الفرعُ الأولُ: في تعريفِ بيعِ العَرَبُونِ
تعريفُ العَرَبُونِ اصطلاحًا [1].
عَرَّفَ مالكٌ بيعَ العَرَبُونِ بقولِهِ:
«وذلك – أي بيعُ العَرَبُونِ– فيما نرى، واللهُ أعلمُ، أن يشتريَ الرجلُ العبدَ أو الوليدةَ، أو يتكارى الدابةَ، ثم يقولَ للذي اشترى منهُ، أو تكارى منهُ: أعطيكَ دينارًا أو درهمًا، أو أكثرَ من ذلك، أو أقلَّ على أني إن أخذتُ السلعةَ، أو ركبتُ ما تكاريتُ منكَ، فالذي أعطيتُكَ هو من ثمنِ السلعةِ، أو من كراءِ الدابةِ، وإن تركتُ ابتياعَ السلعةِ، أو كراءَ الدابةِ، فما أعطيتُكَ لكَ باطلٌ بغيرِ شيءٍ» [2].
وعرَّفَهُ صاحبُ «غريبِ ألفاظِ التنبيهِ» بقولِهِ:
«وهو أن يشتريَ سلعةً، ويُعطيَ البائعَ درهمًا أو دراهمَ مثلًا، ويقولَ: إن يَتِمَّ البيعُ فهو من الثمنِ، وإن تركتُهُ فهو لكَ مجانًا» [3].
هو أن يشتريَ الرجلُ السلعةَ، ويدفعَ للبائعِ مبلغًا من المالِ على أنه إن أخذَ السلعةَ كان ذلك المبلغُ محسوبًا من الثمنِ، وإن تركَها، فالمبلغُ للبائعِ.
توصيفُ بيعِ العَرَبُونِ:
اختلفَ العلماءُ في توصيفِ بيعِ العَرَبُونِ على أقوالٍ:
حقيقةُ بيعِ العَرَبُونِ: بأنه خيارُ شرطٍ، يقابلُهُ مالٌ في حالِ الردِّ، ويثبتُ فيه الخيارُ للمشتري وحدَهُ دونَ البائعِ، فإذا أمضى البيعَ كان العَرَبُونُ جزءًا من الثمنِ، وإن رَدَّ البيعَ خسرَ المشتري العَرَبُونَ.
ولهذا أوردتُ هذا البحثَ في بابِ الشروطِ.
ذهبَ بعضُ العلماءُ إلى أن العَرَبُونَ هبةٌ إذا لم تتمَّ الصفقةُ.
جاءَ في تعريفِ مالكٍ المتقدِّمِ:
«وإن تركتُ ابتياعَ السلعةِ، أو كراءَ الدابةِ، فما أعطيتُكَ لكَ باطلٌ بغيرِ شيءٍ» [4].
وجاءَ في «مغني المحتاجِ»:
«أن يشتريَ ويُعطيَهُ دراهمَ لتكونَ من الثمنِ، إن رَضِيَ السلعةَ، وإلا فهبةٌ» [5].
وجاءَ في «روضةِ الطالبينَ»:
«إن أخذَ السلعةَ فهي – أي الدراهمُ – من الثمنِ، وإلا فهي للمدفوعِ مجانًا» [6].
قد يُقَالُ: إن العَرَبُونَ عِوَضٌ عن انتظارِ البائعِ.
بيعُ العَرَبُونِ بيعٌ مشتملٌ على شرطٍ جزائيٍّ، بأنه في حالِ نَكَلَ المشتري عن إتمامِ الصفقةِ فإنه يترتبُ عليه خسارتُهُ لجزءٍ مقدَّمٍ من الثمنِ، يُسَمَّى العَرَبُونَ.
فكلٌّ من الشرطِ الجزائيِّ و بيعِ العَرَبُونِ يتضمنُ التزامَ أحدِ طرفي العقدِ عند التعاقدِ أن يدفعَ مبلغًا معينًا من المالِ فالشرطُ الجزائيُّ تقديرٌ للتعويضِ في حالةِ الإخلالِ بالشرطِ، و العَرَبُونُ تقديرٌ للتعويضِ في حالةِ العدولِ عن العقدِ، فإذا شَرَطَا هذا في العقدِ، وصدرَ عن رضًا واختيارٍ لزمَهُما.
الشرطُ الجزائيُّ على هذا:
فيه شَبَهٌ من العَرَبُونِ، خاصةً في القوانينِ التي تُجِيزُ الشرطَ الجزائيَّ بدونِ أيِّ حقٍّ للقاضي في تعديلِ مبلغِهِ بالزيادةِ أو النقصانِ، أو الإلغاءِ، لكي يتناسبَ المبلغُ مع مقدارِ الضررِ الفعليِّ [8].
ويختلفُ العَرَبُونُ عن الشرطِ الجزائيِّ بأمرينِ:
الأولُ: أن الشرطَ الجزائيَّ يراهُ البعضُ أنه يُدْفَعُ في مقابلِ التعويضِ عن الضررِ الذي ينشأُ عن الإخلالِ بالشرطِ، ومن ثمَّ جازَ للقاضي تخفيضُ هذا التقديرِ إذا كان مبالَغًا فيه إلى درجةٍ كبيرةٍ، بل جازَ له ألا يحكمَ به أصلًا إذا لم يَلْحَقِ الدائنَ أيُّ ضررٍ.
وأما الالتزامُ في دفعِ قيمةِ العَرَبُونِ فإنه قد جُعِلَ في مقابلِ حقِّ العدولِ عن العقدِ، ولو لم يترتبْ على العدولِ أيُّ ضررٍ.
من يرى أن الشرطَ الجزائيَّ إنما هو في مقابلِ التعويضِ عن الضررِ، وليس في مقابلِ الإخلالِ بالشرطِ، وفي ذلك خلافٌ بين أهلِ العلمِ.
أن الشرطَ الجزائيَّ في مقابلِ الإخلالِ بالشرطِ.
فلا يظهرُ فرقٌ بين الشرطِ الجزائيِّ وبين العَرَبُونِ من هذه الحيثيةِ.
وسوف نتعرضُ بالدراسةِ للشرطِ الجزائيِّ إن شاءَ اللهُ تعالى في مباحثِ الشروطِ الجعليَّةِ في آخرِ البابِ.
الثاني: أن الشرطَ الجزائيَّ ليس بديلًا عن العقدِ الأصليِّ، بل يؤديِّهِ، ويلتزمُ بتنفيذِ العقدِ الأصليِّ إذا كان ذلك ممكنًا.
بينما العَرَبُونُ هو بَدَلٌ عن الالتزامِ في العقدِ الأصليِّ، وتبرأُ ذمتُهُ عن العقدِ الأصليِّ إذا أُخِذَ منهُ العَرَبُونُ [9].
وسوف نبحثُ إن شاءَ اللهُ تعالى الشرطَ الجزائيَّ بعد هذا المبحثِ، نسألُ اللهَ وحدَهُ عونَهُ وتوفيقَهُ.
العَرَبُونُ جزاءُ حبسِ السلعةِ عن عرضِها للبيعِ، وقد يُحْرَمُ البائعُ فرصًا في بيعِها، وربما كانتْ هذه الفرصُ أكثرَ غبطةً ومصلحةً لمالكِها، ف العَرَبُونُ عِوَضٌ عن هذا الحرمانِ. وهذا التخريجُ فيه قوةٌ.
ذهبَ الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ منيعٍ وفَّقَهُ اللهُ إلى توصيفِ العَرَبُونِ وتخريجِهِ بطريقةٍ مختلفةٍ:
فقال:
«قد يُخَرَّجُ بيعُ العَرَبُونِ على أنه بيعٌ ناجزٌ بين البائعِ والمشتري بثمنٍ معينٍ، يدفعُ المشتري جزءًا من الثمنِ هو العَرَبُونُ، والباقي يدفعُهُ في حالِ اختيارِهِ نفاذَ البيعِ، ويُعطيهِ البائعُ وعدًا بشراءِ ما باعَهُ إياهُ في حالِ رغبتِهِ عن المبيعِ، وبثمنٍ أقلَّ من ثمنِ ما اشتراهُ بَقَدْرِ العَرَبُونِ» [10].
وقد ظنَّ الشيخُ بأنه بهذا التوصيفِ قد استطاعَ الخروجَ من الإيراداتِ التي قد يُورِدُها الجمهورُ، وأعتقدُ أنه بهذا قد زادَ العقدَ تعقيدًا، وإن كان قد سَلِمَ من بعضِها، ف الجمهورُ حتى على هذا التوصيفِ لا يجيزونَهُ، حتى الحنابلةُ لو خُرِّجَ على هذا النحوِ لم يجيزوهُ، وذلك أنهم يمنعونَ بيعتينِ في بيعةٍ.
فضلًا عن الحنفيةِ و الشافعيةِ الذين يمنعونَ من بيعٍ وشرطٍ.
فهو عقدٌ يقولُ فيه المشتري:
أشتري منكَ هذا المبيعَ دَيْنًا بشرطِ أن تشتريَ مني السلعةَ إذا رغبتُ عن السلعةِ في مدةٍ معينةٍ بقيمةٍ أقلَّ من القيمةِ التي اشتريتُها بها، وهذا النقصُ يحدِّدُهُ قَدْرُ العَرَبُونِ، ثم نتقاصَّ ما وجبَ في ذمةِ كلِّ واحدٍ منا.
فهو قد اشتملَ على شرطينِ:
أشتري منكَ بشرطِ أن تشتريَ السلعةَ مني.
وهذا ليس حتمًا، ولكنه متعلِّقٌ برغبةِ المشتري فقط خلالَ مدةٍ معينةٍ، إن شاءَ باعَها على صاحبِها، وصاحبُها ملزَمٌ بشرائِها، وإن شاءَ باعَها على غيرِهِ.
أن يكونَ ثمنُ الشراءِ في العقدِ الثاني أقلَّ من قيمةِ العقدِ الأولِ بقَدْرٍ يحدِّدُهُ قَدْرُ العَرَبُونِ.
وهل يدخلُهُ الاختلافُ في بيعِ الشيءِ قبلَ قبضِهِ، باعتبارِ أن المشتريَ قد باعَهُ على بائعِهِ قبلَ أن يقبضَهُ المشتري؟
قد يُنَازَعُ في هذا باعتبارِ أن المشتريَ الجديدَ والذي كان بائعًا في العقدِ الأولِ كونُ المبيعِ في يدِهِ بمنزلةِ قبضِهِ له.
ولا أعتقدُ أن العاقدينِ قد تصوَّرَا هذا التكييفَ، وهما يعقدانِ بيعَ العَرَبُونِ.
أن بيعَ العَرَبُونِ ليس هبةً كما يختارُ ذلك الشافعيةُ.
فإن الهبةَ ما يُعْطَى للآخرِ بلا مقابلٍ، وهذا العَرَبُونُ قد كان في مقابلِ اختيارِ العدولِ عن الصفقةِ، فحقيقةُ بيعِ العَرَبُونِ:
بيعٌ اشْتُرِطَ فيه الخيارُ للمشتري، وهذا الخيارُ [كونُ العقدِ جائزًا مدةً معينةً في حقِّ المشتري] قد يكونُ له ثمنٌ، وقد يتسامحُ فيه البائعُ فيكونُ بلا ثمنٍ، ففي حالِ عدولِ المشتري عن الصفقةِ يكونُ الخيارُ له ثمنٌ، وهو قيمةُ العَرَبُونِ، وفي حالِ إتمامِ الصفقةِ يكونُ العَرَبُونُ جزءًا من الثمنِ، ويكونُ جعلُ العقدِ غيرَ لازمٍ مدةً معينةً بلا مقابلٍ تسامحًا من البائعِ لقاءَ اختيارِ المشتري إتمامَ الصفقةِ.
وحين نقولُ: إن الثمنَ في مقابلِ كونِ العقدِ جائزًا،
أحسنُ من قولِنا: إن الثمنَ في مقابلِ الانتظارِ؛ حتى لا ندخلَ في خلافٍ: هل الانتظارُ ليس له قيمةٌ مطلقًا، أو له قيمةٌ في البيعِ، وليس له قيمةٌ في القرضِ؟ واللهُ أعلمُ.
الفرعُ الثاني: غرضُ العاقدِ من بيعِ العَرَبُونِ
اختلفَ العلماءُ في الغرضِ من بيعِ العَرَبُونِ إلى قولينِ:
يذهبُ بعضُ الباحثينَ إلى أنه لا يوجدُ حاجةٌ عامةٌ أو خاصةٌ للتعاملِ ب العَرَبُونِ تجعلُ التعاملَ به جائزًا، ولو كانتْ هناك حاجةٌ فإنها غيرُ متعيِّنةٍ، وغيرُ معتبَرةٍ.
غيرُ متعيِّنةٍ: لأن في البيعِ مع خيارِ الشرطِ بشروطِهِ الشرعيةِ غِنًى عنهُ.
وغيرُ معتبَرةٍ: لأن الشارعَ نهى عنهُ كما في حديثِ عمرو بنِ شعيبٍ.
وممن ذهبَ هذا المذهبَ:
فضيلةُ الشيخِ الدكتورِ الفقيهِ: الصِّدِّيقُ محمدٌ الضريرُ [11].
ذهبَ كثيرٌ من الباحثينَ إلى أن العَرَبُونَ فيه مصلحةٌ لكلٍّ من البائعِ والمشتري:
أما البائعُ:
فإن في العَرَبُونِ جَبْرًا للضررِ الواقعِ على البائعِ، نتيجةَ نُكُولِ المشتري عن العقدِ.
أما المشتري:
فإن بيعَ العَرَبُونِ يعطيهِ الحقَّ في النُّكُولِ، إذا بدا له أن الشراءَ ليس في صالحِهِ.
ويفصِّلُ الدكتورُ رفيقٌ يونسُ المصريُّ هذه المصالحَ، فيقولُ:
«1 – قد يرغبُ أحدُ المستهلكينَ في شراءِ السلعةِ، ولا يملكُ ثمنَها كاملًا، فيدفعُ جزءًا من الثمنِ للبائعِ، ويقولُ له: لا تَبِعْ هذه السلعةَ لغيري، فإن عدتُ إلى يومِ كذا فما دفعتُهُ يكونُ جزءًا من الثمنِ، وإلا فلكَ.
2 – قد يجدُ أحدُ المشترينَ سلعةً لدى أحدِ الباعةِ، ويترددُ في شرائِها، خشيةَ عدمِ ملاءمتِها جودةً أو ثمنًا، أو غيرَ ذلك، فإن لم يشترِها فربما عادَ فلم يجدْها، وإن اشتراها على البَتِّ فربما لم تعجبْهُ بعد ذلك، أو لم تعجبْ من اشتراها له كزوجِهِ، أو ولدِهِ، أو موكِّلِهِ.
من أجلِ الخروجِ من الترددِ يلجأُ إلى شرائِها بشرطِ الخيارِ لنفسِهِ، فإن وافقَ البائعُ على الخيارِ فبها ونِعْمَتْ، ولكن البائعَ قد لا يوافقُ على هذا الخيارِ بالمجانِ للمشتري، ولاسيما أن ضررًا قد يصيبُهُ من جَرَّاءِ عدولِ المشتري عن الشراءِ، مثلَ تفويتِ فرصةِ بيعِها لآخرَ.
وقد تكونُ السلعةُ غيرَ جاهزةٍ، بل سلعةً يطلبُ المشتري تصنيعَها، أو خياطتَها، أو غيرَ ذلك، وقد لا يسهلُ على البائعِ تصريفُها إذا عدلَ عنْها مشتريها كأن تكونَ سلعةً خاصةً من حيث أوصافُها: قياسُها، لونُها… الخ.
ففي مثلِ هذه الحالاتِ يكونُ العَرَبُونُ بمثابةِ تعويضٍ مقطوعٍ للبائعِ عن العُطْلِ والضررِ، يتفقُ عليه المتبايعانِ، ويقدِّرانِهِ منذُ العقدِ، ولا يؤخِّرانِهِ لحينِ وقوعِ الضررِ الفعليِّ، ف العَرَبُونُ هو ثمنُ الخيارِ، أو ثمنُ أو جزاءُ حقِّ النُّكُولِ.
3 – والسلعةُ إما أن تبقى عند البائعِ محجوزةً لحينِ عودةِ المشتري وعزمِهِ على الأخذِ أو التركِ، أو أن يأخذَها المشتري معَهُ لكي يتفحَّصَها أو يختبرَها بنفسِهِ أو بالاستعانةِ بغيرِهِ، أو لكي يعرضَها على زوجِهِ أو ولدِهِ أو موكِّلِهِ، فيتحققَ له بذلك التروِّي أو المشورةُ أو التجريبُ [الاختبارُ، القياسُ].
وهذا كلُّهُ بافتراضِ أن المشتريَ إذا أخذَ السلعةَ ثم ردَّها لم تتغيرْ عندَهُ نتيجةَ استعمالٍ أو استهلاكٍ، أو تلفٍ، فمثلُ هذا إذا وقعَ فهو دليلٌ على أن المشتريَ قد عزمَ على إمضاءِ الشراءِ، ولم يَعُدْ له خيارٌ فيه» [12].
الفرعُ الثالثُ: شروطُ بيعِ العَرَبُونِ عند من يجيزُهُ
يُشْتَرَطُ لبيعِ العَرَبُونِ شرطانِ عند من يقولُ به:
أن يكونَ البيعُ مما لا يجبُ فيه التقابضُ.
فإن كان المعقودُ عليه مما يجبُ فيه التقابضُ قبل التفرقِ فإن بيعَ العَرَبُونِ لا يجوزُ أن يدخلَ فيه؛ لأن بيعَ العَرَبُونِ يتضمنُ خيارَ الشرطِ، و خيارُ الشرطِ يمنعُ ثبوتَ المِلْكِ أو تمامَهُ لحينِ مُضِيِّ مدتِهِ، ف بيعَ العَرَبُونِ يقتضي تأخيرَ الثمنِ حتى اختيارِ المشتري ما يراهُ من إمضاءِ البيعِ أو ردِّهِ، وذلك يُخِلُّ بالقبضِ المشروطِ.
وعليه:
لا يجوزُ بيعُ العَرَبُونِ في عقودِ الصرفِ، وفي عقودِ بيعِ الطعامِ بالطعامِ، وفي عقدِ السَّلَمِ، وفي كلِّ عقدٍ يكونُ القبضُ شرطًا في صحتِهِ.
لما رواهُ مسلمٌ من طريقِ أبي الأشعثِ،
عن عبادةَ بنِ الصامتِ -رضي الله عنه-، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «الذهبُ بالذهبِ، والفضةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والملحُ بالملحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيدٍ، فإذا اختلفتْ هذه الأصنافُ، فبيعوا كيف شئتُمْ إذا كان يدًا بيدٍ» [13].
فأما ما لا يُشْتَرَطُ فيه القبضُ من أنواعِ البيوعِ:
فيدخلُ فيه العَرَبُونُ.
وذلك مثلَ: تقديمِ العَرَبُونِ في بيعِ أسهمِ الشركاتِ التي تمارسُ أعمالًا مشروعةً، ومثلَ: تقديمِ العَرَبُونِ في بيعِ المرابحةِ للآمرِ بالشراءِ بعد تملُّكِ البائعِ للسلعةِ، وعند إبرامِ العقدِ، وأما في مرحلتِهِ الأولى -وهي مرحلةُ المواعدةِ-: فإنه لا يجوزُ دفعُ العَرَبُونِ على القولِ الصحيحِ الذي اخترتُهُ، وذلك أن الإلزامَ بالوعدِ لا يجوزُ.
وحكمُ الإجارةِ حكمُ البيعِ، يجوزُ تقديمُ العَرَبُونِ فيه؛ لأن الإجارةَ تُعْتَبَرُ بيعًا للمنافعِ مدةً معلومةً.
أن يكونَ الخيارُ للمشتري في مدةٍ معلومةٍ على الصحيحِ.
اختارَهُ بعضُ الحنابلةِ [14].
لأن الخيارَ إذا كان مجهولَ المدةِ لا يصحُّ، كما لو اشترطَ أن له رَدَّ البيعِ متى شاءَ من غيرِ ذكرِ أجلٍ معينٍ.
وقد اعتقدَ الصِّدِّيقُ الضريرُ أن القولَ بأن تقييدَ الردِّ في بيعِ العَرَبُونِ بمدةٍ محددةٍ ليس قولًا في الفقهِ الإسلاميِّ.
يقولُ وفَّقَهُ اللهُ: «الرأيُ الذي يتحدثُ عن بيعِ العَرَبُونِ: المدةُ فيه محددةٌ، لا يتحدثُ عن بيعِ العَرَبُونِ في الفقهِ الإسلاميِّ، هذا رأيُ من عندِهِ» [15].
أولًا: قد اختارَ جماعةٌ من الحنابلةِ القولَ بتحديدِ المدةِ، وهم يُحْسَبُونَ على الفقهِ الإسلاميِّ.
قال في «الإنصافِ»: «وهو – يعني العَرَبُونَ – أن يشتريَ شيئًا، ويُعطيَ البائعَ درهمًا، ويقولَ: إن أخذتُهُ، وإلا فالدرهمُ لك.
أن هذه صفةُ بيعِ العَرَبُونِ، ذكرَهُ الأصحابُ، سواءٌ وُقِّتَ، أو لم يُوَقَّتْ.
جزمَ به في «المغني»، و «الشرحِ»، و «المستوعبِ»، وغيرِهم، وقدَّمَهُ في «الفروعِ».
وقيلَ: العَرَبُونُ أن يقولَ: إن أخذتُ المبيعَ، وجئتُ بالباقي وقتَ كذا، وإلا فهو لك.
جزمَ به في «الرعايتينِ»، و «الحاويينِ»، و «الفائقِ»» [16].
وقال في «مطالبِ أولي النُّهَى»: «ويُتَّجَهُ صحةُ هذا الاشتراطِ في بيعِ العَرَبُونِ وإجارتِهِ إن قيَّدَ المتعاقدانِ ذلك بزمنٍ معينٍ، كـ إلى شهرٍ من الآنَ، وفاتَ ذلك الزمنُ، وإلا يقيِّداهُ بزمنٍ فلا يصحُّ اشتراطُهُ من أصلِهِ؛ لأن البائعَ أو المؤجِّرَ لا يدري إلى متى ينتظرُ، فالإطلاقُ لا يناسبُ، لِمَا يلزمُ عليه من طولِ الأمدِ بلا نهايةٍ، فيترتبُ عليه من الضررِ ما فيه كفايةٌ….» [17].
وعليه:
فهناك جماعةٌ من فقهاءِ الحنابلةِ يروْنَ وجوبَ تحديدِ المدةِ في الخيارِ للمشتري في بيعِ العَرَبُونِ.
ثانيًا: أن القولَ بتحديدِ المدةِ ثابتٌ عن ابنِ سيرينَ -رضي الله عنه-، وهو ممن يرى جوازَ بيعِ العَرَبُونِ.
رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا يزيدُ، عن هشامٍ.
عن ابنِ سيرينَ، أنه كان لا يرى بأسًا أن يُعطيَ الرجلُ العَرَبُونَ الملَّاحَ أو غيرَهُ، فيقولَ: إن جئتُ به إلى كذا وكذا، وإلا فهو لك [18].
[ إسنادُهُ صحيحٌ ] [19].
ثالثًا: لو سلَّمْنَا أنه لا يوجدُ فقهاءُ مطلقًا لا عند الحنابلةِ ولا عند غيرِهم يقولونَ بتحديدِ المدةِ، فإن المشهورَ من مذهبِ الحنابلةِ أن بيعَ العَرَبُونِ صحيحٌ، ولو كان مؤقتًا.
ف المرداويُّ وهو يقدِّمُ الصحيحَ من مذهبِ الحنابلةِ يرى أن صفةُ بيعِ العَرَبُونِ صحيحةٌ، سواءٌ وُقِّتَ، أو لم يُوَقَّتْ.
فإذا أخذَ الفقيهُ في بيعِ العَرَبُونِ في حالِ كونِ الخيارِ مؤقتًا فهو صحيحٌ بموجبِ النصِّ عن المذهبِ، لأنهم يقولونَ بصحتِهِ إذا وُقِّتَ، وبصحتِهِ إذا لم يُوَقَّتْ، وبالتالي لا يكونُ الاختيارُ في حالِ التوقيتِ خروجًا عن المذهبِ، ولم يكُنْ انتحالًا لقولٍ جديدٍ؛ لأن القولَ بعمومِهِ يشملُ المؤقَّتَ وغيرَ المؤقَّتِ، نعم يُعْتَبَرُ بِدْعًا من القولِ لو كان الحنابلةُ يشترطونَ عدمَ التوقيتِ، أما إذا كان القولُ يشملُ الحالتينِ، وأخذَ فقيهٌ بأحدِهما لم يخرجْ عن الفقهِ الإسلاميِّ.
رابعًا: على القولِ بأن الأجلَ في بيعِ العَرَبُونِ غيرُ محددٍ من جهةِ النصوصِ الواردةِ في بيعِ العَرَبُونِ، فإن تركَ التعرضِ له لا يعني عدمَ اعتبارِ الأجلِ فيه، فإن كلِّ شيءٍ يجبُ أن يكونَ محددًا، وإذا لم يُذْكَرَ الأجلُ في العقدِ كان مرجعُ ذلك إلى عُرْفِ الناسِ.
وسيأتي مزيدُ بحثٍ في هذه المسألةِ إن شاءَ اللهُ تعالى عند بحثِ حكمِ العَرَبُونِ.
الفرعُ الرابعُ: خلافُ العلماءِ في بيعِ العَرَبُونِ
اختلفَ العلماءُ في بيعِ العَرَبُونِ على ثلاثةِ أقوالٍ:
لا يجوزُ.
وهو قولُ الحنفيةِ [20]، و المالكيةِ [21]، و الشافعيةِ [22]، و أبو الخطابِ من الحنابلةِ [23]، ونسبَ ابنُ رشدٍ هذا القولَ ل الجمهورِ [24].
وذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ و القرطبيُّ: بأنه قولُ جماعةِ فقهاءِ الأمصارِ من الحجازيينَ و العراقيينَ [25].
البيعُ صحيحٌ، سواءٌ وُقِّتَ أو لم يُوَقَّتْ.
وهو الصحيحُ من مذهبِ الحنابلةِ [26].وبه قال عمرُ و ابنُ عمرَ -رضي الله عنهما-، و سعيدُ بنُ المسيَّبِ [27]، و مجاهدٌ [28].
البيعُ صحيحٌ بشرطِ أن يكونَ زمنُ الخيارِ محددًا.
اختارَهُ ابنُ سيرينَ [29]، ورجَّحَهُ بعضُ الحنابلةِ [30]، وبه أخذَ مجمعُ الفقهِ الإسلاميِّ [31].
ما رواهُ مالكٌ، عن الثقةِ عندَهُ، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ.
عن جدِّهِ، «أن رسولَ اللهِ ﷺ نهى عن بيعِ العُرْبَانِ» [32].
[ ضعيفٌ ] [33].
اشتمالُ بيعِ العَرَبُونِ على الغررِ المنهيِّ عنهُ.
يقسِّمُ المالكيةُ الغررَ إلى ثلاثةِ أشياءَ:
1- غررٌ في العقدِ.
2- وغررٌ في الأجلِ.
3- وغررٌ في أحدِ العوضينِ.
وغررُ العقدِ عندَهم: هو كلُّ عقدٍ لا يُدْرَى هل يتمُّ أو لا يتمُّ.
من ذلك بيعُ العَرَبُونِ فقد اشتملَ على نوعينِ من الغررِ: غررُ العقدِ، وغررُ الأجلِ.
أما غررُ العقدِ: فإنه لا يدري كلٌّ من البائعِ والمشتري هل يتمُّ البيعُ، أو لا يتمُّ.
يقولُ ابنُ رشدٍ الجَدُّ:
«الغررُ الكثيرُ المانعُ من صحةِ العقدِ يكونُ في ثلاثةِ أشياءَ: أحدُها: العقدُ. والثاني: أحدُ العوضينِ. والثالثُ: الأجلُ فيهما، أو في أحدِهما، فأما الغررُ في العقدِ، فهو مثلُ نهيِ النبيِّ ﷺ عن بيعتينِ في بيعةٍ [34]، وعن بيعِ العُرْبَانِ» [35].
وأما غررُ الأجلِ: فإن بيعَ العَرَبُونِ بمنزلةِ الخيارِ المجهولِ؛ لأن المشتريَ اشترطَ أن له رَدَّ المبيعِ من غيرِ ذكرِ مدةٍ، فلم يصحَّ، كما لو قال: وليَ الخيارُ متى شئتُ رددتُ السلعةَ، ومعهَا درهمًا.
يقولُ ابنُ قدامةَ:
«اختارَ أبو الخطابِ أنه لا يصحُّ، وهو قولُ مالكٍ، و الشافعيِّ، وأصحابِ الرأيِ….. لأنه بمنزلةِ الخيارِ المجهولِ، فإنه اشترطَ أن له رَدَّ المبيعِ من غيرِ ذكرِ مدةٍ فلم يصحَّ، كما لو قال: وليَ الخيارُ متى شئتُ رددتُ السلعةَ ومعها درهمًا وهذا هو القياسُ….» [36].
أما دعوى الغررِ في الأجلِ: فقد تمَّتْ مناقشتُهُ في شروطِ بيعِ العَرَبُونِ.
ونلخِّصُ الجوابَ عنهُ فيما يأتي:
الجوابُ الأولُ: ذكرنا أن مذهبَ الحنابلةِ فيه قولانِ:
أحدُهما: وجوبُ تحديدِ الأجلِ في بيعِ العَرَبُونِ.
والأخرُ: أن بيعَ الأجلِ صحيحٌ سواءٌ وُقِّتَ أو لم يُوَقَّتْ.
وذكرنا أن الراجحَ أن الأجلَ في بيعِ العَرَبُونِ يجبُ أن يكونَ محددًا، وتعرَّضْتُ بالردِّ على من قال: تحديدُ المدةِ في بيعِ العَرَبُونِ لا يُعَدُّ قولًا في الفقهِ الإسلاميِّ، وإنما هو قولٌ قالَهُ من قالَهُ مِنْ عندِهِ، وقد اختارَ القولَ بالتحديدِ مجمعُ الفقهِ الإسلاميِّ، فليراجعِ القارئُ مناقشةَ هذا الجوابِ في ما تقدمَ عند الكلامِ على شروطِ بيعِ العَرَبُونِ، فقد أغنى ذلك عن إعادتِهِ هنا.
الجوابُ الثاني: على القولِ بأن الأجلَ في بيعِ العَرَبُونِ غيرُ محددٍ من جهةِ النصوصِ الواردةِ في بيعِ العَرَبُونِ، فإن تركَ التعرضِ له لا يعني عدمَ اعتبارِ الأجلِ فيه، فإن كلَّ شيءٍ يجبُ أن يكونَ محددًا، وإذا لم يُذْكَرَ الأجلُ في العقدِ كان مرجعُ ذلك إلى عُرْفِ الناسِ.
الجوابُ الثالثُ: على القولِ بأن الأجلَ ليس واردًا مطلقًا، لا نصًّا، ولا عُرْفًا، فإن هذا غيرُ كافٍ لردِّ النصوصِ الواردةِ في بيعِ العَرَبُونِ، وقد أجازَ الفقهاءُ بعضَ الشروطِ المطلقةِ، والتي لم تُحَدَّدْ بمدةٍ معينةٍ، من ذلك:
خيارُ العيبِ، و خيارُ الرؤيةِ، و خيارُ الفسخِ، و خيارُ المجلسِ عند القائلينَ به، فقد يطولُ المجلسُ، وقد يقصرُ وكلُّ هذه الخياراتِ ليستْ محددةً بمدةٍ، وإن كنتُ أرجِّحُ القولَ بوجوبِ تحديدِ المدةِ في بيعِ العَرَبُونِ.
هذا الجوابُ فيما يتعلقُ بدعوى الغررِ في الأجلِ.
وأما دعوى وجودِ الغررِ في العقدِ: لكونِ كلٍّ من البائعِ والمشتري لا يدري هل يتمُّ البيعُ أو لا يتمُّ.
فهذا لا يُعَدُّ من الغررِ في شيءٍ، كلُّ ما هنالك أن العقدَ أصبحَ جائزًا، وليس لازمًا مدةً معينةً، ولو عُدَّ ذلك من الغررِ لاعْتُبِرَ خيارُ الشرطِ باطلًا، وقد أجمعَ العلماءُ على اعتبارِهِ في الجملةِ، وهو مجهولُ العاقبةِ، لا يدري كلٌّ من البائعِ والمشتري هل يتمُّ البيعُ أو لا يتمُّ.
فإن اعْتُبِرَ بيعُ العَرَبُونِ من الغررِ في العقدِ، اعْتُبِرَ خيارُ الشرطِ كذلك، ولا فرقَ بينهما من جهةِ لزومِ العقدِ وجوازِهِ.
علَّلَ كثيرٌ من الفقهاءِ بأن بيعَ العَرَبُونِ من أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ، ويقصدونَ بذلك: أنه في حالِ اختارَ المشتري رَدَّ المبيعِ فإن البائعَ يأخذُ العَرَبُونَ بغيرِ عوضٍ، وهذا لا يجوزُ.
قال القرطبيُّ:
«ومن أكلِ المالِ بالباطلِ بيعُ العُرْبَانِ…» [37].
وعلَّلَ ابنُ عبدِ البرِّ عدمَ الجوازِ بقولِهِ:
«لأنه من بيعِ القمارِ، و الغررِ، والمخاطرةِ، وأكلِ المالِ بغيرِ عوضٍ، ولا هبةٍ، وذلك باطلٌ..» [38].
وقال ابنُ قدامةَ:
«واختارَ أبو الخطابِ أنه لا يصحُّ…. لأنه شَرَطَ للبائعِ شيئًا بغيرِ عوضٍ فلم يصحَّ كما لو شرطَهُ لأجنبيٍّ» [39].
اشتمالُ هذا البيعِ على شرطٍ فاسدٍ:
قال في «مغني المحتاجِ»:
«ولا يصحُّ بيعُ العَرَبُونِ…. لأن فيه شرطينِ فاسدينِ: أحدُهما: شرطُ الهبةِ. والثاني: شرطُ الردِّ على تقديرِ ألا يرضى» [40].
وقال الخطابيُّ:
«اختلفَ الناسُ في جوازِ هذا البيعِ، فأبطلَهُ مالكٌ و الشافعيُّ للحديثِ، ولما فيه من الشرطِ الفاسدِ….» [41].
أما الجوابُ عن دعوى أن العَرَبُونَ يأخذُهُ البائعُ هبةً في حالِ نُكُولِ المشتري عن الشراءِ: فقد سبقَ في تكييفِ بيعِ العَرَبُونِ:
وأن الصحيحَ في بيعِ العَرَبُونِ أنه ليس هبةً ولم يُدْفَعْ للبائعِ مجانًا، وإنما هو في مقابلِ أمرينِ:
الأولُ: أنه في مقابلِ حبسِ السلعةِ عن عرضِها للبيعِ، وقد يُحْرَمُ البائعُ فرصًا في بيعِها، وربما كانتْ هذه الفرصُ أكثرَ غبطةً ومصلحةً لمالكِها، ف العَرَبُونُ في مقابلِ التعويضِ عن هذا الحرمانِ.
الثاني: أن العَرَبُونَ أيضًا في مقابلِ اختيارِ العدولِ عن الصفقةِ.
فحقيقةُ بيعِ العَرَبُونِ:
بيعٌ اشْتُرِطَ فيه الخيارُ للمشتري، وهذا الخيارُ [كونُ العقدِ جائزًا مدةً معينةً في حقِّ المشتري] قد يكونُ له ثمنٌ، وقد يتسامحُ فيه البائعُ فيكونُ بلا ثمنٍ، ففي حالِ عدولِ المشتري عن الصفقةِ يكونُ الخيارُ له ثمنٌ، وهو قيمةُ العَرَبُونِ، وفي حالِ إتمامِ الصفقةِ يكونُ العَرَبُونُ جزءًا من الثمنِ، ويكونُ جعلُ العقدِ غيرَ لازمٍ مدةً معينةً بلا مقابلٍ تسامحًا من البائعِ لقاءَ اختيارِ المشتري إتمامَ الصفقةِ.
وقد استفادَ المشتري من هذا الشرطِ من نواحيَ كثيرةٍ: إما في تقليبِ النظرِ في الصفقةِ، والنظرِ في الأحظِّ من القبولِ أو الرفضِ، وقد لا يكونُ مع المشتري ما يكفي قيمةً للسلعةِ، فيُعطيهِ البائعُ مهلةً يستطيعُ أن يدبِّرَ الثمنَ إلى غيرِ ذلك من المنافعِ، فهذه أمورٌ إذا دفعَ المشتري العَرَبُونَ مقابلَ تحصيلِها لم يكُنْ بذلُهُ ل العَرَبُونِ هبةً من غيرِ مقابلٍ.
وأما الجوابُ عن اشتراطِ الردِّ إذا لم يرضَ الصفقةَ:
فما هو الخللُ في هذا الشرطِ حتى يُقَالَ عنهُ: إنه شرطٌ فاسدٌ؟
فهذا الشرطُ لم يخالفْ نصًّا شرعيًّا، ولم يخالفْ مقتضى العقدِ، وفيه مصلحةٌ للعاقدِ، والأصلُ في الشروطِ الصحةُ، ولو مُنِعَ مثلُ هذا لَمُنِعَ خيارُ الشرطِ، و العلماءُ على قبولِهِ، فإن الغرضَ من خيارِ الشرطِ أن يَرُدَّ المبيعَ إذا لم يرضَ الصفقةَ، فأيُّ فرقٍ بينهما؟
تقديمُ الحظرِ على الإباحةِ عند التعارضِ؛ لأنه ناقلٌ عن البراءةِ الأصليةِ.
قال الشوكانيُّ:
«ولأنه – يعني حديثَ عمرو بنِ شعيبٍ_ يتضمنُ الحظرَ، وهو أرجحُ من الإباحةِ، كما تقرَّرَ في الأصولِ» [42].
قاعدةُ «تقديمِ الحظرِ على الإباحةِ» عندما يتساوى الدليلانِ، وهنا الدليلانِ غيرُ متساويينِ، بل هناك مرجِّحٌ للقولِ بجوازِ بيعِ العَرَبُونِ، إما من جهةِ الأثرِ كما هو فعلُ عمرَ -رضي الله عنه-، أو من جهةِ القياسِ، لأن المسلمينَ على شروطِهم.
كما أن قاعدةَ تقديمِ الحظرِ على الإباحةِ إنما هو في الأمورِ التي يكونُ الأصلُ فيها الحظر، كالعباداتِ والفروجِ.
أما في المعاملاتِ فيُعْمَلُ فيها في الأصلِ، والأصلُ في المعاملاتِ الإباحةُ، كما أن الأصلَ في الشروطِ الجوازُ والصحةُ، واللهُ أعلمُ.
رواهُ البخاريُّ معلَّقًا بصيغةِ الجزمِ، قال:
«اشترى نافعُ بنُ الحارثِ دارًا للسجنِ بمكةَ من صفوانَ بنِ أميةَ على أنه إن رَضِيَ عمرُ فالبيعُ بيعُهُ، وإن لم يرضَ عمرُ فلصفوانَ أربعمائةٍ» [43].
[ حسنٌ ] [44].
هذه الواقعةُ قد سَمِعَ بها الصحابةُ، واطلعوا عليها، ولم ينكروها، ونقلوها لنا، وهي دالةٌ على استحقاقِ البائعِ مبلغَ العَرَبُونِ في حالِ اختارَ عدمَ إتمامِ الصفقةِ.
هذا الأثرُ يحتملُ بيعَ العَرَبُونِ، ويحتملُ وجهًا آخرَ، ذكرَهُ ابنُ قدامةَ، بأن المشتريَ إذا دفعَ دراهمَ للبائعِ، وقال: لا تَبِعْ هذه السلعةَ لغيري، وإن لم اشترِها منكَ فهذه الدراهمُ لك، ثم اشتراها منهُ بعد ذلك بعقدٍ مبتدئٍ، وحَسَبَ الدراهمَ من الثمنِ صحَّ العقدُ؛ لأن البيعَ قد خلا عن الشرطِ المفسِدِ، قال ابنُ قدامةَ:
«ويُحْتَمَلُ أن الشراءَ الذي اشْتُرِيَ ل عمرَ كان على هذا الوجهِ، فيُحْمَلُ عليه، جمعًا بين فعلِهِ، وبين الخبرِ، وموافقةِ القياسِ، والأئمةِ القائلينَ بفسادِ العَرَبُونِ» [45].
بأن هذا التخريجَ لا يدلُّ عليه الأثرُ.
فإن الأثرَ يقولُ: «اشترى نافعُ ابنُ الحارثِ دارًا للسجنِ بمكةَ من صفوانَ بنِ أميةَ على أنه إن رَضِيَ عمرُ…»
فالشراءُ سابقٌ على رأيِ عمرَ، ومعلَّقٌ لزومُهُ على رضا أميرِ المؤمنينَ، فإن اختارَ الفسخَ كان للبائعِ مقدارًا من الدراهمِ، وهو العَرَبُونُ.
الأصلُ في الشروطِ الصحةُ و الجوازُ إلا شرطًا خالفَ نصًّا شرعيًّا، أو خالفَ مقتضى العقدِ، وشرطُ العَرَبُونِ ليس منها، وقد التزمَ المشتري هذا الشرطَ طائعًا غيرَ مكرهٍ فيلزمُهُ.
روى عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، قال: اخْتُصِمَ إلى شريحٍ في رجلٍ اكترى من رجلٍ ظهرَهُ، فقال: «إن لم أخرجْ يومَ كذا وكذا، فلك زيادةُ كذا وكذا»، فلم يخرجْ يومئذٍ، وحبسَهُ، فقال شريحٌ:
«من شَرَطَ على نفسِهِ شرطًا طائعًا غيرَ مكرهٍ، أجزناهُ عليه» [46].
[ إسنادُهُ صحيحٌ ].
ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، «أن النبيَّ ﷺ أحلَّ العُرْبَانَ في البيعِ» [47].
[ ضعيفٌ لعلةِ الإرسالِ ] [48].
القياسُ على ما قالَهُ سعيدُ بنُ المسيَّبِ، و ابنُ سيرينَ، من أنه لا بأسَ إذا كَرِهَ المشتري السلعةَ أن يردَّها، ويردَّ معها شيئًا، فقد قال الإمامُ أحمدُ:هذا في معناهُ [49].
بأن هذه الصورةَ ليستْ من بيعِ العَرَبُونِ؛ لأن هذه الصورةَ هي بيعٌ مستأنفٌ، ولا مانعَ من أن يشتريَ شخصٌ سلعةً بمائةٍ نقدًا، ثم يرغبَ في تركِ السلعةِ، فيبيعَها لمن اشتراها منهُ بتسعينَ نقدًا، وبعضُهم يسميِّها إقالةً بعوضٍ.
والحقُّ: أنها بيعٌ مستأنفٌ.
جاءَ في «الموطأِ»: «قال مالكٌ في الرجلِ يبتاعُ العبدَ أو الوليدةَ بمائةِ دينارٍ إلى أجلٍ، ثم يندمُ البائعُ، فيسألُ المبتاعَ أن يقيلَهُ بعشرةِ دنانيرَ، يدفعُها إليه نقدًا، أو إلى أجلٍ، ويمحوَ عنهُ المائةَ دينارٍ التي له، قال مالكٌ: لا بأسَ بذلك…» [50].
ذكروا بأن بيعَ العَرَبُونِ إذا خلا من خيارٍ محددٍ بوقتٍ معينٍ كان بمنزلةِ الخيارِ المجهولِ، وعدمُ التوقيتِ في الخيارِ يبطلُ البيعَ فإنه متى اشترطَ أن له رَدَّ البيعِ من غيرِ ذكرِ مدةٍ لم يصحَّ، كما لو قال: وليَ الخيارُ متى شئتُ رددتُ السلعةَ ومعها درهمًا [51].
ولأن البائعَ يكونُ معلَّقًا، فلا يدري هل اختارَ المشتري السلعةَ أو اختارَ الردَّ، فيتضررُ من التعليقِ هذا، وربما فوَّتَ عليه فرصًا كثيرةً، فإذا وُقِّتَ أصبحَ البائعُ على بينةٍ، وإذا مضتْ تلك المدةُ صار له أن يتصرفَ في السلعةِ.
وقد ناقشتُ هذه المسألةَ فيما سبقَ ضمنَ أدلةِ القولِ الأولِ، وأميلُ إلى اشتراطِ أن يكونَ الأجلُ في الخيارِ محددًا بوقتٍ معينٍ.
أجدُ أن الحديثَ الواردَ في النهيِ عن بيعِ العَرَبُونِ لا يثبتُ عن النبيِّ ﷺ.
وأجدُ أن القولَ بجوازِ العَرَبُونِ يتمشى مع أصلٍ عظيمٍ: وهو أن الأصلَ في الشروطِ الجوازُ والصحةُ حتى يقومَ دليلٌ على المنعِ، ولم يقمْ دليلٌ على منعِ بيعِ العَرَبُونِ.
وقد تعارَفَ كثيرٌ من البلدانِ على بيعِ العَرَبُونِ حتى تلك البلادِ التي لا تدينُ بمذهبِ الحنابلةِ، والعُرْفُ معتبرٌ إذا لم يعارضْهُ نصًّا، وقد قدَّمَ الحنفيةُ العملَ الجاريَ وما كان متعارَفًا عليه على القياسِ، فأجازوا شروطًا كان مقتضى القياسِ عندَهم منعَها احترامًا لعملِ الناسِ.
والحاجةُ إلى بيعِ العَرَبُونِ في هذا الزمنِ أكثرُ منها في أيِّ وقتٍ مضى، وذلك لاختلافِ الأسعارِ، فقد تهبطُ السلعةُ فيرُدُّ المشتري السلعةَ، ويتضررُ البائعُ، ولأن الثقةَ اليومَ بين الباعةِ شبهُ مفقودةٍ، فإذا جرى التعاملُ بشرطِ العَرَبُونِ لم يكُنْ هناك ضررٌ على أحدٍ، وقد دخلَ المشتري على بينةٍ من أمرِهِ بأنه إذا اختارَ الردَّ كان عليه بذلُ العَرَبُونِ.
وقد اختارَ مجمعُ الفقهِ الإسلاميِّ جوازَ بيعِ العَرَبُونِ بشرطِ توقيتِ مدةِ الانتظارِ.
وهذا نصُّ القرارِ عن المجمعِ:
«إن مجلسَ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ المنعقدَ في دورةِ مؤتمرِهِ الثامنِ ببندر سيري باجوان، بروناي، دار السلام، من 1 إلى 7 محرم 1414 هـ الموافق 21-27 يونيو 1993 م.
بعد اطلاعِهِ على البحوثِ الواردةِ إلى المجمعِ بخصوصِ موضوعِ: [بيعِ العَرَبُونِ ] وبعد استماعِهِ إلى المناقشاتِ التي دارتْ حولَهُ، قررَ ما يلي:
1 – المرادُ ببيعِ العَرَبُونِ: بيعُ السلعةِ مع دفعِ المشتري مبلغًا من المالِ إلى البائعِ على أنه إن أخذَ السلعةَ احْتُسِبَ المبلغُ من الثمنِ، وإن تركَها فالمبلغُ للبائعِ.
ويجري مجرى البيعِ: الإجارةُ؛ لأنها بيعُ المنافعِ، ويُسْتَثْنَى من البيوعِ كلُّ ما يُشْتَرَطُ لصحتِهِ قبضُ أحدِ البدلينِ في مجلسِ العقدِ [السَّلَمُ] أو قبضُ البدلينِ [مبادلةُ الأموالِ الربويةِ والصرفُ] ولا يجري في المرابحةِ للآمرِ بالشراءِ في مرحلةِ المواعدةِ، ولكن يجري في مرحلةِ البيعِ التاليةِ للمواعدةِ.
2 – يجوزُ بيعُ العَرَبُونِ إذا قُيِّدَتْ فترةُ الانتظارِ بزمنٍ محدودٍ، ويُحْتَسَبُ العَرَبُونُ جزءًا من الثمنِ إذا تمَّ الشراءُ، ويكونُ من حقِّ البائعِ إذا عدلَ المشتري عن الشراءِ [52].»
الفرعُ الخامسُ: بعضُ المعاملاتِ التي تشبهُ بيعَ العَرَبُونِ وليستْ منهُ
هناك تشابهٌ بين بعضِ الصورِ وبين بيعِ العَرَبُونِ وإن كانتْ لا تُحْسَبُ من بيعِ العَرَبُونِ، وقد يُجِيزُ تلك الصورَ أولئكَ الفقهاءُ الذين منعوا من بيعِ العَرَبُونِ.
الصورةُ الأولى:
إذا اتفقَ المتعاقدانِ على أنه إن تمَّ البيعُ أو الإجارةُ كان جزءًا من الثمنِ، وإن لم يتمَّ العقدُ استردَّ المدفوعَ.
فهذا ليس من العَرَبُونِ المختلَفِ فيه بين العلماءِ، بل هو جائزٌ إجماعًا، كلُّ ما هنالك أن الثمنَ عُيِّنَ بعضُهُ.
جاءَ في «التاجِ والإكليلِ»:
«قال مالكٌ: وأما من اشترى شيئًا، وأعطى عُرْبَانًا، على أنه إن رَضِيَهُ أخذَهُ، وإن سَخِطَهُ ردَّهُ، وأخذَ عُرْبَانَهُ، فلا بأسَ به» [53].
يقولُ الباجيُّ في «المنتقى»:
«وأما العُرْبَانُ الذي لم يُنْهَ عنهُ، فهو أن يبتاعَ منهُ ثوبًا أو غيرَهُ بالخيارِ، فيدفعَ إليهِ بعضَ الثمنِ مختومًا عليه إن كان مما لا يُعْرَفُ بعينِهِ على أنه إن رَضِيَ البيعَ كان من الثمنِ، وإن كَرِهَ رجعَ إليهِ ذلك؛ لأنه ليس فيه خطرٌ يمنعُ صحتَهُ، وإنما فيه تعيينٌ للثمنِ أو بعضِهِ» [54].
الصورةُ الثانيةُ:
أن يشتريَ الرجلُ السلعةَ، ثم يطلبَ من البائعِ إقالتَهُ من البيعِ مقابلَ جزءٍ من المالِ، فهذا جائزٌ على الصحيحِ، وهو بيعٌ مستأنفٌ، وليس من بابِ الإقالةِ.
جاءَ في «الموطأِ»:
«قال مالكٌ في الرجلِ يبتاعُ العبدَ أو الوليدةَ بمائةِ دينارٍ إلى أجلٍ، ثم يندمُ البائعُ، فيسألُ المبتاعَ أن يقيلَهُ بعشرةِ دنانيرَ، يدفعُها إليه نقدًا، أو إلى أجلٍ، ويمحوَ عنهُ المائةَ دينارٍ التي له، قال مالكٌ: لا بأسَ بذلك…» [55].
وقد روى ابنُ أبي شيبةَ، قال: أخبرنا وكيعٌ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الوليدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي مغيثٍ، عن مجاهدٍ. عن ابنِ عمرَ، في رجلٍ اشترى بعيرًا، فأرادَ أن يردَّهُ، ويردَّ معَهُ درهمًا، فقال:
«لا بأسَ به» [56].
[ ضعيفٌ جدًّا ] [57].
وروى ابنُ أبي شيبةَ، أخبرنا وكيعٌ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ وابنِ سيرينَ، في الرجلِ يشتري السلعةَ، ثم يستغليها، قال:
«لا بأسَ أن يردَّها، ويردَّ معَها شيئًا» [58].
[ إسنادُهُ حسنٌ].
وذكرَ ابنُ قدامةَ هذا الأثرَ في «المغني»، ونقلَ عن أحمدَ أنه قال تعقيبًا:
«هذا في معناهُ»: أي في معنى بيعِ العَرَبُونِ [59].
أن العَرَبُونَ يُتَّفَقُ عليه منذُ العقدِ الأولِ، وأما هذه الصورةُ فيتمُّ الاتفاقُ عليها عند العقدِ الثاني.
الصورةُ الثالثةُ:
أن يدفعَ إليهِ قبل البيعِ درهمًا، ويقولَ له:
لا تَبِعْ هذه السلعةَ لغيري، وإن لم اشترِها منكَ فهذا الدرهمُ لك، ثم يشتريَها منهُ بعد ذلك بعقدٍ جديدٍ، ويحسبَ الدرهمَ من الثمنِ، فهذا البيعُ صحيحٌ، وليس من بيعِ العَرَبُونِ.
ذكرَها ابنُ قدامةَ في «المغني»، وعلَّلَ الصحةَ بقولِهِ:
«لأن البيعَ خلا عن الشرطِ الفاسدِ» [60].
يعني -واللهُ أعلمُ- أن شرطَ تركِ العَرَبُونِ لم يقترنْ بالعقدِ ليُفْسِدَ البيعَ عند من لا يجيزُهُ، وإنما كان هناك اتفاقانِ:
الاتفاقُ الأولُ: تركُ العَرَبُونِ له إذا تركَ البيعَ، وهذا الاتفاقُ منفصلٌ عن عقدِ البيعِ.
والاتفاقُ الثاني: عقدُ البيعِ خاليًا من هذا الشرطِ، واللهُ أعلمُ.
وهو أعجميٌّ معرَّبٌ، وأصلُهُ في اللغةِ: التقديمُ والتسليفُ.
يُقَالُ: أَعْرَبَ في بيعِهِ، وعَرَّبَ، وعَرْبَنَ: إذا أعطى العَرَبُونَ.
وسُمِّيَ بذلك؛ لأن فيه إعرابًا لعقدِ البيعِ: أي إصلاحًا وإزالةَ فسادٍ لئلا يشتريَ غيرُهُ ما اشتراهُ هو. انظرْ «لسانَ العربِ» [1/592]، «النهايةَ» لابنِ الأثيرِ [3/202]، «المطلعَ على أبوابِ المقنعِ» [ص: 233-234].
رجالُهُ ثقاتٌ، وابنُ أبي نجيحٍ يدلِّسُ عن مجاهدٍ، ولكن لعلَّهُ يدلِّسُ الأحاديثَ أكثرَ مما يدلِّسُ الأقوالَ الفقهيةَ.
[33] وهذا الحديثُ فيه علتَانِ:
أنه لم يروِهِ ثقةٌ عن عمرو بنِ شعيبٍ، ومن يقبلْ إسنادَ [عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيهِ، عن جدِّهِ] يشترطْ أن يصحَّ الطريقُ إلى عمرو بنِ شعيبٍ، ولم يصحَّ.
أن ما يتفردُ به عمرو بنُ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، وهو أصلٌ في البابِ لا يُحْتَمَلُ تفردُهُ، وذلك أن النهيَ عن بيعِ العُرْبَانِ لم يَرِدْ في شيءٍ من الأحاديثِ إلا هذا الحديثَ ومن هذا الطريقِ.
تخريجُ الحديثِ:
الحديثُ أخرجَهُ مالكٌ في «الموطأِ» كما في إسنادِ البابِ من روايةِ يحيى بنِ يحيى، ومن روايةِ أبي مصعبٍ الزهريِّ [2470]. ومن طريقِ مالكٍ أخرجَهُ أحمدُ في «مسندِهِ» [2/183] وابنُ عديٍّ في «الكاملِ» [4/153].
قال مالكٌ:
أخبرني الثقةُ، عن عمرو بنِ شعيبٍ به، فذكرَهُ.
قال في «خلاصةِ البدرِ المنيرِ» [2/63]:
رواهُ مالكٌ عن الثقةِ، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، ومثلُ هذا لا يُحْتَجُّ به على الأصحِّ.
وأخرجَهُ أبو داودَ [3502]، وابنُ ماجهْ [2192]، والبيهقيُّ في «السننِ» [5/342]، وفي «المعرفةِ» [4/380] من طريقِ مالكٍ أنه بلغَهُ عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، وذكرَ الحديثَ.
وقال ابنُ عديٍّ في «الكاملِ» [4/153]:
يُقَالُ إن مالكًا سَمِعَ الحديثَ من ابنِ لهيعةَ، عن عمرو بنِ شعيبٍ، ولم يسمِّهِ لضعفِهِ، والحديثُ عن ابنِ لهيعةَ عن عمرو بنِ شعيبٍ مشهورٌ…
ثم أخرجَهُ ابنُ عديٍّ في «الكاملِ» بإسنادِهِ [4/153] ومن طريقِهِ البيهقيُّ في «السننِ» [5/343] من طريقِ قتيبةَ.
وأخرجَهُ ابنُ عبدِ البرِّ في «التمهيدِ» [24/177] من طريقِ ابنِ وهبٍ عن مالكٍ، كلاهما عن ابنِ لهيعةَ، عن عمرو بنِ شعيبٍ به.
قال ابنُ عبدِ البرِّ عقبَهُ:
المعروفُ فيه ابنُ وهبٍ، عن ابنِ لهيعةَ.
وعلى فرضِ صحةِ ما يقولُهُ ابنُ عبدِ البرِّ رحمَهُ اللهُ فقد رجَّحْتُ في كتابي «موسوعةِ أحكامِ الطهارةِ»، حديث رقم [613] أن عبدَ اللهِ بنَ لهيعةَ ضعيفٌ في نفسِهِ مطلقًا، سواءٌ كان ذلك قبلَ احتراقِ كتبِهِ أو بعدَها، روى ذلك عنهُ العبادلةُ أو غيرُهم، إلا أن روايةَ العبادلةِ أخفُّ ضعفًا من غيرِها، واللهُ أعلمُ.
وقد تُوبِعَ فيه ابنُ لهيعةَ، ولكن لم يتابعْهُ إلا مثلُهُ أو أضعفُ منهُ، فقد تابعَهُ كلٌّ من:
• الأولُ: عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ الأسلميُّ.
رواهُ حبيبُ بنُ أبي حبيبٍ، واخْتُلِفَ على حبيبٍ فيه:
فرواهُ البيهقيُّ [5/342] من طريقِ المقدامِ بنِ داودَ بنِ تليدٍ الرعينيِّ، ثنا حبيبُ ابنُ أبي حبيبٍ، عن مالكٍ، قال: حدثني عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ الأسلميُّ، عن عمرو بنِ شعيبٍ به.
ورواهُ ابنُ ماجهْ في «سننِهِ» [2193] قال: حدثنا الفضلُ بنُ يعقوبَ الرخمانيُّ، ثنا حبيبُ ابنُ أبي حبيبٍ، كاتبُ مالكِ بنِ أنسٍ، ثنا عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ الأسلميُّ، عن عمرو بنِ شعيبٍ به.
فهنا أسقطَ حبيبٌ شيخَهُ مالكِ بنِ أنسٍ من الإسنادِ.
فهل سقطَ من إسنادِ ابنِ ماجهْ مالكُ بنُ أنسٍ، أو أن هذا من الاختلافِ على حبيبِ ابنِ أبي حبيبٍ؟
فصنيعُ ابنِ حجرٍ في «لسانِ الميزانِ» يرجِّحُ أن يكونَ في إسنادِ ابنِ ماجهْ سَقْطٌ.
قال الحافظُ في «اللسانِ» [6/278]:
وقد رواهُ حبيبٌ كاتبُ مالكٍ، عنهُ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ الأسلميِّ.
ويُحْتَمَلُ أن يكونَ طريقًا آخرَ، ويدلُّ عليه صنيعُ المزيِّ في «التحفةِ» [6/320] حيث عزَا الحديثَ لابنِ ماجهْ من طريقِ حبيبٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ.
وهكذا فعلَ في «تهذيبِ الكمالِ» [5/369-370] في ترجمةِ حبيبٍ.
وأنا أميلُ إلى أن هذا من تعمُّدِ حبيبِ بنِ أبي حبيبٍ، وأن الحديثَ هو حديثُ ابنِ لهيعةَ سرقَهُ حبيبُ بنُ أبي حبيبٍ.
قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ:
سمعتُ أبي، وذكرَ حبيبًا الذي كان يقرأُ على مالكٍ، فقال: ليس بثقةٍ، قَدِمَ علينا رجلٌ – أحسبُهُ قال – من خرسانَ، كَتَبَ عنهُ كتابًا، عن ابنِ أخي ابنِ شهابٍ، عن عمِّهِ، عن سالمٍ والقاسمِ، فإذا هي أحاديثُ ابنِ لهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، عن القاسمِ وسالمٍ.
قال أبي:
أحالَها على ابنِ أخي ابنِ شهابٍ.
قال أبي:
كان يكذِبُ، ولم يكُنْ أبي يوثِّقُهُ، ولا يرضاهُ، وأثنى عليه شرًّا وسوءًا.
وقال ابنُ عديٍّ:
لا يحتشمُ حبيبٌ في وضعِ الحديثِ على الثقاتِ، وأمرُهُ بيِّنٌ في الكذابينَ. «الكاملُ» [2/414].
وفي الإسنادِ أيضًا: عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ الأسلميُّ، اتفقَ الأئمةُ على تضعيفِهِ.
• الثاني: الحارثُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ذبابٍ.
أخرجَهُ البيهقيُّ في «السننِ» [5/343] من طريقِ عاصمِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ذبابٍ، عن عمرو بنِ شعيبٍ به.
قال البيهقيُّ:
وعاصمُ بنُ عبدِ العزيزِ الأشجعيُّ فيه نظرٌ…والأصلُ في هذا الحديثِ مرسلُ مالكٍ. اهـ
قلتُ: وهذه العبارةُ قالها أيضًا البخاريُّ. انظرِ «التاريخَ الكبيرَ» [6/493]، «ضعفاءَ العقيليِّ» [3/338].
وقال النسائيُّ:
ليس بالقويِّ. «تهذيبُ التهذيبِ» [5/41].
وذكرَهُ العقيليُّ في «الضعفاءِ» [3/338].
وقال إسحاقُ بنُ موسى:
سألتُ عنهُ معنَ بنَ عيسى، فقال: اكتبْ عنهُ، وأثنى عليه خيرًا. «الجرحُ والتعديلُ» [6/348].
وقد نقلَ الحافظُ المزيُّ عبارةَ معنِ بنِ عيسى في «تهذيبِ الكمالِ»، إلا أنه زادَ فيها كلمةً ليستْ منها، وهذا نصُّها: سألتُ معنَ بنَ عيسى، فقال: ثقةٌ، اكتبْ عنهُ، وأثنى عليه خيرًا. اهـ فزادَ رحمَهُ اللهُ كلمةَ [ثقةٌ].
ونقلَها الحافظُ ابنُ حجرٍ في «التهذيبِ» ولم يراجعْها، واعتمدَها الحافظُ في «التقريبِ» حيث جعلَهُ صدوقًا يَهِمُ تمشيًا مع مذهبِهِ إذا جُرِّحَ الراوي ووُثِّقَ، نزلَ به درجةً، وجعلَهُ من قبيلِ الصدوقِ الذي يخطئُ أو يَهِمُ، وإذا كَثُرَ الجارحونَ قال: صدوقٌ سيئُ الحفظِ.
قال البيهقيُّ في «المعرفةِ» [4/381]:
قال أحمدُ: بلغني أن مالكِ بنَ أنسٍ أخذَ هذا الحديثَ عن عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ الأسلميِّ، عن عمرو بنِ شعيبٍ، وقيلَ: عن ابنِ لهيعةَ، عن عمروٍ. وقيلَ: عن الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ذبابٍ، عن عمروٍ، وفي جميعِ ذلك ضعفٌ.
• الرابعُ: عمرو بنُ الحارثِ.
أخرجَهُ الدارقطنيُّ في «غرائبِ مالكٍ» كما في «اللسانِ».
قال الحافظُ [6/212]:
روى الدارقطنيُّ في «غرائبِ مالكٍ»، من طريقِ أحمدَ بنِ هارونَ البرذعيِّ، ثنا عيسى بنُ طلحةَ الرازيُّ، ثنا الهيثمُ بنُ اليمانِ، ثنا مالكٌ، عن عمرو بنِ الحارثِ، عن عمرو بنِ شعيبٍ به.
قال الدارقطنيُّ:
تفرَّدَ به الهيثمُ بنُ اليمانِ.
قلتُ: وهذا الإسنادُ شاذٌّ، خالفَ فيه الهيثمُ بنُ اليمانِ – انظرْ ترجمتَهُ في «ميزانِ الاعتدالِ» [4/326] «الجرحُ والتعديلُ» [9/86] – خالفَ فيه أخصَّ أصحابِ مالكٍ: منهم يحيى بنُ يحيى كما في «الموطأِ» [2/609]، والقعنبيُّ كما في سننِ أبي داودَ [3502]، وابنُ وهبٍ كما في سننِ البيهقيِّ [5/342]، وأبو مصعبٍ الزهريُّ كما في «الموطأِ» من روايتِهِ [2470] كلُّهم لم يذكروا ما ذكرَهُ الهيثمُ بنُ اليمانِ.
هذه هي الطرقُ التي وقفتُ عليها من روايةِ مالكٍ للحديثِ، والمعروفُ منهُ عن مالكٍ طريقانِ:
تارةً يقولُ: عن مالكٍ، عن الثقةِ عندَهُ، عن عمرو بنِ شعيبٍ.
وتارةً يقولُ: مالكٌ، بلغني عن عمرو بنِ شعيبٍ، ولا فرقَ بين هذينِ الطريقينِ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ في «التمهيدِ» [24/176]:
وسواءٌ قال: عن الثقةِ عندَهُ، أو بلغَهُ؛ لأنه كان لا يأخذُ ولا يحدِّثُ إلا عن ثقةٍ عندَهُ.
وما عدا ذلك فهو إما موضوعٌ كطريقِ حبيبِ بنِ أبي حبيبٍ، وإما شاذٌّ كطريقِ الهيثمِ ابنِ اليمانِ. وقد رجَّحَ بعضُ العلماءِ أن يكونَ المُبْهَمُ هو ابنُ لهيعةَ، فإن روايتَهُ لهذا الحديثِ مشهورةٌ. وهو الأقربُ، واللهُ أعلمُ.
الحديثُ ضعيفٌ، وهذه الطرقُ لا يُعْتَبَرُ بها؛ لأنها إما موضوعٌ كطريقِ حبيبِ بنِ أبي حبيبٍ، وإما شاذٌّ كطريقِ الهيثمِ بنِ يمانٍ، والشاذُّ لا يصلحُ للاعتبارِ به، ويبقى طريقُ ابنِ لهيعةَ، وإذا حملنَا المُبْهَمَ في روايةِ مالكٍ على أنه ابنُ لهيعةَ لم يبقَ طرقٌ للحديثِ يُعْتَقَدُ أن الحديثَ قد يَرْقَى بها إلى الحسنِ.
وقد أخطأَ بعضُ الفضلاءِ عندما تكلَّمَ أن هذا الطريقَ أكثرُ العلماءِ على تصحيحِهِ، موهِمًا أن أكثرَ العلماءِ على تصحيحِ حديثِ النهيِ عن بيعِ العُرْبَانِ، وهو يقصدُ [إسنادَ عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ] وهذا قد يُتَجَاوَزُ له ذلك لو صحَّ الإسنادُ إلى عمرو بنِ شعيبٍ، ولم يصحَّ كما قد تبيَّنَ من خلالِ التخريجِ، وكيف يصحُّ، وقد ضعَّفَهُ إمامُ الأئمةِ في الحديثِ، والخبيرُ في العللِ: الإمامُ أحمدُ ابنُ حنبلٍ، وحديثٌ ضعَّفَهُ هذا الإمامُ لا أعتقدُ أن أحدًا في الدنيا بعدَهُ يستطيعُ أن يرفعَهُ، وإذا حدَّثَتْكَ نفسُكَ خلافَ هذا فمن قصورٍ في الفهمِ، وتقصيرٍ في الطلبِ أُتِيَ قائلُهُ، وليس الكلامُ في الفقهِ، فكلٌّ يُؤْخَذُ منهُ ويُتْرَكُ إلا رسولَ اللهِ ﷺ، ولكن الكلامَ إذا كان في العللِ فينبغي ألا يتجاوزَ أهلَهُ، وإن الإمامَ أحمدَ في هذا الشأنِ أمةٌ وحدَهُ.
وإذا كان البخاريُّ يقولُ:
رأيتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ وعليَّ ابنَ المدينيِّ وإسحاقَ بنَ راهويةَ، وأبا عبيدٍ، وعامةَ أصحابِنا يحتجُّونَ بحديثِ عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، ما تركَهُ أحدٌ من المسلمينَ. انظرْ «تهذيبَ التهذيبِ» [8/44].
فلماذا هنا الإمامُ أحمدُ ضعَّفَ هذا الحديثَ بخصوصِهِ إذا كان يحتجُّ بحديثِ عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ؟
فقد جاءَ في «بدائعِ الفوائدِ» [4/887]:
وفي روايةِ الأثرمِ: وقد قيلَ له: نهى النبيُّ ﷺ عن العُرْبَانِ، فقال: ليس بشيءٍ.
فلم يذهبْ أحمدُ إلى تضعيفِ هذا الحديثِ إلا لعلةٍ ظهرتْ للإمامِ وخَفِيَتْ على من ذهبَ إلى الاحتجاجِ بظاهرِ الإسنادِ دون النظرِ إلى العلةِ القادحةِ، وقد تبيَّنَ لك أن الإسنادَ إلى عمرو بنِ شعيبٍ لا يثبتُ، فضلًا عن علةِ تفردِ عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ بهذا الحكمِ، واللهُ أعلمُ.
[48] الإسنادُ إلى زيدِ بنِ أسلمَ صحيحٌ إن ثَبَتَ سماعُ معتمرٍ من زيدِ بنِ أسلمَ؛ لأن المشهورَ أن بينهما معمرٌ، وإن كان التاريخُ لا يمنعُ سماعَ هذا من ذاك.
وقد رواهُ ابنُ أبي شيبةَ [5/7] حدثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: حدثنا هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ ابنِ أسلمَ، بمثلِ روايةِ معتمرٍ. وهشامُ بنُ سعدٍ صدوقٌ له أوهامٌ، وهو يقوي طريقَ معتمرٍ، إلى زيدِ ابنِ أسلمَ، وإن كان لا يرفعُ علةَ الإرسالِ.
وقد عزاهُ صاحبُ «كنزِ العمالِ» لعبدِ الرزاقِ [9964]، وابنُ حجرٍ في «التلخيصِ» ونصَّ على «مصنفِ عبدِ الرزاقِ» [3/17].
قال عبدِ الرزاقِ:
أخبرنا الأسلميُّ، عن زيدِ بنِ أسلمَ…وذكرَ الحديثَ.
والأسلميُّ: هو إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ أبي يحيى، ضعيفٌ جدًّا.
[57] في إسنادِهِ إبراهيمُ بنُ يزيدَ الخوزريُّ.
قال فيه أحمدُ بنُ حنبلٍ:
متروكُ الحديثِ. «تهذيبُ الكمالِ» [2/243].
وقال يحيى بنُ معينٍ:
ليس بثقةٍ. «الجرحُ والتعديلُ» [2/146].
وقال أبو حاتمٍ الرازيُّ:
ضعيفُ الحديثِ، منكرُ الحديثِ. المرجعُ السابقُ.
وقال أبو زرعةَ:
منكرُ الحديثِ، سكنَ مكةَ، وهو ضعيفُ الحديثِ. المرجعُ السابقُ.

