لمس الذكر [36].
هذا ما أمكنني جمعه من أدلة القول الأول. والله أعلم.
•أدلة القائلين بجواز مس المصحف بدون طهارة:
الدليل الأول
• عدم الدليل المقتضي لوجوب الطهارة، والأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليل صحيح على وجوب الطهارة لمس المصحف.
• الأدلة التي احتج بها من منع لا يصح منها شيء، لأنها إما حديث مرسل، وقد ناقشت الاستدلال به، والجواب عن دعوى أنه متلقى بالإجماع.
• وإما حديث ضعيف جدًّا، أو ضعيف فقط.
• وإما موقوف على صابي قد يكون خالفه غيره كاستدلال سلمان رضي الله عنه على وجوب الطهارة بمس المصحف بقوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) وقد خالفه ابن عباس وأنس في وجه الاستدلال.
• وأما آثار غاية ما يدل عليه بعضها على مشروعية الطهارة لمس المصحف، وهي ليست محل خلاف، كأثر سعد بن أبي وقاص وابن عمر.
الدليل الثاني
• الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانًا عامًا، ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا علم أنه ليس من دينه.
• فلو كانت الطهارة واجبة لمس المصحف لجاءت الأدلة الصحيحة على بيانه؛ لأن هذا الأمر يحتاجه غالب المسلمين، ولا يستغني عنه أحد منهم.
• حاجة المسلمين إلى قراءة كتاب الله، وتدبره، والعمل به، كحاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس، فإن في قراءة القرآن حياة أرواحهم، كما أن في الطعام قوام أبدانهم، فلماذا لم يأت دليل صحيح يقطع النزاع في هذه المسألة المهمة.
• أتكون أذكار دخول المنزل، والخروج منه، وركوب الدابة، وأذكار السفر، وغيرها من الأذكار المستحبة تأتي فيها الأدلة صحيحة صريحة، وتكون الأدلة في مس المصحف لقراءة القرآن أشرف الكلام: كلام الله سبحانه وتعالى، وحجته على خلقه، والهادي إلى سبيل السلام، والأمة مضطرة لمسه وتعلمه، مع كل هذه الحاجة تأتي الأدلة على وجوب الطهارة له إما مرسل، أو حديث ضعيف، فهذا يدل على أن المسألة لا يثبت فيها نهي أصلًا.
الدليل الثالث
(1771-232) ما رواه مسلم من طريقِ أبي عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، قال: حدثنا سعيد بن حويرثٍ، أنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام فأكل ولم يمس ماءً.
قال وزادني عمرو بن دينارٍ عن سعيد بن الحويرثِ أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاةً فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث [37].
ورواه عبد بن حميدٍ كما في المنتخب من طريقِ معمرٍ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مليكةَ، وعن عمرو بن دينارٍ، عن سعيد بن الحويرثِ، عن ابن عباس. وفيه: إنما أمرتم بالوضوء للصلاة [38]. وسنده صحيح، وفيه التعبير بالحصر بـ (إنما).
وقد استدل به ابن تيمية على عدم وجوب الطهارة للطواف، وغفل أن يستدل به أيضًا على عدم وجوب الطهارة لمس المصحف، وقد ذكرت كلامه في بحث اشتراط الطهارة للطواف، فانظره غير مأمور.
الدليل الرابع
القياس على قراءة القرآن، فإذا كانت قراءة القرآن من دون مس جائزة بالإجماع، فكذلك مسه من باب أولى؛ لأننا قد تُعِبدنا بقراءة القرآن، ولم نتعبد بمجرد مسه بدون قراءة، والأدلة على جواز قراءة القرآن من غير طهارة كثيرة.
• الإجماع: قال النووي في المجموع: «أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث، والأفضل أن يتطهر لها».
• قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط: ولا نقول: قراءة المحدث مكروهة، فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث [39].
(1772-233) وروى مسلم من طريقِ البهيِّ، عن عروةَ، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه [40].
فقولها: (يذكر الله) مطلق يشمل قراءة القرآن، ويشمل غيره من الأذكار، وتسمية (ذكر الله بقراءة القرآن) تلاوة اصطلاح حادث، وإلا فالذكر يشمل هذا وهذا، بل إن أولى الذكر وأشرفه ما كان قراءة لكتابه.
فإذا كانت الغاية من مس المصحف هو القراءة، ولا تجب لها الطهارة بالإجماع، فمس المصحف التي هي وسيلة له لا تجب كذلك. فإذا لم تجب الطهارة في الغاية لم تجب في وسيلته، خاصة إذا كانت الوسيلة غير مقصودة لذاتها.
الدليل الخامس
إذا كان مس المصحف بالعصا جائزًا، أو من وراء حائل، فمسه باليد مثله أو أولى؛ لأن يد المسلم طاهرة.
(1773-234) لما رواه مسلم، قال رحمه الله تعالى: حدثني زهير بن حرب وأبو كامل ومحمد بن حاتم، كلهم عن يحيى بن سعيد، قال زهير: حدثنا يحيى، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقال: يا عائشة ناوليني الثوب، فقالت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك، فناولته [41].
فإذا كانت الحيضة ليست في اليد، كانت اليد طاهرة.
وإذا لبس المرء قفازًا جاز له مسه، فكيف يكون القفاز أطهر من يد المسلم.
الدليل السادس
(1774-235) استدلوا بما جاء في حديث أبي سفيان الطويل في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل الروم، فقد روى البخاري من طريقِ شعيبٍ، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبي سفيان بن حرب أخبره، أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، وفي آخر الحديث: قال: ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و(قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَّلا نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 64]، الحديث قطعة من حديث طويل. ورواه مسلم [42].
قال ابن حزم: «فإن قالوا: إنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل آية واحدة، ولم يمنع صلى الله عليه وسلم من غيرها، وأنتم أهل قياس، فإن لم تقيسوا على هذه الآية ما هو أكثر منها، فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها» [43].
وكون الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية القرآنية الكاملة إلى الكفار، وهم يجمعون بين نجاستي الشرك والنجاسة الحسية، والحدث دليل على عدم اشتراط الطهارة لمس المصحف.
وعندي أن هذا الاستدلال لا يسلم من النزاع.
قال الحافظ في الفتح: «وقد أجيب ممن منع ذلك -وهم الجمهور- بأن الكتاب اشتتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتب الفقه أو التفسير، فإنه لا يقصد منه التلاوة، ونص أحمد أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة في مصلحة التبليغ، وقال به كثير من الشافعية، ومنهم من خص الجواز في القليل، كآية وآيتين. قال النووي: لا بأس أن يعلم النصراني الحرف من القرآن عسى الله أن يهدي به» [44].
الدليل السابع
إذا كان يجوز عند أكثر المانعين، إن لم يكن كلهم جواز مس الصبي اللوح المكتوب فيه القرآن، فالبالغ أولى؛ لأن الصبي قد لا يحافظ على طهارة يده كما يحافظ عليها البالغ المكلف.
الدليل الثامن
ذكر ابن الجوزي في تفسيره، والشوكاني في النيل، وفي فتح القدير [45]، والقرطبي في تفسيره [46]، عن ابن عباس أنه يرى جواز مس المصحف للمحدث حدثًا أصغر، وذكر معه جماعة من التابعين كـالشعبي وغيره، فإذا ثبت هذا عن ابن عباس، لم يصح دعوى إجماع الصحابة على ذلك، والله أعلم [47].
الدليل التاسع
أكثر المسلمين لا يحفظون القرآن، وإذا منعناهم من مس المصحف إلا على طهارة فإن طائفة كبيرة قد تحجم عن قراءته إما عجزًا في تحصيل الطهارة أو قد لا يكون الماء في المتناول، وإن لم يكن معدومًا، وما دامت الأدلة ليست بالقوية، وهي معارضة لأدلة أخرى، وحرصًا على تيسير قراءة القرآن لعموم المسلمين في كل الأوقات، فإن النفس قد يكون فيها حرج في إيجاب مثل هذا، نعم الطهارة عبادة عظيمة، وهي تكفر السيئات، وهي عبادة مقصودة لذاتها، كما أنها مشروعة بالإجماع لذكر الله، بل حرص الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يرد السلام إلا على طهارة، ولكن مع ذلك، فإن الجزم بالإيجاب أمر ليس بالسهل، ويخشى الإنسان أن يكون قد ضيق أمرًا فيه سعة، ولا نقول إلا اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، ويا معلم داود علمنا، اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه.
وبعد تحرير هذا البحث، كانت هناك مذاكرة مع بعض المشايخ، بين لي فيها طريقًا آخر لمرسل عمرو بن حزم يرى أنه يتقوى به مرسل عمرو بن حزم.
(1775-236) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، عن ابن المسيب، قال: قضى عمر بن الخطاب في الأصابع بقضاء، ثم أخبر بكتاب كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لآل حزم في كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل، فأخذ به وترك أمره الأول [48].
[رجاله ثقات إن ثبت سماع ابن المسيب له من عمر، وعلى تقدير أنه منقطع، فمرسلات ابن المسيب من أصح المراسيل، والله أعلم] [49].
إلا أن هذا الحديث لم يحل المشكلة، فهو يثبت صحة كتاب عمرو بن حزم بالجملة، ولا يثبت ما ورد فيه من ألفاظ، ولو جاءت من طرق شديدة الضعف، خاصة أن هذا الأثر لم يعرج على مسألتنا، وهو ألا يمس القرآن إلا طاهر، والله أعلم
فقيل: المراد بهم الملائكة، فيكون المقصود بالمطهرين: أي المطهرين من الذنوب.
وقيل: المطهرون من الأحداث والأنجاس.
وقيل: المطهرون من الشرك.
وقيل: معنى: لا يمسه: أي لا يقرؤه إلا المطهرون: أي إلا الموحدون.
وقيل: المراد: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون: أي المؤمنون بالقرآن، قاله ابن العربي، وهو اختيار البخاري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا. وقيل: لا يعرف تفسيره إلا من طهره الله من الشرك، والنفاق.
وقيل: لا يوفق للعمل به إلا السعداء.
وقيل: لا يمس ثوابه إلا المؤمنون. انظر تفسير القرطبي (17/226)، وزاد المسير (8/152)، فتح القدير (5/160)، تفسير أبي السعود (8/22).
وقال السيوطي في تفسيره (8/26): أخرج آدم بن أبي إياس، وعبد بن حميد، وابن جرير،
وابن المنذر، والبيهقي في المعرفة، عن مجاهد رضي الله عنه، قال: القرآن في كتابه المكنون: الذي لا يمسه شيء من تراب ولا غبار، لا يمسه إلا المطهرون، قال: الملائكة عليهم السلام. اهـ
ورواه الطبراني في الكبير (13217) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (573) من طريق سعيد بن محمد بن ثواب الحصري، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى به.
ورواه في الصغير (2/139) بالإسناد نفسه، وقال: لم يروه عن سليمان بن موسى إلا ابن جريج، ولا عنه إلا أبو عاصم، تفرد به سعيد بن محمد.
وحسن إسناده ابن حجر. قال في التلخيص (1/228) «إسناده لا بأس به». وقال الهيثمي في مجمع الزوائد(1/276) «رواه الطبراني في الكبير والصغير،ورجاله موثوقون». والحق أنه ضعيف. أولًا : فيه سليمان بن موسى الأشدق. مختلف فيه
وثقه دحيم، وابن سعد، وأثنى عليه الزهري. تهذيب الكمال (12/92)، الجرح والتعديل (4/141)، الطبقات الكبرى (7/457).
وقال الدارقطني في العلل: من الثقات. أثنى عليه عطاء والزهري. تهذيب التهذيب (4/197)
وقال البخاري: عنده مناكير. الضعفاء الصغير. (ص: 53) رقم 146. ضعفاء العقيلي (2/140).
وذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (2/140).
وقال ابن المديني: مطعون عليه. ضعفاء العقيلي (2/140).
وقال أيضًا: من كبار أصحاب مكحول، وخولط قبل موته بيسير. تهذيب التهذيب (4/197).
وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه، ولا أثبت منه. الجرح والتعديل (4/141).
وقال النسائي: أحد الفقهاء، وليس بالقوي. وقال في موضع آخر: في حديثه شيء. تهذيب التهذيب (4/197).
وفي التقريب: صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل. فالراجح أن سليمان ابن موسى صدوق له أوهام، لا يقبل ما تفرد به، وقد خولف كما سيأتي.
ثانيًا: فيه سعيد بن محمد بن ثواب.
قال فيه ابن حبان: مستقيم الحديث. الثقات (8/272).
وترجم له الخطبيب البغدادي في تاريخه، وسكت عليه، ولم يذكر فيه شيئًا. تاريخ بغداد (9/94).
الثالث: المخالفة، فرواه عبد الرزاق في المصنف (1314): عن مالك، عن نافع، قال: كان
ابن عمر لا يقرأ القرآن إلا طاهر.
فهذا إسناد صحيح، وهي حكاية فعل لا تدل على اشتراط الطهارة لمس المصحف، وهو المعروف عن ابن عمر، واستحباب الطهارة لمس المصحف لا ينازع فيه أحد، بل استحبت الطهارة لما هو أقل من ذلك كرد السلام.
وقال الذهبي في الميزان: الصواب موقوف. الميزان (1/214).
وفي التقريب: لين الحديث. فالحديث مسلسل بالضعفاء.وقد ضعفه الحافظ في التلخيص (1/227). وقال النووي: «المعروف في كتب الحديث والفقه أنه عن عمرو بن حزم».
وقال ابن حجر في التلخيص، ثم إن محيي الدين في الخلاصة ضعف حديث حكيم بن حزام، وعمرو بن حزم، جميعًا، فهذا يدل على أنه وقف على حديث حكيم بعد ذلك. والله أعلم». اهـ
قلت: كلام النووي لا يدل على أنه لم يقف عليه، والله أعلم؛ لأن قوله: «والمعروف في كتب الحديث أنه عن عمرو بن حزم» يقابل المعروف المنكر، فهو يرى أن جعله من مسند حكيم ابن حزام قد يكون وهمًا من الراوي؛ لأنه تفرد به مطر الوراق، وهو كثير الخطأ، والراوي عنه سويد بن إبراهيم الجحدري، وهو سيء الحفظ. ولا يعرف عن حكيم بن حزام إلا بهذا الإسناد، وحزام، وحزم متقاربان، فقد يكون جَعْله من مسند حكيم بن حزام من قبيل الوهم، وهو لا ينافي قول النووي: حديث حكيم بن حزام ضعيف؛ لأن الحديث المنكر من أنواعه.
ويحتمل أن يكون كلام الحافظ له وجه؛ لأن النووي ذكر كتب الفقه، فقال: «والمعروف في كتب الحديث والفقه» ومعلوم أن كتب الفقه ليست تعتمد في غالبها على الأسانيد، حتى يكون المعروف في مقابل المنكر. بل لا تعزو الأحاديث إلى مصادرها، ورب حديث في الصحيحين تجد بعض الكتب الفقهية تعزوه إلى الأثرم أو إلى الخلال من المصادر النكرة غير المشهورة. والله المستعان. والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (3135) والأوسط (3305)، ومجمع البحرين (432) والحاكم في المستدرك (3/485) وعنه البيهقي في الخلافيات (1/510) من طريق إسماعيل بن إبراهيم صاحب القوهي، قال: سمعت أبي يقول: حدثنا سويد أبو حاتم به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقال الحازمي: حسن غريب. خلاصة البدر المنير (1/57) رقم 170.
قال ابن عبد الهادي: رواه أبو القاسم اللالكائي بإسناده، وفيه نظر. تنقيح التحيقيق (1/415).
وقال ابن حجر: في إسناده أبو حاتم، وهو ضعيف، وذكر الطبراني في الأوسط أنه تفرد به. تلخيص الحبير (1/227) رقم 175.
وفيه هشام بن سليمان المكي.
قال أبو حاتم فيه: مضطرب الحديث، ومحله الصدق، ما أرى به بأسًا. الجرح والتعديل (9/62).
وقال العقيلي: في حديثه عن غير ابن جريج وهم. ضعفاء العقيلي (4/338)، تهذيب التهذيب (11/38).
وفي التقريب: مقبول، يعني: إن توبع، وإلا فلين الحديث.
وفي الإسناد: إسماعيل بن رافع، متروك الحديث.
قال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (32).
وقال النسائي أيضًا، والدارقطني، وعلي بن الجنيد، والبزار: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (2/258).
وقال أبو داود: ليس بشيء، سمع من الزهري، فذهبت كتبه، فكان إذا رأى كتابًا، قال: هذا قد سمعته. تهذيب التهذيب (1/258).
وفي الإسناد أيضًا: محمد بن سعيد بن عبد الملك.
قال الذهبي: تابعي، صغير، أرسل لا يدرى من هو. الميزان (3/564).
وقال ابن حبان: يروي المقاطيع عن أهل المدينة. الثقات (6/423).
وقال أبو حاتم الرازي: لا أعرفه. الجرح والتعديل (7/264).
واختلف فيه على إسماعيل بن رافع.
فرواه الطبراني، من طريق هشام بن سليمان، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن سعيد بن عبد الملك، عن المغيرة، عن عثمان بن أبي العاص.
ورواه ابن أبي داود في المصاحف (ص: 185) عن إسماعيل بن رافع، عن القاسم ابن أبي أبزه، عن عثمان بن أبي العاص.
قال الحافظ في التلخيص (1/228): «وفي إسناد ابن أبي داود انقطاع، وفي رواية الطبراني: من لا يعرف». اهـ
قلت: مداره على إسماعيل بن رافع، وهو رجل متروك، وقد تفرد بزيادة لا تمس القرآن إلا وأنت على طهر، وقد روى مسلم (468) وغيره حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي، بأمره بإمامة الصلاة، والتخفيف فيها، لأن فيهم الكبير والمريض وذا الحاجة، ولم يذكر زيادة إسماعيل بن رافع.
فرواه عمرو بن منصور كما في سنن النسائي مختصرًا (4853).
وأبو داود كما في المراسيل مختصرًا (259)،
والدارمي (1621) وذكر منه ما يتعلق بزكاة الإبل خاصة.
ومحمد بن يحيى وإبراهيم بن هانئ كما في سنن الدارقطني (1/122).
وصالح بن عبد الله بن محمد بن حبيب الحافظ، كما في مستدرك الحاكم (1/395، 397) وعنه البيهقي (1/87).
وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي كما في مستدرك الحاكم (1/395)، وعنه البيهقي (8/73).
وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، كما في السنن الكبرى للبيهقي (4/89) وفي الخلافيات (1/501).
والحسن بن سفيان، وأحمد بن الحسن الصوفي، وأبي يعلى، وحامد بن محمد بن شعيب، ومحمد بن عبد الله بن عبد العزيز كما في الكامل لابن عدي (3/275) كلهم (عمرو بن منصور، وأبو داود، والدارمي، ومحمد بن يحيى، وإبراهيم بن هانئ، وصالح بن عبد الله، ومحمد العبدي، وأحمد الصوفي، والحسن بن سفيان، وأبي يعلى، وابن شعيب، ومحمد بن عبد الله بن عبد العزيز) رووه عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.
ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل كما في سنن الدارقطني (3/209) عن الحكم بن موسى، أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ كتب كتابًا له إذ وجهه إلى اليمن، فذكر بعض أحكام الديات.
وهذا الخطأ من قبل إسماعيل بن عياش، فإن روايته عن غير أهل بلده فيها ضعف.
وكما اختلف فيه على الحكم بن موسى، اختلف فيه على يحيى بن حمزة:
فرواه الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده كما سبق.
وخالفه محمد بن بكار بن بلال، فرواه عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم به.
فالحكم بن موسى يقول: سليمان بن داود.
ومحمد بن بكار يقول: سليمان بن أرقم. وسليمان بن داود: مختلف فيه، إلا أنه أحسن حالًا من سليمان بن أرقم؛ لأن ابن أرقم متروك. فأيهما أرجح؟
فبعضهم صحح أن يكون الحديث عنهما جميعًا،
واختلفوا في سليمان بن داود، فبعضهم يقول: خولاني، وبعضهم يقول: سليمان بن أبي داود، وبعضهم يوثقه، وبعضهم يضعفه.
وممن ضعفه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، والبخاري والذهلي، وابن خزيمة، وابن عدي وغيرهم.
قال ابن معين في رواية ابن طهمان عنه برقم (41، 42، 43) «وسليمان بن داود الشامي، روى عن الزهري حديث عمرو بن حزم، ليس هو بشيء، وسليمان بن داود اليمامي، ليس هو بشيء، ولم يتابع سليمان بن داود في حديث عمرو بن حزم أحد، وليس في الصدقات حديث له إسناد».
وقال أيضًا: «سليمان بن داود ليس يعرف، ولا يصح هذا الحديث». الكامل (3/274).
وقال يحيى أيضًا كما في رواية عثمان بن سعيد: «سليمان بن داود ليس بشيء». الجرح والتعديل (4/110)، الكامل (3/274).
وقال البخاري عن سليمان بن داود: «فيه نظر». وهذا جرح شديد عنده التاريخ الكبير (4/10).
وقال أبو زرعة الدمشقي: «عرضت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث يحيى بن حمزة في الديات، فقال: هذا رجل من أهل الجزيرة، يقال له: سليمان بن أبي داود، ليس بشيء». الكامل لابن عدي (3/275).
وقال ابن عدي: رجل مجهول. المرجع السابق.
وقال محمد بن يحيى: «رواه سليمان بن داود بطوله -يعني حديث الصدقات- وهو مجهول». الضعفاء للعقيلي (2/127).
وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. تهذيب التهذيب (4/165).
وضعفه الزيلعي في نصب الراية (3/342).
وبعضهم حسن حديث سليمان بن داود.
قال عثمان بن سعيد: «أرجو أنه ليس كما قال يحيى بن معين، وقد روى عنه يحيى بن حمزة أحاديث حسانًا كلها مستقيمة، وهو دمشقي خولاني». التاريخ (ص: 123، 124)، الكامل (3/275). وقال ابن حبان: ثقة. الثقات (6/387).
وقال الدارقطني: لا باس به. وقال مرة ضعيف. تهذيب التهذيب (4/165).
وقال الحافظ في التقريب: صدوق.
وبعضهم رجح أن سليمان بن داود، وسليمان بن أرقم واحد.
قال أبو حاتم: «قد كان يحيى بن حمزة قدم العراق فيرون أن الأرقم نعت، وأن الاسم داود، ومنهم من يقول: سليمان بن داود الدمشقي، شيخ ليحيى بن حمزة، وما أظن أنه هو». الميزان (2/619).
والذي يترجح لي أن الحديث حديث سليمان بن أرقم، وأن الحكم بن موسى أخطأ عندما قال: سليمان بن داود.
فقد رواه النسائي في المجتبى (4854)، فقال: عن زيد بن أرقم، ثم قال: «وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم، وسليمان بن أرقم متروك الحديث، وقد روى هذا الحديث يونس عن الزهري مرسلًا».
قال الحافظ ابن منده: رأيت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه عن سليمان بن أرقم عن الزهري، هو الصواب. الإلمام بأحاديث الأحكام (1/579).
وقال صالح جزرة: حدثنا دحيم، قال: نظرت في أصل كتاب يحيى حديث عمرو بن حزم في الصدقات فإذا هو عن سليمان بن أرقم فكتب عني مسلم». الميزان (2/201) وفيه فكتبت هذا الكلام عن مسلم،وهو خطأ. انظر: الإلمام (1/579)، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (1/230).
وقال أبو زرعة الدمشقي كما في تاريخ دمشق (22/309): «حدثت أنه وجد في كتاب يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، ولكن الحكم بن موسى لم يضبطه». اهـ
قال أبو زرعة أيضًا (22/310): «الصواب سليمان بن أرقم».
وفي تحفة الأشراف (8/147): «نسبه إلى أبي داود في المراسيل، فقال: وعن هارون ابن محمد بن بكار بن بلال، عن أبيه، وعمه، كلاهما، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.
وعن ابن هبيرة، قال: قرأت في أصل يحيى بن حمزة، حدثني سليمان بن أرقم بإسناده نحوه. وعن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري نحوه. قال أبو داود: هذا وَهْم من الحكم: يعني قوله: ابن داود». اهـ وانظر تهذيب التهذيب (4/165).
وقال أبو داود أيضًا: «لا أحدث به، وقد وهم الحكم بن موسى في قوله: سليمان بن داود وقد حدثني محمد بن الوليد الدمشقي أنه قرأه في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم». تلخيص الحبير (4/35).
وقال أبو داود أيضًا: والذي قال: سليمان بن داود وهم فيه. المراسيل له (ص: 213). وقال النسائي بعد أن خرج في المجتبى رواية الحكم بن موسى، قال: خالفه -يعني: خالف الحكم بن موسى- خالفه محمد بن بكار بن بلال، أخبرنا الهيثم بن مروان بن الهيثم بن عمران العنسي، حدثنا محمد بن بكار بن بلال، ثنا يحيى، حدثنا سليمان بن أرقم، حدثني الزهري به، وساق الحديث، ثم قال: وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم، وسليمان بن أرقم متروك الحديث. اهـ
وقال أبو الحسن الهروي: الحديث في أصل يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم غلط عليه الحكم. الميزان (2/201).
وقال الذهبي: ترجح أن الحكم بن موسى وَهِمَ، ولابد.
فهذا أبو الحسن الهروي، وصالح جزرة، ودحيم، والحافظ ابن مندة، وأبو الحسن الهروي،
وأبو زرعة الدمشقي، وأبو داود، والذهبي، وابن حجر، كما في التهذيب (4/165). كلهم يرون أن الحكم بن موسى أخطأ بذكر سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم كما هو في كتاب يحيى بن حمزة.
قال الحافظ ابن حجر: أما سليمان بن داود الخولاني فلا ريب في أنه صدوق، لكن الشبهة دخلت على حديث الصدقات من جهة أن الحكم بن موسى غلط في اسم والد سليمان، فقال: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم.
وقال الزيلعي: «وقال بعض الحفاظ من المتأخرين ونسخة كتاب عمرو بن حزم تلقاها الأئمة الأربعة بالقبول، وهي متوارثة كنسخة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهي دائرة على سليمان بن أرقم، وسليمان بن داود الخولاني، عن الزهري، عن أبي بكر، عن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، وكلاهما ضعيف. بل المرجح في روايتهما سليمان بن أرقم، وهو متروك». نصب الراية (3/342).
فهذه النقول تقطع الشك باليقين أن الحكم أخطأ بقوله: ابن داود. وإذا كان الحديث عن سليمان ابن أرقم فهو ضعيف جدًّا، وعلى التسليم بأن ذكر سليمان بن داود محفوظ في الحديث، فقد خولف في الزهري، خالفه من هو أحفظ منه.
فقد رواه يونس بن يزيد كما في سنن النسائي (4855)
وسعيد بن عبد العزيز كما في سنن النسائي (4856)، كلاهما عن ابن شهاب، قال: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فكتب رسول الله ﷺ هذا بيان من الله ورسوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) وكتب الآيات منها حتى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ثم كتب هذا كتاب الجراح في النفس مائة من الإبل نحوه.
ولفظ سعيد بن عبد العزيز: عن الزهري، قال: جاءني أبو بكر بن حزم بكتاب في رقعة من أدم عن رسول الله ﷺ هذا بيان من الله ورسوله:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ فتلا منها آيات، ثم قال: في النفس مائة من الإبل، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة فريضة، وفي الأصابع عشر عشر، وفي الأسنان خمس خمس وفي الموضحة خمس.
ويونس بن يزيد من رجال الجماعة، ومن أصحاب الزهري، وقد تابعه سعيد بن عبد العزيز، فتبين من هذا أن المعروف في كتاب ابن حزم أنه مرسل، والمسند إنما هو من طريق سليمان بن أرقم، وهو متروك.
والمرسل، تارة عن الزهري. كما تقدم.
وتارة: عن أبي بكر بن محمد، بن عمرو بن حزم.
وتارة: عن محمد بن عمرو بن حزم.
وتارة: عن عبد الله بن أبي بكر. وكلهم من التابعين.
وأما ما كان من مرسل عبد الله بن أبي بكر:
رواه مالك في الموطأ مختصرًا (1/199) بلفظ: بألا يمس القرآن إلا طاهر.
ورواه معمر كما في مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (7004)، وسنن الدارمي (1662)، كلاهما مالك ومعمر، روياه عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أن النبي ﷺ كتب لهم كتابا فيه، وذكر ديات الجروح ، وفيه: وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة.
وأما مرسل أبي بكر والد عبد الله:
فأخرجه مالك (1/849) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول.. وذكر ما يتعلق بالديات. ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في مسنده (ص: 347)، والنسائي (4857) والبيهقي (8/73، 82).
ورواه معمر كما في مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (1381)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (2/630)، والدارقطني في السنن (435)، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، قال: كان في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم لا تمس القرآن إلا على طهر.
قال الدارقطني: مرسل، رواته ثقات. وأخرجه الدارقطني (438) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن حزم، عن أبيهما أن النبي ﷺ كتب كتابًا فيه: (لا يمس القرآن إلا طاهر).
وأما مرسل محمد بن عمرو بن حزم:
فأخرجه عبد الرزاق، مختصرًا (17358) عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.
قال ابن حجر: وجده، هو محمد بن عمرو ولد في عهد النبي ﷺ ولكنه لم يسمع منه.
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الدارمي (1622) وابن الجارود في المنتقى (784، 786) وابن خزيمة (2269)، والدارقطني (3482)، ، وفي الخلافيات (290).
وتابع عبد الرزاق هشام بن يوسف كما في السنن الكبرى للبيهقي (8/142).
وابنُ المبارك كما في أحكام القرآن للطحاوي (606، 613)، وشرح معاني الآثار (4/374)، والأموال لابن زنجويه (1395).
وأخرجه الدارقطني (436) من طريق ابن إدريس، أخبرنا محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، قال: كان في كتاب رسول الله ﷺ حين بعثه إلى نجران مثله سواء.
وأخرجه البيهقي في الخلافيات (1/500) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي،
عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر، يخبرانه، عن أبيهما (أبي بكر)، عن جدهما (محمد بن عمرو بن حزم)، عن رسول الله ﷺ أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن: هذا كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لعمرو ابن حزم حين أمره على اليمن؛ كتب لرسول الله ﷺ منها: أن لا يمس القرآن إلا طاهر.
وأخرجه الحاكم في المستدرك (1/395) من طريق إسماعيل بن أبي أويس به، مختصرًا، بلفظ: فإذا بلغ قيمة الذهب مائتي درهم، ففي كل أربعين درهمًا درهم. اهـ ولم يذكر لفظ البيهقي.
وكونه يرسل تارة عن عبد الله بن أبي بكر، وتارة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وتارة عن محمد بن عمرو بن حزم فهذا والله أعلم لا يضر؛ لأن الكتاب كان عندهم، وكل منهم قد حكى ما فيه.
لأن مرسل عبد الله بن أبي بكر رواه معمر، ومالك عن عبد الله بن أبي بكر.
وكذلك يقال في مرسل أبي بكر، رواه معمر ومالك أيضًا.
ومرسل محمد بن عمرو بن حزم أيضًا رواه أكثر من واحد.
فالراجح من حديث عمرو بن حزم أنه مرسل. وأما المسند منه فإنه من طريق سليمان بن أرقم، وهو متروك.
ومن مسند عمر في مسند أبي يعلى (125) إلا أنه عن نافع، أنه قرأ كتاب عمر، فهو وجادة، ورجاله ثقات.
وحديث ابن عمر عند أبي داود (1568) والترمذي (621) الدارمي (1620)، والحاكم (1/392) والبيهقي (4/88) من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، ابن عمر. وهو صالح في الشواهد.
وحديث ابن مسعود، عند أحمد (1/411) والترمذي (622) وابن ماجة (1804).
وحديث معاذ بن جبل، عند أحمد (5/230، 233، 240) وعبد الرزاق (6841)
وأبي داود (1576 1577، 1578) والترمذي (623) والنسائي (5/26) وابن ماجه (1803) والدارمي (1624)، والبيهقي (4/98)، والحاكم (1/398)، وابن خزيمة (4/19). هذا فيما يتعلق بالصدقات.
وأما نفي الزكاة في العبد والفرس، فهو في البخاري (1463)، ومسلم (982) من حديث أبي هريرة. وكون الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة (1072) من حديث طويل.
ويشهد للسبع الموبقات، وأكبر الكبائر حديث أبي هريرة عند البخاري (2766) ومسلم (89). وأما قوله: لا طلاق قبل إملاك، ولا عتق حتى يبتاع، فقد جاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده. عند أبي داود، في الطلاق (2190) والترمذي (1181) وابن ماجه (2047) وأما قوله: (لا يصلين أحدكم في ثوب واحد، وشقه باد) فقد جاء من حديث أبي هريرة عند البخاري (359) ومسلم (1876).
ويشهد للعقص في الصلاة حديث ابن عباس في مسلم (492) وحديث أبي رافع، عند عبد الرزاق (2/183، 184) ح2990، 2991. وأبي داود (646) والترمذي (384) وابن ماجه (1042) والبيهقي (2/109) وابن خزيمة (911).
وبالنسبة للدماء، فيشهد له حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد (164، 166)، وأبي داود (4547، 4548) والنسائي (8/40) والدارقطني (3/104) والبيهقي (8/68) وابن ماجه (2627).
وحديث ابن عمر عند عبد الرزاق (9/281) 17212، وأحمد (2/36) وأبي داود (4549) والدارقطني (3/105)، والبيهقي (8/68) والحديثان في دية قتل شبه العمد. وحديث أبي موسى الأشعري في دية الأصابع عند أحمد (4/314، 403، 404) وأبي داود (4556، 4557) والنسائي (8/56) والدارمي (2369)، وابن حبان كما في الموارد (1527)،
وأبي يعلى (7334، 7335) وفيهما حديث عمر عند البزار (261) عن عمر رفعه: في الأنف إذا استوعب جدعه الدية، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي الجائفة ثلث، وفي المنقله خمس عشرة، وفي الموضحة خمس، وفي السن خمس، وفي كل إصبع مما هناك عشر عشر، وإسناده فيه ضعف.
ومنها حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه تقويم الدية على أهل الدنانير والدراهم، والبقر والشاة. وفيه ذكر عقل الأنف والعين والرجل واليد، والمأمومة والجائفة، والمنقلة، والواضحة، والأسنان. والحديث عند أحمد (2/182، 183، 185، 186، 224، 317)، وأبي داود (4564)، والنسائي (4801) وابن ماجه (2630) وتبين أن المسلمين لم يحكموا في دمائهم مرسل عمرو بن حزم، وليست هذه كل الأحاديث، وبعضها يشهد لبعض، لكن يبقى النظر: هل مجموع هذه الأحاديث التي وردت في مس المصحف يرقى مجموعها إلى الاحتجاج، مع أن عامتها ضعيفة جدًّا، أو أنها لا تصلح للحجة، هذه مسألة فيها خلاف بعد القطع بأن آحادها لا تقوم بها حجة، ولعله يترجح للقارئ أحد القولين بعد الاطلاع على أدلة القول الثاني.
ومن طريق إسحاق الأزرق أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/267)، وأبو يعلى الموصلي كما في التنقيح (1/416)، والطبراني في الأوسط (1860)، والحاكم في المستدرك (4/65) والبيهقي في السنن الكبرى (1/88) وفي إسناده القاسم بن عثمان. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. الثقات (5/307).
وذكره ابن أبي حاتم، وسكت عليه. الجرح والتعديل (7/114).
قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها. لسان الميزان (4/463)، تنقيح التحقيق (1/417).
وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: حدث عنه إسحاق الأزرق أحاديث لا يتابع منها على شيء. ضعفاء العقيلي (3/480).
قال الدارقطني: ليس بقوي، كما في متن الباب.
ونقل كلامه ابن عبد الهاد، وأقره، ولم يتعقبه. التنقيح (1/416، 417).
وله شواهد ضعيفة، منها:
الشاهد الأول: ما رواه البزار في مسنده (1/400) ح 279 حدثنا الحسن بن الصباح، ومحمد ابن رزق الله، قالا: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن جده، قال:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتحبون أن أعلمكم أول إسلامي، قال: قلنا: نعم. فذكر قصة إسلامه بطولها، وفيه: فقلت: ما هذه الصحيفة ها هنا؟ فقالت لي: دعنا عنك يا ابن الخطاب فإنك لا تغتسل من الجنابة، ولا تتطهر، وهذا لا يمسه إلا المطهرون، فما زلت بها حتى أعطتني إياها … وذكر بقية القصة.
وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (1/285) وأبو نعيم في الحلية (1/41) والحاكم في المستدرك (4/66) والبيهقي في الدلائل (2/216) من طرق عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني، ثنا إسامة بن زيد به.
وهذا إسناد ضعيف، فيه إبرهيم الحنيني:
قال البخاري: في حديثه نظر. التاريخ الكبير (1/379).
وقال النسائي: ليس بثقة. الضعفاء والمتروكين (44).
وقال ابن عدي: الحنيني مع ضعفه يكتب حديثه. الكامل (1/341).
وقال أبو زرعة: صالح. الجرح والتعديل (2/208).
وذكره العقيلي في الضعفاء. الضعفاء الكبير (1/97).
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطئ. الثقات (115).
كما أن في الإسناد: أسامة بن زيد بن أسلم، ضعيف الحديث.
وقال أحمد: منكر الحديث، ضعيف. الجرح والتعديل (2/285).
وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، كما في رواية الدوري. المرجع السابق.
وقال أيضًا: ضعيف، كما في رواية ابن أبي خيثمة. المرجع السابق.
وذكره العقيلي في الضعفاء. ا لضعفاء الكبير (1/21).
وقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكين (52).
وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس بحجة. الطبقات الكبرى (5/413).
الشاهد الثاني:
رواه الطبراني (2/97) من طريق إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن ربيعة، ثنا أبو الأشعث،
عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، وقد ضرب أخته في أول الليل وهي تقرأ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) حتى أظن أنه قتلها، ثم قام من السحر فسمع صوتها تقرأ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) فقال: والله ما هذا بشعر، ولا همهمة، ثم ذكر ذهابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه.
وهذا القصة فيها اختلاف في متنها وإسنادها ضعيف جدًّافيها: يزيد بن ربيعة:
قال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث، واهي الحديث، وفي روايته عن
أبي الأشعث، عن ثوبان تخليط كثير. الجرح والتعديل (9/261).
وقال البخاري: حديثه مناكير. التاريخ الكبير (8/332).
وقال النسائي: متروك الحديث شامي. الضعفاء والمتروكين (643).
وقال في التمييز: ليس بثقة. لسان الميزان (6/286).
وقال الدارقطني: دمشقي متروك. المرجع السابق.
قال أبو مسهر: كان قديمًا غير متهم ما ينكر عليه أنه أدرك أبا الأشعث، ولكني أخشى عليه سوء الحفظ والوهم. الكامل (7/259).
الشاهد الثالث:
ما أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/40) من طريق إسحاق بن عبد الله، عن أبان بن صالح عن مجاهد، عن ابن عباس بنحو الروايات السابقة.
وهذا الإسناد ضعيف جدًّا، فيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة.
قال البخاري: تركوه. التاريخ الكبير (1/396)، الضعفاء الصغير (20).
وقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء المتروكين (50).
قال له الزهري لما سمعه يرسل الأحاديث: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأك على الله، ألا تسند أحاديثك، بأحاديث ليس لها خطم، ولا أزمة. تهذيب التهذيب (1/210).
الشاهد الرابع:
ذكر قصة إسلام عمر بن الخطاب ابن إسحاق صاحب السيرة انظر سيرة ابن هشام (1/270) ورواها البيهقي في الخلافيات من طريق ابن إسحاق (1/517).
فرواه أبو معاوية كما في سنن الدارقطني (1/124). والسنن الكبرى للبيهقي (1/90).
ووكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (1/98) وسنن الدارقطني (1/124).
وشجاع بن الوليد كما في سنن الدارقطني (1/124).
وابن فضيل كما في سنن الدارقطني (1/124) من طريق عبد الله بن عمر عنه،
كلهم (أبو معاوية، ووكيع، وشجاع، وابن فضيل) عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن ابن يزيد، عن سلمان.
وخالفهم أبو الأحوص فرواه الدارقطني (123) من طريقه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن سلمان.
وتابع أبا الأحوص يحيى بن العلاء كما في مصنف عبد الرزاق (1325) عنه ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة به، قال: أتينا سلمان الفارسي، فخرج علينا من كنيف له. فقال: لو توضأت يا أبا عبد الله، ثم قرأت علينا سورة كذا وكذا. فقال: إنما قال الله: (فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) وهو الذكر الذي في السماء الذي لا يمسه إلا الملائكة، ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا.
والراجح رواية وكيع وأبي معاوية، ومن وافقهما عن الأعمش؛ لأن أبا معاوية من أوثق الناس في الأعمش، وقد تابعه وكيع. ولم يذكر أحد علقمة في الإسناد إلا أبا الأحوص، ولم يتابعه إلا يحيى بن العلاء، وهو متهم بالوضع.
قال أحمد: كذاب يضع الحديث. تهذيب التهذيب (11/229)، الكشف الحثيث (840).
وقال وكيع: كان يكذب، حدث في خلع النعلين عشرين حديثًا. تهذيب الكمال (31/484).
وقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء والمتروكين (627).
وقال يحيى بن معين: ليس بثقة. ضعفاء العقيلي (4/437).
ثم إن يحيى بن العلاء زيادة توهم أن سلمان لا يرى بأسًا بمس المصحف؛ حيث قال: إنما قال الله: لا يمسه إلا المطهرون، وهو الذكر الذي في السماء، فمفهومه أنه لا مانع من مسه، وهي تخالف رواية الجماعة. والله أعلم.
وابن المنذر، والبيهقي في المعرفة، عن مجاهد رضي الله عنه، قال: القرآن في كتابه المكنون: الذي لا يمسه شيء من تراب ولا غبار، لا يمسه إلا المطهرون، قال: الملائكة عليهم السلام. اهـ
ورواه الطحاوي (1/77) من طريق عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد به. بلفظ: كنت آخذ عن أبي المصحف، فاحتككت، فأصبت فرجي، فقال: أصبت فرجك؟ قلت: نعم. قلت: احتككت. فقال: اغمس يدك في التراب، ولم يأمرني أن أتوضأ.
ورواه إسماعيل بن أبي خالد، واختلف عليه فيه:
فورواه الطحاوي (1/77) من طريق عبد الله بن رجاء، حدثنا زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد. مثله، غير أنه قال: قم، فاغسل يدك.
وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1/150) عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. وفيه: فقال له توضأ.
ورواية مالك أرجح.
أولًا : لإمامته وحفظه.
وثانيًا: لأنه قد تابعه على ذلك الحكم، فقد أخرجه الطحاوي (1/76) من طريق شعبة، قال: أنبأني الحكم، قال: سمعت مصعب بن سعد، وذكر نحو حديثه.
وثالثًا: أن عبد الله بن جعفر، لا يقارن بمالك، وعبد لله بن رجاء، لا يقارن بوكيع، أما عبد الله بن جعفر. فالأكثر على أنه صدوق، فمثل هذا لا يمكن أن يقدم على مالك.
كما أن عبد الله بن رجاء، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يهم. فأين هذا من وكيع.
وأما الاختلاف على سعد في الوضوء من مس الذكر، فإنه محفوظ.
فقد رواه عبد الرزاق (434) عن ابن عيينة.
ورواه الطحاوي (1/77) من طريق زائدة،
ورواه أيضًا من طريق هشيم، كلهم ثلاثتهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد بعدم الوضوء من مس الذكر. وقد صرح هشيم بالتحديث.
وقال ابن عبد البر في التمهيد، كما في فتح البر (3/338، 340) اختلف فيه على سعد بن أبي وقاص، فروى عنه أن لا وضوء على من مس ذكره. هذه رواية أهل الكوفة عنه. ذكره عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عنه. وروى عنه أهل المدينة إيجاب الوضوء منه، من رواية مالك، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن مصعب ابن سعد، عنه. وذكرت لفظها في معرض الاحتجاج بالطهارة من مس المصحف.
وعبد بن حميد كما في المنتخب (690) من طريق معمر،
وأحمد (1/359)، وأبو داود (3760) والترمذي (1847)، والطبراني في الكبير (11/122) ح 11241، وابن خزيمة (35) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، ثلاثتهم عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس.
ورواه أبو داود الطيالسي طـ دار هجر (2888) وأحمد (1/221، 283)، وابن أبي شيبة في المصنف (24949)، والحميدي في مسنده (484)، ومسلم (374)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (690) وعلي بن الجعد في مسنده (1637)، وأبو عوانة في مستخرجه (768)، والدارمي (767)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/90) من طرق عن عمرو بن دينار، ورواه الدارمي بإثر حديث (2076)، وأبو عوانة في مستخرجه (769، 770، 771) من ثلاثة طرق فرقهم، عن ابن جريج، كلاهما (عمرو بن دينار، وابن جريج) عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وقد صرح ابن جريج بالتحديث.
قال عبد الله بن وهب: سمعت مالكًا، وسئل عن سعيد بن المسيب، قيل: أدرك عمر؟ قال: لا، ولكنه ولد في زمان عمر، فلما كبر أكب على المسألة عن شأنه وأمره حتى كأنه رآه. قال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره. تهذيب الكمال (11/74).
وقال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: سعيد بن المسيب قد رأى عمر، وكان صغيرًا. قلت ليحيى: يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر؟ قال يحيى: ابن ثمان سنين يحفظ شيئًا. المرجع السابق.
وقال إسحاق بن منصور: قلت ليحيى بن معين: يصح لسعيد بن المسيب سماع من عمر؟ قال: لا. المراسيل ـ ابن أبي حاتم (ص: 71).
وقال أبو حاتم الرزاي: سعيد بن المسيب عن عمر مرسل، يدخل في المسند على المجاز.
وقال أيضًا: لا يصح سماع لسعيد بن المسيب عن عمر إلا رؤيته على المنبر ينعي النعمان بن مقرن. المرجع السابق.
