📌 المدخل إلى المسألة:
إذا أمَّ الصبيُّ صبيًّا مثله فصلاته صحيحة؛
سُئل مالك في العتبية عن الغلمان في الكتاب، أيصلي بهم أحدهم؟ فقال: «ما زال ذلك من فعل الصبيان وخففه». ولم يحكِ في البيان في ذلك خلافًا[1].
واختلفَ العلماءُ في صحة اقتداء الرجل بالصبي في الصلوات المفروضة غير الجمعة، وفي النوافل كالتراويح ونحوها:
لا تصح إمامته مطلقًا، لا في فرض، ولا نفل، وهو الأصح في مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد رجحها أبو يعلى، وهو مذهب الظاهرية[2].
وقيل:
تصح مطلقًا، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد[3].
قال ابن عقيل: «يخرج في صحة إمامة ابن عشر وجه بناء على القول بوجوب الصلاة عليه»[4].
وهذان قولان متقابلان.
وقيل:
تصح في النافلة، ولا تصح في الفريضة، اختاره بعض الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب المالكية[5].
قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه»، فنهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الاختلاف على الإمام، فهل إذا صلى المفترض خلف الصبي الذي صلاته نفل، فهل يعد ذلك من الاختلاف على الإمام، أو لا.
الدليل الأول:
(ح-3094) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين»[6].
[ضعيف][7].
وجه الاستدلال:
قوله – صلى الله عليه وسلم -: (الإمام ضامن) أي يتحمل عن المأمومين، والصبي ليس من أهل الضمان؛ لأنه غير مكلف.
وفسر القرافي الضمان بأن تكون صلاة الإمام موافقة لصلاة المأموم.
الوجه الأول: أن الحديث لا يصح من حيث الثبوت، قال أحمد: «ما أُرى لهذا الحديث أصل»[8].
الوجه الثاني: أنهم يختلفون في تفسير الضمان:
فقيل: معنى قوله: (الإمام ضامن) يقتضي أن يكون قد تضمن صحة صلاة المأموم بصحة صلاته، وإن أخليناه من هذه الفائدة سقط معناه[9].
إذا صحت إمامة الصبي لمثله دل على أحد أمرين: إما صحة ضمان الصبي لغيره وإما بطلان تفسير الضمان بالتحمل.
وقيل: لا يصح تفسير الضمان بالتحمل؛ لأنه لا يبرأ أحد بصلاة غيره، وإنما معناه: أن تكون صلاة الإمام تتضمن صلاة المأموم بحيث تكون موافقة لصلاة المأموم.
قال القرافي: «فحصر الإمام في وصف الضمان فلا يوجد في غيره، وضمانه لا يتصور في الذمة؛ لأنه لا يبرأ أحد بصلاة غيره، بل معناه: أن صلاة الإمام تتضمن صلاة المأموم، ولن يتأتى ذلك حتى يشتمل على أوصاف صلاة المأموم، لكن من جملة أوصافها الوجوب، وهو متعذر في صلاة الصبي، وبهذا التقرير ظهر امتناع إيقاع الظهر خلف من يصلي العصر، والقاضي خلف المؤدي، والمفترض خلف المتنفل»[10].
بأن هذا أيضًا لا يمكن أن يدخل في ضمان الإمام؛ لأن موافقة صلاة المأموم لصلاة الإمام في النية فلا يصلي العصر خلف من يصلي الظهر، ولا يصلي المفترض خلف المتنفل هذا ليس مسؤولًا عنه الإمام، فلا معنى لقوله – صلى الله عليه وسلم -: (الإمام ضامن)؛ لأن ضامن اسم فاعل، فإسناد الضمان إلى الإمام يدل على قصر الضمان عليه وحده.
وينتقض بصحة صلاة المتنفل خلف المفترض فإن ذلك صحيح بالإجماع مع اختلاف صفة صلاة المأموم عن إمامه، بل وبصحة صلاة المفترض خلف المتنفل على الصحيح، كما كان يفعل معاذ رضي الله عنه حيث كان يصلي مع النبي – صلى الله عليه وسلم – فرضه، ثم يعود إلى قومه فيصلي بهم.
وقيل: الضامن في اللغة الراعي.
قال الخطابي في غريب الحديث: «مَعنى الضَّمان في كَلام العَرَب الرِّعايةُ للشيء والمُحافَظةُ عَلَيْهِ ومنه قولهم في الدُّعاء للمُسافر: في حِفْظِ الله وضَمانِه.
قَالَ الشاعر:
رعَاكِ ضَمانُ الله يا أُمَّ مالكٍ … ولله أن يشقيك أغنى وأوسع
فيكون المعنى: أن الإمام يحفظ الصلاة وعدد ركعاتها على القوم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة»[11].
(ح-3095) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الحميد بن سليمان، أخي فليح، قال: حدثنا أبو حازم، قال:
كان سهل بن سعد الساعدي يقدِّم فتيان قومه، يصلون بهم، فقيل له: تفعل، ولك من القدم ما لك! قال: إني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء، يعني، فعليه، ولا عليهم»[12].
[ضعيف][13].
فجمع بين إثبات الضمان، وبين نفي تعدي إساءة الإمام إلى المأموم.
(ح-3096) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد …. الحديث»، وقد رواه مسلم[14].
وجه الاستدلال:
قوله – صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه) فنهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الاختلاف على الإمام، وإذا صلى المفترض خلف الصبي الذي صلاته نفل، فقد اختلف على الإمام، فدل على عدم صحة صلاة البالغ خلف الصبي.
الجواب الأول: لا نسلم أن في الحديث دلالة على منع اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لأن قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه) قد جاء مفسرًا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، فلا يتجاوز بالحديث تفسير النبي – صلى الله عليه وسلم -، وليس ذلك يعني الاختلاف عليه في غير أفعال الصلاة، كالاختلاف بين نية الإمام ونية المأموم، أو كون أحدهما متنفلًا والآخر مفترضًا، ولو كان هذا مقصودًا ما صحت صلاة المتنفل خلف المفترض، وصلاته صحيحة وحكي إجماعًا، وسوف يأتي توثيق الإجماع عند الكلام على صلاة المفترض خلف المتنفل إن شاء الله تعالى.
الجواب الثاني: أن اقتداء المفترض بالمتنفل قد شهدت السنة بصحته، فقد ثبت في الصحيحين أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي – صلى الله عليه وسلم – العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيؤم بهم[15].
ولا يمكن القول أنه كان يصلي مع النبي – صلى الله عليه وسلم – النفل ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم الفرض، لأن معاذًا ما كان ليدع فضل الفريضة خلف النبي – صلى الله عليه وسلم – ويصليها مع غيره.
(ح-3097) ولما رواه مسلم من طريق شعبة وشبابة، عن ورقاء، عن عمرو ابن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»[16].
فقوله – صلى الله عليه وسلم -: (فلا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة نافلة لقوله: (إلا المكتوبة)، فيشمل المكتوبة التي أقيمت، ويشمل ما لو كان المصلي يقضي مكتوبة كانت عليه، وشرع في قضائها، فلا يخرج منها بالإقامة، فكيف يصلي معاذ نفلًا وهو مأمور أن يدع النافلة ليصلي المكتوبة.
(ح-3098) روى أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن علي، سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه»[17].
[إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه][18].
(ح-3099) وروى البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: قال رسول الله: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»[19].
وجه الاستدلال من الحديثين:
حديث علي رضي الله عنه دليل على أن الصبي لا يؤمر بالصلاة من الشارع، وإن أمر به فهو مأمور من الولي على وجه التدريب، ويلزم منه أنه لا يؤمر من الشارع بالإمامة.
وحديث مالك بن الحويرث دليل على أن الصبي لا يؤمر بالإمامة؛ لأنه ليس أكبرهم، ومن ائتم بمن لم يؤمر بالإمامة فصلاته باطلة؛ لأن الصحة يلزم منها موافقة الأمر، والصبي غير مأمور بالصلاة.
قال النووي: «أما الجواب عن حديث (رفع القلم) فمن وجهين:
أحدهما: المراد رفع الإثم، لا إبطال أفعاله.
الثاني: أن معناه لا يكتب عليه شيء، وليس فيه منع الكتابة له، وحصول ثوابه»[20].
وأما الجواب عن حديث مالك بن الحويرث.
فيقال: لا شك أن الصحة تعني موافقة الأمر، وهذا متحقق في إمامة الصبي، فقد توجه الأمر للمكلفين بأن يؤمهم أكثرهم قرآنا، فإذا قدموا الصبي لذلك فقد وافق فعلهم الأمرَ الشرعي، ولزم منه صحة إمامة الصبي.
(ح-3100) فقد روى مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله… الحديث»[21].
فـ(أقرؤهم) نكرة مضافة فتعم، فيشمل الصبي والبالغ، والعام جار على عمومه، ولا يخصصه إلا نص أو إجماع.
(ح-3101) روى الإمام أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع».
[منكر، تفرد به سوار، على خلاف فيه في لفظه، وله شواهد ضعيفة جدًّا، وأمثل حديث في الباب حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف][22].
إذا كان الصبي لا يتوجه له خطاب الشارع بالأمر بالصلاة، وإنما يؤمر وليه أن يأمره بالصلاة؛ لقصور أهليته، فالذي لا ولاية له على نفسه، كيف يكون له ولاية على غيره، والإمامة ولاية صغرى، على أعظم أركان الإسلام العملية، وهو الصلاة، فلا يتولاها إلا كامل الأهلية.
بأن الصبي تصح منه الصلاة إجماعًا، ويؤمر بها، ويضرب على تركها إذا كان ابن عشر سنين، فإذا صحت صلاته صحت إمامته، وتصحيح إمامته ليس قائمًا على النظر العقلي، بل على الدليل الشرعي، وإذا صح النص بطل النظر.
(ح-3102) ما رواه البيهقي في الخلافيات من طريق ضرار بن صرد، ثنا يحيى بن يعلى، عن عبد الله بن زيد، عن حرملة بن موسى، عن عبد العزيز بن عبد الله القرشي، عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لا تقدموا سفهاءكم وصبيانكم في صلاتكم، ولا على جنائزكم؛ فإنهم وفدكم إلى الله»[23].
[ضعيف][24].
(ث-803) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن إبراهيم بن محمد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم.
[ضعيف جدًا][25].
وذكر ابن عبد الهادي في التنقيح، قال: روى الأثرم في سننه، عن ابن مسعود أنه قال: لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود[26].
[لم أقف عليه مسندًا، وقد ضعفه ابن رجب بالانقطاع][27].
من شروط الإمام أن يكون عدلًا، والعدالة من صفات التكليف فهي تتضمن البلوغ، والصبي مرفوع عنه القلم، فلا يوصف بعدالة، ولهذا لا تقبل روايته إذا تحمل وأدى وهو صبي؛ ولأنه لا يؤمن أن يصلي بغير طهارة؛ إذ لا حرج عليه في ذلك، ألا ترى أن شهادته إنما ردت من أجل أنه لا يؤمن أن يشهد بالزور؛ إذ لا حرج عليه في ذلك.
قال الشوكاني: العدالة نقيض الفسق، وهو غير فاسق؛ لأن الفسق فرع تعلق الطلب ولا تعلق[28].
هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا نسلم أن العدالة شرط، وقد مر معنا بحث هذا الشرط، ورجحت صحة إمامة الفاسق، والله أعلم.
الدليل الأول:
(ح-3103) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سَلِمَةَ، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته، فسألته[29]، فقال:
كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري … وفيه:
فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي – صلى الله عليه وسلم – حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص[30].
الطريق الأول:
الاحتجاج بالحديث باعتبار أن النبي – صلى الله عليه وسلم – علم ذلك وأقره؛ لوقوعه زمن التشريع، فيبعد ألا يعلم النبي – صلى الله عليه وسلم – عن حقيقة نائبه في الصلاة في هذه القبيلة، وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يتولى بنفسه تعيين نوابه ومن يتولى الصلاة في الناس في أهم ركن عملي في الإسلام، وهو الصلاة، وهي من أعظم مسؤوليات النبي – صلى الله عليه وسلم -، ولو كانت الواقعة مرة أو مرتين لقيل يحتمل أن ذلك لم يبلغه، أما أن يستمر هذا الصبي يصلي في قبيلته إلى وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم -، ثم لا يعلم النبي – صلى الله عليه وسلم – شيئًا عن صلاة هذه القبيلة، ومن يتولى الصلاة بها فهذا بعيد جدًّا، وقد استمر هذا الصبي يصلي في قومه حتى توفاه الله شيخًا كبيرًا.
فقد روى أحمد وابن أبي شيبة وغيرهما من طريق مسعر بن حبيب الجرمي، حدثنا عمرو بن سلمة، أن أباه ونفرًا من قومه … وذكر نحو هذا الحديث، وفيه: «فما شهدت مجمعًا من جرم إلا كنت إمامهم إلى يومي هذا».
[صحيح][31].
بأنه يشترط في الاحتجاج بإقرار النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يكون قد علمه وأقره، والأصل عدم علمه بذلك حتى يثبت.
الوجه الأول:
تعارض الأصل والظاهر. فالأصل: عدم اطلاع النبي – صلى الله عليه وسلم -.
والظاهر: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – علمه واطلع عليه؛ لوقوعه زمن التشريع، وإذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما، ومما يجعل الظاهر أقوى من الأصل في هذه المسألة، أن إمامة عمرو بن سلمة لقومه استمرت إلى وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم -، فيبعد أن يكون النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يبلغه ذلك، مع حرصه على تفقد أحوال أمته، ولقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يتولى بنفسه تعيين الأئمة، ويوصيهم بالتخفيف، كما قال عثمان بن أبي العاص، قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، فقال: «أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم»[32].
قال ابن حجر: «يكفي في علمه به قول الصحابي: إنه فعله في عهده. والمسألة مشهورة في الأصول، وفي علم الحديث، وهي: أن الصحابي إذا أضافه إلى زمن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان له حكم الرفع عند الأكثر؛ لأن الظاهر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – اطلع على ذلك وأقره، لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام….
وقال ابن حجر أيضًا: لم ينصف من قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم يطلع النبي – صلى الله عليه وسلم – على ذلك؛ لأنها شهادة نفي»[33].
ومثل هذه المسألة قول الصحابي: (كنا نفعل) أو (كانوا يفعلون)، كقول أم عطية رضي الله عنها: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا). هل يكون له حكم الرفع؟ أو يكون موقوفًا؟ وهل يكون حكاية لإجماع؟ أو حكاية لأكثرهم؟
وقد اختلف فيها أهل الأصول، وبُحثت في مصطلح الحديث، والأقوال فيها كالآتي:
قيل: إنه مرفوع مطلقًا -يعني له حكم الرفع- قال الحافظ: «وهو الذي اعتمده الشيخان في صحيحيهما، وأكثر منه البخاري»[34].
وقيل: موقوف مطلقًا.
وقيل: التفصيل بين أن يضيفه إلى زمن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيكون مرفوعًا، أو لا يضيفه فلا يكون له حكم الرفع، ونسبه الحافظ إلى الجمهور.
وقيل في التفصيل: الفرق بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبًا فيكون مرفوعًا، أو يخفى فيكون موقوفًا.
وعلى تقدير كونه موقوفًا فهل هو من قبيل نقل الإجماع أو لا؟
فجزم بعضهم بأنه إن كان في اللفظ ما يشعر به مثل: (كان الناس يفعلون كذا) فمن قبيل الإجماع وإلا فلا.
هذه عمدة الأقوال في المسألة. وأرجحها قول الجمهور بأنه: إن أضيف إلى عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – فهو على الصحيح له حكم الرفع[35].
الوجه الثاني:
إذا لم يثبت إقرار النبي – صلى الله عليه وسلم – فقد اطلع عليه الله، وأقره، وهو حجة زمن التشريع.
ويستدل له بما:
(ح-3104) رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال عمرو: أخبرني عطاء، سمع جابرًا رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل، والقرآن ينزل.
ورواه مسلم. وزاد: قال سفيان: لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن[36].
كلام سفيان هو مفهوم المخالفة لما تكلم به الصحابي جابر رضي الله عنه، وهو ما أراد الإشارة إليه.
فمنطوق كلام جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل.
مفهومه: لو كان العزل ممنوعًا لنزل الوحي بالنهي عنه.
واستغرب ابن حجر استدلال جابر، وتأوله بأن المقصود من القرآن ما هو أعم من التنزيل، فكأنه يقول: فعلناه زمن التشريع، ولو كان حرامًا لم نقر عليه، قال الحافظ في الفتح: «استدلال جابر بالتقرير من الله غريب… والذي يظهر لي أن الذي استنبط ذلك، سواء كان هو جابرًا أو سفيان أراد بنزول القرآن ما يقرأ، أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره، مما يوحى إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حرامًا لم نقر عليه .. »[37]. إلخ كلامه رحمه الله.
وحمل كلام جابر على إقرار النبي – صلى الله عليه وسلم – هو الغريب، فإن إقرار النبي – صلى الله عليه وسلم – يتطلب علمه بذلك، ولا يشترط له نزول الوحي، بخلاف إقرار الله سبحانه وتعالى فإنه لا يخفى عليه خافية، وكيف تحفظ الشريعة إذا كان الناس يعملون أعمالًا زمن التشريع يظنون أنها موافقة للشرع، وهي مخالفة لحكم الله وشريعته، فيختلط المشروع بغيره، والله قد تعهد بحفظ شريعته، فليس التعهد بحفظ القرآن حفظًا لحروفه فحسب، بل ويشمل ذلك الحفظ حفظ أحكامه من أن تضل الأمة عنها. ولذلك لما بيت المنافقون فضحهم الله عز وجل، قال تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء: 108].
وقال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} [النساء: 113].
وقال تعالى: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: 3].
وقال تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 11-12].
وقال تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح: 15].
وقال سبحانه وتعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142].
فهذه الآيات تخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بما قالوه أو بما سوف يقولونه.
وقد ناقشت مسألة الاحتجاج بإقرار الله في كتابي موسوعة الطهارة، فارجع إليه[38].
إذا لم يثبت إقرار الله، ولا إقرار النبي – صلى الله عليه وسلم -، فيبقى هذا الحديث اجتهادًا جماعيًّا من هؤلاء الصحابة، في فهم أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – ووصيته لهم، بقوله: (ليؤمكم أكثركم قرآنا)، ولا أعلم نصًّا مرفوعًا يعارض اجتهاد هؤلاء الصحابة، ولا أثرًا صحيحًا من قول صحابي آخر يعارض هذا الاجتهاد، وكل ما أثر عن ابن مسعود أو ابن عباس لا يثبت عنهم، فهذه الإمامة من الصبي لم تقع مرة واحدة لم يعلم بها أحد، ولا كانوا بمكان معزول، فقد كانوا بممر الناس، فكانوا يصلون معهم، ولم يعترض عليهم أحد، لا زمن التشريع، ولا زمن خلافة أبي بكر، ولا زمن خلافة عمر رضي الله عنه حتى بلغ الصبي في عهد عمر رضي الله عنه، واستمر إمامًا حتى توفي شيخًا كبيرًا، فكان إجماعًا سكوتيًا، فهو أبلغ من قول يؤثر عن واحد من الصحابة، قد لا يعلم به أحد، ومع ذلك يحتج بقول الصحابي، فكيف لا يحتج باجتهاد هؤلاء.
الاعتراض الأول:
أن إمامته بهم في مثل هذه الحال كانت ضرورة؛ لعدم وجود من يقرأ من قومه، وإذا اجتمع أميٌّ بالغ، أو صبي قارئ، قدم الصبي؛ للضرورة، ذكر ذلك الإمام الزهري، والإمام أحمد، وابن بطال في شرح البخاري[39].
قال الزهري: إذا اضطروا إليه أمهم[40].
ونقل أبو طالب عن الإمام أحمد في إمامة الغلام: لا يصلي بهم حتى يحتلم، لا في المكتوبة، ولا في التطوع.
قيل له: فحديث عمرو بن سلمة، أليس أَمَّ بهم، وهو غلام؟
فقال: لعله لم يكن يحسن يقرأ غيره[41].
مع أن الإمام أحمد لم يجزم بهذا الاحتمال؛ لأنه ساقه مساق الرجاء، فإن في الحديث ما يدل على بعد هذا الاحتمال، فالحديث نص على أن تقديم عمرو بن سلمة؛ لكونه أكثرهم قرآنا، فوالده حمل لقومه أمر النبي – صلى الله عليه وسلم -: (ليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني)، ولم يقل: فنظروا فلم يكن أحد يقرأ القرآن غيري بدليل أن الذي حمل لهم صفة الصلاة، وعلمهم كيف يتوضؤون وكيف يصلون الصلاة في أوقاتها لابد أنه كان معه من القرآن ما تصح به الصلاة، ولكن كان الأمر النبوي بتقديم الأكثر قرآنًا.
ولو كانت إمامته ضرورة لكانت مؤقتة، ولوجب على قومه أن يتعلموا ليدفعوا عنهم هذه الضرورة، ولما استمر إمامًا لهم، وبينه وبين البلوغ سنوات، وقد بقي إمامًا حتى توفي شيخًا كبيرًا، فتبين أن هذا الافتراض بعيد جدًّا.
احتمال أن يكون منسوخًا، ذكره أحمد.
جاء في مسائل أبي داود، قال: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: لا يؤم الغلام حتى يحتلم.
فقيل لـ أحمد: حديث عمرو بن سلمة؟
قال: لا أدري، أي شيء هذا؟ وسمعته مرة أخرى، وذكر هذا الحديث، فقال: لعله كان في بدء الإسلام[42].
قال ابن رجب: «وهذا يشير إلى نسخ حكمه بالكلية»[43].
والإمام أحمد، مرة يراها إمامة ضرورة، ومرة يراه كان في أول الإسلام، وفي ثالثة يتحير به، فيقول: لا أدري أي شيء هذا.
والنسخ لا يثبت بالاحتمال.
ادعى بعضهم أن الإمام أحمد ضعفه، ولم يثبت هذا عن الإمام أحمد، والذي نقله الكوسج في مسائله قال إسحاق بن منصور: قلت: يؤمُ القومَ من لم يحتلم؟ فسكت. قلت: حديث أيوب عن عمرو بن سلمة؟
قال: دعه ليس هو شيء بَيِّن. جَبُنَ أن يقول فيه شيئًا[44].
فالإمام أحمد تكلم في الحديث من حيث دلالته، لا من حيث ثبوته، فمن حيث دلالته ليس بيِّنًا عند الإمام أحمد؛ لأن أحمد ذكر أن هذا الحديث يحتمل أن تقديمه للإمامة كان ضرورة، حيث لا يوجد قارئ، أو أن هذا كان في بدء الإسلام ثم نسخ، وفي ثالثة: يقول: لا أدري أي شيء هذا، ولم يطعن الإمام أحمد من جهة ثبوت الحديث، والحديث صحيح، ولا أعلم أن أحدًا طعن في صحته، وإن تنازع الناس في الاحتجاج به؛ لاعتقادهم أن الصبي ليس من أهل الإمامة.
والفقه ليس معصومًا، والإمام الشافعي رحمه الله من أسعد الناس بالأخذ بهذا الحديث الصحيح، ولا أجد ما يدفعه، وهو رواية عن الإمام أحمد، والالله أعلم.
قال ابن المنذر: «لا أعلم شيئًا يوجب بدفع حديث عمرو بن سلمة»[45].
(ح-3105) ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله… الحديث»[46].
قال ابن المنذر: إمامة غير البالغ جائزة إذا عقل الصلاة، وقام بها؛ لدخوله في جملة قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرؤهم) لم يذكر بالغًا ولا غير بالغٍ، والأخبار على العموم لا يجوز الاستثناء فيها إلا بحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أو إجماع.
بأن هذا العام خص منه المرأة في الفريضة بالإجماع إلا خلافًا شاذًا لا عبرة به، وإذا دخل العام التخصيص ضعف الاحتجاج بعمومه، فلا يدخل فيه الصبي عند أكثر العلماء؛ لأنه ليس من أهل التكليف.
بأن المرأة لم تدخل في هذا العموم حتى تخرج منه بالإجماع، فلفظ: (القوم) اسم للرجال دون النساء، يدل على ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحجرات: 11].
ويدل عليه أيضًا قول زهير:
وما أدري وسوف أخال أدري … أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
فالقوم يطلق على جماعة الذكور.
وقول أكثر العلماء لا يكفي لتخصيص النصوص الشرعية، فالنصوص لا يخصصها إلا نص مثلها أو إجماع، وعلى التسليم بأنه خص منه المرأة، فهذا لا يبطل عموم النص فيما عدا المرأة، فأين النص الذي يخرج الصبي من العموم؟.
(ث-804) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبدة عن هشام عن أبيه، قال: لما قدم الأشعث قدم غلامًا، فعابوا ذلك عليه، فقال: ما قدمته، ولكني قدمت القرآن.
[صحيح إن ثبت سماع عروة من الأشعث][47].
كونهم عابوا ذلك عليه، لا دليل فيه على أن الصلاة خلفه لا تصح، ولذلك لم يطلبوا منه تنحيته، ولا إعادة الصلاة لمن صلى خلفه، ولكن رأوا العيب في تقديم الصبي، وفي الناس من هو أحسن منه مقامًا وقراءة.
وقال ابن رجب: ولعل الغلام هاهنا أريد به العبد، لا الصبي.
(ح-3106) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: أن جدته مليكة دعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لطعام صنعته، فأكل منه، فقال: «قوموا فلأصلي بكم»، فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبث، فنضحته بماء، فقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واليتيم معي، والعجوز من ورائنا، فصلى بنا ركعتين[48].
وجه الاستدلال:
إذا صحت مصافة اليتيم للبالغ، وأنه يزول بها الانفراد في الصف كمصافة البالغ، فلتعتبر إمامته كالبالغ؛ لأن حكم مصافة الصبي حكم إمامته، فمن منع من إمامة الصبي منع من مصافته، والحديث رد عليه.
الدليل الأول:
أن النفل أوسع من الفرض، ولهذا جازت النافلة على الراحلة، ولغير القبلة، وصح النفل قاعدًا مع القدرة على القيام.
الدليل الثاني:
أن المانع من اقتداء المفترض بالمتنفل هو الاختلاف على الإمام، وقد نهى عنه الشارع بقوله: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» ولا يوجد هذا الاختلاف في اقتداء المتنفل بالصبي، فصلاة كل منهما نافلة.
أن إمامة الصبي المميز إذا كان قارئًا وعرف عنه المحافظة على الصلوات وإحسان الطهارة، واستجمع شروط الإمامة فإن إمامته صحيحة، وإذا صحت صلاته ومصافته للبالغ صحة إمامته، ولا يقدم الصبي مع وجود بالغ قد استجمع شروط الإمامة خروجًا من خلاف العلماء، إلا أن يكون ذلك في النفل وقصد به التعليم والتدريب، والالله أعلم.
علق على ذلك ابن نجيم في البحر الرائق (1/381): «أطلق فساد الاقتداء بالصبي فشمل الفرض والنفل وهو المختار كما في الهداية وهو قول العامة كما في المحيط، وهو ظاهر الرواية كما ذكره الإسبيجابي وغيره».
وانظر: مختصر القدوري (ص: 29)، الهداية في شرح البداية (1/57)، تبيين الحقائق (1/140)، ملتقى الأبحر (ص: 167)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/111)، الدر المختار (ص: 79)، حاشية ابن عابدين (1/577).
وجاء في المدونة (1/177): «قال مالك: لا يؤم الصبي في النافلة، لا الرجال، ولا النساء».
وفي التهذيب في اختصار المدونة (1/253): «ولا يؤم الصبي في النافلة الرجال والنساء»، وقدمه ابن الحاجب في جامع الأمهات (ص: 109)، الجامع لمسائل المدونة (2/553)، البيان والتحصيل (1/396)، شرح التلقين (2/672).
وانظر رواية الإمام أحمد في التعليقة الكبرى لأبي يعلى (2/338)، الفروع (3/24)،
المبدع (2/81)، الإنصاف (2/267)، وانظر: رأي داود الظاهرية في المجموع (4/249)، المحلى، (مسألة: 490).
انظر فتح القدير (1/358)، الهداية شرح البداية (1/58)، الفتاوى الهندية (1/85).
المشهور من مذهب المالكية: أن إمامة الصبي في الفرض لا تصح، وتصح في النفل، وإن لم تجز ابتداء.
وقيل بجواز إمامته في النافلة. انظر حاشية الدسوقي (1/329)، شرح الخرشي (2/25)، مختصر خليل (ص: 40)، التفريع (1/63)، التلقين (1/48)، ، واختلاف أقوال مالك وأصحابه (ص: 114)، البيان والتحصيل (1/396)، شرح التلقين للمازري (2/671)، عقد الجواهر الثمينة (1/137)، الذخيرة للقرافي (2/242)، تحبير المختصر (1/416).
وانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (2/266)، دقائق أولي النهى (1/276)، الإقناع (1/158)، كشاف القناع، ط العدل (3/141)، معونة أولي النهى (2/379، 380)، مطالب أولي النهى (1/670)، المغني (2/167)، المقنع (ص: 62)، كتاب الروايتين والوجهين (1/172)، الهداية لأبي الخطاب (ص: 98)، المبدع (2/81).
وسمعت أحمد مرة أخرى سئل عن هذا الحديث، فقال: حدث به سهيل، عن الأعمش، ورواه ابن فضيل، عن الأعمش، عن رجل. ما أُرى لهذا الحديث أصل».
فتارة يرويه من مسند مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وكان، بدريًّا، وليس فيه إمامة الصبي، ولفظه: قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: إن سركم أن تقبل صلاتكم، فليؤمكم خياركم، فإنهم وفودكم فيما بينكم وبين ربكم عز وجل.
وتارة يرويه من مسند أبي أمامة، ولفظه: إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم.
وفي مرة ثالثة يجعله من مسند علي بن أبي طالب كما في إسناد الباب، وفيه: لا تقدموا سفهاءكم وصبيانكم في صلاتكم.
قال ابن عبد الهادي في التنقيح (2/469): «هذا حديث لا يصح، ولا يعرف له إسناد صحيح، بل روي بعضه بإسناد مظلم …. قال شيخنا أبو الحجاج: في إسناده غير واحد من المجهولين».
وضعف إسناده البيهقي في الخلافيات (6/554).
وأظن هذا التخليط من يحيى بن يعلى، فالحديث مداره عليه، والله أعلم.
وقد سبق تخريجه في الصلاة خلف مستور الحال، فارجع إليه.
وفي إسناده إبراهيم بن محمد الأسلمي متروك، وقال يحيى القطان: كذاب.
ورواه حرب الكرماني في مسائله (910، 514) حدثنا محمد بن آدم، قال: حدثنا معمر بن سليمان، عن حجاج، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ليس على المرأة أذان، ولا إقامة، ولا يؤم الغلام حتى يحتلم.
وعبد الواحد بن واصل الحداد كما في مسند أحمد (5/71)،
ويزيد بن هارون كما في فضائل القرآن لأبي عبيد (ص: 91)، والطبقات الكبرى لابن سعد (1/336) و (7/89)، وفي الأوسط لابن المنذر (3964)، ومعرفة الصحابة لابن منده (ص: 683)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (3391)، والسنن الكبرى للبيهقي (3/319)،
ويحيى بن سعيد القطان كما في الأوسط لابن المنذر (5/399)، والمعجم الكبير للطبراني (7/50) ح 6354.
وأبو عاصم الضحاك بن مخلد كما في السنن الكبرى للبيهقي (3/130)، جميعهم رووه عن مسعر بن حبيب به أن أباه ونفرًا من قومه … من مسند عمرو بن سلمة. ورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (3458)، ومسند أحمد (5/29)، ومسند أبي داود (587)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (2596)، ومعجم الصحابة للبغوي (1031).، عن مسعر، به، وقال: (عن عمرو، عن أبيه) فجعله من مسند أبيه، وهذا شاذ.
قال أبو داود: ورواه يزيد بن هارون، عن مسعر بن حبيب الجرمي، عن عمرو بن سلمة قال: لما وفد قومي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -، لم يقل عن أبيه. اهـ
