📌 المدخل إلى المسألة:
{مسألة}
ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: 80]، أي: إلى عزٍّ ومَنَعة.
وقال ابن الأثير: «وأركان كل شيء جوانبه التي يستند إليها ويقوم بها»[2].
ونقله ابن منظور في اللسان ولم ينسبه[3].
وقال أيضًا في أركان الأشياء: هي جوانبها التي «يستند إليها ويقوم بها». فالمدلول الأصلي ليس مجرد «شدة الوجوب»، وإنما القوام والاعتماد والقوة. لسان العرب، مادة (ركن).
وهذا يناسب تمامًا صورة الحديث: (بني الإسلام على خمس)؛ فالتعبير النبوي نفسه تعبير بالبناء وما يقوم عليه البناء، فالحديث لم يقل: «أركان الإسلام خمسة»، وإنما قال: «بني الإسلام على خمس».
والعلماء فهموا من البناء أن الخمس: أركانٌ ودعائمُ ومبانٍ وقواعد.
قال علاء الدين البخاري: «ركن الشيء جانبه الأقوى لغة، وفي عرف الفقهاء ركن الشيء ما لا وجود لذلك الشيء إلا به كالقيام والركوع والسجود للصلاة»[4].
وهذا هو المعنى الذي يستعمله الفقهاء في أركان الصلاة والحج والبيع: فما انتفى ركنُه من ذلك انتفى مسمّاه.
وههنا يظهر منشأُ المسألة: أنّ لفظ «الركن» مشتركٌ بين معنيين:
معنًى لغويٍّ عامّ: وهو الجانب الأقوى والدعامة التي يقوم عليها البناء.
معنًى اصطلاحيٍّ خاصّ: وهو الجزء الذي يلزم من عدمه عدمُ الماهية.
فإذا قيل: «الزكاة ركنٌ من أركان الإسلام» فبأيّ المعنيين؟
إن كان بالثاني لزم أن ينتفي مسمّى الإسلام بانتفائها، فيكفر تاركُها المقرُّ بوجوبها كما يكفر جاحدُها.
وإن كان بالأول لم يلزم ذلك، وكان معنى الركنية: عظمَ قدرِ الفرض، وتأكُّدَ وجوبه، وكونَه من دعائم الدين التي ينقص البنيانُ بفقدها ولا ينهدم.
الأمر الأول: أن كفر الجاحد لا يصحّ أن يُجعل ثمرةً للقول بالركنية؛ لأن جاحدُ تحريم الخمر والزنا يكفر إذا كان عالمًا مع أنه لم يجحد ركنًا.
الأمر الثاني: أنّ لفظ «الأركان» ليس في الحديث، وإنما فيه: «بُني الإسلام على خمس»[5]، فالخمسُ في النصّ مبنيٌّ عليها، وتسميتُها «أركانًا» و«قواعد» و«دعائم» و«مبانٍ» إنما هي من عبارات الشرّاح والفقهاء.
قال ابن دقيق العيد: «وهذا الحديث أصل عظيم في معرفة الدين وعليه اعتماده؛ فإنه قد جمع أركانه»[6].
وبوَّب النووي، فقال: «باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام»، ثم قال في شرح «خمسة»: المراد خمسة أركان[7].
وقد نبّه الطيبيُّ على أنّ الاستعارة في الحديث تقتضي التغاير بين الإسلام وأركانه، فقال: «فظهر من هذا التحقيق أن الإسلام غير، والأركان غير، كما أن البيت غير، والأعمدة غير»[8]
وحرّر ابنُ حجر معنى الابتناء بتمثيلٍ محكم، فقال: «ومثاله البيت من الشعر يجعل على خمسة أعمدة، أحدها أوسط والبقية أركان فما دام الأوسط قائمًا فمسمى البيت موجود، ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمى البيت»، ثم قال: «الأس أصل، والأركان تبع وتكملة»[9].
وقال ابن رجب: «الإسلام مبني على هذه الخمس، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه»، ثم قال: «والمقصود تمثيل الإسلام ببنيانه، ودعائم البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيانُ بدونها، وبقيةُ خصالِ الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فقد منها شيء، نقص البنيانُ، وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقضِ هذه الدعائم الخمس؛ فإنَّ الإسلام يزولُ بفقدها جميعِها بغير إشكالٍ، وكذلك يزولُ بفقدِ الشهادتين، والمراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله»[10].
وتسميةُ الزكاة ركنًا جاريةٌ في لسان الفقهاء من المذاهب كلِّها:
فالسرخسي قال: «هي من جملة أركان الدين الخمس»[11].
والجويني حكى الإجماع على أنها «من أركان الإسلام».
وابن قدامة صدّر كتاب الزكاة بأنها «أحد أركان الإسلام الخمسة».
والنووي قال: «فرض وركن بإجماع المسلمين»[12].
فالتسمية متفقٌ عليها، والنزاعُ في مدلولها ولازمها، فلا يوجد عند الأصوليين حكم سادس اسمه (الركن) في مقابلة الواجب والمندوب، وإنما الشيء واجب من جهة الحكم التكليفي، وركن من جهة موقعه في بناء الإسلام.
فليس في المسألة نزاعٌ في أنّ الزكاة إحدى الخمس التي بُني عليها الإسلام؛ لصريح الحديث، وتقدّم.
السؤال: هل تسميةُ الزكاة ركنًا تسميةٌ بمعنى الجزء الذي ينتفي مسمّى الإسلام بانتفائه، فيكون تاركُها كافرًا خارجًا من الملّة؛ أم هي تسميةٌ بمعنى الدعامة التي ينقص البنيان بفقدها ولا ينهدم؟
وسببُ الخلاف يرجع إلى أربعة أمور:
الأول: الاشتراكُ في لفظ (الركن) بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، كما تقدّم.
الثاني: تعارضُ ظواهر النصوص:
فظاهرُ حديث «بني الإسلام على خمس»، وأثرِ ابن مسعود: «ما تارك الزكاة بمسلم»[13]. وفعلِ أبي بكر رضي الله عنه في مانعي الزكاة يقتضي إلحاقَ الزكاة بالصلاة؛ وظاهرُ حديثِ أبي هريرة في مانع الزكاة: (فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار). وأثر عبد الله بن شقيق، يقتضي إخراجَها عن الكفر.
ولم أقف على من نازع في أنّ من تركها مقرًّا بوجوبها آثمٌ ومرتكبٌ لكبيرة، وفاسق بذلك، وإنما اختلفوا في كفره.
قال عياض: «واختلف العلماء في أخوات الصلاة، كالزكاة، والصيام، والحج، والوضوء، والغسل، هل يقتل الأبيُّ منها المعترفُ بفرضها أو يعاقب؟ وهل هو كافر أو عاص؟»[14].
وأما زوالُ الإسلام بترك الخمس جميعِها، أو بترك الشهادتين وحدهما، فقد قال ابن رجب: إنه يزول بذلك «بغير إشكال»[15]، ولم أقف على من نازع فيه.
الثالث: الخلافُ الكلامي في مسمّى الإيمان والإسلام:
هل الأعمال داخلةٌ في المسمّى؟ وهل يزول الاسمُ بزوال بعض ما دخل فيه؟ وقد نبّه ابنُ رجب على أنّ المخالفين في مسمّى الإيمان من أهل الإرجاء «يقولون: لو زال من الإسلام الأربع خصال سوى الشهادتين، لم يخرج بذلك من الإسلام»[16].
والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية، وأن الأعمال كُلَّهَا داخلةٌ في مُسَمَّى الإيمان، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن مسمى الإيمان إنكارًا شديدًا.
الرابع: هل الكفرُ المضاف إلى ترك الأركان في الآثار كفرٌ ناقلٌ عن الملّة، أم كفرٌ دون كفر؟
وكل واحد منهما له حكمه ناسب أن أعقد فصلًا في حكم منع الزكاة، وأفصل في هذه الحالات المختلفة، وأعرض كلام أهل العلم فيها إن شاء الله تعالى، أسأل الله وحده أن يلهمني الصواب والتوفيق.
