📌 المدخلُ إلى المسألةِ:
اختلفَ العلماءُ القائلونَ بقطعِ الصلاةِ بالمرورِ، في تفسيرِ القطعِ:
اختارَ ذلك الإمامُ الشافعيُّ في روايةِ حرملةَ، والخطابيُّ والبيهقيُّ[1].
وقال أبو بكرِ ابنُ العربيِّ:
«قد قال علماؤُنا قولاً بديعاً: إنَّ معنى قولِهِ: «يقطعُ الصلاةَ» يشغلُ عنها، ويحولُ دون الإقبالِ عليها»[2].
ورجَّحَ هذا القولَ من الحنابلةِ ابنُ رجبٍ في «شرحِ البخاريِّ»[3].
وقال الخطابيُّ:
«يُحْتَمَلُ أن يُتَأَوَّلَ حديثُ أبي ذرٍّ على أنَّ هذهِ الأشخاصَ إذا مرتْ بين يديِّ المصلي قطعتْهُ عن الذكرِ، وشغلتْ قبلَهُ عن مراعاةِ الصلاةِ، فذلك معنى قطعِها للصلاةِ دونَ إبطالِها من أصلِها حتى يكونَ فيها وجوبُ الإعادةِ»[4].
قال العراقيُّ:
«وما حكاهُ الخطابيُّ احتمالاً حكاهُ النوويُّ في «الخلاصةِ» عن الجمهورِ: أنهم تأوَّلوا القطعَ على قطعِ الذكرِ والخشوعِ.
وحكى صاحبُ «المفهمِ» عن الجمهورِ أنهم تأولوهُ بأنَّ ذلك مبالغةٌ في الخوفِ على قطعِها وإفسادِها بالشغلِ بهذه المذكوراتِ، وذلك أنَّ المرأةَ تفتنُ، والحمارَ ينهقُ، والكلبَ يروعُ، فيشوشُ الفكرَ في ذلك حتى تنقطعَ عليهِ الصلاةُ وتفسدَ فلما كانت هذه الأمورُ آيلةً إلى القطعِ جعلها قاطعةً»[5].
وهو مرويٌّ عن ابنِ عمرَ، وأنسِ بنِ مالكٍ، واختارَهُ من التابعينَ الحسنُ البصريُّ، وهو مذهبُ الحنابلةِ، ورجَّحَهُ ابنُ حزمٍ[6].
قال ابنُ تيميةَ:
«ويقطعُ الصلاةَ المرأةُ، والحمارُ، والكلبُ الأسودُ، والبهيمُ، وهو مذهبُ أحمدَ رحمهُ اللهُ»[7].
ما رواهُ ابنُ خزيمةَ، وعنهُ ابنُ حبانَ من طريقِ هشامِ بنِ حسانَ، عن حميدِ بنِ هلالٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ الصامتِ، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ ﷺ، قال: «تُعَادُ الصلاةُ من مَمَرِّ الحمارِ والمرأةِ والكلبِ الأسودِ، قلتُ: ما بالُ الأسودِ من الكلبِ الأصفرِ من الكلبِ الأحمرِ؟ فقال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ كما سألتني، فقال: الكلبُ الأسودُ شيطانٌ»[8].
[لفظُ: (تُعَادُ الصلاةُ) شاذٌّ، تفردَ بهِ هشامُ بنُ حسانَ، وهو روايةٌ منهُ للحديثِ بالمعنى الذي فهمَهُ، والمحفوظُ: (يقطعُ الصلاةَ)][9].
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ، عن يونسَ، عن حميدِ بنِ هلالٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ الصامتِ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إذا قام أحدُكم يصلي، فإنهُ يسترُهُ إذا كان بين يديهِ مثلُ آخرةِ الرحلِ، فإذا لم يكن بين يديهِ مثلُ آخرةِ الرحلِ، فإنهُ يقطعُ صلاتَهُ الحمارُ، والمرأةُ، والكلبُ الأسودُ». قلتُ: يا أبا ذرٍّ، ما بالُ الكلبِ الأسودِ من الكلبِ الأحمرِ من الكلبِ الأصفرِ؟ قال: يا ابنَ أخي، سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ كما سألتني فقال: «الكلبُ الأسودُ شيطانٌ»[10].
أنَّ (القطعَ) في اللغةِ يُطْلَقُ ويُرَادُ بهِ:
القطعُ الحسيُّ، وهو المعنى الظاهرُ المتبادرُ.
ويُطْلَقُ ويُرَادُ بهِ:
القطعُ المعنويُّ، كقطعِ الذكرِ، وإنقاصِ الخشوعِ، وهو نوعٌ من التأويلِ، وهو المعنى المقابلُ للمعنى الظاهرِ عند الأصوليينَ.
فجمهورُ الأصوليينَ يقسمونَ اللفظَ إلى:
نصٍّ:
وهو ما يحتملُ معنىً واحداً، كالعددِ عشرةٍ.
وإلى: معنىً ظاهرٍ:
وهو ما يحتملُ معنيينِ أو أكثرَ، فـالراجحُ منها والمتبادرُ إلى الذهنِ هو الظاهرُ، وما يقابلُهُ: المُؤَوَّلُ، كلفظِ (الأسدِ)، يحتملُ الحيوانَ المعروفَ، وهو المعنى الظاهرُ، ويحتملُ إرادةَ الشجاعةِ لقرينةٍ، وهو ضربٌ من التأويلِ.
فكذلك (القطعُ) في الحديثِ:
يحتملُ: القطعَ الحسيَّ، وهو الظاهرُ.
ويحتملُ: القطعَ المعنويَّ.
لما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ خالدٍ الحذاءِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرةَ، عن أبيهِ، قال: «أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبيِّ ﷺ، فقال: ويلكَ قطعتَ عنقَ صاحبِكَ، قطعتَ عنقَ صاحبِكَ مراراً»…. الحديث[11].
وروى الشيخانِ، قالا: حدثنا محمدُ بنُ صابحٍ، حدثنا إسماعيلُ بنِ زكرياءَ، حدثنا بريدُ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي بردةَ، عن أبي بردةَ بنِ أبي موسى، عن أبي عن أبي موسى، قال: «سمعَ النبيُّ ﷺ رجلاً يثني على رجلٍ ويطريِهِ فيمدحُهُ، فقال: أهلكتم -أو قطعتم- ظهرَ الرجلِ»[12].
فأطلقَ على المدحِ بأنهُ من قبيلِ قطعِ العنقِ أو قطعِ الظهرِ من بابِ المبالغةِ، فكذلك إطلاقُ قطعِ الصلاةِ بمرورِ هذه الثلاثةِ من بابِ المبالغةِ في خوفِ الإفسادِ بالشغلِ بها عن الصلاةِ.
وقد تأوَّلَ الجمهورُ القطعَ بثلاثةِ معانٍ:
أحدُها: تفسيرُ قطعِ الصلاةِ بقطعِ الذكرِ، فالصلاةُ شُرِعَتْ لإقامةِ ذكرِ اللهِ، فإذا قطعَ المصلي ذكرَ اللهِ بسببِ مرورِ المرأةِ أو الحمارِ أوالكلبِ صدقَ عليهِ أنهُ قطعَ صلاتَهُ، وإن كان قَطْعُ مثلِ ذلك لا يؤدي إلى إبطالِها.
قال الخطابيُّ في «معالمِ السننِ»:
«يُحْتَمَلُ أن يُتَأَوَّلَ حديثُ أبي ذرٍّ على أنَّ هذهِ الأشخاصَ إذا مرتْ بين يديِّ المصلي قطعتْهُ عن الذكرِ، وشغلتْ قلبَهُ عن مراعاةِ الصلاةِ، فذلك معنى قطعِها للصلاةِ دونَ إبطالِها من أصلِها»[13].
قال أبو بكرِ بنِ العربيِّ:
«إنَّ معنى قولِهِ: (يقطعُ الصلاةَ) يشغلُ عنها ويحولُ دون الإقبالِ عليها. ولو أرادَ غيرَ ذلك لقال: يفسدُ الصلاةَ أو يبطلُها»[14].
المعنى الثاني: حملَهُ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ على قطعِ الرحمةِ والقربِ والأنسِ، وهذا ربما يرجعُ إلى المعنى الأولِ؛ من بابِ تفسيرِ الشيءِ بلازمِهِ؛ لأنَّ قطعَ الذكرِ في الصلاةِ يلزمُ منهُ قطعُ الرحمةِ، فذكرُ العبدِ لربِّهِ في الصلاةِ سببٌ لنيلِ رحمةِ اللهِ والقربِ منهُ والأنسِ بهِ.
قال ابنُ رجبٍ:
«لما كان المصلي مشتغلاً بمناجاةِ اللهِ ، وهو في غايةِ القربِ منهُ والخلوةِ بهِ، أُمِرَ المصلي بالاحترازِ من دخولِ الشيطانِ في هذهِ الخلوةِ الخاصةِ، والقربِ الخاصِّ؛ ولذلك شُرِعَتِ السترةُ في الصلاةِ خشيةً من دخولِ الشيطانِ، وكونِهِ وليجةً في هذهِ الحالِ ، فيقطعُ بذلك موادَّ الأنسِ والقربِ؛ فإنَّ الشيطانَ رجيمٌ مطرودٌ مُبْعَدٌ عن الحضرةِ الإلهيةِ، فإذا تخللَ في محلِّ القربِ الخاصِّ للمصلي : أوجبَ تخللُهُ بُعْداً وقطعاً لموادِّ الرحمةِ والقربِ والأنسِ .
فلهذا المعنى -واللهُ أعلمُ- خُصَّتْ هذه الثلاثُ بالاحترازِ منها، وهي:
المرأةُ؛ فإنَّ النساءَ حبائلُ الشيطانِ، وإذا خرجتِ المرأةُ من بيتِها استشرفَها الشيطانُ، وإنما توصلَ الشيطانُ إلى إبعادِ آدمَ من دارِ القربِ بالنساءِ.
والكلبُ الأسودُ: شيطانٌ، كما نَصَّ عليهِ الحديثُ.
وكذلك الحمارُ؛ ولهذا يُسْتَعَاذُ باللهِ عند سماعِ صوتِهِ؛ لأنهُ يرى الشيطانَ.
فلهذا أمرَ ﷺ بالدنوِّ من السترةِ، خشيةَ أن يقطعَ الشيطانُ عليهِ صلاتَهُ، وليس ذلك موجِباً لإبطالِ الصلاةِ وإعادتِها، واللهُ أعلمُ ؛ وإنما هو مُنْقِصٌ لها، كما نَصَّ عليهِ الصحابةُ، كـعمرَ وابنِ مسعودٍ، كما سبقَ ذكرُهُ في مرورِ الرجلِ بين يديِّ المصلي ، وقد أمرَ النبيُّ ﷺ بدفعِهِ وبمقاتلتِهِ، وقال: «إنما هو شيطانٌ».
وفي روايةٍ : «أنَّ معهُ القرينَ»؛ لكن النقصَ الداخلَ بمرورِ هذهِ الحيواناتِ التي هي بالشيطانِ أخصُّ : أكثرُ وأكثرُ، فهذا هو المرادُ بالقطعِ ، دون الإبطالِ والإلزامِ بالإعادةِ، واللهُ أعلمُ»[15].
ومن وحيِ كلامِ ابنِ رجبٍ قد يُقَالُ: إنَّ الرحمةَ تكونُ قِبَلَ وجهِ المصلي إذا صلى، فإذا مرتِ المرأةُ أو الحمارُ أو الكلبُ الأسودُ قطعَ مثلَ هذهِ الصلةِ، وهو أمرٌ غيبيٌّ، يُتَلَقَّى من الوحيِ، كما أنَّ اللهَ لا يزالُ مقبلاً على المصلي إذا صلى حتى يلتفتَ فإذا التفتَ انصرفَ اللهُ عنهُ، ويلزمُ من ذلك انصرافُ الرحمةِ عنهُ، فكذلك مرورُ هذه الدوابِّ.
فقد روى أحمدُ من طريقِ عبدِ اللهِ (يعني: ابنَ المباركِ)، حدثني يونسُ، عن الزهريِّ، قال: سمعتُ أبا الأحوصِ، مولى بني ليثٍ، يحدثُنا في مجلسِ ابنِ المسيبِ، وابنُ المسيبِ جالسٌ، أنهُ سمعَ أبا ذرٍّ، يقولُ: قال رسولُ اللهِ : «لا يزالُ اللهُ عزَّ وجلَّ مقبلاً على العبدِ في صلاتِهِ ما لم يلتفتْ، فإذا صرفَ وجهَهُ، انصرفَ عنهُ»[16]. [إسنادُهُ ضعيفٌ، ولهُ شاهدٌ صحيحٌ من حديثِ الحارثِ الأشعريِّ إلا أنهُ في شرعِ من قبلنا][17].
وروى الإمامُ أحمدُ في «مسندِهِ»، قال: حدثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن أبي الأحوصِ، عن أبي ذرٍّ، يبلغُ بهِ النبيَّ : «إذا قام أحدُكم إلى الصلاةِ، فإنَّ الرحمةَ تواجهُهُ، فلا يمسحِ الحصى»[18].
ورواهُ أحمدُ من طريقِ يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، قال: سمعتُ أبا الأحوصِ، مولى بني ليثٍ يحدثُنا في مجلسِ ابنِ المسيبِ، وابنُ المسيبِ جالسٌ، أنهُ سمعَ أبا ذرٍّ، يقولُ: إنَّ رسولُ اللهِ قال: «إذا قام أحدُكم إلى الصلاةِ، فإنَّ الرحمةَ تواجهُهُ، فلا يحركِ الحصى، أو لا يمسَّ الحصى»[19]. [ضعيفٌ][20].
فلا يَبْعُدُ وجودُ علاقةٍ بين قولِهِ: (فإنَّ الرحمةَ تواجهُهُ) وبين انصرافِ اللهِ عن العبدِ إذا التفتَ، وكذلك النهيُ عن البصاقِ في الصلاةِ قِبَلَ وجهِهِ؛ فإنَّ اللهَ تبارك وتعالى قِبَلَ وجهِهِ إذا صلى، كما في حديثِ ابنِ عمرَ في «الصحيحينِ»، فقد يُقَالُ: إنَّ مرورَ هذه الدوابِّ بين المصلي وسترتِهِ أو محلِّ سجودِهِ يقطعُ مثلَ تلك الصلةِ التي فُتِحَتْ على العبدِ حين أقبلَ على اللهِ في صلاتِهِ، فأقبلَ اللهُ عليهِ، وربما يكونُ من أجلِ هذهِ الصلةِ شُرِعَتِ السترةُ، والمدافعةُ، وكان المرورُ من وراءِ السترةِ لا يؤثرُ في صلاةِ الرجلِ، ولو كان منعُ المرورِ لمنعِ الاشتغالِ بالمارِّ لكان المرورُ بين يديِّ المصلي ولو من وراءِ السترةِ ممنوعاً إذا كان يقعُ عليهِ بصرُهُ، واللهُ أعلمُ[21].
المعنى الثالثُ: أنَّ هذهِ الثلاثةَ (المرأةَ، والحمارَ والكلبَ) قد تؤولُ إلى قطعِ صلاةِ المصلي.
قال القرطبيُّ رحمهُ اللهُ:
«ذلك أنَّ المرأةَ تفتنُ، والحمارَ ينهقُ، والكلبَ يروعُ، فيتشوشُ المتفكرُ في ذلك حتى تنقطعَ عليهِ الصلاةُ وتفسدَ ، فلما كانت هذهِ الأمورُ آيلةً إلى القطعِ، جعلها قاطعةً»[22].
ويُسْتَدَلُّ لهذا القولِ:
بأنَّ النبيَّ ﷺ حين سُئِلَ، ما بالُ الكلبِ الأسودِ؟ علَّلَ ذلك بكونِ الكلبِ الأسودِ شيطاناً.
وليس المرادُ بأنَّ الشيطانَ يتمثلُ بالكلبِ، وإن قال بهِ ابنُ هبيرةَ في «الإفصاحِ»[23]، وإنما المقصودُ بالشيطانِ: ما جاءَ في تعريفِهِ في «الصحاحِ»: كلُّ عاتٍ من الإنسِ والجنِّ والدوابِّ فهو شيطانٌ[24].
كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾ [الأنعام: 112].
وإنما كانوا أعداءً للأنبياءِ؛ بظلمِهم وأذيتِهم.
فالكلبُ الأسودُ هو من أعتى الكلابِ وأشدِّها أذيةً فهو يعدو على الناسِ.
ويُفْهَمُ من التعليلِ:
أنَّ شيطنتَهُ وأذاهُ هي السببُ في كونِهِ يقطعُ الصلاةَ، وهذه قرينةٌ تفيدُ أنَّ المقصودَ بالقطعِ ما يُخْشَى من أذيتِهِ لشيطنتِهِ وتمردِهِ وعتوِّهِ، فوجودُ الكلبِ الأسودِ في حريمِ المُصَلَّى بين المُصَلِّي وبين سترتِهِ مظنةُ حصولِ الأذى منهُ، الذي قد يتسببُ بقطعِ الصلاةِ، فإن حصلَ ذلك انقطعتِ الصلاةُ وإلا بقيتِ الصلاةُ محفوظةً عن البطلانِ، وهذا معنى قولِ القرطبيِّ: إنها قد تؤولُ إلى القطعِ.
فإنِ اُعْتُرِضَ: بأنَّ الحديثَ قال: «يقطعُ الصلاةَ» جزماً، ولو كان هذا احتمالاً لعَبَّرَ بلفظٍ لا يكونُ جازماً بالقطعِ.
فالجوابُ: أنَّ هذا الأمرَ مما تحتملُهُ اللغةُ.
فقد روى الشيخانِ من طريقِ الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، سمعتُ أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «لعنَ اللهُ السارقَ يسرقُ البيضةَ فتقطعُ يدُهُ، ويسرقُ الحبلَ فتقطعُ يدُهُ»[25].
وهذهِ لا تبلغُ نصاباً، ولكن سرقةُ هذه المحقراتِ قد تؤولُ بهِ إلى سرقةِ غيرِها مما يوجبُ القطعَ.
فالشيطنةُ صفةٌ متعديةٌ، فإن تعدتْ إلى المُصَلِّي بأن حصلَ منهُ عدوانٌ قطعَ ذلك صلاتَهُ، وإلا بقيتِ الصلاةُ على الصحةِ.
ولذلك مرورُ الشيطانِ نفسِهِ منهُ ما يقطعُ الصلاةَ كما لو حصلَ ذلك من مردتِهم، ومنهُ ما لا يقطعُ الصلاةَ كما في شيطانِ الصلاةِ وما يحدثُهُ من وسوسةٍ.
فإن حصلَ من مردتِهم أذىً قطعَ الصلاةَ.
لما رواهُ البخاريُّ من طريقِ محمدِ بنِ جعفرٍ، حدثنا شعبةُ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ:
«إنَّ عفريتاً من الجنِّ تَفَلَّتَ البارحةَ؛ ليقطعَ عليَّ صلاتي …» الحديث.
قال البخاريُّ: عفريتٌ: متمردٌ من إنسٍ أو جانٍّ[26].
ورواهُ مسلمٌ من طريقِ النضرِ بنِ شميلٍ، أخبرنا شعبةُ بهِ، وفيهِ: «…إنَّ عفريتاً من الجنِّ جعلَ يفتكُ عليَّ البارحةَ، ليقطعَ عليَّ الصلاةَ …» وذكرَ نحوَهُ[27].
فقولُهُ: «ليقطعَ عليَّ صلاتي» وقولُهُ: «يفتكُ عليَّ» إشارةٌ إلى شدةِ أذاهُ.
وروى مسلمٌ من طريقِ معاويةَ بنِ صالحٍ، يقولُ: حدثني ربيعةُ بنِ يزيدَ، عن أبي إدريسَ الخولانيِّ، عن أبي الدرداءِ، قال: قام رسولُ اللهِ ﷺ فسمعناهُ يقولُ: «أعوذُ باللهِ منكَ» وفيهِ: «… إنَّ عدوَ اللهِ إبليسَ، جاءَ بشهابٍ من نارٍ ليجعلَهُ في وجهي …» الحديث[28].
فقولُهُ: «جاءَ بشهابٍ من نارٍ؛ ليجعلَهُ في وجهي» صريحٌ بأنهُ إنما صدقَ عليهِ أنهُ أرادَ قطعَ الصلاةِ لشدةِ أذاهُ، وليس لمجردِ مرورِهِ، بخلافِ شيطانِ الصلاةِ، فإنَّ كيدَهُ في الوسوسةِ، وهي دون ذلك، فلم تنقطعْ بها الصلاةُ وإن تحققَ مرورُهُ.
لما رواهُ البخاريُّ من طريقِ مالكٍ، ومسلمٌ من طريقِ المغيرةِ يعني: الحزاميَّ، كلاهما عن أبي الزنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إذا نُودِيَ للصلاةِ أدبرَ الشيطانُ، ولهُ ضراطٌ، حتى لا يسمعَ التأذينَ، فإذا قضيَ النداءُ أقبلَ، حتى إذا ثُوِّبَ بالصلاةِ أدبرَ، حتى إذا قُضِيَ التثويبُ أقبلَ، حتى يخطرَ بين المرءِ ونفسِهِ، يقولُ: اذكرْ كذا، اذكرْ كذا، لما لم يكن يذكرُ حتى يظلَّ الرجلُ لا يدري كم صلى»[29].
ورواهُ البخاريُّ من طريقِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ ابنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّ أحدَكم إذا قام يصلي جاءَ الشيطانُ، فلَبَّسَ عليهِ؛ حتى لا يدريَ كم صلى، فإذا وجدَ ذلك أحدُكم، فليسجدْ سجدتينِ وهو جالسٌ».
فقولُهُ: «إذا قُضِيَ التثويبُ أقبلَ …»: أي: أقبلَ على المصلي، فيأتيهِ من قِبَلِ وجهِهِ، وإطلاقُهُ يشملُ الإقبالَ على المصلي من بين يديهِ ومن خلفِهِ وعن يمينِهِ وعن شمالِهِ، وإن كان المرورُ يختصُّ بالأولِ.
كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 17].
فمثلُ هذا لا يقطعُ الصلاةَ؛ لخفةِ الأذى، وتكرارِهِ، وشدةِ الابتلاءِ بهِ.
فـعُلِمَ بذلك أنَّ ما يُخْشَى منهُ قطعُ الصلاةِ مختصٌّ بما كان أذاهُ شديداً كالكلبِ والحمارِ، أو كانت الفتنةُ بهِ شديدةً، كمرورِ المرأةِ بين يديِّ المصلي، وأنَّ هذا القطعَ قد يحصلُ، وقد يتخلفُ، كما لو لم يحصلْ منهُ أذىً، كما تخلفَ مع النبيِّ ﷺ في تَفَلُّتِ العفريتِ عليهِ؛ ليقطعَ صلاتَهُ؛ فتمكنَ منهُ النبيُّ ﷺ، وإن تحققَ مرورُهُ.
فإن قِيلَ: سلمنا أنَّ الكلبَ الأسودَ شيطانٌ، بمعنى: أنهُ مؤذٍ يُخْشَى منهُ قطعُ الصلاةِ، فأين الشيطنةُ في المرأةِ والحمارِ؟
فلما رواهُ الترمذيُّ من طريقِ عمروِ بنِ عاصمٍ، قال: حدثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن مورقٍ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ ﷺ، قال: «المرأةُ عورةٌ، فإذا خرجت استشرفَها الشيطانُ».
قال الترمذيُّ:
« هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ»[30].
[صحيحٌ موقوفاً، وجاءَ مرفوعاً، إلا أنَّ الأكثرَ على وقفِهِ،ومثلُهُ لهُ حكمُ الرفعِ][31].
فالمرأةُ التي تأتي إلى مصلى الرجلِ حتى تمرَّ بينهُ وبين سترتِهِ، أو بينهُ وبين موضعِ سجودِهِ، فإنها تشاركُ الرجلَ الذي يأبى إلا المرورَ في وصفِ الشيطنةِ، فإذا استحقَّ الرجلُ وصفَ الشيطانِ فالمرأةُ من بابِ أَوْلَى، إلا أنَّ المرأةَ زادتْ على الرجلِ بكونِها تقطعُ الصلاةَ؛ لأنَّ شدةَ افتتانِ الرجلِ بالمرأةِ معلومٌ، بما يُخْشَى على صلاةِ الرجلِ من الفسادِ بسببِ مرورِها، فمن هذا المعنى اختصتْ عن الرجلِ بالقطعِ وإن اشتركت مع الرجلِ الذي يُصِرُّ على المرورِ بوصفِ الشيطنةِ، لا على ما فُهِمَ من أنَّ اقترانَها بالكلبِ والحمارِ يعني: وضعاً لمكانةِ المرأةِ ورفعاً للرجلِ، فكلاهما امتازَ بوصفِ الشيطنةِ بإصرارِهِ على المرورِ، ولهذا ذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ أنَّ مرورَ المرأةِ بين يديِّ امرأةٍ تصلي حكمُها حكمُ مرورِ الرجلِ على رجلٍ آخرَ يصلي؛ لظاهرِ خبرِ أبي ذرٍّ: (يقطعُ صلاةَ الرجلِ …)، وهذه مسألةٌ أخرى، لا أريدُ الخوضَ فيها الآنَ.
ويُقَالُ في الحمارِ ما قِيلَ في الكلبِ؛ فإنَّ الحمارَ يؤذي المصلي لبلادتِهِ ونكوصِهِ، فإنهُ إذا زُجِرَ لم ينزجرْ وإذا دُفِعَ لم يندفعْ.
وأما احتجاجُ بعضِهم بما رواهُ الشيخانِ، قالا: حدثنا قتيبةُ، حدثنا الليثُ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، أنَّ النبيَّ ﷺ، قال: «إذا سمعتم صياحَ الديكةِ فاسألوا اللهَ من فضلِهِ، فإنها رأتْ مَلَكاً، وإذا سمعتم نهيقَ الحمارِ فتعوذوا باللهِ من الشيطانِ، فإنهُ رأى شيطاناً»[32].
فلا يصلحُ الحديثُ علةً في مسألتِنا؛ لأنَّ العلةَ في سلوكِ الحمارِ إذا هجمَ على المُصَلِّي لا فيما يراهُ الحمارُ إذا نهقَ.
صرفُ اللفظِ عن ظاهرِهِ إلى معنىً آخرَ يحتملُهُ لا يصحُّ إلا بشرطينِ:
• تعذرِ حملِ اللفظِ على المعنى الظاهرِ.
• ووجودِ قرينةٍ صارفةٍ إلى المعنى المُؤَوَّلِ.
فالحكمُ بصحةِ الصلاةِ أو فسادِها حكمٌ وضعيٌّ مُتَلَقَّى من الشارعِ، ونصُّ الحديثِ: (يقطعُ الصلاةَ …)، والمكلفُ ليس لهُ إلا التسليمُ للنصِّ، وقطعُ الصلاةِ لهُ حقيقةٌ شرعيةٌ ولغويةٌ ولا يعني إلا بطلانَها، والخروجَ منها، وعدمَ الاستمرارِ فيها، وأنَّ استمرارَهُ في الصلاةِ بعدَ قطعِها غيرُ ممكنٍ؛ لتعذرِ بناءِ آخرِها على ما صلاهُ قبلَ ذلك، وذلك يوجبُ استئنافَها، كما يقطعُ الصلاةَ الكلامُ والحدثُ.
والدليلُ على أنَّ القطعَ في لغةِ الشارعِ، وفي لغةِ العربِ، وفي مفهومِ الصحابةِ محمولٌ على البطلانِ أدلةٌ منها:
ما رواهُ البخاريُّ، قال: حدثنا أبو نعيمٍ، حدثنا ابنِ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن عبادِ بنِ تميمٍ، عن عمِّهِ، قال:
شُكِيَ إلى النبيِّ ﷺ الرجلُ يجدُ في الصلاةِ شيئاً أيقطعُ الصلاةَ؟ قال: «لا، حتى يسمعَ صوتاً، أو يجدَ ريحاً»[33].
وروى عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ»، عن الثوريِّ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ قال: «لا يقطعُ الصلاةَ التبسمُ، ولكن يقطعُ القرقرةُ»[34]. [حسنٌ][35].
يريدُ: لا يفسدُها ذلك.
وروى مالكٌ في «الموطأِ»، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، «أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: لا يقطعُ الصلاةَ شيءٌ مما يمرُّ بين يديِّ المصلي»[36]. [سندُهُ في غايةِ الصحةِ].
فإذا جاءَ لفظُ: (يقطعُ الصلاةَ)، فهو محمولٌ على البطلانِ، إلا أن يمنعَ من ذلك مانعٌ، ولا يوجدُ مانعٌ من حملِ حديثِ أبي ذرٍّ على ظاهرِهِ.
أما القرينةُ اللفظيةُ:
فهو تعليلُ القطعِ من الكلبِ الأسودِ؛ لكونِهِ شيطاناً، أي: مؤذياً، فإذا كان يقطعُ الصلاةَ لأذاهُ، ولم يحصلْ منهُ أذىً تخلَّفَ الحكمُ لتخلفِ الوصفِ.
وأما القرينةُ الشرعيةُ:
فهو أنَّ واجباتِ الصلاةِ قسمانِ: واجباتٌ لها، وواجباتٌ فيها، فالسترةُ ودفعُ المارِّ واجباتٌ لها، كالأذانِ، والجماعةِ على القولِ بوجوبِهما، وإنما تبطلُ الصلاةُ إذا تركَ واجباً فيها، والعلماءُ يقبلونَ من القرائنِ ما هو أقلُّ من هذا، إضافةً إلى أنهُ قولُ جماهيرِ الفقهاءِ، وقولُ عثمانَ بنِ عفانَ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وهما خليفتانِ راشدانِ، وسيأتي مزيدُ إيضاحٍ في أدلةِ القولِ الثاني.
لو كان المرادُ بقطعِ الصلاةِ: قطعَ الذكرِ، فلا معنى لاختصاصِهِ بهذه الثلاثةِ، فكلُّ مرورٍ بين يديِّ المصلي فإنهُ يشوشُ عليهِ صلاتَهُ، ولو كان من وراءِ السترةِ، فلما خُصَّ النهيُ بالمرورِ بين المصلي وسترتِهِ، وخُصَّ القطعُ بهذه الثلاثةِ، عُلِمَ أنَّ المرادَ ليس مجردَ قطعِ الذكرِ والخشوعِ.
لو كان المقصودُ بالقطعِ قطعَ الذكرِ، لكان الاشتغالُ بدفعِ المارِّ ومقاتلتِهِ إن أَبَى يشغلُ المصلي عن صلاتِهِ أكثرَ من المرورِ نفسِهِ، فلما أذنَ الشرعُ بالاشتغالِ بدفعِهِ ومقاتلتِهِ إن أَبَى، عُلِمَ أنَّ العلةَ في النهيِ عن المرورِ ليس الخوفَ من قطعِ الذكرِ.
اختلافُ الصحابةِ في قطعِ الصلاةِ بمرورِ المرأةِ والكلبِ والحمارِ، إنما هو بسببِ تفسيرِ القطعِ بالإبطالِ، ولو كان المرادُ نقصَ الثوابِ أو قطعَ الخشوعِ، لكان ذلك محلَّ وفاقٍ بينهم.
فقد روى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» عن ابنِ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، أنَّ ابنَ عمرَ قِيلَ لهُ: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ عياشِ بنِ أبي ربيعةَ يقولُ: يقطعُ الصلاةَ الحمارُ والكلبُ، فقال: «لا يقطعُ صلاةَ المسلمِ شيءٌ».
وقال ابنُ عباسٍ فيما رواهُ الحسنُ العرنيُّ عنهُ:
«لقد كان رسولُ اللهِ ﷺ، يصلي في مسجدٍ، فخرجَ جديٌ من بعضِ حجراتِ النبيِّ ﷺ، فذهبَ يجتازُ بين يديهِ، فمنعَهُ رسولُ اللهِ ﷺ»، قال ابنُ عباسٍ: أفلا تقولونَ: الجديُ يقطعُ الصلاةَ؟
[منقطعٌ، وسبقَ تخريجُهُ][37].
فمنعَ ابنُ عباسٍ الفهمَ من منعِ المرورِ إبطالَ الصلاةِ، ولو فُسِّرَ القطعُ بغيرِ الإبطالِ لم يمنعْ منهُ ابنُ عباسٍ.
هذا صحيحٌ، وهو يدلُّ على ضعفِ تأويلِ قطعِ الصلاةِ بقطعِ الذكرِ والخشوعِ فيها، ولا يَرِدُ على من أوَّلَ قطعَ الكلبِ بالأذى الحاصلِ منهُ، ومثلُهُ الحمارُ والمرأةُ.
وقد جاءَ عن بعضِ الصحابةِ إطلاقُ القطعِ على غيرِ البطلانِ:
فقد روى ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن محمدِ ابنِ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ، عن أبيهِ، قال: «كان ابنُ مسعودٍ، إذا مرَّ أحدٌ بين يديهِ، وهو يصلي التزمَهُ حتى يردَّهُ، ويقولُ: إنهُ ليقطعُ نصفَ صلاةِ المرءِ مرورُ المرءِ بين يديهِ»[38]. [حسنٌ].
فأطلقَ (القطعَ) على مرورِ الرجلِ وأرادَ بهِ: نقصَ الثوابِ.
لو كانت العلةُ ما تحدثُهُ هذه الدوابُّ من أذىً لما اختصَّ الحكمُ بالثلاثةِ فإن الجملَ ليس أقلَّ من الحمارِ، وهو من أموالِ الصحابةِ، والحمارُ الوحشيُّ مساوٍ أو أشدُّ من الحمارِ الأهليِّ.
واجباتُ الصلاةِ قسمانِ: واجباتٌ لها، وواجباتٌ فيها.
• فما كان واجباً فيها وتُرِكَ عمداً:
فالصلاةُ تبطلُ بتركِهِ خاصةً ما كان من الأركانِ والشروطِ.
• وما كان واجباً لها وليس جزءاً منها؛ كالأذانِ والجماعةِ على القولِ بوجوبِهما:
فالصلاةُ لا تبطلُ بتركِهِ، ولو كان متعمداً.
فلو قدرنا أنَّ السترةَ واجبةٌ للصلاةِ، ودفعَ المارِّ واجبٌ على المصلي، فإنها تُعَدُّ من الواجباتِ لها، لا من الواجباتِ فيها؛ بدليلِ أنهُ لو صَلَّى بلا سترةٍ، ولم يقطعْ صلاتَهُ أحدٌ كانت صلاتُهُ صحيحةً، فلم تكن هذهِ جزءاً من حقيقةِ الصلاةِ، وهذه قرينةٌ جعلتِ الجمهورَ يؤولُ قطعَ الصلاةِ بغيرِ البطلانِ؛ لكونِهِ من عملِ الغيرِ؛ ولانفكاكِهِ عن الصلاةِ.
لم يصحَّ من جهةِ الأثرِ حديثٌ واحدٌ في إعادةِ الصلاةِ من مرورِ الحمارِ أو الكلبِ، في مجتمعِ الصحابةِ في عصرٍ كانتِ الحُمُرُ وسيلةَ النقلِ الشائعةَ، وكانتِ الكلابُ تقبلُ وتدبرُ وتبولُ في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيَبْعُدُ أن يُتَصَوَّرَ أنهُ لم يحدثْ أن قطعتْ عليهم صلاتَهم مع شيوعِ استخدامِ الحُمُرِ في الركوبِ والنقلِ.
والأصلُ عدمُ البطلانِ، ولو كان (القطعُ) بمعنى (الإبطالِ)، لوجدنا في الآثارِ ما يدلُّ على إعادةِ الصلاةِ بمرورِها بين يديِّ المصلينَ، والمنقولُ في المسألةِ أثرانِ لا يصحُّ منهما شيءٌ:
الأولُ: أثرُ ابنِ عمرَ في إعادةِ الصلاةِ من مرورِ جروٍ بين يديهِ، وفيهِ ثلاثةُ عللٍ:
مخالفتُهُ لروايةِ سالمٍ ونافعٍ عن ابنِ عمرَ، في قولِهِ: لا يقطعُ الصلاةَ شيءٌ. ولم يَرْوِ أحدٌ عن ابنِ عمرَ أخصَّ ولا أحفظَ من سالمٍ ونافعٍ وآلُ الرجلِ أعلمُ من الأغرابِ.
أنَّ بكرَ بنَ عبدِ اللهِ المزنيَّ قد اضطربَ في الرجلِ الذي استحقَّ الإعادةَ، أهو ابنُ عمرَ، أم الرجلُ الذي صلى جنبَهُ؟ وهل أعادَ كاملَ الصلاةِ أو الركعةَ التي فسدتْ بالمرورِ؟ وهل القصةُ حدثتْ لـبكرِ بنِ عبدِ اللهِ، أو لرجلٍ آخرَ؟ وهل رواهُ بكرُ بنِ عبدِ اللهِ عن ابنِ عمرَ، أو بينهُ وبين ابنِ عمرَ رجلٌ مجهولٌ؟
أنَّ متنَهُ منكرٌ؛ حيثُ أوجبَ الإعادةَ على المأمومِ من مرورِ الكلبِ مع وجودِ السترةِ للإمامِ، في معارضةٍ صريحةٍ لحديثِ الإمامِ الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ ابنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ في مرورِهِ بالأتانِ أمامَ الصفِّ، والحديثُ في «الصحيحينِ»، وقد حُكِيَ الإجماعُ على أنَّ المأمومَ لا تبطلُ صلاتُهُ بالمرورِ خاصةً إذا كان الإمامُ قد اتخذَ سترةً.
والثاني: أثرُ الحكمِ بنِ عمروٍ الغفاريِّ، وهو وإن كان صحيحاً من جهةِ الإسنادِ، إلا أنَّ فيهِ: إفسادَ صلاةِ المأمومِ بالمرورِ بين يديهِ، ولو اتخذَ إمامُهُ سترةً، وهذا مخالفٌ للسنةِ المرفوعةِ من حديثِ ابنِ عباسٍ، والموقوفُ لا يُعْتَبَرُ بهِ إذا خالفَ المرفوعَ، ومخالفٌ لقولِ عامةِ أهلِ العلمِ.
ما رواهُ الحميديُّ في «مسندِهِ»، قال: حدثنا سفيانُ قال: حدثنا صفوانُ بنُ سليمٍ قال: أخبرني نافعُ بنُ جبيرِ بنِ مطعمٍ، عن سهلِ بنِ أبي حثمةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إذا صلى أحدُكم إلى سترةٍ فَلْيَدْنُ منها، لا يقطعُ الشيطانُ عليهِ صلاتَهُ»[39]. [صحيحٌ][40].
فأطلقَ (القطعَ) هنا على غيرِ البطلانِ، فالمرادُ بالقطعِ هنا ما يحدثُهُ من وسوسةٍ، ولا يوجبُ ذلك الخروجَ من الصلاةِ، حتى ولو غلبَ على المصلي فلم يدرِ كم صلى، وإنما عليهِ البناءُ على اليقينِ وسجودُ السهوِ، فكان قطعُ الصلاةِ من الشيطانِ قسمانِ:
• قطعٌ لا يوجبُ الخروجَ:
وهو ما كان فيهِ الأذى مقصوراً على مجردِ الوسوسةِ، وهذا يُبْتَلَى فيهِ كلُّ مصلٍّ، ويجاهدُ المصلي لدفعِهِ، وقد وردَ في الصحيحِ: «أنَّ الشيطانَ إذا قضى التثويبَ أقبلَ» أي: على المصلي فيأتيهِ من قِبَلِ وجهِهِ، ولم تبطلْ صلاتُهُ بذلك، وإن كان من لازمِهِ مرورُ الشيطانِ بين يديهِ.
• والثاني:
ما كان فيهِ الأذى يلحقُ المصلي في بدنِهِ كما جاءَ عفريتٌ من الجنِّ بشهابٍ من نارٍ؛ ليجعلَهُ في وجهِ المصطفى ﷺ؛ ليقطعَ عليهِ صلاتَهُ[41]، فأمكنهُ اللهُ منهُ، ثم أفلتَهُ، وهذا النوعُ إن حَمَلَ المصلي على قطعِ صلاتِهِ فسدتْ، إلا أنَّ هذا النوعَ من الأذى وللهِ الحمدُ لا يُعْرَفُ بتعرضِ المصلي لهُ، وإنما عرضَ لنبيِّنا عليهِ الصلاةُ والسلامُ، وتلقيناهُ بطريقِ السمعِ.
قال ابنُ جريرٍ الطبريُّ:
«ومعلومٌ أنَّ قطعَ الشيطانِ صلاةَ المصلي ليس بمرورِهِ بين يديهِ وحدَهُ دونَ إحداثِهِ لهُ من أسبابِ الوسوسةِ والشكِّ وشغلِ القلبِ بغيرِ صلاتِهِ ما يفسدُ بهِ صلاتَهُ، ويقطعُها عليهِ»[42].
ما رواهُ أحمدُ، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ التنوخيِّ، قال: حدثنا مولىً لـيزيدَ بنِ نمرانَ، قال: حدثني يزيدُ بنِ نمرانَ، قال: لقد لقيتُ رجلاً مقعداً شُوَّالاً، فسألتُهُ قال: مررتُ بين يديِّ رسولِ اللهِ ﷺ على أتانٍ، أو حمارٍ، فقال: «قطعَ علينا صلاتَنا قطعَ اللهُ أثرَهُ»، فأُقْعِدَ[43]. [إسنادُهُ ضعيفٌ ومتنُهُ منكرٌ][44].
الخلافُ في المسألةِ قويٌّ جداً، فحين كان الموقفُ من إهدارِ حديثِ أبي ذرٍّ ومعارضتِهِ بحديثِ عائشةَ أو بحديثِ ابنِ عباسٍ، كنتُ منحازاً بلا ترددٍ إلى القولِ بصحةِ حديثِ أبي ذرٍّ، ولم أترددْ لحظةً في تصحيحِهِ.
وعندما يكونُ الموقفُ من إبطالِ الصلاةِ، والحكمِ بالخروجِ منها، فذلك يستدعي احتياطاً آخرَ؛ لأنَّ الأصلَ صحةُ الصلاةِ، ووجوبُ الاستمرارِ فيها، ولا يجوزُ الخروجُ منها إلا بيقينٍ أو ظنٍّ غالبٍ، ولم يظهرْ لي أنَّ (القطعَ)المرادَ بهِ (الإبطالُ)؛ للأسبابِ التاليةِ:
صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنهُ أمرَ بالدنوِّ من السترةِ؛ حتى لا يقطعَ الشيطانُ عليهِ صلاتَهُ، وهذا قطعٌ لا يقضي ببطلانِ الصلاةِ.
أنَّ الحكمَ ببطلانِ الصلاةِ بمجردِ مرورِ المرأةِ والحمارِ والكلبِ الأسودِ ذهابٌ إلى أنَّ الحكمَ تعبديٌّ؛ لانهُ لا يُعْقَلُ سببٌ في بطلانِ الصلاةِ مع القيامِ بشروطِها وأركانِها وواجباتِها، والنصُّ قد قضى بأنَّ الحكمَ معللٌ في الكلبِ قطعاً، للنصِّ عليهِ، وذلك يقتضي التعليلَ في الحمارِ والمرأةِ كذلك.
إذا كانت العلةُ في الكلبِ الشيطنةَ والأذى، فالظاهرُ أنَّ المرأةَ والحمارَ كذلك؛ لأنَّ تساوِيَهم في الحكمِ يقتضي تساوِيَهم في العلةِ إلا أن يمنعَ من ذلك مانعٌ.
وإذا سلمنا أنَّ علةَ قطعِ الصلاةِ بالكلبِ شيطنتُهُ وأذاهُ، فذلك قرينةٌ بأنَّ المرادَ من القطعِ إفسادُ الصلاةِ بالأذى؛ لأنَّ الشيطنةَ صفةٌ متعديةٌ، فإن تعدتْ إلى المصلِّي بأن حصلَ منهُ عدوانٌ قطعَ ذلك صلاتَهُ، وإلا بقيتِ الصلاةُ على الصحةِ.
أنَّ القواعدَ لا تقضي الحكمَ ببطلانِ العبادةِ بتركِ واجبٍ لها، حتى يتركَ واجباً فيها، فإذا كان تركُ ما يجبُ للصلاةِ ولو كان مختصّاً بها، كالأذانِ والجماعةِ لا يبطلُها، فكيف تبطلُ بمجردِ مرورِ الكلبِ والمرأةِ والحمارِ؟
أنَّ المنعَ من المرورِ يشتركُ فيهِ الإنسانُ والدوابُّ، ولكن اختصَّ الكلبُ الأسودُ بالقطعِ لشيطنتِهِ وأذاهُ، فإذا لم يُؤْذِ تخلَّفَ الحكمُ لتخلفِ الوصفِ، وصارَ مرورُهُ كغيرِهِ من الكلابِ والدوابِّ منهياً عنهُ، ويُدْفَعُ، ولكن لا تبطلُ الصلاةُ بمجردِهِ، ويُقَالُ مثلُهُ في الحمارِ.
المرأةُ والرجلُ يُمْنَعَانِ من المرورِ، فإذا أصرَّ الرجلُ وأبى إلا المرورَ دُفِعَ بشدةٍ واستحقَّ وصفَ الشيطانِ؛ لتمردِهِ وأذيتِهِ، ومثلُهُ المرأةُ إذا أصرتْ إلا المرورَ بين المصلي وسترتِهِ، فهي شيطانٌ، وتزيدُ المرأةُ بأنَّ المصلي قد يفتتنُ بها عن صلاتِهِ، حتى تفسدَ عليهِ صلاتُهُ فاختصتْ بقطعِ الصلاةِ عن الرجلِ، فإذا لم يفتتنِ العبدُ بها لم تفسدْ عليهِ صلاتُهُ، وكان مرورُها كمرورِ الرجلِ، تأثمُ بذلك، والصلاةُ لا تفسدُ بمجردِهِ، واللهُ أعلمُ.
[1] «حاشيةُ الشلبيِّ على تبيينِ الحقائقِ» (1/159)، «شرحُ الزرقانيِّ على الموطأِ» (1/542)، «تحفةُ المحتاجِ» (2/110)، «مغني المحتاجِ» (1/421)، «نهايةُ المحتاجِ» (2/57)، «المغني» (2/183)، «مختصرُ الفتاوى المصريةِ» (ص: 65)، «الاعتبارُ في الناسخِ والمنسوخِ» (ص: 75)، «القبسُ في شرحِ موطأِ مالكٍ» (ص: 346)، «فتحُ الباري» لـابنِ رجبٍ (4/134)، «شرحُ القسطلانيِّ» («إرشادُ الساري») (1/474)، «الإعلامُ بفوائدِ عمدةِ الأحكامِ» (3/322)، «طرحُ التثريبِ» (2/391)، «فتحُ الباري» (1/589).
[2] «المسالكُ في شرحِ موطأِ مالكٍ» (3/107)، «القبسُ في شرحِ موطأِ مالكٍ» (ص: 346).
[3] «فتحُ الباري» لـابنِ رجبٍ (4/134).
[4] «معالمُ السننِ» (1/191).
[5] «طرحُ التثريبِ» (2/391).
[6] «فيضُ الباري على صحيحِ البخاريِّ» (2/118)، «الإنصافُ» (2/106)، «كشافُ القناعِ» (2/440).
[7] «الفتاوى الكبرى» لـابنِ تيميةَ (5/339).
[8] «صحيحُ ابنِ خزيمةَ» (831)، و«صحيحُ ابنِ حبانَ» (2391).
[9] الحديثُ مدارُهُ على حميدِ بنِ هلالٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ الصامتِ، عن أبي ذرٍّ.
رواهُ هشامُ بنُ حسانَ وحدَهُ كما في «صحيحِ ابنِ خزيمةَ» ()، وعنهُ ابنُ حبانَ (2391)، عن حميدِ بنِ هلالٍ بهِ، بلفظِ: (تُعَادُ الصلاةُ من مَمَرِّ الحمارِ والمرأةِ والكلبِ الأسودِ… ).
وخالفَهُ جمعٌ فرووهُ عن حميدٍ بلفظِ: (يقطعُ الصلاةَ….)، وهو المحفوظُ، منهم:
شعبةُ، كما في «صحيحِ مسلمٍ» (510)، و«مسندِ أبي داودَ الطيالسيِّ» (454)، و«مسندِ أحمدَ» (5/149، 161)، و«سننِ أبي داودَ» (702)، و«سننِ ابنِ ماجهْ» (952)، و«سننِ الدارميِّ» (1454)، والبغويُّ في «الجعدياتِ» (1164)، و«مستخرجِ أبي عوانةَ» (1400)، و«الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ (5/100)، و«صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (830)، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (2385)، و«السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (2/388).
يونسُ بنُ عبيدٍ كما في «مسلمٍ» (265-510)، و«مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (2845، 2896)، و«مسندِ أحمدَ» (5/151، 160)، و«سننِ الترمذيِّ» (338)، و«المجتبى من سننِ النسائيِّ» (750)، وفي «الكبرى» (828)، و«شرحِ معاني الآثارِ» (1/458)، و«مستخرجِ أبي عوانةَ» (1398)، و«الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ (5/88)، و«صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (806، 830)، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (2389، 2392).
سليمانُ بنُ المغيرةِ كما في «صحيحِ مسلمٍ» (510)، و«مسندِ أحمدَ» (5/155)، و«سننِ أبي داودَ» (702)، و«سننِ ابنِ ماجهْ» (3210)، والبغويُّ في «الجعدياتِ» (1164)، و«مستخرجِ أبي عوانةَ» (1400)، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (2384)، و«السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (2/388).
جريرُ بنُ حازمٍ، كما في «صحيحِ مسلمٍ» (510).
سلمُ بنُ أبي الذيالِ كما في «صحيحِ مسلمٍ» (510)، و«صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (830)، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (2388)، و«تاريخِ أصبهانَ» لـأبي نعيمٍ (1/314).
عاصمٌ الأحولُ، كما في «صحيحِ مسلمٍ» (510).
منصورُ بنُ زاذانَ، كما في «سننِ الترمذيِّ» (338)، و«شرحِ معاني الآثارِ» (1/458)، و«مستخرجِ أبي عوانةَ» (1398)، و«صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (830)،
أيوبُ السختيانيُّ، كما في «مسندِ البزارِ» (3935)، و«صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (830)، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (2389).
عمرُ بنُ عامرٍ السلميُّ، كما في «مسندِ البزارِ» (3945)، و«صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (830)،
حبيبُ بنُ الشهيدِ كما في «صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (830)، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (2389)
سهلُ بنُ أسلمَ العدويُّ، كما في «صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (830).
قتادةُ، كما في «صحيحِ ابنِ حبانَ» (2383).
خالدٌ الحذاءُ، كما في «مسندِ البزارِ» (3930)، و«معجمِ ابنِ المقرئِ» (183).
هشامٌ الدستوائيُّ، كما في «المعجمِ الأوسطِ» للـطبرانيِّ (2685).
قيسُ بنُ سعدٍ، كما في «المعجمِ الصغيرِ» للـطبرانيِّ (505)، و«مستخرجِ أبي عوانةَ» (1399)، و«فوائدِ أبي محمدٍ الفاكهيِّ» (68).
قرةُ بنُ خالدٍ، كما في «المعجمِ الصغيرِ» للـطبرانيِّ (1161)، و«معجمِ ابنِ المقرئِ» (1328).
مطرٌ الوراقُ، كما في «المعجمِ الصغيرِ» للـطبرانيِّ (1635)، و«حليةِ الأولياءِ» (6/132)، و«معجمِ ابنِ الأعرابيِّ» (1837).
كلُّ هؤلاءِ رووهُ عن حميدِ بنِ هلالٍ، بلفظِ: (يقطعُ الصلاةَ….) لم يقلْ واحدٌ منهم ما ذكرَهُ هشامُ بنُ حسانَ: (تُعَادُ الصلاةُ …).
وهذا بعيدٌ عن الاختلافِ في تفسيرِ (القطعِ)؛ لأنَّ تخريجَ الألفاظِ يجبُ أن يكونَ بمعزلٍ عن الفقهِ، فالفقهُ يصيبُ ويخطئُ.
[10] «صحيحُ مسلمٍ» (265-510).
[11] «صحيحُ البخاريِّ» (2662)، «صحيحُ مسلمٍ» (65-3000).
[12] «صحيحُ البخاريِّ» (2663)، و«صحيحُ مسلمٍ» (67-3001).
[13] «معالمُ السننِ» (1/191).
[14] «القبسُ شرحُ الموطأِ» (ص: 346)، «المسالكُ في شرحِ موطأِ مالكٍ» (3/107).
[15] «شرحُ البخاريِّ» لـابنِ رجبٍ (4/135).
[16] «المسندُ» (5/172).
[17] سبقَ تخريجُهُ في المجلدِ السابقِ، انظر: (ح-2206).
[18] «المسندُ» (5/150).
[19] «المسندُ» (5/150).
[20] سبقَ تخريجُهُ في المجلدِ الحادي عشرَ، انظر: (ح-2287).
[21] انظر: «طرحَ التثريبِ» (2/382)، «فيضَ الباري شرحَ البخاريِّ» (2/81).
[22] «المفهمُ لما أشكلَ من تلخيصِ صحيحِ مسلمٍ» (2/109).
[23] «الإفصاحُ عن معاني الصحاحِ» (2/191).
[24] «الصحاحُ» (5/2144).
[25] «صحيحُ البخاريِّ» (6799)، و«صحيحُ مسلمٍ» (1687).
[26] «صحيحُ البخاريِّ» (3423).
[27] «صحيحُ مسلمٍ» (39-541).
[28] «صحيحُ مسلمٍ» (40-542).
[29] «صحيحُ البخاريِّ» (608)، .
[30] «سننُ الترمذيِّ» (1173).
[31] سبقَ تخريجُهُ، انظر: المجلدَ الرابعَ (ح-689).
[32] «صحيحُ البخاريِّ» (3303)، و«صحيحُ مسلمٍ» (82-2729).
[33] «صحيحُ البخاريِّ» (2056).
[34] «المصنفُ» (3774).
[35] ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (3902) حدثنا ابنُ مهديٍّ، عن سفيانَ بهِ.
[36] «الموطأُ» (1/156).
[37] انظر: تخريجَ: (ح-2370).
[38] «المصنفُ» (2908).
[39] «المسندُ» (405).
[40] الحديثُ رواهُ نافعُ بنُ جبيرٍ، ورواهُ عن نافعٍ اثنانِ: صفوانُ بنُ سليمٍ، فوصلَهُ، ورواهُ داودُ بنُ قيسٍ الفراءُ فأرسلَهُ، والوصلُ زيادةٌ من ثقةٍ.
أما روايةُ صفوانَ عن نافعٍ، فقد رواهُ عن صفوانَ سفيانُ بنُ عيينةَ، وواقدُ بنُ محمدٍ، وعبيدُ اللهِ ابنُ أبي جعفرٍ، وعيسى بنُ موسى بنِ محمدِ بنِ إياسٍ الليثيُّ، وإليكَ تفصيلَ مروياتِهم:
سفيانُ بنُ عيينةَ، عن صفوانَ.
رواهُ عن سفيانَ كبارُ أصحابِهِ، منهم:
الأولُ: الحميديُّ، كما في «مسندِهِ» (405)، ومن طريقِهِ والطبرانيُّ في «المعجمِ الكبيرِ» (6/98) ح 5624، و«معرفةِ الصحابةِ» لـأبي نعيمٍ (3291)، وابنُ قانعٍ في «معجمِ الصحابةِ» (1/269)،
الثاني: الإمامُ أحمدُ كما في «المسندِ» (4/2).
الثالثُ: الإمامُ الشافعيُّ، كما في «السننِ المأثورةِ» (184).
الرابعُ: عبدُ الرزاقِ كما في «المصنفِ» (2305)، ومن طريقِهِ الطبرانيُّ في «المعجمِ الكبيرِ» (6/98) ح 5624، وقد حصلَ سقطٌ في إسنادِ عبدِ الرزاقِ، والتصحيحُ من معجمِ الطبرانيِّ.
الخامسُ: أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ كما في «المصنفِ» (2874)، وعنهُ ابنُ أبي عاصمٍ في «الآحادِ والمثاني» (2072)،
السادسُ: الطيالسيُّ كما في «مسندِهِ» (1439)،
السابعُ إلى العاشرِ: عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، ومحمدُ بنُ الصباحِ، وحامدُ بنُ يحيى، وابنُ السرحِ: أحمدُ بنُ عمروِ بنِ عبدِ اللهِ كما في «سننِ أبي داودَ» (695)، وعنهُ البيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (2/386).
الحادي عشرَ والثاني عشرَ: عليُّ بنُ حجرٍ وإسحاقُ بنُ منصورٍ كما في «المجتبى من سننِ النسائيِّ» (748)، وفي «الكبرى» (826).
الثالث عشرَ: مسددٌ كما في «الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ (2428).
الرابع عشرَ إلى السادس عشرَ: محمدُ بنُ منصورٍ وعمروُ بنُ عبدِ الحميدِ الإمليُّ، وابنُ وكيعٍ كما في «تهذيبِ الطبريِّ» الجزءِ المفقودِ (615، 616، 617).
السابع عشرَ: يونسُ بنُ عبدِ الأعلى كما في «شرحِ معاني الآثارِ» (1/458)، وفي «مشكلِ الآثارِ» (2613).
الثامن عشرَ: إبراهيمُ بنُ بشارٍ كما في «صحيحِ ابنِ حبانَ» (2373)،
التاسع عشرَ: إبراهيمُ بنُ منذرٍ الحازميُّ كما في «مستدركِ الحاكمِ» (922)،
العشرونَ: إسحاقُ بنُ بهلولٍ كما في «أمالي المحامليِّ» (4)، كلُّهم رووهُ عن سفيانِ بنِ عيينةَ، عن صفوانِ بنِ سليمٍ، عن نافعِ بنِ جبيرٍ، عن سهلِ بنِ أبي حثمةَ، وفي روايةٍ: عن سهلٍ يبلغُ بهِ النبيَّ ﷺ، والمعنى واحدٌ بلفظِ: (إذا صلى أحدُكم إلى سترةٍ فَلْيَدْنُ منها)، وهذا اللفظُ هو المحفوظُ لأمرينِ:
الأولُ: الترجيحُ من جهةِ الحفظِ، فالإمامُ أحمدُ والحميديُّ من تابعهم مقدمونَ في الحفظِ على من خالفهم.
الثاني: الترجيحُ من جهةِ الكثرةِ، فأكثرُ من عشرينَ راوياً رووهُ بالأمرِ بالدنوِّ من السترةِ.
وقد قدمتُ روايةَ سفيانَ، عن صفوانَ حيثُ لم يُخْتَلَفْ على سفيانَ فيهِ، لا في إسنادِهِ، ولا في لفظِهِ.
شعبةُ، عن واقدِ بنِ محمدٍ، عن صفوانِ بنِ سليمٍ،
رواهُ عن شعبةَ اثنانِ: يزيدُ بنُ هارونُ، وعثمانُ بنُ عمرَ.
أما روايةُ يزيدِ بنِ هارونَ، عن شعبةَ، فقد اخْتُلِفَ فيهِ على يزيدَ بنِ هارونَ:
فرواهُ عبدُ بنُ حميدٍ، كما في «المنتخبِ» (447)،
ومحمدُ بنُ عبدِ الملكِ الدَّقِيقِيُّ، كما في «السننِ الكبرى» (2/386)، كلاهما عن يزيدَ بنِ هارونُ، أخبرنا شعبةُ، عن واقدِ بنِ محمدِ بنِ زيدٍ، أنهُ سمعَ صفوانَ يحدثُ، عن محمدِ بنِ سهلٍ، عن أبيهِ، أو عن محمدٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: إذا صلى أحدُكم إلى شيءٍ فَلْيَدْنُ منهُ، لا يقطعُ الشيطانُ عليهِ صلاتَهُ.
وخالفهما أحمدُ بنُ منيعٍ كما في «معجمِ الصحابةِ» للـبغويِّ (1003)، فرواهُ عن يزيدَ بنِ هارونُ، عن شعبةَ، عن واقدِ بنِ محمدٍ، عن صفوانَ، عن محمدِ بنِ سهلٍ، عن أبيهِ، أو عن عمِّهِ، كذا قال: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: إذا صلى أحدُكم فَلْيَدْنُ من قبلتِهِ.
قال أبو القاسمِ البغويُّ سبطُ أحمدَ بنِ منيعٍ: وأُخْبِرْتُ أنَّ الصوابَ حديثُ ابنِ عيينةَ.
هذا وجهُ الاختلافِ على يزيدَ بنِ هارونُ، والرواةُ عن يزيدَ كلُّهم ثقاتٌ، لكنَّ محمدَ بنَ سهلِ ابنِ أبي حثمةَ فيهِ جهالةٌ، فهو من رجالِ تعجيلِ المنفعةِ، ولم يُذْكَرْ فيهِ جرحاً ولا تعديلاً.
وأما روايةُ عثمانَ بنِ عمرَ، عن شعبةَ:
فرواها أبو موسى المدينيُّ ، نقلاً من «أسدِ الغابةِ» (4/318)، و«الإنابةِ إلى معرفةِ المختلفِ فيهم من الصحابةِ» (2/160)، و«الإصابةِ في تمييزِ الصحابةِ» (6/267) ، من طريقِ عثمانَ بنِ عمرَ، عن شعبةَ، عن واقدِ بنِ محمدٍ، عن صفوانِ بنِ سليمٍ، عن محمدِ بنِ سهلِ بنِ أبي حثمةَ، أو عن سهلِ بنِ أبي حثمةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ … وذكرَ الحديثَ.
وهذا وجهٌ آخرُ من الاختلافِ على شعبةَ.
قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في «الإصابةِ» (6/267):
«هو مرسلٌ، أو منقطعٌ؛ لأنهُ إن كان المحفوظَ عن محمدِ بنِ سهلٍ: فهو مرسلٌ؛ لأنهُ تابعيٌّ لم يولدْ إلا بعدَ موتِ النبيِّ ﷺ بمكةَ، فإنَّ النبيَّ ﷺ لما مات كان سنُّ سهلِ بنِ أبي حثمةَ ثمانيَ سنينَ، وإن كان عن سهلٍ فهو منقطعٌ؛ لأنَّ صفوانَ لم يسمعْ من سهلٍ، وعلى تقديرِ ذلك فلا يدخلُ بهذا السندِ في ذلك، واللهُ أعلمُ».
وواقدُ بنِ محمدٍ ثقةٌ، إلا أنَّ روايتَهُ فيها علتانِ:
الشكُّ والاضطرابُ في إسنادِهِ، وبهِ أعلَّهُ أبو داودَ في السننِ.
مخالفتُهُ لروايةِ سفيانَ بنِ عيينةَ، واضطرابُ واقدٍ في حديثِهِ يجبُ ألا يعودَ ذلك على روايةِ سفيانَ فقد أقامَ إسنادَهُ، حيثُ لم يُخْتَلَفْ عليهِ فيهِ.
عبيدُ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ المصريُّ (ثقةٌ)، عن صفوانِ بنِ سليمٍ.
أخرجَهُ الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (6/204) ح 6014 من طريقِ ابنِ لهيعةَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن صفوانِ بنِ سليمٍ، عن نافعِ بنِ جبيرٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، عن نبيِّ اللهِ ﷺ قال: إذا صلى أحدُكم إلى سترةٍ فَلْيَدْنُ منها، لا يجوزُ الشيطانُ بينهُ وبينَ صلاتِهِ.
تفردَ بهِ ابنُ لهيعةَ، وهو ضعيفٌ، وباقي الإسنادِ رجالُهُ ثقاتٌ.
قال الطبرانيُّ:
«هكذا رواهُ ابنُ لهيعةَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن صفوانِ بنِ سليمٍ، عن نافعِ بنِ جبيرٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، ورواهُ ابنُ عيينةَ، عن صفوانِ بنِ سليمٍ، عن نافعِ بنِ جبيرٍ، عن سهلِ بنِ أبي حثمةَ». يشيرُ إلى إعلالِهِ بالتفردِ والمخالفةِ.
وقال الدارقطنيُّ في «الغرائبِ والأفرادِ» (2123):
«تفردَ بهِ ابنُ لهيعةَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، وأسندَهُ عن سهلِ بنِ سعدٍ، وغيرُهُ يسندُهُ عن سهلِ بنِ أبي حثمةَ».
عيسى بنُ موسى بنِ محمدِ بنِ إياسٍ الليثيُّ (ضعيفٌ)، عن صفوانَ.
رواهُ إسماعيلُ بنِ جعفرٍ، عن عيسى بنِ موسى، واخْتُلِفَ على إسماعيلَ:
فرواهُ عليُّ بنِ حجرٍ السعديُّ كما في «حديثِ إسماعيلَ بنِ جعفرٍ» (439)، قال: حدثنا عيسى ابنُ موسى بنِ محمدِ بنِ إياسِ بنِ بكيرٍ الليثيُّ، عن صفوانِ بنِ سليمٍ، عن نافعِ بنِ جبيرِ بنِ مطعمٍ، عن سهلٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: إذا صلى أحدُكم إلى السترةِ فَلْيَدْنُ منها، لا يقطعُ الشيطانُ عليهِ صلاتَهُ.
هكذا رواهُ عليُّ بنِ حجرٍ، عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، فقال: عيسى بنُ موسى، وقِيلَ: موسى بنُ عيسى كما سيأتي بيانُهُ.
وذكرَ سهلاً هنا غيرَ منسوبٍ، فـقِيلَ: سهلُ بنِ أبي حثمةَ، وقِيلَ: سهلُ بنِ سعدٍ.
فرواهُ أبو الربيعِ الزهرانيُّ كما في «التاريخِ الكبيرِ» (2/302) عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، عن موسى بنِ عيسى بنِ لبيدِ بنِ إياسٍ الليثيِّ، عن صفوانِ بنِ سليمٍ، عن نافعِ بنِ جبيرِ بنِ مطعمٍ، عن سهلِ بنِ أبي حثمةَ، عن النبيِّ ﷺ بهِ، بنحوِهِ.
فجعلَ الراوي: موسى بنَ عيسى بدلاً من عيسى بنِ موسى.
وجعلَهُ من مسندِ سهلِ بنِ أبي حثمةَ.
ورواهُ إسحاقُ بنِ إبراهيمَ المروزيُّ كما في «معجمِ الصحابةِ» للـبغويِّ (3/94)،
وخالدُ بنِ أبي يزيدَ وحجاجُ بنِ إبراهيمَ كما في «شرحِ مشكلِ الآثارِ» (2614).
والهيثمُ بنُ اليمانِ وإبراهيمُ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حاتمٍ، كما في «الحليةِ» لـأبي نعيمٍ (3/165)، خمستُهم رووهُ عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، عن عيسى بنِ موسى، عن صفوانَ، عن نافعِ بنِ جبيرٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ بهِ بنحوِهِ.
فقالوا: (عيسى بنُ موسى) وجعلوهُ من مسندِ سهلِ بنِ سعدٍ.
ورواهُ قتيبةُ بنِ سعيدٍ كما في «التاريخِ الكبيرِ» (7/291) أخبرنا إسماعيلُ بنِ جعفرٍ، عن موسى ابنِ عيسى بنِ إياسِ بنِ البكيرِ، عن صفوانَ، عن نافعٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، عن النبيِّ ﷺ، بهِ بنحوِهِ.
فوافقَ الجماعةَ في جعلِهِ من مسندِ سهلٍ، وخالفهم فقال: موسى بنُ عيسى.
ورواهُ محمدُ بنُ زنبورٍ، كما في «المعجمِ الكبيرِ» للـطبرانيِّ (6/204) ح 6015، حدثنا إسماعيلُ بنِ جعفرٍ، عن عيسى بنِ ميمونِ بنِ إياسِ بنِ البكيرِ، عن صفوانِ بنِ سليمٍ، عن نافعِ ابنِ جبيرٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ بهِ بنحوِهِ.
فوافقَ الجماعةَ في جعلِهِ من مسندِ سهلِ بنِ سعدٍ، وخالفهم، فقال: عيسى بنُ ميمونٍ، بدلاً من عيسى بنِ موسى.
وخالفَ إسماعيلُ بنِ جعفرٍ الليثَ بنَ سعدٍ كما في «التاريخِ الكبيرِ» (6/392)، فقال: حدثني عيسى، عن صفوانِ بنِ سليمٍ، عن رجلٍ من أشجعَ، عن أبي هريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، عن النبيِّ ﷺ: إذا صلى فليتقدمْ إلى سترتِهِ.
فواضحٌ اضطربَ إسماعيلُ بنِ جعفرٍ في اسمِ الراوي (عيسى بنِ موسى).
كما أنَّ عيسى بنَ موسى قد اضطربَ في نسبِ سهلٍ.
والأصحُّ في إسنادِهِ ما رواهُ عليُّ بنِ حجرٍ، عن إسماعيلَ، عن عيسى بنِ موسى بنِ محمدِ ابنِ إياسِ بنِ بكيرٍ الليثيِّ، هكذا ضبطَ اسمَهُ إسماعيلُ بنِ جعفرٍ من روايةِ عليِّ بنِ حجرٍ عنهُ، وهكذا ضبطَ اسمَهُ الليثُ بنِ سعدٍ كما في «التاريخِ الكبيرِ».
وقد جعلَهُ عليُّ بنِ حجرٍ من مسندِ سهلِ بنِ أبي حثمةَ، موافقاً لروايةِ ابنِ عيينةَ، عن صفوانِ بنِ سليمٍ، عن نافعِ بنِ جبيرِ بنِ مطعمٍ بهِ.
وهذا إسنادٌ صالحٌ في المتابعاتِ، فإنَّ عيسى بنَ موسى ضعيفٌ.
قال ابنُ أبي حاتمٍ:
سُئِلَ أبي عنهُ، فقال: ضعيفٌ. «الجرحُ والتعديلُ» (6/285).
وذكرَهُ ابنُ حبانَ في «الثقاتِ» (7/234)، انظر: «التاريخَ الكبيرَ».
ولا يمكنُ الحكمُ على هذا الإسنادِ بالاضطرابِ، وقد وافقَ فيهِ الإمامُ ابنُ عيينةَ في إسنادِهِ ولفظِهِ.
وكلُّ ما قِيلَ غيرَ ذلك فهو وهمٌ، فمن قال: موسى بنُ عيسى، أو عيسى بنُ ميمونٍ، أو رجلٌ من أشجعَ فهو وهمٌ.
كما رواهُ الأكثرونَ عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ فجعلوهُ من مسندِ سهلِ بنِ سعدٍ، وهذا وهمٌ أيضاً.
هذا ما يتعلقُ بروايةِ صفوانَ بنِ سليمٍ.
وأما روايةُ داودَ بنِ قيسٍ، فقد اخْتُلِفَ عليهِ في وصلِهِ وإرسالِهِ:
فرواهُ سليمانُ بنُ أيوبَ الصُّرَيْفِينِيُّ، كما في «المعجمِ الكبيرِ» للـطبرانيِّ (2/139) ح 139، حدثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن داودَ بنِ قيسٍ الْفَرَّاءِ، عن نافعِ بنِ جبيرِ بنِ مطعمٍ، عن أبيهِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: إذا صلى أحدُكم إلى سترةٍ، فَلْيَدْنُ منها، لا يمرُّ الشيطانُ بينهُ وبينَها.
تفردَ بوصلِهِ الصريفينيُّ، من مسندِ مطعمِ بنِ جبيرٍ.
وخالفَهُ كلٌّ من:
عبدِ الرزاقِ في «المصنفِ» (2303)،
عبدِ اللهِ بنِ وهبٍ كما في «موطئِهِ» (397)، و«جامعِهِ» (399)، وفي «المدونةِ» (1/202)، والبيهقيُّ في «السننِ» (2/386).
وإسماعيلَ بنِ جعفرٍ كما في أحاديثِهِ من روايةِ عليِّ بنِ حجرٍ (428)، فرووهُ عن داودَ بنِ قيسٍ، عن نافعِ بنِ جبيرِ بنِ مطعمٍ، عن النبيِّ ﷺ مرسلاً، وهو المعروفُ.
وإرسالُ داودَ بنِ قيسٍ لهُ يعلُّ روايتَهُ، ولا يعلُّ روايةَ صفوانَ من روايةِ سفيانَ بنِ عيينةَ، عنهُ.
قال البيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (2/386):
قد أقامَ إسنادَهُ سفيانُ بنِ عيينةَ، وهو حافظٌ حجةٌ.
وقال في «معرفةِ السننِ» (3/187):
«ورواهُ داودُ بنِ قيسٍ عن نافعِ بنِ جبيرٍ مرسلاً، والذي أقامَ إسنادَهُ: حافظٌ ثقةٌ».
وقال الميمونيُّ نقلاً من «فتحِ الباري» لـابنِ رجبٍ (4/27):
قلتُ لأبي عبدِ اللهِ -يعني: أحمدَ– : كيف إسنادُ حديثِ النبيِّ ﷺ: (إذا صلى أحدُكم فَلْيَدْنُ من سترتِهِ)؟ قال:
صالحٌ، ليس بإسنادِهِ بأسٌ.
وخرجَهُ ابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ في صحيحيهما، وهذا ذهابٌ منهما لتصحيحِهِ.
وقال الحاكمُ:
هذا حديثٌ على شرطِ الشيخينِ ولم يخرجاهُ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ في «التمهيدِ» (4/195):
«وهو حديثٌ مُخْتَلَفٌ في إسنادِهِ، ولكنهُ حديثٌ حسنٌ ذكرَهُ النسائيُّ وأبو داودَ وغيرُهما».
وقال النوويُّ في «المجموعِ» (3/245):
«حديثُ سهلِ بنِ أبي حثمةَ صحيحٌ، رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ».
وقال في «الخلاصةِ» (1732):
رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.
وقال العقيليُّ نقلاً من «فتحِ الباري» لـابنِ رجبٍ (4/27):
حديثُ سهلٍ هذا ثابتٌ.
وقال العقيليُّ في «الضعفاءِ»، طبعةِ دارِ التأصيلِ (4/7):
«رواهُ سهلُ بنِ أبي حثمةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (من صلى إلى سترةٍ فَلْيَدْنُ منها)، وهذا ثابتٌ».
[41] «صحيحُ مسلمٍ» (40-542).
[42] «تهذيبُ الآثارِ»، الجزءُ المفقودُ (ص: 322).
[43] «المسندُ» (4/64).
[44] أما ضعفُ إسنادِهِ:
فلأنَّ فيهِ مولى يزيدَ بنِ نمرانَ، لم يَرْوِ عنهُ إلا سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، ولم يوثقْهُ إلا ابنُ حبانَ، ذكرَهُ في «الثقاتِ».
وشيخُهُ يزيدُ بنِ نمرانَ، روى عنهُ ثلاثُ ثقاتٍ من أهلِ الشامِ، سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ التنوخيُّ الدمشقيُّ، وعبدُ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ الدمشقيُّ، وشبيبُ بنِ نعيمٍ الوحاضيُّ الحمصيُّ، وذكرَهُ ابنُ حبانَ في «الثقاتِ».
وقال ابنُ حجرٍ في «التقريبِ»:
ثقةٌ، وكان من عادةِ ابنِ حرجٍ في من كان مثلَهُ أن يعطيَهُ لقبَ: مقبولٍ؛ لكونِهِ من التابعينَ، يعني: إن توبعَ، وإلا ففيهِ لينٌ.
قال ابنُ رجبٍ في «الفتحِ» (4/125):
في إسنادِهِ جهالةٌ.
وقال الحازميُّ في «الاعتبارِ» (ص: 75):
«هذا حديثٌ غريبٌ على شرطِ أبي داودَ، أخرجَهُ في كتابِهِ».
وقال ابنُ القيمِ في «زادِ المعادِ» (3/475):
«وفي هذا الإسنادِ … ضعفٌ».
وأما نكارةُ متنِه:
فقال ابنُ القطانِ الفاسيُّ في «بيانِ الوهمِ والإيهامِ» (2/65):
«والحديثُ في غايةِ الضعفِ، ونكارةِ المتنِ، فإنَّ دعاءَهُ عليهِ السلامُ لمن ليس لهُ بأهلٍ زكاةٌ ورحمةٌ، فاعلمْ ذلك».
أين هذا من هديِهِ ﷺ، وقد أدمى السفهاءُ عقبَهُ عليهِ الصلاةُ، وهو يدعو لهم، فقد روى البخاريُّ (3477)، من طريقِ الأعمشِ، قال: حدثني شقيقٌ، قال عبدُ اللهِ:
كأني أنظرُ إلى النبيِّ ﷺ يحكي نبياً من الأنبياءِ ضربَهُ قومُهُ، فأدموهُ، وهو يمسحُ الدمَ عن وجهِهِ، ويقولُ: اللهمَّ اغفرْ لقومي فإنهم لا يعلمونَ.
وأين هذا من رفقِهِ بمن بالَ في المسجدِ، أو تكلَّمَ في الصلاةِ جاهلاً.
والحديثُ قد اخْتُلِفَ فيهِ على سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ التنوخيِّ:
فرواهُ أبو عاصمٍ الضحاكُ بنُ مخلدٍ، كما في «مسندِ أحمدَ» (4/64) و (5/376)، و«دلائلِ النبوةِ» لـإسماعيلَ الأصبهانيِّ (189)، و«تهذيبِ الكمالِ» للـمزيِّ (32/260)،
ووكيعٌ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (2920)، وفي «المسندِ» لهُ (717)، وفي «التاريخِ الكبيرِ» للـبخاريِّ (3349)، و«سننِ أبي داودَ» (705)، و«التاريخِ الكبيرِ» لـابنِ أبي خيثمةَ (2549)، و«السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (2/390)، و«دلائلِ النبوةِ» للـبيهقيِّ (5/243)
والوليدُ بنُ مسلمٍ، كما في «تهذيبِ الآثارِ»، الجزءِ المفقودِ (560)، و«تاريخِ دمشقَ» لـابنِ عساكرَ (2574)،
وعمروُ بنُ أبي سلمةَ كما في «دلائلِ النبوةِ» للـبيهقيِّ (6/241)، و«تاريخِ دمشقَ» لـابنِ عساكرَ (9228).
وأبو حيوةَ كما في «سننِ أبي داودَ» (706)، و«السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (2/390)، و«الاعتبارِ بالناسخِ والمنسوخِ» (ص: 75)،
ومحمدُ بنُ بكارٍ كما في «التاريخِ الكبيرِ» (8/366)، ستتُهم رووهُ عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ التنوخيِّ، عن مولىً لـيزيدَ بنِ نمرانَ، عن يزيدَ بنِ نمرانَ، قال:
رأيتُ رجلاً مقعداً … وذكرَ الحديثَ.
خالفهم أبو مسهرٍ عبدُ الأعلى بنُ مسهرٍ، كما في «مسندِ الشاميينَ» للـطبرانيِّ (346)، والبخاريُّ في «التاريخِ الكبيرِ» (8/366)، فرواهُ عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، وعبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، حدثني يزيدُ (يعني: ابنَ جابرٍ)، حدثني ابنُ نمرانَ، قال:
رأيتُ مقعداً في تبوكَ فسألتُهُ …. وذكرَ الحديثَ، وفي إسنادِ الطبرانيِّ تحريفٌ، وقد صححتُهُ من «التاريخِ الكبيرِ».
وروايةُ الجماعةِ هي الصوابُ.
وللحديثِ طريقٌ آخرُ:
رواهُ عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ كما في «التاريخِ الكبيرِ» (8/365).
وعبدُ اللهِ بنُ وهبٍ كما في «سننِ أبي داودَ» (707)، و«تهذيبِ الآثارِ» لـابنِ جريرٍ الطبريِّ (561)، والطبرانيُّ في «مسندِ الشاميينَ» (2067)، و«السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (2/390)، وفي «دلائلِ النبوةِ» (5/243-244)، كلاهما عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن سعيدِ بنِ غزوانَ، عن أبيهِ أنهُ نزلَ بتبوكَ وهو حاجٌّ، فإذا رجلٌ مقعدٌ فسألتُهُ عن أمرِهِ، فقال:
سأحدثُكم حديثاً فلا تحدثْ بهِ ما سمعتَ أني حيٌّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نزلَ بتبوكَ إلى نخلةٍ، فقال: هذهِ قبلتُنا، ثم صلى إليها، قال: فأقبلتُ، وأنا غلامٌ أسعى حتى مررتُ بينهُ وبينَها، فقال: قطعَ صلاتَنا قطعَ اللهُ أثرَهُ، قال: فما قمتُ عليهما إلى يومي هذا.
وهذا ضعيفٌ أيضاً، في إسنادِهِ سعيدُ بنُ غزوانَ لم يوثقْهُ إلا ابنُ حبانَ.
قال الذهبيُّ في «الكاشفِ» (1944)، عن سعيدِ بنِ غزوانَ:
وُثِّقَ. على البناءِ للمجهولِ، وهذا غالباً ما يذكرُهُ الذهبيُّ في حقِّ من لم يوثقْهُ إلا ابنُ حبانَ.
وفي «التقريبِ»:
سعدُ بنُ غزوانَ شاميٌّ مستورٌ، من السادسةِ إشارةً إلى جهالةِ حالِهِ، فقد روى عنهُ اثنانِ، ولم يوثقْهُ إلا ابنُ حبانَ.
وأما أبوهُ فلا يُعْرَفُ فهو مجهولُ العينِ.
وقال الذهبيُّ في «الميزانِ» (2/154):
«فهذا شاميٌّ مُقِلٌّ – يعني: سعيدَ بنَ غزوانَ– ما رأيتُ لهم فيهِ، ولا في أبيهِ كلاماً، ولا يُدْرَى من هما، ولا من المقعدُ، قال عبدُ الحقِّ وابنُ القطانِ: إسنادُهُ ضعيفٌ، قلتُ: (القائلُ الذهبيُّ): أظنُّهُ موضوعاً».
وقال الأشبيليُّ في «الأحكامِ الوسطى» (1/345):
إسنادُهُ ضعيفٌ.
وقال ابنُ القطانِ في «بيانِ الوهمِ والإيهامِ» (3/356):
«وعلتُهُ الجهلُ بحالِ سعيدٍ، فإنها لا تُعْرَفُ، فأما أبو غزوانَ، فإنهُ لا يُعْرَفُ مذكوراً، فإنَّ ابنَهُ وإن كانت حالُهُ لا تُعْرَفُ؛ فقد ذُكِرَ وتُرْجِمَ باسمِهِ في مظانِّ ذكرِهِ وذكرِ أمثالِهِ، وذكرِ ما يُذْكَرُ بهِ المجهولونَ».

