📌 المدخلُ إلى المسألةِ:
إذا تركَ المصلّي التشهدَ الأولَ عمدًا فهل تبطلُ صلاتُهُ؟ وهل يُشْرَعُ له سجودُ السهوِ؟
هذه المسألةُ فرعٌ عن: (الخلافِ في حكمِ التشهدِ الأولِ).
• فـالحنفيّةُ والحنابلةُ: ذهبوا إلى القولِ بـوجوبِ التشهدِ الأولِ.
وبه قالَ جمهورُ المُحَدِّثِينَ، واختارَهُ دَاوُدُ، وحَكَى اللَّخْمِيُّ من المالكيّةِ قولًا بـوجوبِ التشهدِ الأولِ.
• وقال المالكيّةُ والشافعيّةُ: التشهدُ الأولُ سُنَّةٌ.
واختارَ ذلك الكَرْخِيُّ والطَّحَاوِيُّ من الحنفيّةِ، وهو روايةٌ عن أَحْمَدَ.
والأصلُ في البابِ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ بُحَيْنَةَ.
فقد روى الشَّيْخَانِ من طريقِ مَالِكٍ، عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، عن عبدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُحَيْنَةَ -رضي اللهُ عنهُ-، أنَّهُ قال: «إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قامَ من اثنتينِ من الظهرِ لم يَجْلِسْ بينهما، فلمَّا قَضَى صلاتَهُ سَجَدَ سجدتينِ، ثم سَلَّمَ بعد ذلك.»
قال ابنُ قُدَامَةَ:
«لولا أنَّ التّشهّدَ سقطَ بالسهوِ لَرَجَعَ إليه، ولولا أنَّهُ واجبٌ لمَا سَجَدَ جَبْرًا لنسيانِهِ، وغيرُ التشهدِ من الواجباتِ مَقِيسٌ عليه، ومُشَبَّهٌ به»[2].
ويُجَابُ عن هذا الاستدلالِ بأجوبةٍ منها:
هذا الكلامُ من ابنِ قُدَامَةَ صريحٌ بأنَّهُ لم يَثْبُتِ السجودُ لتركِ ما يعتبرونَهُ واجبًا في الصلاةِ إلا للتشهدِ الأولِ، وما عداهُ من الواجباتِ فلا دليلَ فيه على السجودِ لتركِها إلا القياسُ على التشهدِ الأولِ.
فإذا عَلِمْنَا أنَّ الحنفيّةَ والحنابلةَ لا يَتَّفِقُونَ على شيءٍ من الواجباتِ إلا على التشهدِ، ويَخْتَلِفُونَ في باقي الواجباتِ، ضَعُفَ القياسُ.
فكيف إذا عُلِمَ أنَّ المالكيّةَ والشافعيّةَ لا يقولونَ بوجودِ (قسمِ الواجبِ) في أفعالِ الصلاةِ، واللهُ أعلمُ.
لا دلالةَ في حديثِ ابنِ بُحَيْنَةَ على اعتبارِ أنَّ التشهدَ الأولَ واجبٌ، ولا على أنَّ السجودَ لتركِهِ من الواجباتِ.
فالحديثُ من السُّنَنِ الفِعْلِيَّةِ، وأفعالُ النبيِّ ﷺ لا تدلُّ على الوجوبِ، فكان التَّقْعِيدُ على أنَّ كلَّ واجبٍ يَسْقُطُ بالسهوِ، ويُجْبَرُ بالسجودِ أخذًا من هذا الفعلِ ليس مُسَلَّمًا، ولهذا تَرْجَمَ الإمامُ البُخَارِيُّ لهذا الحديثِ بقولِهِ: «بابُ مَنْ لم يَرَ التّشهدَ الأولَ واجبًا». اهـ
لا يَخْلُو إمّا أن يكونَ هذا التشهدُ يَسْقُطُ بالنسيانِ، أو لا.
فإن قالوا: لا يَسْقُطُ.
خالفوا السنّةَ الثابتةَ المُتَّفَقَ عليها.
وإن قالوا: يَسْقُطُ.
كلُّ ما سقطَ بالنسيانِ لا يكونُ واجبًا، على سائرِ المسنوناتِ، فـالواجباتُ لا تسقطُ إلا بفعلِها، والسهوُ يَرْفَعُ الإثمَ، ولا يَسْقُطُ به المأمورُ، فكونُ النبيِّ ﷺ سَهَا عنهُ، وسُبِّحَ به، ولم يَرْجِعْ إليه مع إمكانِ الرجوعِ كلُّ ذلك دليلٌ على ضعفِ مأخذِ الوجوبِ.
فإن قالوا: لو كان مَسْنُونًا، فلماذا يُجْبَرُ بسجودِ السهوِ؟
فالجبرُ لا يكونُ إلا لتركِ واجبٍ قياسًا على تركِ واجباتِ الحجِّ؛ فإنَّ تركَهُ لا يُبْطِلُ الحجَّ، ويَجِبُ له الجبرُ على قولِ جمهورِ العلماءِ.
فالجوابُ:
الجبرُ إنما يكونُ دليلًا على الوجوبِ لو كان الشارعُ قد أَمَرَ بجبرِهِ، فيُقَالُ: الأصلُ في الأمرِ الوجوبُ، أو كان هناك إجماعٌ على أنَّ سجودَ السهوِ لا يُشْرَعُ فعلُهُ لتركِ السننِ، فيكونُ سجودُ النبيِّ ﷺ للسهوِ دليلًا على وجوبِ التشهدِ.
ولا أعلمُ دليلًا يأمرُ المصلّيَ بالسجودِ إذا تركَ التشهدَ الأولَ، وفعلُ النبيِّ ﷺ لا يدلُّ على الوجوبِ، وإنما المَحْفُوظُ هو السجودُ للسهوِ تَأَسِّيًا بفعلِ النبيِّ ﷺ، وهذا وحدَهُ لا يكفي دليلًا على وجوبِ التشهدِ، ولا على القولِ بأنَّ الواجباتِ تسقطُ بالنسيانِ.
وليس هناك إجماعٌ بأنَّ المصلّيَ لا يَسْجَدُ لتركِ السُّنَنِ المُؤَكَّدَةِ في الصلاةِ حتى يُقَالَ: إنَّ سجودُ النبيِّ ﷺ دليلٌ على وجوبِ التشهدِ، فالجمهورُ قالوا: يَسْجُدُ للسهوِ لتركِ السننِ، على خلافٍ بينهُم في هذه السننِ، ولم يُخَالِفْ في ذلك إلا الحنفيّةُ حيث قالوا: (لا يُشْرَعُ سجودُ السهوِ لتركِ السننِ).
أما القياسُ على (جبرِ واجباتِ الحجِّ)، فلا يَصِحُّ لوجهينِ:
أنَّ القياسَ لا مَدْخَلَ له في هذا البابِ.
اختلافُ المُوجِبِ، فَدَمُ الجُبْرَانِ الذي سببُهُ فعلُ مَحْظُورٍ، أو تركُ مأمورٍ في واجباتِ الحجِّ، ويُشْتَرَطُ لوجوبِهِ أن يكونَ مُتَعَمِّدًا على الصحيحِ، بخلافِ الجبرِ في الصلاةِ، فَمُوجِبُهُ السهوُ، ولا جُبْرَانَ لِلْعَمْدِ.
زيادةُ سجودِ السهوِ في الصلاةِ بسببِ تركِ التشهدِ لا يدلُّ على وجوبِ التشهدِ، فهذا سجودُ التلاوةِ في الصلاةِ زيادةٌ في الصلاةِ، وفعلُهُ في الصلاةِ لا يدلُّ على وجوبِ سجودِ التلاوةِ، فكذلك سجودُ السهوِ لتركِ التشهدِ.
فعلى القولِ بـالسُّنِّيَّةِ:
إذا تركَهُ فلا شيءَ عليه، وصلاتُهُ صحيحةٌ، إلا على قولٍ عند المالكيّةِ مُرَتَّبٍ على الخلافِ في بطلانِ الصلاةِ بتركِ السنّةِ عمدًا، وفي مذهبِ المالكيّةِ قولٌ ببطلانِ الصلاةِ بتركِ ثلاثِ سُنَنٍ، وهو قولٌ مَرْجُوحٌ، فـالسننُ لا إلزامَ فيها، ولا تَبْطُلُ الصلاةُ بتركِها.
قال مَالِكٌ كما في «المُدَوَّنَةِ»:
«إذا نَسِيَ الرجلُ التشهدَ في الصلاةِ حتى سلَّم، قال: إن ذَكَرَ ذلك، وهو في مكانِهِ سَجَدَ لسهوِهِ، وإن لم يَذْكُرْ ذلك حتى يَتَطَاوَلَ فلا شيءَ عليه إذا ذَكَرَ اللهَ، قال: وليس كلُّ الناسِ يَعْرِفُ التشهدَ»[3].
وقال القَيْرَوَانِيُّ في «الرِّسَالَةِ»:
«ومن نَسِيَ أن يَسْجُدَ بعد السلامِ فَلْيَسْجُدْ متى ما ذكرَهُ وإن طَالَ ذلك، وإن كان قبلَ السلامِ سَجَدَ إن كان قريبًا، وإن بَعُدَ ابْتَدَأَ صلاتَهُ إلا أن يكونَ ذلك من نقصِ شيءٍ خفيفٍ، كالسورةِ مع أمِّ القرآنِ، أو تكبيرتينِ، أو التشهدينِ، وشِبْهِ ذلك، فلا شيءَ عليه»[4].
ومن قال: إنَّ التشهدَ الأولَ واجبٌ
فاخْتَلَفُوا في تركِ الواجبِ عمدًا في مسألتينِ:
الأولى: في بطلانِ الصلاةِ إذا تركَ المصلّي التشهدَ عمدًا.
• فقال الحنفيّةُ: إذا تركَ الواجبَ عمدًا فصلاتُهُ صحيحةٌ، وقد أساءَ الفعلَ، ويَجِبُ عليه الإعادةُ جَبْرًا لـالفرضِ الأولِ، لا بَدَلًا عنهُ.
• وقال الحنابلةُ: صلاتُهُ باطلةٌ.
وهذه المسألةُ سَبَقَ بحثُهَا في مُبْطِلَاتِ الصلاةِ، وللهِ الحمدُ، فَارْجِعْ إليها إن شِئْتَ في المُجَلَّدِ السابقِ.
المسألةُ الثانيةُ: في جُبْرَانِ الواجبِ بالسجودِ إذا تُرِكَ عمدًا.
وهو المُعْتَمَدُ في مذهبِ الحنفيّةِ والحنابلةِ[5].
قال ابنُ نُجَيْمٍ:
«وظاهرُ كلامِ الجَمِّ الغَفِيرِ أنَّهُ لا يَجِبُ السجودُ في العمدِ»[6].
وعمومُهُ: يَشْمَلُ الواجبَ.
بل قال ابنُ نُجَيْمٍ:
«إنَّ من تركَ واجبًا سهوًا، وأمكنَهُ فعلُهُ بعد تذكُّرِهِ، فلم يَفْعَلْهُ لا سجودَ عليه، كمن تركَهُ عمدًا»[7].
وقال ابنُ عَابِدِينَ:
«المُعْتَمَدُ عدمُ السجودِ في العمدِ»[8].
يُشِيرُ إلى خلافٍ في المذهبِ، سَآتِي على ذكرِهِ في القولِ الثاني إن شاءَ اللهُ تعالى.
وقال ابنُ مُفْلِحٍ في «الفُرُوعِ»:
«لا يُشْرَعُ لِعَمْدٍ»[9].
وإنما لم يَذْكُرُوا حكمَ الواجبِ إذا تُرِكَ عمدًا؛ لأنَّهُ لا وجودَ له في أفعالِ الصلاةِ عندَهُم.
وقال خَلِيلٌ: (سُنَّ لسهوٍ)
قال في «لَوَامِعِ الدُّرَرِ»:
«احْتَرَزَ به عن العمدِ، فإنَّهُ لا سجودَ في تركِ السنّةِ المؤكدةِ عمدًا، وهل تَبْطُلُ أم لا؟ قولانِ»[10].
واختارَ بعضُ الحنفيّةِ: جَبْرَ الواجبِ إذا تُرِكَ عمدًا في مسألتينِ.
ذكرَهُمَا صاحبُ المُجْتَبَى نقلًا عن فَخْرِ الإسلامِ البَدِيعِيِّ:
الأولى: إذا تركَ القعدةَ الأولى عمدًا.
والثانيةُ: إذا شَكَّ في بعضِ أفعالِ الصلاةِ، فَتَفَكَّرَ عمدًا حتى شَغَلَهُ ذلك عن ركنٍ.
وذَكَرَ النَّاطِفِيُّ في «اليَنَابِيعِ»: أنَّهُ لا يَجِبُ سجودُ السهوِ في العمدِ إلا في موضعينِ:
الأولُ: تأخيرُ إحدى سجدتي الركعةِ الأولى إلى آخرِ الصلاةِ، باعتبارِ الترتيبِ في الفعلِ المُتَكَرِّرِ واجبًا وليس ركنًا.
وهذا من مُفْرَدَاتِ الحنفيّةِ.
والثاني: تركُ القعدةِ الأولى[11].
وقد بَحَثْتُ هذا في (أحكامِ صفةِ الصلاةِ)، فَارْجِعْ إليه إن شِئْتَ.

