موقع الشيخ دبيان الدبيان

تكملة شركات الدفع الآجل (اشتر الآن وادفع لاحقًا ) توصيفًا وحكمًا[جديد]

المَبْحَثُ الثَّانِي
الخِلاَفُ الفِقْهِيُّ فِي حُكْمِ التَّعَامُلِ مَعَ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ (BNPL) (اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا)

📌 المَدْخَلُ إِلَى المَسْأَلَةِ:

مُبَادَلَةُ المَالِ بِمِثْلِهِ إِنْ قُصِدَ فِيهِ التَّرَبُّحُ كَانَتْ مُعَاوَضَةً وَوَجَبَ فِيهَا التَّقَابُضُ، وَإِنْ قُصِدَ فِيهِ القَرْضُ أُبِيحَ النَّسَأُ لِخُرُوجِهِ عَنِ المُعَاوَضَةِ، وَحَرُمَ التَّرَبُّحُ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّرَبُّحُ مُبَاشَرَةً مِنَ المَقْتَرِضِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ بِسَبَبِ القَرْضِ.
شَرِكَاتُ «اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا» البَاعِثُ عَلَى القَرْضِ هُوَ التَّرَبُّحُ مِنْهُ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ التَّرَبُّحَ مِنَ القُرُوضِ جَائِزٌ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
العِبْرَةُ فِي العُقُودِ بِالمَقَاصِدِ وَالمَعَانِي، لاَ لِلأَلْفَاظِ وَالمَبَانِي، وَالوَسَائِلُ لَهَا أَحْكامُ المَقَاصِدِ، وَمَا أَفْضَى إِلَى المُحَرَّمِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ.
البَاعِثُ عَلَى العَقْدِ لَهُ أَثَرٌ فِي إِبَاحَةِ العَقْدِ وَتَحْرِيمِهِ، وَفِي صِحَّتِهِ وَإِبْطَالِهِ، وَلاَ يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ البَاعِثَ عَلَى القَرْضِ هُوَ التَّرَبُّحُ مِنْ عَقْدِ المَقْتَرِضِ؛ لأَنَّ القَرْضَ لَمْ يُمْنَحْ حَصْرًا إِلاَّ مِنْ أَجْلِ هَذَا.
كُلُّ عَقْدٍ يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي نَفْسِهِ، وَالبَاعِثُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَلِهَذَا مَنَعَ المَالِكِيَّةُ وَالحَنَابِلَةُ بَعْضَ البُيُوعِ نَظَرًا لِلْبَاعِثِ، كَبَيْعِ العِنَبِ لِمَنْ يَعْصِرُهُ خَمْرًا، وَبَيْعِ السِّلاَحِ فِي زَمَنِ الفِتْنَةِ.
البَاعِثُ التِّجَارِيُّ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ نِيَّةٍ بَاطِنَةٍ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي بِنْيَةِ العَقْدِ؛ إِذِ لاَ يُمْنَحُ القَرْضُ إِلاَّ مِنْ أَجْلِ شِرَاءٍ يُوَلِّدُ عَائِدًا مَالِيًّا مِنْ تَاجِرٍ مُتَعَاقِدٍ مَعَهَا، فَالبَاعِثُ مَشْرُوطٌ فِي العَقْدِ.
لاَ يُوجَدُ مِنَ الفُقَهَاءِ المُتَقَدِّمِينَ مَنْ نَصَّ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَدْفَعَ طَرَفٌ ثَالِثٌ مَنَفَعَةَ القَرْضِ لِلْمُقْرِضِ، وَغِيَابُ مِثْلِ هَذَا قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُخْرِجُوهُ عَنْ حُكْمِ أَصْلِ المَنَفَعَةِ لِلْمُقْرِضِ، وَأَنَّ كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا.

اللَّجْنَةُ المُجِيزَةُ لِشَرِكَةِ تَمَارَا تُوَافِقُ عَلَى أَنَّ المَنَفَعَةَ مِنَ القَرْضِ وَلَوْ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ لاَ تَجُوزُ، فَالخِلاَفُ مَعَهَا فِي تَنْقِيحِ المَنَاطِ.
مَأْخَذُ التَّحْرِيمِ هُوَ إِخْرَاجُ القَرْضِ عَنْ بَابِهِ إِلَى المُعَاوَضَةِ، وَلَمْ يُعْقَدِ القَرْضُ لِهَذَا؛ فَاتِّخَاذُ القَرْضِ لِلاِتِّجَارِ بِهِ مَمْنُوعٌ، وَهَذِهِ العِلَّةُ مُتَحَقِّقَةٌ سَوَاءٌ أَجَاءَتِ الزِّيَادَةُ مِنَ المَقْتَرِضِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ؛ إِذِ المُقْرِضُ فِي الحَالَيْنِ لَمْ يُقْرِضْ إِلاَّ لِلتَّكَسُّبِ.
لاَ نُسَلِّمُ أَنَّ الفَائِدَةَ جَاءَتْ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ فَقَطْ، بَلْ جَاءَ النَّفْعُ أَيْضًا مِنْهُ وَمِنَ المَقْتَرِضِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ مُبِيحٌ وَحَاظِرٌ غُلِّبَ الحَاظِرُ.
وَجْهُ انْتِفَاعِ المُقْرِضِ مِنَ المَقْتَرِضِ: أَنَّ المُقْرِضَ يَشْتَرِطُ عَلَى المَقْتَرِضِ عَقْدًا يَتَكَسَّبُ بِهِ مِنْ قَرْضِهِ، لَوْلاَهُ لَمَا مُنِحَ القَرْضُ، وَلَمَا تَكَسَّبَ مِنْهُ، وَهَذَا رِبًا.
إِذَا كُنْتُمْ تَعُدُّونَ أَنَّ بَيْعَ التَّاجِرِ عَلَى المَقْتَرِضِ نَفْعٌ اسْتَفَادَهُ التَّاجِرُ مِنْ قِبَلِ الشَّرِكَةِ فَاسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ العُمُولَةَ، مَعَ أَنَّهُ نَفْعٌ بِالتَّسَبُّبِ فَالْعَمِيلُ جَاءَ بِنَفْسِهِ إِلَى التَّاجِرِ، وَالتَّاجِرُ هُوَ مَنِ اتَّصَلَ بِالشَّرِكَةِ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ رَغْبَةَ العَمِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالآجِلِ، فَكَيْفَ لاَ تَعُدُّونَ عَقْدَ المَقْتَرِضِ مِنَ التَّاجِرِ، وَالمَشْرُوطَ مِنَ المُقْرِضِ نَفْعًا اسْتَفَادَهُ المُقْرِضُ مِنَ المَقْتَرِضِ بِسَبَبِ القَرْضِ؟!!
كَلاَمُ العُلَمَاءِ عَنِ المَنَفَعَةِ المُحَرَّمَةِ فِي القَرْضِ لاَ يُقْصَدُ بِهَا انْتِفَاعُ المَقْتَرِضِ بِالقَرْضِ، وَلاَ انْتِفَاعُ المُقْرِضِ بِضَمَانِ مَالِهِ، فَهَذِهِ مَنَفَعَةٌ أَصْلِيَّةٌ فِي عَقْدِ القَرْضِ لاَ يَنْفَكُّ عَنْهَا.
النَّفْعُ فِي مُعَامَلَةِ: «اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا» مُتَمَحِّضٌ لِلْمُقْرِضِ فَقَطْ، وَلاَ يُقَابِلُهَا أَيُّ مَنَفَعَةٍ لِلْمَقْتَرِضِ سِوَى مَنَفَعَةِ القَرْضِ.
كُلُّ مَنَفَعَةٍ مُتَمَحِّضَةٍ لِلْمُقْرِضِ لاَ يُقَابِلُهَا أَيُّ مَنَفَعَةٍ لِلْمَقْتَرِضِ سِوَى انْتِفَاعِهِ بِالقَرْضِ فَهِيَ رِبًا.
نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ «سَلَفٍ وَبَيْعٍ»، وَيَدْخُلُ فِي البَيْعِ كُلُّ عَقْدٍ قَائِمٍ عَلَى المُعَاوَضَةِ، وَمِنْهُ الشِّرَاءُ، فَإِذَا اشْتَرَطَ المُقْرِضُ عَلَى المَقْتَرِضِ أَلاَّ يُقْرِضَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَةِ القَرْضِ لِيَتَكَسَّبَ مِنْهُ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ السَّلَفِ وَالشِّرَاءِ.
مَنَاطُ المَنَعِ فِي الجَمْعِ بَيْنَ القَرْضِ وَالمُعَاوَضَةِ: هُوَ رُجُوعُ مَنَفَعَةِ المُعَاوَضَةِ إِلَى المُقْرِضِ بِسَبَبِ القَرْضِ، وَهَذَا مُتَوَفِّرٌ فِي مَسْأَلَةِ البَحْثِ.
مِمَّا جَاءَ فِي اتِّفَاقِيَّةِ التَّاجِرِ لَدَى تَمَارَا: «تَلْتَزِمُ أي: تمارا بِتَحَمُّلِ المَخَاطِرِ الائْتِمَانِيَّةِ وَمَخَاطِرِ الاِحْتِيَالِ إِلاَّ فِي اسْتِثْنَاءَاتٍ مُحَدَّدَةٍ كَعَدَمِ التَّسْلِيمِ وَالمُنَازَعَاتِ».
هَذَا النَّصُّ مِنَ الاِتِّفَاقِيَّةِ يَدُلُّ بِوُضُوحٍ عَلَى أَنَّ تَحَمُّلَ المَخَاطِرِ الائْتِمَانِيَّةِ دَاخِلٌ فِي حُزْمَةِ المَنَافِعِ الَّتِي تُقَدِّمُهَا الشَّرِكَةُ لِلتَّاجِرِ فِي العَلاَقَةِ الَّتِي تَسْتَوْفِي عَنْهَا رُسُومَهَا.
أَخْذُ عِوَضٍ مُقَابِلَ تَحَمُّلِ المَخَاطِرِ الائْتِمَانِيَّةِ يَجْعَلُ المَسْأَلَةَ مِنْ قَبِيلِ أَخْذِ الأَجْرِ عَلَى الضَّمَانِ، وَهَذَا مُحَرَّمٌ بِالإِجْمَاعِ.
المَنْعُ مِنْ أَخْذِ الجَعْلِ عَلَى الضَّمَانِ هُوَ مَذْهَبُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، وَبِهِ قَالَ مَجْمَعُ الفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ التَّابِعُ لِمُنَظَّمَةِ التَّعَاوُنِ الإِسْلاَمِيِّ، وَبِهِ أَفْتَتِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ لِلْبُحُوثِ العِلْمِيَّةِ وَالإِفْتَاءِ، وَقَالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَؤُولُ إِلَى قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا.
السُّفْتَجَةُ عُقِدَتْ مِنْ أَجْلِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ المَالِ، لاَ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ المُقْرِضُ فِيهَا عِوَضًا نَقْدِيًّا زَائِدًا عَلَى القَرْضِ، وَالمَنَفَعَةُ تَابِعَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، فَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُ هَذِهِ الشَّرِكَاتِ عَلَيْهَا؛ لأَنَّ الرِّبْحَ فِيهَا مَقْصُودٌ أَصَالَةً.
حِفْظُ المَالِ مِنَ الضَّرُورَاتِ الخَمْسِ الَّتِي جَاءَ الشَّرْعُ بِالمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، فَارْتِكَابُ السُّفْتَجَةِ مِنْ بَابِ دَفْعِ أَكْبَرِ الضَّرَرَيْنِ بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا.

الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ فِي المُعْتَمَدِ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ عَلَى تَحْرِيمِ السُّفْتَجَةِ.
أَجَازَهَا الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالإِمَامُ مَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا، بِشَرِطِ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَجْهِ المَعْرُوفِ، وَلَيْسَ المُعَاوَضَةَ، وَأَجَازَهَا بَعْضُ المَالِكِيَّةِ لِلضَّرُورَةِ، فَبَطَلَ القِيَاسُ.
📌 اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ المُعَاصِرُونَ فِي حُكْمِ الشِّرَاءِ عَنْ طَرِيقِ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ وَالمَسْأَلَةُ حَتَّى الآنَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأَوَّلُ: يَذْهَبُ إِلَى جَوَازِ «اشْتَرِ الآنَ وَادْفَعْ لاَحِقًا»، وَمِمَّنْ قَالَ بِالجَوَازِ اللِّجَانُ الشَّرْعِيَّةُ لِلشَّرِكَاتِ العَامِلَةِ [8]، وَالهَيْئَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِشَرِكَةِ الرَّاجِحِي المَصْرَفِيَّةِ، لَهُمْ مُنْتَجٌ اسْمُهُ تساهيل [9]، وَدَارُ المُرَاجَعَةِ الشَّرْعِيَّةِ (Shariyah Review Bureau) [10]، وَجَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ، مِنْهُمْ: الشيخ د. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المطلق، عُضْوُ هَيْئَةِ كِبَارِ العُلَمَاءِ [11]، وَالدُّكْتُورُ يَزِيدُ بْنُ سَعْدٍ الفَيَّاضُ، عُضْوُ هَيْئَةِ التَّدْرِيسِ بِقِسْمِ الفِقْهِ المُقَارَنِ بِالمَعْهَدِ العَالِي لِلْقَضَاءِ. [12]
القَوْلُ الثَّانِي: المَنْعُ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ البَاحِثِينَ المُعَاصِرِينَ، وَمِنْهُمُ الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَنٍ السَّعِيدِيُّ، عُضْوُ هَيْئَةِ التَّدْرِيسِ فِي جَامِعَةِ المَلِكِ سَعُودٍ [13]، وَالأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ أَحْمَدُ الخَلِيلِ، عُضْوُ هَيْئَةِ التَّدْرِيسِ فِي جَامِعَةِ القَصِيمِ [14]، وَالدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ هُلَيْلٍ العُصَيْمِيُّ، عُضْوُ هَيْئَةِ التَّدْرِيسِ بِجَامِعَةِ أُمِّ القُرَى [15]، وَيَتَّجِهُ نِسْبَةُ القَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ لِلدُّكْتُورِ سَامِي بْنِ إِبْرَاهِيمَ السُّوَيْلِمِ، وَالدُّكْتُورِ طَلاَلِ بْنِ سُعُودٍ الدَّوْسَرِيِّ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِ قَوْلِهِمَا بِالمَنْعِ فِي المَسْأَلَةِ الأَصْلِيَّةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ المَسْأَلَةُ حَيْثُ حَرَّمَا عُمُولَةَ التَّاجِرِ فِي بِطَاقَاتِ الاِئْتِمَانِ، وَهُوَ مَا رَجَّحْتُهُ فِي كِتَابِي «المُعَامَلاَتُ المَالِيَّةُ أَصَالَةً وَمُعَاصَرَةً [16] .

📌 أَدِلَّةُ القَائِلِينَ بِالجَوَازِ فِي الجُمْلَةِ:

الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: الأَصْلُ فِي العُقُودِ الإِبَاحَةُ، وَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ جَدِيدَةٌ وَلاَ دَلِيلَ فِيهَا عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَيُجَابُ: هَذَا الأَصْلُ مُعَارَضٌ بِأَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الأَصْلَ فِي القَرْضِ أَنَّهُ لَمْ يُعْقَدْ لِلتَّرَبُّحِ؛ فَالقَرْضُ فِي الإِسْلاَمِ أُبِيحَ عَلَى خِلاَفِ الأَصْلِ؛ لأَنَّ مُبَادَلَةَ الرِّبَوِيِّ بِمِثْلِهِ يَجِبُ فِيهَا التَّقَابُضُ، وَقَدْ جَازَ فِي القَرْضِ ارْتِكَابُ رِبَا النَّسِيئَةِ لأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَابِ المُعَاوَضَاتِ، فَإِذَا قُصِدَ بِالقَرْضِ التَّرَبُّحُ فَقَدْ خَرَجَ القَرْضُ إِلَى المُعَاوَضَةِ وَالتَّكَسُّبِ فَرَجَعَ إِلَى التَّحْرِيمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ لآخَرَ: أَقْرِضْنِي مِئَةَ رِيَالٍ، وَأَقْضِيكَ مِثْلَهَا إِلَى شَهْرٍ، أَوْ لَمْ يُحَدِّدْ وَقْتًا كَانَ إِقْرَاضُهُ جَائِزًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَبًّا.
وَلَوْ قَالَ: بِعْنِي هَذِهِ المِئَةَ بِمِئَةٍ مِثْلِهَا إِلَى شَهْرٍ، أَوْ لَمْ يُسَمِّ أَجَلًا، فَإِنَّهُ رِبًا وَمُحَرَّمٌ، وَالعَمَلُ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا اخْتِلاَفُ العَقْدِ.
وَالفَرْقُ: أَنَّ التَّكَسُّبَ فِي القَرْضِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ التَّكَسُّبَ مِنَ القَرْضِ جَائِزٌ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
الدَّلِيلُ الثَّانِي لِلْمُجِيزِينَ: أَنَّ المُحَرَّمَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ جَاءَتْ مِنَ المَقْتَرِضِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِغْلاَلِ حَاجَتِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فَائِدَةُ القَرْضِ مِنْ غَيْرِ المَقْتَرِضِ فَلاَ تَحْرُمُ، وَلَوْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً. قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: «وَكُلُّ زِيَادَةٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مَنَفَعَةٍ يَشْتَرِطُهَا المُسْلِفُ عَلَى المُسْتَسْلِفِ فَهِيَ رِبًا لاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ» [17] .
وَيُجَابُ عَلَى ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ جَوَابٍ:
الجَوَابُ الأَوَّلُ: أَنَّ اللَّجْنَةَ الشَّرْعِيَّةَ المُجِيزَةَ لِشَرِكَةِ تَمَارَا نَصَّتْ فِي قَرَارِهَا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى القَرْضِ مَمْنُوعَةٌ، وَلاَ يُبِيحُهَا كَوْنُ بَاذِلِهَا غَيْرَ المَقْتَرِضِ، فَأَلْقَتْ عَنَّا مُؤْنَةَ إِثْبَاتِ تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ المَقْتَرِضِ، وَانْحَصَرَ الخِلاَفُ مَعَهَا فِي تَحْقِيقِ المَنَاطِ، هَلْ عُمُولَةُ التَّاجِرِ مِنْهَا أَمْ لاَ؟
الجَوَابُ الثَّانِي: صَرَّحَ العُمْرَانِيُّ فِي رِسَالَةٍ لَهُ سَمَّاهَا «المَنَفَعَةُ عَلَى القَرْضِ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ» أَنَّهُ لاَ يُوجَدُ عَنِ الفُقَهَاءِ المُتَقَدِّمِينَ مَنْ نَصَّ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَدْفَعَ طَرَفٌ ثَالِثٌ مَنَفَعَةَ القَرْضِ لِلْمُقْرِضِ، وَغِيَابُ مِثْلِ هَذَا قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُخْرِجُوهُ عَنْ حُكْمِ أَصْلِ المَنَفَعَةِ لِلْمُقْرِضِ، فَالقَرْضُ فِي الإِسْلاَمِ لَيْسَ مِنْ عُقُودِ التَّكَسُّبِ كَالْمُعَاوَضَاتِ؛ فَتَحْرِيمُ طَلَبِ التَّكَسُّبِ مِنَ القَرْضِ هُوَ الأَصْلُ، وَعُمُومُهُ يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ مُسْتَثْنَاةً مِنَ التَّحْرِيمِ لَنَصَّ عَلَيْهَا الفُقَهَاءُ؛ إِذِ الأَصْلُ فِي القَرْضِ تَحْرِيمُ التَّرَبُّحِ مِنْهُ، فَكَوْنُ الفُقَهَاءِ المُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَسْتَثْنُوهَا مِنَ التَّحْرِيمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي تَحْرِيمِ القَرْضِ إِذَا جَرَّ نَفْعًا.
فَدَعْوَى أَنَّ أَحَدًا مِنَ الفُقَهَاءِ المُتَقَدِّمِينَ لاَ يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ المَنَفَعَةُ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ دَعْوَى تَفْتَقِرُ إِلَى تَوْثِيقٍ. وَيَبْقَى الخِلاَفُ مَحْصُورًا فِي المُعَاصِرِينَ، وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى الجَوَازِ، وَإِذَا انْفَرَدَ بَعْضُ المُعَاصِرِينَ بِالْقَوْلِ بِالجَوَازِ فَلاَ عِبْرَةَ بِقَوْلِهِ، وَيُقَالُ لَهُ: «هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ».
الجَوَابُ الثَّالِثُ: كَلاَمُ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ؛ إِذِ الغَالِبُ أَنْ يَكُونَ النَّفْعُ مِنَ المَقْتَرِضِ، وَالوَصْفُ الغَالِبُ لاَ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ، وَالعِبْرَةُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ لاَ بِصُورَتِهِ الغَالِبَةِ؛ وَلَيْسَ فِي كَلاَمِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ المَنَفَعَةِ إِذَا كَانَتْ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ، فَهَلْ فَهِمَ أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ المُتَقَدِّمِينَ أَنَّ المَنَفَعَةَ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ تَجُوزُ، وَلَوْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً، فَمَنْ سَبَقَ إِلَى هَذَا الفَهْمِ؟
الجَوَابُ الرَّابِعُ: مَأْخَذُ التَّحْرِيمِ هُوَ إِخْرَاجُ القَرْضِ عَنْ بَابِهِ إِلَى المُعَاوَضَةِ، وَلَمْ يُعْقَدِ القَرْضُ لِهَذَا. فَالَتَّكَسُّبُ مِنَ القَرْضِ مَمْنُوعٌ، وَهَذِهِ العِلَّةُ مُتَحَقِّقَةٌ سَوَاءٌ أَجَاءَتِ الزِّيَادَةُ مِنَ المَقْتَرِضِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ؛ إِذِ المُقْرِضُ فِي الحَالَيْنِ لَمْ يُقْرِضْ إِلاَّ لِلتَّكَسُّبِ، وَسَوْفَ أَزِيدُ هَذِهِ النُّقْطَةَ تَوْضِيحًا فِي الأَدِلَّةِ الآتِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الجَوَابُ الخَامِسُ: لاَ نُسَلِّمُ أَنَّ الفَائِدَةَ جَاءَتْ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ فَقَطْ، بَلْ جَاءَ النَّفْعُ أَيْضًا مِنْهُ وَمِنَ المَقْتَرِضِ.
وَجْهُ انْتِفَاعِ المُقْرِضِ مِنَ المَقْتَرِضِ: أَنَّ المُقْرِضَ يَشْتَرِطُ عَلَى المَقْتَرِضِ عَقْدًا يَتَكَسَّبُ بِهِ مِنْ قَرْضِهِ، لَوْلاَهُ لَمَا مُنِحَ القَرْضُ، وَلَمَا تَكَسَّبَ مِنْهُ، وَهَذَا رِبًا. وَإِذَا كُنْتُمْ تَعُدُّونَ أَنَّ بَيْعَ التَّاجِرِ عَلَى المَقْتَرِضِ نَفْعٌ اسْتَفَادَهُ التَّاجِرُ مِنْ قِبَلِ الشَّرِكَةِ فَاسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ العُمُولَةَ، مَعَ أَنَّهُ نَفْعٌ بِالتَّسَبُّبِ فَالْعَمِيلُ جَاءَ إِلَى التَّاجِرِ مِنْ نَفْسِهِ، وَالتَّاجِرُ هُوَ مَنِ اتَّصَلَ بِالشَّرِكَةِ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ رَغْبَةَ العَمِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالآجِلِ، فَكَيْفَ لاَ تَعُدُّونَ عَقْدَ المَقْتَرِضِ مِنَ التَّاجِرِ، وَالمَشْرُوطَ مِنَ المُقْرِضِ نَفْعًا اسْتَفَادَهُ المُقْرِضُ مِنَ المَقْتَرِضِ، أَلَيْسَ هَذَا تَفْرِيقًا بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ؟
الجَوَابُ السَّادِسُ: وَجَدْتُ نُصُوصًا تُحَرِّمُ المَنَفَعَةَ مِنَ القَرْضِ، وَلاَ تُقَيِّدُ ذَلِكَ بِالمَقْتَرِضِ.
قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: «وَشَرْطُهُ -أَيْ القَرْضِ- أَلاَّ يَجُرَّ مَنَفَعَةً لِلْمُقْرِضِ [18].
وَقَالَ مِثْلَهُ القَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ نَقْلًا مِنَ الجَوَاهِرِ [19]. فَالْمَالِكِيَّةُ لَمْ يَقُولُوا: أَلاَّ يَجُرَّ مَنَفَعَةً مِنَ المَقْتَرِضِ.
وَقَالَ القَرَافِيُّ: «القَاعِدَةُ يُشْتَرَطُ تَمَحُّضُ المَنَفَعَةِ لِلآخِذِ [20] . يَعْنِي: المَقْتَرِضَ. فَتَأَمَّلُوا لَفْظَ «تَمَحُّض» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الخُلُوصَ التَّامَّ.
وَقَالَ الحَطَّابُ: «السَّلَفُ إِذَا جَرَّ مَنَفَعَةً لِغَيْرِ المَقْتَرِضِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ، سَوَاءٌ جَرَّ نَفْعًا لِلْمُقْرِضِ أَوْ غَيْرِهِ [21]. فَلَمْ يَشْتَرِطْ لِلْتَّحْرِيمِ أَنْ تَكُونَ المَنَفَعَةُ مِنَ المَقْتَرِضِ، وَلاَ أَنْ تَكُونَ لِلْمُقْرِضِ.
وَقَالَ الزَّرْقَانِيُّ: «وَمَفْهُومُهُ المَنْعُ إِنْ قَصَدَ المُقْرِضُ نَفْعَ نَفْسِهِ مَعَ نَفْعِ المَقْتَرِضِ… أَوْ نَفْعَ المُقْرِضِ فَقَطْ، أَوْ نَفْعَ أَجْنَبِيٍّ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ نَاجِي وَشَيْخُهُ [22]. فَانْظُرْ كَيْفَ عَلَّقَ التَّحْرِيمَ عَلَى القَصْدِ، وَلَوْ قَصَدَ المُقْرِضُ نَفْعَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ مَيَّارَةُ فِي حَدِّ القَرْضِ: «وَقَوْلُهُ: تَفَضُُّلًا… أَيْ دُفِعَ لِأَجْلِ تَفَضُُّلِ المُقْرِضِ عَلَى المَقْتَرِضِ، وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا قُصِدَ بِدَفْعِهِ نَفْعُهُمَا مَعًا أَوْ نَفْعُ المُقْرِضِ أَوْ نَفْعُ أَجْنَبِيٍّ، وَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ إِذَا قُصِدَ نَفْعُ المَقْتَرِضِ فَقَطْ [23]. فَانْظُرِ الحَصْرَ فِي قَوْلِهِ: (وَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ إِذَا قُصِدَ نَفْعُ المَقْتَرِضِ فَقَطْ)، فَهَلْ هَذِهِ الشَّرِكَاتُ تَقْصِدُ نَفْعَ المَقْتَرِضِ فَقَطْ؟
فَالضَّابِطُ فِي تَحْرِيمِ المَنَفَعَةِ وَإِبَاحَتِهَا مَنْ تَعُودُ عَلَيْهِ المَنَفَعَةُ لاَ عَلَى مَنْ بَذَلَهَا، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى المُقْرِضِ بِالشَّرْطِ كَانَتْ حَرَامًا مُطْلَقًا، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ تَبَرُُّعًا قَبْلَ السَّدَادِ.
وَإِنْ عَادَتِ المَنَفَعَةُ إِلَى المَقْتَرِضِ وَحْدَهُ أُبِيحَتْ مُطْلَقًا.
وَإِنْ عَادَتِ المَنَفَعَةُ لَهُمَا كَالْسُّفْتَجَةِ، فَفِيهَا خِلاَفٌ، سَوْفَ يَأْتِي الكَلاَمُ عَلَى السُّفْتَجَةِ فِي دَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، عِلْمًا أَنَّ النَّفْعَ فِي مُعَامَلَةِ: «اشْتَرِ الآنَ وَادْفَعْ لاَحِقًا» النَّفْعُ فِيهَا مُتَمَحِّضٌ لِلْمُقْرِضِ فَقَطْ، وَلاَ يُقَابِلُهَا أَيُّ مَنَفَعَةٍ لِلْمَقْتَرِضِ سِوَى مَنَفَعَةِ القَرْضِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي دَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ.
الجَوَابُ السَّابِعُ: وَقَفْتُ عَلَى صُورَةٍ حَرَّمَهَا المَالِكِيَّةُ، وَقَدْ جَرَّتْ مَنَفَعَةً لِلْمُقْرِضِ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ، وَكَانَ المَقْصُودُ فِي النَّفْعِ المَقْتَرِضَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الجَدُّ: «وَمِنْ كِتَابِ أَوَّلِهِ الشَّرِيكَيْنِ سَأَلْتُ مَالِكًا: عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مِنْ سَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ إِلَى أَجَلٍ، فَحَلَّ الأَجَلُ، فَيَلْزَمُهُ بِحَقِّهِ فَيَعْسُرُ بِهِ، فَيَعْرِضُ لَهُ رَجُلٌ آخَرُ عَلَى الَّذِي لَهُ الحَقُّ أَنْ يُنْظِرَهُ عَلَى أَنْ يُسْلِفَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ؛ قَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الَّذِي يُعْطَى يَكُونُ لَهُ عَلَى الَّذِي لَهُ الحَقُّ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَضَى عَنِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَلَفًا مِنْهُ لَيْسَ لَهُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءً عَنِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَلَفًا مِنْهُ لَهُ؛ لأَنَّهُ تَسَلَّفَ الَّذِي لَهُ الحَقُّ لِغَرَضٍ لَهُ فِي مَنَفَعَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ، فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، إِذْ لاَ يَحِلُّ السَّلَفُ إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ المُسْلِفُ مَنَفَعَةَ الَّذِي أَسْلَفَهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَلاَ لِنَفْسِهِ وَلاَ لِمَنَفَعَةِ مَنْ سِوَاهُ».
أَوَّلًا: صُورَةُ المَسْأَلَةِ: ثَلاَثَةُ أَطْرَافٍ لاَ اثْنَانِ:

ــ الدَّائِنُ (أ) لَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ عَلَى (ب)، «مِنْ سَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ إِلَى أَجَلٍ».

ــ المَدِينُ (ب) حَلَّ عَلَيْهِ الأَجَلُ فَعَسُرَ عَلَيْهِ الوَفَاءُ.

ــ الأَجْنَبِيُّ (ج) يَعْرِضُ عَلَى (أ): أَنْظِرْ (ب)، وَأَنَا أُسْلِفُكَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ.
فَالقَرْضُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ لاَ زِيَادَةَ فِي الدَّيْنِ أَصْلًا، وَلاَ فَائِدَةَ مُعْلَنَةَ البَتَّةَ. العِوَضُ المَبْذُولُ: قَرْضٌ حَسَنٌ يُرَدُّ بِمِثْلِهِ، وَالمَدِينُ هُوَ المُنْتَفِعُ وَلَمْ يَغْرَمِ المَدِينُ شَيْئًا. وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: «لاَ خَيْرَ فِيهِ».
ثَانِيًا: المَمْنُوعُ مِنْهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالجَائِزُ:

المَمْنُوعُ: قَرْضٌ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لِلْدَّائِنِ مُقَابِلَ إِمْهَالٍ لِلْمَدِينِ، فَالْمَدِينُ لَمْ يَدْفَعْ شَيْئًا، لَكِنَّ الإِمْهَالَ جَرَّ نَفْعًا لِلْدَّائِنِ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ غَيْرِ المَدِينِ، وَهَذَا النَّفْعُ لَيْسَ تَمَلُُّكًا، وَإِنَّمَا هُوَ قَرْضٌ بِقَدْرِ دَيْنِهِ وَيَرُدُُّهُ.

وَالجَائِزُ: أَنْ يَدْفَعَ الطَّرَفُ الثَّالِثُ إِلَى الدَّائِنِ قَضَاءً لِدَيْنِ المَدِينِ، فَالدَّائِنُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَ(ج) أَقْرَضَ المَدِينَ قَرْضًا حَسَنًا لِيُسَدِّدَ دَيْنَهُ.
عِلَّةُ المَنْعِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهَا: لأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا؛ إِذْ لاَ يَحِلُّ السَّلَفُ إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ المُسْلِفُ مَنَفَعَةَ الَّذِي أَسْلَفَهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَلاَ لِنَفْسِهِ وَلاَ لِمَنَفَعَةِ مَنْ سِوَاهُ.
فَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: (لاَ لِنَفْسِهِ)، فَالنَّفْعُ العَائِدُ عَلَى المُقْرِضِ لاَ يَجُوزُ، وَهَذَا هُوَ الغَالِبُ. (وَلاَ لِمَنَفَعَةِ مَنْ سِوَاهُ) وَهَذِهِ زِيَادَةٌ نَفِيسَةٌ لاَ تَكَادُ تُوجَدُ بِهَذَا الوُضُوحِ عِنْدَ غَيْرِ المَالِكِيَّةِ. فَشَمِلَ كُلَّ نَفْعٍ مَقْصُودٍ بِالقَرْضِ وَلَوْ عَادَ عَلَى ثَالِثٍ. وَهَذَا القَيْدُ بِالذَّاتِ هُوَ الَّذِي يَسُدُّ أَبْوَابَ الحِيَلِ.
عَلَّقَ عَلَى ذَلِكَ الحَطَّابُ: «فَكُلُّ شَرْطٍ أَدَّى إِلَى مَنَفَعَةِ غَيْرِ المُتَسَلِّفِ (المَقْتَرِضِ) فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بِهِ القَرْضُ». فَقَوْلُهُ: (كُلُّ) مِنْ أَلْفَاظِ العُمُومِ، بَلْ هِيَ أُمُّ البَابِ فِي العُمُومِ.
وَالصُّورَةُ المَمْنُوعَةُ عِنْدَ الإِمَامِ مَالِكٍ أَخَفُّ مِنْ صُورَةِ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ مِنْ جِهَةِ المَنَفَعَةِ العَائِدَةِ إِلَى المُقْرِضِ؛ فَإِنَّ المُسْلِفَ فِي مَسْأَلَةِ الإِمَامِ مَالِكٍ لَمْ يَأْخُذْ عِوَضًا مَالِيًّا أَصْلًا، وَإِنَّمَا أَقْرَضَ لِغَرَضٍ لَهُ فِي حُصُولِ مَنَفَعَةٍ لِغَيْرِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ مَنَعَ مَالِكٌ الصُّورَةَ، وَعَلَّلَ ابْنُ رُشْدٍ مَنْعَهَا بِأَنَّ القَرْضَ لَمْ يَتَمَحَّضْ لِمَنَفَعَةِ المَقْتَرِضِ، بَلْ قُصِدَ بِهِ نَفْعُ غَيْرِهِ. فَإِذَا مُنِعَ القَرْضُ لِمُجَرَّدِ اشْتِمَالِهِ عَلَى غَرَضٍ لِلْمُقْرِضِ فِي نَفْعِ أَجْنَبِيٍّ، فَمَنْعُ مَا يَعُودُ فِيهِ إِلَى المُقْرِضِ نَفْسِهِ أَوْلَى؛ لِتَحَقُُّقِ عِلَّةِ المَنْعِ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ أَقْوَى، وَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الأَوْلَى.
وَلاَ يَدْفَعُ ذَلِكَ كَوْنُ العِوَضِ صَادِرًا مِنَ التَّاجِرِ لاَ مِنَ المَقْتَرِضِ؛ لأَنَّ مَسْأَلَةَ الإِمَامِ مَالِكٍ نَفْسَهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَنَفَعَةَ المَشْرُوطَةَ فِي القَرْضِ لاَ يَلْزَمُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا المَقْتَرِضُ، وَلاَ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى المُقْرِضِ مُبَاشَرَةً، بَلِ المُعْتَبَرُ ارْتِبَاطُ القَرْضِ بِالْمَنَفَعَةِ وَكَوْنُهَا مَقْصُودَةً بِهِ. وَفِي شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ لاَ تَمْنَحُ الشَّرِكَةُ التَّمْوِيلَ لِلْعَمِيلِ قَرْضًا مُجَرَّدًا، وَإِنَّمَا تَمْنَحُهُ لإِتْمَامِ شِرَاءٍ مِنْ تَاجِرٍ مُرْتَبِطٍ بِهَا، وَالبَاعِثُ عَلَى القَرْضِ طَلَبُ مَنَفَعَةٍ مَالِيَّةٍ مِنَ التَّاجِرِ زِيَادَةً عَلَى قَرْضِهِ؛ فَالقَرْضُ مَشْرُوطٌ فِيهِ عَقْدٌ عَلَى المَقْتَرِضِ يَدُرُّ عَلَيْهِ نَفْعًا.
وَعَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا العِوَضُ فِي حَقِيقَتِهِ عَائِدًا عَلَى التَّمْوِيلِ لاَ أُجْرَةً مُسْتَقِلَّةً مُقَابِلَةً لِخِدْمَةٍ أُخْرَى مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا، كَانَ القَرْضُ قَدْ جَرَّ مَنَفَعَةً لِلْمُقْرِضِ، فَيَدْخُلُ فِي المَنْعِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
📌 التَّشَابُهُ بَيْنَ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَشَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ:
ــ (ج) يَبْذُلُ سَلَفًا، وَشَرِكَاتُ الدَّفْعِ الآَجِلِ: تُسَدِّدُ الثَّمَنَ عَنِ العَمِيلِ عَنْ طَرِيقِ القَرْضِ.

ــ غَرَضُ (ج) مَنَفَعَةُ طَرَفٍ ثَالِثٍ غَيْرِ المُقْرِضِ (أ)، وَغَرَضُ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ تَحْصِيلُ عُمُولَةِ التَّاجِرِ (نَفْعٌ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ).

ــ العِوَضُ الَّذِي يَأْخُذُهُ (ج): إِمْهَالُ المَدِينِ، وَالعِوَضُ المُقَابِلُ: الأَجَلُ المَمْنُوحُ لِلْعَمِيلِ.
تَبْرِيرُ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ: النَّفْعُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنَ المَقْتَرِضِ، وَإِنَّمَا مِنَ التَّاجِرِ، وَالمَمْنُوعُ إِنَّمَا هُوَ النَّفْعُ المَشْرُوطُ مِنَ المَقْتَرِضِ.
وَابْنُ رُشْدٍ قَطَعَ هَذَا الدَّفْعَ مِنْ ثَلاَثَةِ وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأَوَّلُ: أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ جَعَلَ المَنَاطَ مُطْلَقَ الغَرَضِ المَقْصُودِ مِنَ السَّلَفِ، لاَ كَوْنَ النَّفْعِ مَأْخُوذًا مِنَ المَقْتَرِضِ.

الوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ حَصَرَ الجَوَازَ فِي قَصْدِ مَنَفَعَةِ المَقْتَرِضِ خَاصَّةً، فَأَيُّ قَرْضٍ بُذِلَ لِبَاعِثٍ تِجَارِيٍّ خَرَجَ عَنِ الإِذْنِ الشَّرْعِيِّ. وَشَرِكَاتُ الدَّفْعِ الآَجِلِ لاَ تُقْرِضُ العَمِيلَ تَبَرُُّعًا، بَلِ البَاعِثُ التِّجَارِيُّ مُعْلَنٌ فِي نَمُوذَجِ عَمَلِهَا ذَاتِهِ.

الوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ نَفَى الطَّرَفَ الثَّالِثَ بِالنَّصِّ: «وَلاَ لِمَنَفَعَةِ مَنْ سِوَاهُ» ـ فَسَدَّ البَابَ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ هَذِهِ الصِّيَغُ كُلُُّهَا.
وَلْنَنْقُلْ هَذِهِ المَسْأَلَةَ مِنْ كِتَابِ القَرَافِيِّ فَفِيهِ نُكْتَةٌ مُهِمَّةٌ:

قَالَ القَرَافِيُّ: «كَرِهَ مَالِكٌ تَأْخِيرَ الغَرِيمِ بِشَرِطِ أَنْ يُسْلِفَكَ أَجْنَبِيٌّ… فَإِنْ كُنْتَ طَلَبْتَهُ لِحَاجَتِكَ لِلدَّيْنِ فَهُوَ خَفِيفٌ؛ لأَنَّ المَنَفَعَةَ لِلْغَرِيمِ، وَإِنْ أَسْلَفَكَ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي لَكَ امْتَنَعَ».
فَمَا مَعْنَى: «فَإِنْ كُنْتَ طَلَبْتَهُ لِحَاجَتِكَ لِلدَّيْنِ فَهُوَ خَفِيفٌ؛ لأَنَّ المَنَفَعَةَ لِلْغَرِيمِ»؟

هَذِهِ أَدَقُّ جُمْلَةٍ فِي النَّصِّ، وَمَعْنَاهَا: إِنْ كُنْتَ طَلَبْتَ المَدِينَ بِدَيْنِكَ لاَ أَنَّكَ طَلَبْتَ القَرْضَ مِنَ الأَجْنَبِيِّ، كَمَا لَوْ قُلْتَ: أَنَا مُحْتَاجٌ إِلَى مَالِي الآنَ، وَلِذَلِكَ أُطَالِبُكَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ، فَتَدَخَّلَ طَرَفٌ ثَالِثٌ لِمَصْلَحَتِهِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَسْتَوْفِيَ العَشَرَةَ الآَفِ أُقْرِضُكَ أَنَا عَشَرَةَ الآَفٍ، وَأُمْهِلُ المَدِينَ.
فَهُنَا يَقُولُ القَرَافِيُّ: فَهُوَ خَفِيفٌ؛ لأَنَّ المَنَفَعَةَ لِلْغَرِيمِ. لِمَاذَا؟

لأَنَّ الدَّائِنَ (أ) لَمْ يَطْلُبْ مَنَفَعَةً زَائِدَةً؛ فَهُوَ أَصْلًا مُسْتَحِقٌّ لِعَشَرَةِ آلاَفٍ نَقْدًا الآنَ، وَحَاجَتُهُ هِيَ إِلَى هَذِهِ العَشَرَةِ. فَلَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ سَيَحْصُلُ عَلَيْهِ لَوْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ؛ وَإِنَّمَا الَّذِي انْتَفَعَ حَقِيقَةً هُوَ المَدِينُ، إِذْ بَقِيَتِ العَشَرَةُ آلاَفٍ فِي ذِمَّتِهِ وَأُُْمِهِلَ فِي أَدَائِهَا.

فَكَأَنَّ (ج) سَدَّ حَاجَةَ الدَّائِنِ مُؤَقَّتًا حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يُنْظِرَ المَدِينَ.

وَلِهَذَا وَصَفَهَا بِأَنَّهَا (خَفِيفَةٌ)، وَلَمْ يَقُلْ صَرَاحَةً: «لاَ بَأْسَ بِهَا». وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ المُرَادَ: خَفِيفَةٌ فِي جِهَةِ الكَرَاهَةِ وَالتُُّهْمَةِ؛ لأَنَّ المَنَفَعَةَ المَالِيَّةَ الأَسَاسِيَّةَ رَاجِعَةٌ إِلَى الغَرِيمِ، لاَ إِلَى الدَّائِنِ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَسْلَفَكَ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي لَكَ امْتَنَعَ)

هُنَا يَتَغَيَّرُ الحُكْمُ بِوُضُوحٍ. فَلَوْ كَانَ لِـ (أ) عَلَى (ب) عَشَرَةُ الآَفِ رِيَالٍ، فَقَالَ (ج): أَمْهِلْ (ب)، وَأَنَا أُقْرِضُكَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا.

فَهُنَا حَصَلَ الدَّائِنُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِسَبَبِ التَّأْجِيلِ؛ إِذْ حَقُُّهُ الحَالُّ عَشَرَةُ آلاَفٍ فَقَطْ، لَكِنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ إِنْظَارِهِ لِلْمَدِينِ عَلَى قَرْضٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا.

فَالخَمْسَةُ الآَفِ الزَّائِدَةُ مَنَفَعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلْدَّائِنِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى تَأْجِيلِ الغَرِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: (امْتَنَعَ).
وَهَذَا يَكْشِفُ لَنَا مُرَادَ القَرَافِيِّ مِنَ التَّفْرِيقِ:

إِذَا أَقْرَضَهُ الأَجْنَبِيُّ قَدْرَ الدَّيْنِ فَقَطْ، وَالدَّائِنُ إِنَّمَا طَالَبَ بِدَيْنِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ: فَالْتُُّهْمَةُ أَخَفُّ.

أَمَّا إِذَا أَقْرَضَهُ الأَجْنَبِيُّ أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ الدَّيْنِ: ظَهَرَتْ مَنَفَعَةُ الدَّائِنِ ظُهُورًا قَوِيًّا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أُؤَخِّرُكَ مُقَابِلَ أَنْ أَحْصُلَ بِسَبَبِكَ عَلَى قَرْضٍ أَكْبَرَ؛ وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ.
وَأَحْسَبُ أَنَّ النُُّكْتَةَ المُهِمَّةَ مِنَ النَّصِّ:

وَهِيَ أَنَّ المَنَفَعَةَ المُعْتَبَرَةَ فِي بَابِ القَرْضِ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَدْفَعَهَا المَقْتَرِضُ نَفْسُهُ. فَقَدْ تَكُونُ المَنَفَعَةُ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ، وَمَعَ ذَلِكَ تُؤَثِّرُ فِي الحُكْمِ إِذَا كَانَ القَرْضُ قَدْ دَخَلَ فِي صَفْقَةٍ مُتَرَابِطَةٍ وَمَشْرُوطَةٍ.
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ:

رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي المُصَنَّفِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَسْتَسْلِفُ مِنَ التُُّجَّارِ أَمْوَالًا، ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ إِلَى العُمَّالِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ.

وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي المُصَنَّفِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُعْطِي التُُّجَّارَ المَالَ هَاهُنَا، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ بِأَرْضٍ أُخْرَى، فَذَكَرَ أَوْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِـابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ.

[صَحِيحٌ، وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الثَّوْرِيِّ المُطْلَقَةُ عَلَى رِوَايَةِ وَكِيعٍ المُقَيَّدَةِ].
الجَوَابُ السَّابِعُ: وَقَفْتُ عَلَى صُورَةٍ حَرَّمَهَا المَالِكِيَّةُ، وَقَدْ جَرَّتْ مَنَفَعَةً لِلْمُقْرِضِ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ، وَكَانَ المَقْصُودُ فِي النَّفْعِ المَقْتَرِضَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الجَدُّ: «وَمِنْ كِتَابِ أَوَّلِهِ الشَّرِيكَيْنِ سَأَلْتُ مَالِكًا: عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مِنْ سَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ إِلَى أَجَلٍ، فَحَلَّ الأَجَلُ، فَيَلْزَمُهُ بِحَقِّهِ فَيَعْسُرُ بِهِ، فَيَعْرِضُ لَهُ رَجُلٌ آخَرُ عَلَى الَّذِي لَهُ الحَقُّ أَنْ يُنْظِرَهُ عَلَى أَنْ يُسْلِفَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ؛ قَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الَّذِي يُعْطَى يَكُونُ لَهُ عَلَى الَّذِي لَهُ الحَقُّ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَضَى عَنِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَلَفًا مِنْهُ لَيْسَ لَهُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءً عَنِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَلَفًا مِنْهُ لَهُ؛ لأَنَّهُ تَسَلَّفَ الَّذِي لَهُ الحَقُّ لِغَرَضٍ لَهُ فِي مَنَفَعَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ، فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، إِذْ لاَ يَحِلُّ السَّلَفُ إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ المُسْلِفُ مَنَفَعَةَ الَّذِي أَسْلَفَهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَلاَ لِنَفْسِهِ وَلاَ لِمَنَفَعَةِ مَنْ سِوَاهُ»[24].
أَوَّلًا: صُورَةُ المَسْأَلَةِ: ثَلاَثَةُ أَطْرَافٍ لاَ اثْنَانِ:

ــ الدَّائِنُ (أ) لَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ عَلَى (ب)، «مِنْ سَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ إِلَى أَجَلٍ».

ــ المَدِينُ (ب) حَلَّ عَلَيْهِ الأَجَلُ فَعَسُرَ عَلَيْهِ الوَفَاءُ.

ــ الأَجْنَبِيُّ (ج) يَعْرِضُ عَلَى (أ): أَنْظِرْ (ب)، وَأَنَا أُسْلِفُكَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ.
فَالقَرْضُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ لاَ زِيَادَةَ فِي الدَّيْنِ أَصْلًا، وَلاَ فَائِدَةَ مُعْلَنَةَ البَتَّةَ. العِوَضُ المَبْذُولُ: قَرْضٌ حَسَنٌ يُرَدُّ بِمِثْلِهِ، وَالمَدِينُ هُوَ المُنْتَفِعُ وَلَمْ يَغْرَمِ المَدِينُ شَيْئًا. وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: «لاَ خَيْرَ فِيهِ».
ثَانِيًا: المَمْنُوعُ مِنْهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالجَائِزُ:

المَمْنُوعُ: قَرْضٌ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لِلْدَّائِنِ مُقَابِلَ إِمْهَالٍ لِلْمَدِينِ، فَالْمَدِينُ لَمْ يَدْفَعْ شَيْئًا، لَكِنَّ الإِمْهَالَ جَرَّ نَفْعًا لِلْدَّائِنِ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ غَيْرِ المَدِينِ، وَهَذَا النَّفْعُ لَيْسَ تَمَلُُّكًا، وَإِنَّمَا هُوَ قَرْضٌ بِقَدْرِ دَيْنِهِ وَيَرُدُُّهُ.

وَالجَائِزُ: أَنْ يَدْفَعَ الطَّرَفُ الثَّالِثُ إِلَى الدَّائِنِ قَضَاءً لِدَيْنِ المَدِينِ، فَالدَّائِنُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَ(ج) أَقْرَضَ المَدِينَ قَرْضًا حَسَنًا لِيُسَدِّدَ دَيْنَهُ.
عِلَّةُ المَنْعِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهَا: لأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا؛ إِذْ لاَ يَحِلُّ السَّلَفُ إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ المُسْلِفُ مَنَفَعَةَ الَّذِي أَسْلَفَهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَلاَ لِنَفْسِهِ وَلاَ لِمَنَفَعَةِ مَنْ سِوَاهُ.
فَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: (لاَ لِنَفْسِهِ)، فَالنَّفْعُ العَائِدُ عَلَى المُقْرِضِ لاَ يَجُوزُ، وَهَذَا هُوَ الغَالِبُ. (وَلاَ لِمَنَفَعَةِ مَنْ سِوَاهُ) وَهَذِهِ زِيَادَةٌ نَفِيسَةٌ لاَ تَكَادُ تُوجَدُ بِهَذَا الوُضُوحِ عِنْدَ غَيْرِ المَالِكِيَّةِ. فَشَمِلَ كُلَّ نَفْعٍ مَقْصُودٍ بِالقَرْضِ وَلَوْ عَادَ عَلَى ثَالِثٍ. وَهَذَا القَيْدُ بِالذَّاتِ هُوَ الَّذِي يَسُدُّ أَبْوَابَ الحِيَلِ.
عَلَّقَ عَلَى ذَلِكَ الحَطَّابُ: «فَكُلُّ شَرْطٍ أَدَّى إِلَى مَنَفَعَةِ غَيْرِ المُتَسَلِّفِ (المَقْتَرِضِ) فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بِهِ القَرْضُ»[25]. فَقَوْلُهُ: (كُلُّ) مِنْ أَلْفَاظِ العُمُومِ، بَلْ هِيَ أُمُّ البَابِ فِي العُمُومِ.
وَالصُّورَةُ المَمْنُوعَةُ عِنْدَ الإِمَامِ مَالِكٍ أَخَفُّ مِنْ صُورَةِ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ مِنْ جِهَةِ المَنَفَعَةِ العَائِدَةِ إِلَى المُقْرِضِ؛ فَإِنَّ المُسْلِفَ فِي مَسْأَلَةِ الإِمَامِ مَالِكٍ لَمْ يَأْخُذْ عِوَضًا مَالِيًّا أَصْلًا، وَإِنَّمَا أَقْرَضَ لِغَرَضٍ لَهُ فِي حُصُولِ مَنَفَعَةٍ لِغَيْرِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ مَنَعَ مَالِكٌ الصُّورَةَ، وَعَلَّلَ ابْنُ رُشْدٍ مَنْعَهَا بِأَنَّ القَرْضَ لَمْ يَتَمَّحَضْ لِمَنَفَعَةِ المَقْتَرِضِ، بَلْ قُصِدَ بِهِ نَفْعُ غَيْرِهِ. فَإِذَا مُنِعَ القَرْضُ لِمُجَرَّدِ اشْتِمَالِهِ عَلَى غَرَضٍ لِلْمُقْرِضِ فِي نَفْعِ أَجْنَبِيٍّ، فَمَنْعُ مَا يَعُودُ فِيهِ إِلَى المُقْرِضِ نَفْسِهِ أَوْلَى؛ لِتَحَقُُّقِ عِلَّةِ المَنْعِ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ أَقْوَى، وَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الأَوْلَى.
وَلاَ يَدْفَعُ ذَلِكَ كَوْنُ العِوَضِ صَادِرًا مِنَ التَّاجِرِ لاَ مِنَ المَقْتَرِضِ؛ لأَنَّ مَسْأَلَةَ الإِمَامِ مَالِكٍ نَفْسَهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَنَفَعَةَ المَشْرُوطَةَ فِي القَرْضِ لاَ يَلْزَمُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا المَقْتَرِضُ، وَلاَ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى المُقْرِضِ مُبَاشَرَةً، بَلِ المُعْتَبَرُ ارْتِبَاطُ القَرْضِ بِالْمَنَفَعَةِ وَكَوْنُهَا مَقْصُودَةً بِهِ. وَفِي شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ لاَ تَمْنَحُ الشَّرِكَةُ التَّمْوِيلَ لِلْعَمِيلِ قَرْضًا مُجَرَّدًا، وَإِنَّمَا تَمْنَحُهُ لإِتْمَامِ شِرَاءٍ مِنْ تَاجِرٍ مُرْتَبِطٍ بِهَا، وَالبَاعِثُ عَلَى القَرْضِ طَلَبُ مَنَفَعَةٍ مَالِيَّةٍ مِنَ التَّاجِرِ زِيَادَةً عَلَى قَرْضِهِ؛ فَالقَرْضُ مَشْرُوطٌ فِيهِ عَقْدٌ عَلَى المَقْتَرِضِ يَدُرُّ عَلَيْهِ نَفْعًا.
وَعَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا العِوَضُ فِي حَقِيقَتِهِ عَائِدًا عَلَى التَّمْوِيلِ لاَ أُجْرَةً مُسْتَقِلَّةً مُقَابِلَةً لِخِدْمَةٍ أُخْرَى مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا، كَانَ القَرْضُ قَدْ جَرَّ مَنَفَعَةً لِلْمُقْرِضِ، فَيَدْخُلُ فِي المَنْعِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
📌 التَّشَابُهُ بَيْنَ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَشَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ:
ــ (ج) يَبْذُلُ سَلَفًا، وَشَرِكَاتُ الدَّفْعِ الآَجِلِ: تُسَدِّدُ الثَّمَنَ عَنِ العَمِيلِ عَنْ طَرِيقِ القَرْضِ.

ــ غَرَضُ (ج) مَنَفَعَةُ طَرَفٍ ثَالِثٍ غَيْرِ المُقْرِضِ (أ)، وَغَرَضُ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ تَحْصِيلُ عُمُولَةِ التَّاجِرِ (نَفْعٌ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ).

ــ العِوَضُ الَّذِي يَأْخُذُهُ (ج): إِمْهَالُ المَدِينِ، وَالعِوَضُ المُقَابِلُ: الأَجَلُ المَمْنُوحُ لِلْعَمِيلِ.
تَبْرِيرُ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ: النَّفْعُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنَ المَقْتَرِضِ، وَإِنَّمَا مِنَ التَّاجِرِ، وَالمَمْنُوعُ إِنَّمَا هُوَ النَّفْعُ المَشْرُوطُ مِنَ المَقْتَرِضِ.
وَابْنُ رُشْدٍ قَطَعَ هَذَا الدَّفْعَ مِنْ ثَلاَثَةِ وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأَوَّلُ: أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ جَعَلَ المَنَاطَ مُطْلَقَ الغَرَضِ المَقْصُودِ مِنَ السَّلَفِ، لاَ كَوْنَ النَّفْعِ مَأْخُوذًا مِنَ المَقْتَرِضِ.

الوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ حَصَرَ الجَوَازَ فِي قَصْدِ مَنَفَعَةِ المَقْتَرِضِ خَاصَّةً، فَأَيُّ قَرْضٍ بُذِلَ لِبَاعِثٍ تِجَارِيٍّ خَرَجَ عَنِ الإِذْنِ الشَّرْعِيِّ. وَشَرِكَاتُ الدَّفْعِ الآَجِلِ لاَ تُقْرِضُ العَمِيلَ تَبَرُُّعًا، بَلِ البَاعِثُ التِّجَارِيُّ مُعْلَنٌ فِي نَمُوذَجِ عَمَلِهَا ذَاتِهِ.

الوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ نَفَى الطَّرَفَ الثَّالِثَ بِالنَّصِّ: «وَلاَ لِمَنَفَعَةِ مَنْ سِوَاهُ» ـ فَسَدَّ البَابَ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ هَذِهِ الصِّيَغُ كُلُُّهَا.
وَلْنَنْقُلْ هَذِهِ المَسْأَلَةَ مِنْ كِتَابِ القَرَافِيِّ فَفِيهِ نُكْتَةٌ مُهِمَّةٌ: قَالَ القَرَافِيُّ: «كَرِهَ مَالِكٌ تَأْخِيرَ الغَرِيمِ بِشَرِطِ أَنْ يُسْلِفَكَ أَجْنَبِيٌّ… فَإِنْ كُنْتَ طَلَبْتَهُ لِحَاجَتِكَ لِلدَّيْنِ فَهُوَ خَفِيفٌ؛ لأَنَّ المَنَفَعَةَ لِلْغَرِيمِ، وَإِنْ أَسْلَفَكَ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي لَكَ امْتَنَعَ»[26].
فَمَا مَعْنَى: «فَإِنْ كُنْتَ طَلَبْتَهُ لِحَاجَتِكَ لِلدَّيْنِ فَهُوَ خَفِيفٌ؛ لأَنَّ المَنَفَعَةَ لِلْغَرِيمِ»؟ هَذِهِ أَدَقُّ جُمْلَةٍ فِي النَّصِّ، وَمَعْنَاهَا: إِنْ كُنْتَ طَلَبْتَ المَدِينَ بِدَيْنِكَ لاَ أَنَّكَ طَلَبْتَ القَرْضَ مِنَ الأَجْنَبِيِّ، كَمَا لَوْ قُلْتَ: أَنَا مُحْتَاجٌ إِلَى مَالِي الآنَ، وَلِذَلِكَ أُطَالِبُكَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ، فَتَدَخَّلَ طَرَفٌ ثَالِثٌ لِمَصْلَحَتِهِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَسْتَوْفِيَ العَشَرَةَ الآَفِ أُقْرِضُكَ أَنَا عَشَرَةَ الآَفٍ، وَأُمْهِلُ المَدِينَ.
فَهُنَا يَقُولُ القَرَافِيُّ: فَهُوَ خَفِيفٌ؛ لأَنَّ المَنَفَعَةَ لِلْغَرِيمِ. لِمَاذَا؟ لأَنَّ الدَّائِنَ (أ) لَمْ يَطْلُبْ مَنَفَعَةً زَائِدَةً؛ فَهُوَ أَصْلًا مُسْتَحِقٌّ لِعَشَرَةِ آلاَفٍ نَقْدًا الآنَ، وَحَاجَتُهُ هِيَ إِلَى هَذِهِ العَشَرَةِ. فَلَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ سَيَحْصُلُ عَلَيْهِ لَوْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ؛ وَإِنَّمَا الَّذِي انْتَفَعَ حَقِيقَةً هُوَ المَدِينُ، إِذْ بَقِيَتِ العَشَرَةُ آلاَفٍ فِي ذِمَّتِهِ وَأُُْمِهِلَ فِي أَدَائِهَا. فَكَأَنَّ (ج) سَدَّ حَاجَةَ الدَّائِنِ مُؤَقَّتًا حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يُنْظِرَ المَدِينَ. وَلِهَذَا وَصَفَهَا بِأَنَّهَا (خَفِيفَةٌ)، وَلَمْ يَقُلْ صَرَاحَةً: «لاَ بَأْسَ بِهَا». وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ المُرَادَ: خَفِيفَةٌ فِي جِهَةِ الكَرَاهَةِ وَالتُُّهْمَةِ؛ لأَنَّ المَنَفَعَةَ المَالِيَّةَ الأَسَاسِيَّةَ رَاجِعَةٌ إِلَى الغَرِيمِ، لاَ إِلَى الدَّائِنِ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَسْلَفَكَ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي لَكَ امْتَنَعَ). هُنَا يَتَغَيَّرُ الحُكْمُ بِوُضُوحٍ. فَلَوْ كَانَ لِـ (أ) عَلَى (ب) عَشَرَةُ الآَفِ رِيَالٍ، فَقَالَ (ج): أَمْهِلْ (ب)، وَأَنَا أُقْرِضُكَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا. فَهُنَا حَصَلَ الدَّائِنُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِسَبَبِ التَّأْجِيلِ؛ إِذْ حَقُُّهُ الحَالُّ عَشَرَةُ آلاَفٍ فَقَطْ، لَكِنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ إِنْظَارِهِ لِلْمَدِينِ عَلَى قَرْضٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا. فَالخَمْسَةُ الآَفِ الزَّائِدَةُ مَنَفَعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلْدَّائِنِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى تَأْجِيلِ الغَرِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: (امْتَنَعَ).
وَهَذَا يَكْشِفُ لَنَا مُرَادَ القَرَافِيِّ مِنَ التَّفْرِيقِ: إِذَا أَقْرَضَهُ الأَجْنَبِيُّ قَدْرَ الدَّيْنِ فَقَطْ، وَالدَّائِنُ إِنَّمَا طَالَبَ بِدَيْنِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ: فَالْتُُّهْمَةُ أَخَفُّ. أَمَّا إِذَا أَقْرَضَهُ الأَجْنَبِيُّ أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ الدَّيْنِ: ظَهَرَتْ مَنَفَعَةُ الدَّائِنِ ظُهُورًا قَوِيًّا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أُؤَخِّرُكَ مُقَابِلَ أَنْ أَحْصُلَ بِسَبَبِكَ عَلَى قَرْضٍ أَكْبَرَ؛ وَلِذَلِك امْتَنَعَ.
وَأَحْسَبُ أَنَّ النُُّكْتَةَ المُهِمَّةَ مِنَ النَّصِّ: وَهِيَ أَنَّ المَنَفَعَةَ المُعْتَبَرَةَ فِي بَابِ القَرْضِ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَدْفَعَهَا المَقْتَرِضُ نَفْسُهُ. فَقَدْ تَكُونُ المَنَفَعَةُ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ، وَمَعَ ذَلِكَ تُؤَثِّرُ فِي الحُكْمِ إِذَا كَانَ القَرْضُ قَدْ دَخَلَ فِي صَفْقَةٍ مُتَرَابِطَةٍ وَمَشْرُوطَةٍ.
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ:

رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي المُصَنَّفِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَسْتَسْلِفُ مِنَ التُُّجَّارِ أَمْوَالًا، ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ إِلَى العُمَّالِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: «لاَ بَأْسَ بِهِ»[27].

وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي المُصَنَّفِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُعْطِي التُُّجَّارَ المَالَ هَاهُنَا، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ بِأَرْضٍ أُخْرَى، فَذَكَرَ أَوْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِـابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: «لاَ بَأْسَ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ»[28].

[صَحِيحٌ، وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الثَّوْرِيِّ المُطْلَقَةُ عَلَى رِوَايَةِ وَكِيعٍ المُقَيَّدَةِ][29].
وَرَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءٍ بِهِ، بِلَفْظِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَكْتُبُ بِهَا إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالعِرَاقِ فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ، فَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِمْ، قَالَ: «لاَ بَأْسَ إِذَا أَخَذُوا بِوَزْنِ دَرَاهِمِهِمْ».
وَحَجَّاجٌ ضَعِيفٌ، لَكِنَّهُ قَدْ تُُوبِعَ، وَلَفْظُ حَجَّاجٍ أَنَاطَ الجَوَازَ بِالْمُمَاثَلَةِ فِي القَدْرِ، أَيْ: أَلاَّ يَسْتَفِيدَ المُقْرِضُ زِيَادَةَ عَدَدٍ.
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: أَنَّ النَّفْعَ فِي السُُّفْتَجَةِ لَمْ يَتَمَحَّضْ لِلْمُقْرِضِ وَحْدَهُ، فَإِذَا كَانَ النَّفْعُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ المُقْرِضِ وَالمَقْتَرِضِ صَحَّ النَّفْعُ، قِيَاسًا عَلَى السُُّفْتَجَةِ[30].
وَيَسْتَفِيدُ المُقْرِضُ فِي السُُّفْتَجَةِ حَمْلَ المَالِ وَتَأْمِينَهُ، وَقَدْ جَمَعَ لِلْمُقْرِضِ زِيَادَةً عَيْنِيَّةً وَهِيَ تَوْفِيرُ أُجْرَةِ الحَمْلِ، وَزِيَادَةً مَنَفَعَةً وَهِيَ دَفْعُ خَطَرِ الطَّرِيقِ، وَكِلاَهُمَا مَنَفَعَةٌ مُقَوَّمَةٌ.
وَلَمَّا كَانَ اشْتِرَاطُ الوَفَاءِ فِي غَيْرِ بَلَدِ القَرْضِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُقْرِضِ وَالمَقْتَرِضِ مَعًا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالشَّرْعُ لاَ يَرُدُّ بِتَحْرِيمِ المَصَالِحِ الَّتِي لاَ مَضَرَّةَ فِيهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ بَعْضَ العُلَمَاءِ أَجَازَ بَعْضَ القُرُوضِ الَّتِي فِيهَا مَنَفَعَةٌ لِلْمُقْرِضِ وَعَلَّلَ الجَوَازَ بِأَنَّهَا مَصْلَحَةٌ لَهُمَا.
جَاءَ فِي الكَافِي: «وَلَوْ أَرَادَ تَنْفِيذَ نَفَقَةٍ إِلَى عِيَالِهِ فَأَقْرَضَهَا رَجُلًا لِيُوَفِّيَهَا لَهُمْ، فَلاَ بَأْسَ؛ لأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا، لاَ ضَرَرَ فِيهِ، وَلاَ يَرُدُّ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ …. وَفِي مَعْنَى هَذَا قَرْضُ الرَّجُلِ فَلاَّحَهُ حَبًّا لِيَزْرَعَهُ فِي أَرْضِهِ أَوْ ثَمَنًا يَشْتَرِي بِهِ بَقَرًا وَغَيْرَهَا؛ لأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا»[31].
📌 الجَوَابُ عَنِ الاِسْتِدْلاَلِ بِالسُّفْتَجَةِ:
الجَوَابُ الأَوَّلُ: النَّفْعُ فِي مُعَامَلَةِ: «اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا» مُتَمَحِّضٌ لِلْمُقْرِضِ فَقَطْ، وَلاَ يُقَابِلُهَا أَيُّ مَنَفَعَةٍ لِلْمَقْتَرِضِ سِوَى مَنَفَعَةِ القَرْضِ.
وَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ كَلاَمَ العُلَمَاءِ عَنِ المَنَفَعَةِ المُحَرَّمَةِ فِي القَرْضِ لاَ يُقْصَدُ بِهَا انْتِفَاعُ المَقْتَرِضِ بِالقَرْضِ، وَلاَ انْتِفَاعُ المُقْرِضِ بِضَمَانِ مَالِهِ، فَهَذِهِ مَنَفَعَةٌ أَصْلِيَّةٌ فِي عَقْدِ القَرْضِ لاَ يَنْفَكُّ عَنْهَا.
فَإِذَا أَخْرَجْنَا انْتِفَاعَ المَقْتَرِضِ بِالقَرْضِ، فَمَا هِيَ المَنَفَعَةُ المُشْتَرَكَةُ الَّتِي يُشَارِكُ فِيهَا المَقْتَرِضُ المُقْرِضَ فِي مُعَامَلَةِ «اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا»؟ لاَ شَيْءَ! فَتَبْقَى الزِّيَادَةُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى المُقْرِضِ مِنَ المُعَامَلَةِ مَنَفَعَةً زَائِدَةً عَلَى ضَمَانِ القَرْضِ مُتَمَحِّضَةً لَهُ، لاَ يُقَابِلُهَا أَيُّ مَنَفَعَةٍ لِلْمَقْتَرِضِ سِوَى القَرْضِ.
وَكُلُّ مَنَفَعَةٍ مُتَمَحِّضَةٍ لِلْمُقْرِضِ لاَ يُقَابِلُهَا أَيُّ مَنَفَعَةٍ لِلْمَقْتَرِضِ سِوَى مَنَفَعَةِ القَرْضِ فَهِيَ رِبًا.
الجَوَابُ الثَّانِي: الاِحْتِجَاجُ بِفِعْلِ الصَّحَابِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ شَرْطِهِ أَلاَّ يُخَالِفَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ، فَإِذَا خَالَفَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً بِذَاتِهِ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَجَازَهَا بِلاَ شَرْطٍ، وَأَبْطَلَهَا بِالشَّرْطِ.
الجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ الفَارِقَ المُؤَثِّرَ أَنَّ المُقْرِضَ فِي السُُّفْتَجَةِ لاَ يَسْتَحِقُّ عِوَضًا نَقْدِيًّا زَائِدًا بِسَبَبِ القَرْضِ، بِخِلاَفِ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ فَإِنَّ المُقْرِضَ لَمْ يُقْرِضْ إِلاَّ فِي مُعَامَلَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اسْتِحْقَاقُهُ عِوَضًا مَالِيًّا مِنَ التَّاجِرِ، وَهُوَ البَاعِثُ عَلَى القَرْضِ، وَكُلُّ مَنْ أَقْرَضَ غَيْرَهُ لِيَعُودَ عَلَيْهِ القَرْضُ بِزِيَادَةٍ عَلَى قَرْضِهِ وَلَوْ دِرْهَمًا وَاحِدًا وَقَعَ فِي الرِّبَا.
فَمَنَفَعَةُ السُُّفْتَجَةِ: إِنَّمَا هِيَ دَفْعُ ضَرَرٍ لاَ تَحْصِيلُ رِبْحٍ، وَهِيَ تَابِعَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِالعَقْدِ، بِخِلاَفِ القَرْضِ فِي شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ فَإِنَّ المُعَاوَضَةَ وَالرِّبْحَ هُوَ البَاعِثُ عَلَى العَقْدِ وَمَصْدَرُ دَخْلِ الشَّرِكَةِ كُلِّهِ. وَهَذَا فَارِقٌ مُعْتَبَرٌ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ المُقْرِضَ بِالسُُّفْتَجَةِ يَنْتَفِعُ كَمَا لَوْ كَانَتِ السُُّفْتَجَةُ لِحَمْلِهَا مَؤُونَةً فَهُوَ نَفْعٌ سَلْبِيٌّ إِسْقَاطُ كُلْفَةٍ كَانَ سَيَتَحَمَّلُهَا، وَلاَ يَقْبِضُ المُقْرِضُ عِوَضًا زَائِدًا عَلَى رَأْسِ مَالِهِ، وَلِهَذَا لاَ تُعَدُّ السُُّفْتَجَةُ وَسِيلَةً لِكَسْبِ المَالِ، وَلاَ يُتَصَوَّرُ هَذَا؛ لأَنَّ المُقْرِضَ لاَ يَأْخُذُ دِرْهَمًا وَاحِدًا عَلَى إِقْرَاضِهِ، فَهَلْ تُقَارَنُ السُُّفْتَجَةُ بِمَا تَأْخُذُهُ شَرِكَاتُ الدَّفْعِ الآَجِلِ مِثْلُ تَابِي وَتَمَارَا وَأَخَوَاتِهِمَا وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى التَّكَسُّبِ؟!
خُذْ هَذَا التَّقْرِيرَ لِتَشْعُرَ بِضَعْفِ هَذَا القِيَاسِ وَهَذَا التَّخْرِيجِ:

قِيمَةُ المَبِيعَاتِ لَدَى شَرِكَاتِ تَمْوِيلِ الدَّفْعِ الآَجِلِ فِي 2022م وَالَّذِي صَدَرَ عَنِ البَنْكِ المَرْكَزِيِّ: 8.7 مِلْيَارِ رِيَالٍ، وَهُوَ آخِرُ تَقْرِيرٍ سَنَوِيٍّ لِلتِّقْنِيَةِ المَالِيَّةِ مُتَاحٍ عَلَى مَوْقِعِ «سَامَا».

ثُمَّ تَضَاعَفَ بَعْدُ أَضْعَافًا؛ إِذْ بَلَغَتْ مَحْفَظَةُ شَرِكَةِ تَمَارَا وَحْدَهَا فِي مُنْتَصَفِ 2026م سِتَّةَ مَلاَيِيرَ وَنِصْفًا، وَأَرْبَاحُ تَمَارَا وَحْدَهَا عَامَ 2025م بَلَغَتْ 193 مِلْيُونَ رِيَالٍ، وَهَذِهِ أَرْبَاحٌ حَقِيقِيَّةٌ صَافِيَةٌ مُعْلَنَةٌ، وَكَانَتِ الشَّرِكَةُ خَاسِرَةً إِلَى عَامِ 2024م، ثُمَّ أَخَذَتْ تَتَعَافَى فِي عَامِ 2025م.
وَالسَّبَبُ إِقْبَالُ النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الشَّرِكَاتِ، فَقَدْ صَدَرَ عَنِ البَنْكِ المَرْكَزِيِّ: «عَدَدُ العُمَلاَءِ المُسَجَّلِينَ لَدَى شَرِكَاتِ تَمْوِيلِ الدَّفْعِ الآَجِلِ بَلَغَ 10 مَلاَيِينَ عَمِيلٍ بِنِهَايَةِ العَامِ المَاضِي، مُرْتَفِعًا مِنْ 3 مَلاَيِينَ عَمِيلٍ عَامَ 2021م».

وَيَنْبَغِي التَّنَبُّهُ إِلَى أَنَّ هَذَا عَدَدُ تَسْجِيلاَتٍ لاَ عَدَدُ أَشْخَاصٍ؛ فَالْعَمِيلُ الوَاحِدُ قَدْ يَكُونُ مُسَجَّلًا فِي أَكْثَرِ مِنْ شَرِكَةٍ، فَيُحْسَبُ مَرَّاتٍ، وَلِهَذَا لاَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّ ثُلُثَ سُكَّانِ المَمْلَكَةِ يَسْتَعْمِلُونَ الخِدْمَةَ.
وَالسُّؤَالُ: هَلْ يَصِحُّ قِيَاسُ صُورَةٍ يَتَكَسَّبُ فِيهَا المُقْرِضُ مَلاَيِينَ الرِّيَالاَتِ عَنْ طَرِيقِ القَرْضِ عَلَى صُورَةِ القَرْضِ فِي السُُّفْتَجَةِ وَالَّتِي لاَ يَدْخُلُ جَيْبَ المُقْرِضِ فِلْسٌ وَاحِدٌ؟! وَلَوْ دُفِعَ لَهُ زِيَادَةٌ عَلَى قَرْضِهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لَحَرُمَتْ بِالإِجْمَاعِ، فَهَلْ يَصِحُّ فِي القِيَاسِ قِيَاسُ الأَغْلَظِ عَلَى الأَخَفِّ؟!

وَإِذَا ثَبَتَ الفَرْقُ بَيْنَ السُُّفْتَجَةِ وَبَيْنَ التَّمْوِيلِ بِالآَجِلِ، سَقَطَ القِيَاسُ.
الجَوَابُ الرَّابِعُ: مَنْ أَجَازَ السُُّفْتَجَةَ كَالإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَالإِمَامِ مَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ -وَلَيْسَتْ هِيَ الرِّوَايَةُ المُعْتَمَدَةُ فِي مَذْهَبِهِمَا- قَدْ أَجَازُوهَا بِشَرِطِ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَجْهِ المَعْرُوفِ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ المَغَابَنَةِ وَالمَكَايَسَةِ، وَبَعْضُهُمْ أَجَازَهَا بِشَرِطِ الضَّرُورَةِ.
جَاءَ فِي مَسَائِلِ الكُوسَجِ فِي مَسَائِلِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: «قُلْتُ: السُُّفْتَجَةُ؟ قَالَ: لاَ بَأْسَ بِهَا إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ المَعْرُوفِ. قَالَ إِسْحَاقُ: كَمَا قَالَ»[32]. وَإِذَا قُصِدَ بِهَا المَعْرُوفُ خَرَجَتْ مِنَ المُعَاوَضَةِ، وَمِنَ التَّكَسُّبِ بِهَا.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَأَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالاَ: «إِذَا مَا سَلَّفْتَ رَجُلًا هَاهُنَا طَعَامًا، فَأَعْطَاكَهُ بِأَرْضٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ يَشْتَرِطُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ المَعْرُوفِ فَلاَ بَأْسَ»[33]. وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
وَجَاءَ فِي التَّبْصِرَةِ لِلَّخْمِيِّ: «وَقَالَ مَالِكٌ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يُسْلِفُهَا الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا بِبَلَدٍ آخَرَ: لاَ بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ المَعْرُوفِ مِنَ المُقْرِضِ وَالرِّفْقِ بِصَاحِبِهِ، وَلَيْسَ لِيَضْمَنَ لَهُ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ العِرَاقِ بِالسَّفَاتِجِ»[34].
وَجَاءَ فِي عَقْدِ الجَوَاهِرِ: «مَتَى تَمَحَّضَتِ المَنَفَعَةُ لِلْمَقْتَرِضِ جَازَ، وَإِنْ تَمَحَّضَتْ لِلْمُقْرِضِ؛ مُنِعَ لأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا. فَإِنْ دَارَتِ المَنَفَعَةُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مُنِعَ أَيْضًا مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ. فَإِنْ كَانَتْ كَالسَّفَاتِجِ الَّتِي تُدْفَعُ فِي بَلَدٍ وَتُقْتَضَى فِي غَيْرِهِ فَيَنْتَفِعُ المُقْرِضُ بِالسَّلاَمَةِ مِنْ غَرَرِ الطَّرِيقِ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ: المَشْهُورُ مِنْهُمَا المَنْعُ»[35].
وَجَاءَ فِي لَوَامِعِ الدُُّرَرِ: «مَحَلُُّ الحُرْمَةِ فِي مَسْأَلَةِ السُُّفْتَجَةِ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَمْ يَعُمَّ الخَوْفُ، وَأَمَّا إِنْ عَمَّ الخَوْفُ أَيْ غَلَبَ فِي جَمِيعِ طُرُقِ المَحَلِّ الَّذِي يَسِيرُ بِهِ المَقْتَرِضُ غَلَبَةً يَغْلِبُ بِهَا عَلَى الظَّنِّ الهَلاَكُ أَوْ قَطْعُ الطَّرِيقِ فَيَجُوزُ أَيْ يُؤْذَنُ؛ إِذْ هُوَ مَنْدُوبٌ كَمَا فِي الشَّارِحِ وَحَلُولُو تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ أَوْ المَالِ عَلَى مَضَرَّةِ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا، فَإِنْ شُكَّ فِي الهَلاَكِ أَوْ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ غَلَبَ لاَ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ، بَلْ فِي بَعْضِهِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَبْعَدَ، أَوْ غَلَبَ فِي جَمِيعِهِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ لاَ لَهُ، فَإِنَّهَا لاَ تَجُوزُ»[36].
الجَوَابُ الخَامِسُ: أَنَّ المَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ بِأَنْ يَكُونَ الوَفَاءُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمُقْرِضِ وَالمَقْتَرِضِ مَعًا، فَلَوْ كَانَ النَّفْعُ لِلْمُقْرِضِ وَحْدَهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خِلاَفٌ فِي مَنْعِهَا؛ لأَنَّ الَّذِي أَجَازَهَا بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ مَنَفَعَةً لِلْمُقْرِضِ وَالمَقْتَرِضِ عَدَا انْتِفَاعَ المَقْتَرِضِ بِالقَرْضِ، وَانْتِفَاعَ المُقْرِضِ بِالضَّمَانِ فَإِنَّ هَذِهِ مَنَفَعَةٌ أَصْلِيَّةٌ فِي العَقْدِ.
الجَوَابُ السَّادِسُ: الاِسْتِدْلاَلُ عَلَى جَوَازِ هَذِهِ المُعَامَلَةِ بِقِيَاسِهَا عَلَى السُُّفْتَجَةِ فَإِنَّهُ -عَلَى التَّسْلِيمِ بِصِحَّةِ القِيَاسِ- يَقْتَضِي إِلْحَاقَ الفَرْعِ بِحُكْمِ الأَصْلِ. وَالمُعْتَمَدُ عِنْدَ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ مَنْعُ السُُّفْتَجَةِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ[37]، فَمُقْتَضَى القِيَاسِ عَلَى هَذَا الأَصْلِ هُوَ المَنْعُ لاَ الجَوَازُ.
وَمَنْ أَرَادَ الاِسْتِدْلاَلَ بِالسُُّفْتَجَةِ عَلَى الجَوَازِ لَزِمَهُ:

أَوَّلًا: إِثْبَاتُ رُجْحَانِ جَوَازِ السُُّفْتَجَةِ.

ثَانِيًا: إِثْبَاتُ أَنَّ مَنَفَعَةَ تَمَارَا مُمَاثِلَةٌ لِلْمَنَفَعَةِ الَّتِي اغْتُفِرَتْ فِي السُُّفْتَجَةِ، ثُمَّ إِثْبَاتُ اتِّحَادِ العِلَّةِ وَانْتِفَاءِ الفَارِقِ المُؤَثِّرِ.
فَمَنَفَعَةُ السُُّفْتَجَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ مَنَفَعَةٌ تَبَعِيَّةٌ فِي الوَفَاءِ بِمَكَانٍ آخَرَ، أَمَّا تَمَارَا فَتَسْتَوْفِي عِوَضًا مَالِيًّا مُنَظَّمًا وَمُتَكَرِّرًا نَاشِئًا عَنْ إِتْمَامِ التَّمْوِيلِ، وَهُوَ المَقْصُودُ بِالعَقْدِ. وَهُنَا يَضْعُفُ القِيَاسُ مِنْ جِهَةِ الحُكْمِ، وَمِنْ جِهَةِ العِلَّةِ مَعًا.
أَمَّا مُجَرَّدُ الاِسْتِنَادِ إِلَى اسْمِ السُُّفْتَجَةِ مَعَ إِغْفَالِ حُكْمِهَا عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ فَلاَ يَسْتَقِيمُ دَلِيلًا عَلَى الجَوَازِ.

جَاءَ فِي مُرْشِدِ الحَيْرَانِ: «السُُّفْتَجَةُ بِلاَ شَرْطِ المَنَفَعَةِ لِلْمُقْرِضِ جَائِزَةٌ، وَإِنَّمَا تُكْرَهُ تَحْرِيمًا إِذَا كَانَتِ المَنَفَعَةُ مَشْرُوطَةً أَوْ مُتَعَارَفَةً»[38].

وَقَالَ فِي الإِنْصَافِ: «إِذَا شَرَطَ أَنْ يَقْضِيَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ: فَجَزَمَ المُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ»[39].
وَأَسْتَوْفِي الأَقْوَالَ فِي السُُّفْتَجَةِ بَعْدَ أَنْ عَرَفْنَا أَنَّ القَوْلَ بِالمَنْعِ هُوَ مَذْهَبُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ:

القَوْلُ الثَّانِي فِي السُُّفْتَجَةِ: يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الوَفَاءِ فِي غَيْرِ بَلَدِ القَرْضِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ القَرْضُ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ أَمْ لاَ، اخْتَارَهُ بَعْضُ المَالِكِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الحَنَابِلَةِ مُقَابِلُ المَشْهُورِ أَيْضًا، وَرَجَّحَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ القَيِّمِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا القَوْلُ مُخَرَّجًا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ وَالإِمَامِ مَالِكٍ فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِطَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ المَعْرُوفِ كَمَا بَيَّنْتُ سَابِقًا، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ المُعَاوَضَةِ.
القَوْلُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ القَرْضُ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اشْتِرَاطُ القَضَاءِ فِي غَيْرِ بَلَدِ القَرْضِ، وَإِنْ كَانَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَمَا لَيْسَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ فَيَصِحُّ عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي الكَرَاهَةِ، فَقِيلَ: يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ. وَقِيلَ: يَجُوزُ بِلاَ كَرَاهَةٍ، رَاجِعْ الأَقْوَالَ فِيهَا فِي كِتَابِي «المُعَامَلاَتُ المَالِيَّةُ أَصَالَةً وَمُعَاصَرَةً»[40].
الدَّلِيلُ الرَّابِعُ لِلْقَائِلِينَ بِالجَوَازِ: القِيَاسُ عَلَى أَخْذِ العِوَضِ عَلَى الجَاهِ، حَيْثُ ذَهَبَ الحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ العِوَضِ عَلَى الجَاهِ مُطْلَقًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَمَلٌ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالمَالِكِيَّةِ.
جَاءَ فِي المُغْنِي: «لَوْ قَالَ: اقْتَرِضْ لِي مِنْ فُلاَنٍ مِائَةً وَلَكَ عَشَرَةٌ فَلاَ بَأْسَ، وَلَوْ قَالَ: اكْفُلْ عَنِّي وَلَكَ أَلْفٌ لَمْ يَجُزْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: اقْتَرِضْ لِي، وَلَكَ عَشَرَةٌ جَعَالَةٌ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ فَجَازَتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: ابْنِ لِي هَذَا الحَائِطَ، وَلَكَ عَشَرَةٌ»[41].
وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلاَفِيَّةٌ جَاءَ فِي المِعْيَارِ: «سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ القُورِيُّ عَنْ ثَمَنِ الجَاهِ، فَأَجَابَ بِمَا نَصُُّهُ: اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي حُكْمِ ثَمَنِ الجَاهِ، فَمِنْ قَائِلٍ بِالتَّحْرِيمِ بِإِطْلاَقٍ، وَمَنْ قَالَ بِالكَرَاهَةِ بِإِطْلاَقٍ، وَمَنْ مُفَصِّلٍ فِيهِ: وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ ذُو الجَاهِ يَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ أَوْ مَشَقَّةٍ، أَوْ مَسْعَى، فَأَخَذَ أَجْرَ مِثْلِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِلاَّ حَرُمَ»[42].
وَيُجَابُ: بِأَنَّهُ لاَ يَظْهَرُ وَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ المَسْأَلَةِ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لأَنَّ العِوَضَ فِيهَا لَيْسَ لِلْمُقْرِضِ، وَإِنَّمَا هُوَ جَعَالَةٌ لِوَسِيطٍ سَعَى فِي تَحْصِيلِ القَرْضِ، وَلِهَذَا عَلَّلَ ابْنُ قُدَامَةَ الجَوَازَ بِأَنَّهُ «جَعَالَةٌ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ».
أَمَّا فِي صُورَةِ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ فَالْعِوَضُ يَعُودُ إِلَى جِهَةِ التَّمْوِيلِ نَفْسِهَا الَّتِي أَقْرَضَتِ العَمِيلَ. فَمَحَلُّ البَحْثِ هُوَ انْتِفَاعُ المُقْرِضِ مِنَ القَرْضِ، لاَ جَوَازُ أَخْذِ أَجْنَبِيٍّ عِوَضًا عَلَى السَّعْيِ فِي تَحْصِيلِهِ. وَمِنْ ثَمَّ فَالْمَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فِي الوَصْفِ المُؤَثِّرِ، وَلاَ يَصْلُحُ إِحْدَاهُمَا دَلِيلًا عَلَى الأُخْرَى.
الدَّلِيلُ الخَامِسُ لِلْقَائِلِينَ بِالجَوَازِ: الرِّبَا الوَارِدُ فِي النُُّصُوصِ هُوَ مَا كَانَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، وَالَّذِي تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِيهِ مُقَابِلَ القَرْضِ، أَوْ مُقَابِلَ تَأْجِيلِهِ مِنَ المَقْتَرِضِ لِلْمُقْرِضِ.
وَالقَرْضُ قَدْ يَخْرُجُ عَنِ الإِرْفَاقِ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ، فَقَدْ نَصَّ الفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ إِقْرَاضِ مَالِ اليَتِيمِ لِمَصْلَحَةِ حِفْظِهِ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ مِنَ السَّرِقَةِ، وَنَصَّ المُعَاصِرُونَ عَلَى جَوَازِ الحِسَابِ الجَارِي، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى إِقْرَاضِ العَمِيلِ مَالَهُ لِلْبَنْكِ، وَالمُودِعُ (المُقْرِضُ) لَمْ يَقْصِدِ الإِرْفَاقَ بِالبَنْكِ عِنْدَ إِيدَاعِ مَالِهِ فِي الحِسَابِ الجَارِي، بَلْ قَصَدَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً عَلَى رَأْسِهَا حِفْظُ المَالِ، وَالاِنْتِفَاعُ بِخَدَمَاتِ البَنْكِ الكَثِيرَةِ، وَلَمَّا كَانَ النَّفْعُ لِلطَّرَفَيْنِ وَلَمْ يَتَمَحَّضْ لِلْمُقْرِضِ جَازَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ التَّكَسُّبُ مِنَ القَرْضِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَنَفَعَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ وَلَمْ يَتَمَحَّضْ لِلْمُقْرِضِ لَمْ يُُمْنَعْ.
وَيُنَاقَشُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ:

الوَجْهُ الأَوَّلُ: بَيَّنْتُ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ القَرْضَ فِي شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ قَدْ تَمَحَّضَ لِلْمُقْرِضِ فَقَطْ، وَلاَ يُقَابِلُهَا أَيُّ مَنَفَعَةٍ لِلْمَقْتَرِضِ سِوَى مَنَفَعَةِ القَرْضِ، وَكُلُّ مَنَفَعَةٍ مُتَمَحِّضَةٍ لِلْمُقْرِضِ لاَ يُقَابِلُهَا أَيُّ مَنَفَعَةٍ لِلْمَقْتَرِضِ سِوَى انْتِفَاعِهِ بِالقَرْضِ فَهِيَ رِبًا.
الوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ القَرْضَ المَأْذُونَ فِيهِ دَائِرٌ بَيْنَ الإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ، فَحُكْمُ القَرْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَقْتَرِضِ: إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ حَاجَةٌ كُرِهَ، وَلَمْ يَحْرُمْ. وَحُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقْرِضِ: إِنْ كَانَ الإِقْرَاضُ لِدَفْعِ حَاجَةِ المَقْتَرِضِ كَانَ مَنْدُوبًا فِي حَقِّ المُقْرِضِ.
وَإِنْ كَانَ لِحَظِّ مَالِهِ، كَمَا لَوْ أَقْرَضَ الوَلِيُّ مَالَ اليَتِيمِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ السَّرِقَةِ، أَوْ أَوْدَعَ الغَنِيُّ مَالَهُ بِقَصْدِ حِفْظِ المَالِ؛ لأَنَّهُ لَوْ أَوْدَعَهُ لَمْ يُُضْمَنْ كَانَ القَرْضُ جَائِزًا عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَنَّ حِفْظَ المَالِ مِنَ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ مَالًا فَاشْتَرَى بِهِ عَقَارًا لِحِفْظِ مَالِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِرَارًا مِنْهَا، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ حِفْظَ المَالِ مِنَ الضَّرُورَاتِ الخَمْسِ الَّتِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِحِفْظِهَا، وَإِلاَّ لَمَا سَقَطَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِهَذَا الفِعْلِ، وَكَانَ جَوَازُ القَرْضِ هُنَا إِرْفَاقًا بِالمُقْرِضِ، فَيَرْتَفِقُ الغَنِيُّ بِحِفْظِ مَالِهِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الإِرْفَاقُ فِي حَقِّ الفَقِيرِ أَوْ فِي حَقِّ المَالِكِ فَكِلاَهُمَا لَمْ يَقْصِدْ مِنَ القَرْضِ التَّكَسُّبَ.

وَالمَمْنُوعُ: أَنْ يُتَّخَذَ القَرْضُ وَسِيلَةً لِلتَّكَسُّبِ كَحَالِ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ، فَهُمْ يُعْطُونَ المَقْتَرِضَ وَيَشْتَرِطُونَ عَلَيْهِ عَقْدًا يَتَكَسَّبُونَ مِنْهُ، وَهَذَا وَجْهُ انْتِفَاعِ المُقْرِضِ مِنَ المَقْتَرِضِ، فَلَمْ يَقْصِدُوا الإِحْسَانَ عَلَى المَقْتَرِضِ، وَلَمْ يَقْصِدُوا حِفْظَ المَالِ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا الاِتِّجَارَ مِنْ هَذِهِ القُرُوضِ. فَكَيْفَ يُقَاسُ الاِتِّجَارُ مِنَ القَرْضِ عَلَى مَنْ قَصَدَ حِفْظَ مَالِهِ فَقَطْ وَلَمْ يَأْخُذْ فَائِدَةً مِنْ قَرْضِهِ؟!
وَاشْتِرَاطُ هَذِهِ الشَّرِكَاتِ عَلَى المَقْتَرِضِ الشِّرَاءَ مِنْ أَحَدِ التُُّجَّارِ المُتَعَاقِدِينَ مَعَ الشَّرِكَةِ، وَلَيْسَ مِنْ أَيِّ تَاجِرٍ، كَيْ يُوَافَقَ عَلَى قَرْضِهِ يَجْعَلُ عَقْدَ الشِّرَاءِ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ القَرْضِ وَيَجْعَلُ العُمُولَةَ مِنَ التَّاجِرِ جُزْءًا مِنْهَا ثَمَرَةَ القَرْضِ، فَارْتِبَاطُ هَذِهِ العُقُودِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ يَجْعَلُهَا مُرَكَّبَةً، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي أَدِلَّةِ المَانِعِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَدَعْوَى أَنَّ هَذِهِ العُقُودَ مُنْفَصِلَةٌ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ مُجَرَّدُ دَعْوَى.
وَالفَائِدَةُ الَّتِي تَأْخُذُهَا هَذِهِ الشَّرِكَاتُ مِنَ التَّاجِرِ جَاءَتْهَا بِسَبَبٍ مِنَ المَقْتَرِضِ، فَلَوْلاَ شِرَاءُ المَقْتَرِضِ لَمْ يَتَكَسَّبِ المُقْرِضُ مِنْ قَرْضِهِ. وَالفَائِدَةُ لَيْسَتْ مَبْلَغًا مَقْطُوعًا كَمَا هُوَ حَالُ خَدَمَاتِ الدَّفْعِ الكَامِلِ، وَإِنَّمَا فَائِدَتُهَا مَنْسُوبَةٌ لِمَبْلَغِ الشِّرَاءِ يَتَرَاوَحُ مِنْ (5%) إِلَى (6%)، وَإِذَا زَادَتِ المَخَاطِرُ قَدْ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ.
وَالرَّاجِحُ فِي العُقُودِ المُشْتَرَكَةِ المَشْرُوطَةِ: مَنْعُ الجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ عَقْدَيْنِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الجَمْعِ بَيْنَهُمَا مَحْظُورٌ شَرْعِيٌّ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَائِزًا بِمُفْرَدِهِ.
وَقَدْ قَالُوا: كُلُّ عَقْدَيْنِ يَتَضَادَّانِ وَصْفًا وَيَتَنَاقَضَانِ حُكْمًا، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا، أَصْلُهُ البَيْعُ وَالسَّلَفُ، فَالْبَيْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى المُغَابَنَةِ وَالمَكَايَسَةِ وَالسَّلَفُ ضِدُُّهُ، فَهُوَ إِمَّا إِرْفَاقٌ وَإِحْسَانٌ، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ، وَإِمَّا إِقْرَاضٌ لِلْمَالِ بِقَصْدِ حِفْظِهِ، وَهَذَا مُبَاحٌ وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا إِنْ كَانَ لِحِفْظِ مَالِ غَيْرِهِ، أَمَّا أَنْ يُتَّخَذَ القَرْضُ وَسِيلَةً لِلتَّكَسُّبِ فَهَذَا حَرَامٌ؛ لأَنَّهُ رِبًا أَوْ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ، وَمَظِنَّةُ الرِّبَا حَرَامٌ كَحَقِيقَتِهِ.
الدَّلِيلُ السَّادِسُ: القِيَاسُ عَلَى بِطَاقَاتِ الاِئْتِمَانِ إِذَا كَانَ الحِسَابُ مَكْشُوفًا.

فَعِنْدَمَا يَشْتَرِي حَامِلُ بِطَاقَةِ الاِئْتِمَانِ سِلْعَةً أَوْ مَنَفَعَةً فَإِنَّهُ يَقُومُ بِتَقْدِيمِ كَفِيلِهِ المُلْتَزِمِ بِالْوَفَاءِ، وَذَلِكَ بِإِبْرَازِ بِطَاقَةِ الاِئْتِمَانِ، حَيْثُ إِنَّ البَنْكَ المُصْدِرَ لِلْبِطَاقَةِ هُوَ الكَفِيلُ، وَالبَائِعَ الدَّائِنَ هُوَ المَكْفُولُ لَهُ، وَالمُشْتَرِيَ المَدِينَ حَامِلَ البِطَاقَةِ هُوَ المَكْفُولُ.
يَقُومُ البَنْكُ بِإِيدَاعِ قِيمَةِ الفَاتُورَةِ فِي حِسَابِ التَّاجِرِ مَحْسُومًا مِنْهَا عُمُولَتُهُ.

فَالْقَائِلُونَ بِجَوَازِ هَذِهِ البِطَاقَاتِ يَلْزَمُهُمُ القَوْلُ بِجَوَازِ التَّعَامُلِ مَعَ الشَّرِكَاتِ المُقَدِّمَةِ لِخِدْمَةِ «اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا»؛ لأَنَّ عَقْدَ الاِئْتِمَانِ إِذَا آلَ إِلَى قَرْضٍ لِحَامِلِ البِطَاقَةِ يَسْتَحِقُُّهُ طَرَفٌ ثَالِثٌ مُقَابِلَ أَثْمَانِ مَبِيعَاتِهِ وَخَدَمَاتِهِ الَّتِي قَدَّمَهَا لِحَامِلِ البِطَاقَةِ، وَيَأْخُذُ البَنْكُ المُصْدِرُ لِلْبِطَاقَةِ عُمُولَتَهُ مِنَ التَّاجِرِ، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ مَجْمَعُ الفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ الدَّوْلِيُّ وَنَدْوَةُ البَرَكَةِ.
فَفِي قَرَارِ المَجْمَعِ رَقْمِ 108 (2/ 12) جَاءَ فِيهِ: «جَوَازُ أَخْذِ البَنْكِ المُصْدِرِ مِنَ التَّاجِرِ عُمُولَةً عَلَى مُشْتَرَيَاتِ العَمِيلِ مِنْهُ شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ التَّاجِرِ بِالْبِطَاقَةِ بِمِثْلِ السِّعْرِ الَّذِي يَبِيعُ بِهِ بِالنَّقْدِ».

فَالَّذِينَ أَجَازُوهَا وَمَنَعُوا خِدْمَةَ «اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا» قَدْ تَنَاقَضُوا، حَيْثُ لاَ يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ المُعَامَلَتَيْنِ.
وَيُجَابُ: هَذَا قِيَاسٌ فِقْهِيٌّ وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ القِيَاسِ عَلَى النَّصِّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الإِلْزَامِ، وَهُوَ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ بِطَاقَاتِ الاِئْتِمَانِ إِذَا آلَ إِلَى قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا، وَحَرَّمَ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ، وَلاَ يَلْزَمُ مَنْ يُحَرِّمُ المُعَامَلَتَيْنِ، وَالمُعَاصِرُونَ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

الَقَوْلُ بِالجَوَازِ، وَبِهِ صَدَرَ قَرَارُ المَجْمَعِ الفِقْهِيِّ الإِسْلاَمِيِّ وَنَدْوَةِ البَرَكَةِ، وَاللِّجَانِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْبُنُوكِ الإِسْلاَمِيَّةِ.

وَالقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ، وَبِهِ قَالَ الدُّكْتُورُ سَامِي السُُّوَيْلِمُ، وَالدُّكْتُورُ طَلاَلٌ الدَّوْسَرِيُّ، وَهُوَ مَا رَجَّحْتُهُ فِي كِتَابِي «المُعَامَلاَتُ المَالِيَّةُ المُمَاهِيَةُ لِلْعَصْرِ».
قُلْتُ فِي الكِتَابِ نَفْسِهِ: «وَمَعَ تَقْدِيرِي لِجَمِيعِ الهَيْئَاتِ الشَّرْعِيَّةِ العَامِلَةِ فِي المَصَارِفِ، وَتَثْمِينِ الجُهُودِ المَبْذُولَةِ فِي سَبِيلِ أَسْلَمَةِ المَصَارِفِ وَحِرْصِهَا التَّامِّ فِي ضَبْطِ تِلْكَ العَمَلِيَّاتِ بِمَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ إِلاَّ أَنَّ إِطْلاَقَهَا لِلْجَوَازِ غَيْرُ سَدِيدٍ. فَالرَّاجِحُ أَنَّ خَصْمَ المَبْلَغِ عَلَى التَّاجِرِ مُقَابِلَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ: …..

الثَّانِي: أَخْذُ مَبْلَغٍ مُقَابِلَ الْتِزَامِ البَنْكِ بِالسَّدَادِ لِلتَّاجِرِ. وَهَذَا لاَ يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَخْذِ العِوَضِ عَلَى ضَمَانِ الدَّيْنِ. وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالإِجْمَاعِ»[43].
فَالْتَّحْرِيمُ فِي شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ مِثْلُهَا أَوْ أَوْلَى، لأَنَّ بِطَاقَاتِ الاِئْتِمَانِ هُوَ مِنْ أَخْذِ العُمُولَةِ عَلَى الضَّمَانِ الَّتِي تَؤُولُ إِلَى قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا، وَأَمَّا شَرِكَاتُ الدَّفْعِ الآَجِلِ فَهِيَ عَقْدُ قَرْضٍ مَعَ العَمِيلِ مَشْرُوطٌ بِالشِّرَاءِ مِنَ التَّاجِرِ، وَيَدْفَعُ التَّاجِرُ رُسُومًا يَرْتَبِطُ اسْتِحْقَاقُهَا بِالعَمَلِيَّةِ التَّمْوِيلِيَّةِ نَفْسِهَا؛ وَيَكُونُ مِقْدَارُهَا مُرْتَبِطًا بِمَبْلَغِ التَّمْوِيلِ وَمُدَّتِهِ وَمَخَاطِرِهِ.
الدَّلِيلُ السَّابِعُ: أَنَّ مَجْمَعَ الفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ الدَّوْلِيَّ وَكَثِيرًا مِنَ الهَيْئَاتِ الشَّرْعِيَّةِ أَجَازُوا ضَمَانَ طَرَفٍ ثَالِثٍ فِي المُضَارَبَةِ وَصِيغَةُ (أَقْرِضْ فُلاَنًا وَلَكَ كَذَا) مِنْ جِنْسِهَا[44].
وَنُوقِشَ: بِأَنَّ قِيَاسَ هَذِهِ الصُُّورَةِ عَلَى ضَمَانِ الطَّرَفِ الثَّالِثِ فِي المُضَارَبَةِ قِيَاسٌ مَعَ الفَارِقِ؛ فَإِنَّ مَجْمَعَ الفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ الدَّوْلِيَّ لَمْ يُُجِزْ ضَمَانَ الطَّرَفِ الثَّالِثِ بِإِطْلاَقٍ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الضَّامِنُ مُنْفَصِلًا فِي شَخْصِيَّتِهِ وَذِمَّتِهِ المَالِيَّةِ عَنْ طَرَفَيِ المُضَارَبَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْتِزَامُهُ تَبَرُُّعًا بِلاَ مُقَابِلٍ وَأَنْ يَكُونَ لِجَبْرِ الخَسَارَةِ فَقَطْ فِي مَشْرُوعٍ مُعَيَّنٍ، وَأَنْ يَكُونَ الْتِزَامًا مُسْتَقِلًُّا عَنْ عَقْدِ المُضَارَبَةِ، بِحَيْثُ لاَ يَكُونُ وَفَاؤُهُ شَرْطًا فِي نَفَاذِ العَقْدِ وَلاَ مُؤَثِّرًا فِي الْتِزَامَاتِ طَرَفَيْهِ.
وَيَزْدَادُ الفَرْقُ وُضُوحًا بِأَنَّ المُضَارَبَةَ مِنْ عُقُودِ المُمَاشَاةِ وَالمُشَارَكَاتِ، لاَ مِنَ المُعَاوَضَاتِ المَحْضَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِأَنَّ المُضَارَبَةَ وَالمُسَاقَاةَ وَالمُزَارَعَةَ مِنَ المُشَارَكَاتِ، وَأَنَّ إِلْحَاقَهَا بِالْبَيْعِ وَالإِجَارَةِ فِي أَحْكَامِ المُعَاوَضَاتِ غَلَطٌ. وَلِذَلِكَ يَحْتَمِلُ عَقْدُ المُضَارَبَةِ مِنَ الغَرَرِ مَا لاَ تَحْتَمِلُهُ المُعَاوَضَاتُ المَحْضَةُ؛ فَضْلًا عَنْ أَنَّ ضَمَانَ الطَّرَفِ الثَّالِثِ فِيهَا قَائِمٌ عَلَى تَبَرُُّعٍ مُسْتَقِلٍّ، وَالغَرَرُ مُغْتَفَرٌ فِي التَّبَرُُّعَاتِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ.
أَمَّا صِيغَةُ «أَقْرِضْ فُلاَنًا وَلَكَ كَذَا» فَهِيَ مَنَفَعَةٌ مَالِيَّةٌ مَشْرُوطَةٌ لِلْمُقْرِضِ بِسَبَبِ القَرْضِ، وَإِنْ تَحَمَّلَهَا شَخْصٌ ثَالِثٌ؛ فَهِيَ مِنْ بَابِ القَرْضِ الجَارِّ لِلْنَّفْعِ، لاَ مِنْ بَابِ التَّبَرُُّعِ المُسْتَقِلِّ. وَلاَ يَصِحُّ نَقْلُ التَّوَسُّعَةِ المُقَرَّرَةِ فِي الغَرَرِ وَالتَّبَرُُّعَاتِ إِلَى بَابِ الرِّبَا؛ فَبَابُ الرِّبَا أَضْيَقُ، وَالمَنَفَعَةُ المَشْرُوطَةُ فِي القَرْضِ مَمْنُوعَةٌ لِعَيْنِ ارْتِبَاطِهَا بِالْقَرْضِ، لاَ لِمُجَرَّدِ الجَهَالَةِ أَوْ الغَرَرِ فِيهَا.
فَالْفَارِقُ المُؤَثِّرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَوْنِ البَاذِلِ طَرَفًا ثَالِثًا فِي الصُُّورَتَيْنِ، وَإِنَّمَا لأَنَّ الطَّرَفَ الثَّالِثَ فِي ضَمَانِ المُضَارَبَةِ مُتَبَرِّعٌ مُسْتَقِلٌّ لاَ عِوَضَ لَهُ وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ العَقْدُ، بَيْنَمَا الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي الصُُّورَةِ مَحَلِّ النِّزَاعِ دَاخِلٌ فِي تَرْتِيبٍ يَكُونُ عِوَضُهُ لِلْمُقْرِضِ مُرْتَبِطًا بِالْقَرْضِ وَمُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ.
وَهَذَا الجَدْوَلُ يُبَيِّنُ الفُرُوقَ بَيْنَ الصُُّورَتَيْنِ بِشَكْلٍ أَوْضَحَ:

ضَمَانُ الطَّرَفِ الثَّالِثِ المُبَاحُأَقْرِضْ فُلاَنًا وَلَكَ كَذَا
تَبَرُُّعٌ بِلاَ مُقَابِلٍعِوَضٌ مَالِيٌّ لِلْمُقْرِضِ
مُسْتَقِلٌّ عَنِ العَقْدِ الأَصْلِيِّمُرْتَبِطٌ بِالْقَرْضِ ارْتِبَاطَ الشَّرْطِ بِالمَشْرُوطِ
المُضَارَبَةُ قَائِمَةٌ وَلَوْ تَخَلَّفَ المُتَبَرِّعُالقَرْضُ إِنَّمَا مُنِحَ لِتَحْصِيلِ المَنَفَعَةِ
الضَّامِنُ لاَ يَأْخُذُ عِوَضًا بِضَمَانِهِالمُقْرِضُ يَأْخُذُ عِوَضًا بِسَبَبِ إِقْرَاضِهِ
الغَرَضُ جَبْرُ خَسَارَةٍ مُحَقَّقَةٍالغَرَضُ تَحْصِيلُ مَنَفَعَةٍ لِلْمُقْرِضِ
هَذَا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدِلَّةِ المُجِيزِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📌 أَدِلَّةُ القَائِلِينَ بِالمَنْعِ:

الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: مِمَّا جَاءَ فِي اتِّفَاقِيَّةِ التَّاجِرِ لَدَى تَمَارَا:

«تَلْتَزِمُ أي: تمارا بِتَحَمُّلِ المَخَاطِرِ الائْتِمَانِيَّةِ وَمَخَاطِرِ الاِحْتِيَالِ إِلاَّ فِي اسْتِثْنَاءَاتٍ مُحَدَّدَةٍ كَعَدَمِ التَّسْلِيمِ وَالمُنَازَعَاتِ».

فَالِاتِّفَاقِيَّةُ ذَكَرَتْ نَوْعَيْنِ مِنَ المَخَاطِرِ: مَخَاطِرَ الاِحْتِيَالِ، وَمَخَاطِرَ الِائْتِمَانِ.
وَمَخَاطِرُ الاِحْتِيَالِ يُمْكِنُ تَصَوُُّرُهَا فِي مُعَامَلاَتٍ غَيْرِ ائْتِمَانِيَّةٍ.

وَأَمَّا مَخَاطِرُ الِائْتِمَانِ تَحْدِيدًا فَلاَ تَنشَأُ إِلاَّ مِنْ وُجُودِ ائْتِمَانٍ وَدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ.

وَجَاءَ فِي تَقْرِيرِ صَحِيفَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ بِتَارِيخِ 16 أَبْرِيلَ 2023م أَنَّ مُتَوَسِّطَ العُمُولَةِ الَّتِي تَتَقَاضَاهَا شَرِكَاتُ «اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا» المَحَلِّيَّةُ مِنَ التَّاجِرِ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ 5% وَ13% «بِحَسَبِ المَخَاطِرِ وَالفِئَةِ».
وَعِنْدَ ضَمِّ النَّصَّيْنِ تَتَكَوَّنُ لَدَيْنَا سِلْسِلَةٌ اسْتِدْلاَلِيَّةٌ قَوِيَّةٌ جِدًّا:

1) تَمَارَا تُقْرِضُ العَمِيلَ وَتَتَحَمَّلُ خَطَرَ عَدَمِ سَدَادِهِ.

2) هَذَا الخَطَرُ تُسَمِّيهِ اتِّفَاقِيَّتُهَا صَرَاحَةً بِـ(المَخَاطِرِ الائْتِمَانِيَّةِ).

3) شَرِكَاتُ هَذَا النَّمُوذَجِ تَتَقَاضَى مِنَ التَّاجِرِ عُمُولَةً مُتَفَاوِتَةً -بِحَسَبِ رَصْدِ الِاقْتِصَادِيَّةِ- يَكُونُ: (بِحَسَبِ المَخَاطِرِ وَالفِئَةِ).

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ المَخَاطَرَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الْتِزَامٍ تَابِعٍ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي العِوَضِ، بَلْ هِيَ مِنَ العَنَاصِرِ الدَّاخِلَةِ فِي تَسْعِيرِ العُمُولَةِ؛ فَإِذَا زَادَتِ العُمُولَةُ بِاخْتِلاَفِ مِقْدَارِ المَخَاطِرِ، كَانَ لِلْمَخَاطَرَةِ حِصَّةٌ فِي العِوَضِ الَّذِي تَدْفَعُهُ جِهَةُ التَّاجِرِ.
وَأَخْذُ عِوَضٍ مُقَابِلَ تَحَمُّلِ المَخَاطِرِ الائْتِمَانِيَّةِ يَجْعَلُ المَسْأَلَةَ مِنْ قَبِيلِ أَخْذِ الأَجْرِ عَلَى الضَّمَانِ، وَهَذَا مَا جَعَلَ فِي أَدِلَّةِ المُجِيزِينَ قِيَاسَ مَا تَأْخُذُهُ شَرِكَاتُ: «اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا» عَلَى مَا يَأْخُذُهُ البَنْكُ مُصْدِرُ بِطَاقَاتِ الاِئْتِمَانِ، حَيْثُ إِنَّ البَنْكَ مُصْدِرَ البِطَاقَةِ هُوَ الضَّامِنُ، وَالبَائِعَ الدَّائِنَ هُوَ المَكْفُولُ لَهُ، وَالمُشْتَرِيَ المَدِينَ حَامِلَ البِطَاقَةِ هُوَ المَكْفُولُ، فَيَقُومُ البَنْكُ بِإِيدَاعِ قِيمَةِ الفَاتُورَةِ فِي حِسَابِ التَّاجِرِ مَحْسُومًا مِنْهَا عُمُولَتُهُ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ هَذِهِ الشَّرِكَاتُ.
وَالمَنْعُ مِنْ أَخْذِ الجَعْلِ عَلَى الضَّمَانِ هُوَ مَذْهَبُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ.

وَبِهِ قَالَ مَجْمَعُ الفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ التَّابِعُ لِمُنَظَّمَةِ المُؤْتَمَرِ الإِسْلاَمِيِّ، وَبِهِ أَفْتَتِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ لِلْبُحُوثِ العِلْمِيَّةِ وَالإِفْتَاءِ، وَقَالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ[45]. وَحُكِيَ إِجْمَاعًا، قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: «أَجْمَعَ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّ الحَمَالَةَ بِجَعْلٍ يَأْخُذُهُ الحَمِيلُ لاَ تَحِلُّ، وَلاَ تَجُوزُ»[46].

وَقَالَ الدَّرْدِيرُ: «وَأَمَّا صَرِيحُ ضَمَانٍ بِجَعْلٍ فَلاَ خِلاَفَ فِي مَنْعِهِ …»[47].

وَعُرِفَ القَوْلُ بِالجَوَازِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ.
الدَّلِيلُ الثَّانِي: اشْتِرَاطُ المُقْرِضِ عَلَى المَقْتَرِضِ عَقْدًا لِيَتَكَسَّبَ بِهِ مِنْ قَرْضِهِ، لَوْلاَهُ لَمَا مُنِحَ القَرْضُ رِبًا لاَ يَجُوزُ.

وَهَذَا وَجْهٌ مِنْ انْتِفَاعِ المُقْرِضِ مِنَ المَقْتَرِضِ بِسَبَبِ القَرْضِ، وَهُوَ مَشْرُوطٌ.

فَدَعْوَى أَنَّ عَقْدَ التَّاجِرِ مَعَ شَرِكَاتِ «اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا» مُسْتَقِلٌّ بِآثَارِهِ وَأَحْكَامِهِ عَنْ عَقْدِ القَرْضِ يُخَالِفُهُ الوَاقِعُ، فَالْقَرْضُ كُلُُّهُ مَعْقُودٌ عَلَى شَرْطَيْنِ:

أَنْ يَشْتَرِيَ المَقْتَرِضُ بِكَامِلِ مَبْلَغِ القَرْضِ.

وَأَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً مِنْ تَاجِرٍ دَاخِلَ مَنْظُومَةِ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ.

وَأَنَّ البَاعِثَ عَلَى القَرْضِ التَّكَسُّبُ مِنَ القَرْضِ.
وَكَوْنُ العُقُودِ مِنْ حَيْثُ الشَّكْلُ خَالِيَةً مِنْ هَذِهِ الشُُّرُوطِ لاَ يَكْفِي لِسَلاَمَتِهِ؛ فَلَوْ طَلَبَ المَقْتَرِضُ القَرْضَ بِلاَ غَرَضِ الشِّرَاءِ لَنْ يُمْنَحَ القَرْضَ.

وَلَوْ اشْتَرَى المَقْتَرِضُ مِنْ تَاجِرٍ لَمْ يَتَعَاقَدْ مَعَ هَذِهِ الشَّرِكَاتِ لَنْ تُوَافِقَ الشَّرِكَةُ عَلَى مَنْحِ القَرْضِ، فَالْقَرْضُ يُمْنَحُ إِذَا كَانَ الغَرَضُ لِعَقْدِ الشِّرَاءِ، وَطَلَبَ المَقْتَرِضُ الشِّرَاءَ مِنْ تَاجِرٍ مُتَعَاقِدٍ مَعَ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ، فَلاَ مَعْنَى لِقَوْلِ اللَّجْنَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي إِجَازَةِ المُنْتَجِ: (أَلاَّ يَكُونَ عَقْدُ الشَّرِكَةِ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ القَرْضِ مَعَ العَمِيلِ، وَلاَ فِي عَقْدِ البَيْعِ بَيْنَ التَّاجِرِ وَالعَمِيلِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ العُقُودُ مُسْتَقِلَّةً عَنْ بَعْضِهَا فِي آثَارِهَا وَأَحْكَامِهَا).
لأَنَّ الشَّرْطَ العُرْفِيَّ وَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ فِي العَقْدِ كَالشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ.

قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ البُيُوعِ: «بَابٌ: مَنْ أَجْرَى أَمْرَ الأَمْصَارِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي البُيُوعِ، وَالإِجَارَةِ، وَالمِكْيَالِ، وَالوَزْنِ، وَسُنَنِهِمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمِ المَشْهُورَةِ».

وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: «الثَّابِتُ بِدَلاَلَةِ العُرْفِ كَالثَّابِتِ بِدَلاَلَةِ النَّصِّ»[48].

وَفِي مَجَلَّةِ الأَحْكَامِ العَدْلِيَّةِ: «المَعْرُوفُ بَيْنَ التُُّجَّارِ كَالْمَشْرُوطِ بَيْنَهُمْ»[49].
وَالمَنَفَعَةُ بِسَبَبِ القَرْضِ مُحَرَّمَةٌ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً، فَمَا بَالُكَ إِذَا كَانَتْ مَشْرُوطَةً؟!

فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ المَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «أَلاَ تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا ….. ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ، إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ، فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ، فَلاَ تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا»[50].
فَالزِّيَادَةُ بِسَبَبِ القَرْضِ وَلَوْ قُدِّمَتْ بِاسْمِ الهَدِيَّةِ كَانَتْ رِبًا مَا دَامَ الأَجَلُ قَائِمًا، فَمَا بَالُكَ بِعَقْدٍ مَشْرُوطٍ عَلَى المَقْتَرِضِ مِنْ أَجْلِ التَّكَسُّبِ مِنَ القَرْضِ؟!

وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنَ المَقْتَرِضِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَاللَّجْنَةُ الشَّرْعِيَّةُ المُجِيزَةُ لِمُنْتَجِ شَرِكَاتِ (اشْتَرِ وَادْفَعْ لاَحِقًا) لاَ تُفَرِّقُ بَيْنَ المَنَفَعَةِ مِنَ المَقْتَرِضِ وَغَيْرِهِ. جَاءَ فِي قَرَارِهَا: (لاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ أَيِّ زِيَادَةٍ مُبَاشَرَةٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ، وَلَوْ دَفَعَهَا غَيْرُ المَقْتَرِضِ).
فَقَوْلُ اللَّجْنَةِ المُجِيزَةِ: (وَلَوْ دَفَعَهَا غَيْرُ المَقْتَرِضِ) مَنْطُوقُ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّ فَائِدَةَ القَرْضِ وَلَوْ جَاءَتْ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ لاَ تَجُوزُ، فَالخِلاَفُ مَعَهَا إِذًنْ فِي تَحْقِيقِ المَنَاطِ:

هَلْ عُمُولَةُ التَّاجِرِ جُزْءٌ مِنْهَا فَائِدَةٌ مِنَ القَرْضِ دَفَعَهَا طَرَفٌ ثَالِثٌ، أَمْ أُجْرَةٌ عَنْ عَقْدٍ آخَرَ مُسْتَقِلٍّ؟
فَالْمَانِعُونَ لِلْمُعَامَلَةِ يَقُولُونَ: العِبْرَةُ فِي العُقُودِ بِالمَقَاصِدِ وَالمَعَانِي لاَ لِلأَلْفَاظِ وَالمَبَانِي، وَالوَسَائِلُ لَهَا أَحْكَامُ المَقَاصِدِ، وَمَا أَفْضَى إِلَى المُحَرَّمِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ.

وَالعِبْرَةُ بِحَقِيقَةِ المُعَامَلَةِ وَمَجْمُوعِ العُقُودِ، لاَ بِتَجْزِئَتِهَا فِي الأَوْرَاقِ.
فَشَرِكَاتُ الدَّفْعِ الآَجِلِ لاَ تُقْرِضُ هَذَا العَمِيلَ قَرْضًا مُجَرَّدًا ثُمَّ يُصَادِفُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ تَاجِرٍ دَاخِلَ مَنْظُومَةِ هَذِهِ الشَّرِكَاتِ؛ وَإِنَّمَا:

1) لاَ تَمْوِيلَ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِيَ المَقْتَرِضُ، وَهَذَا يَجْعَلُ الشِّرَاءَ شَرْطًا فِي التَّمْوِيلِ.

2) لاَ شِرَاءَ إِلاَّ مِنْ تَاجِرٍ دَاخِلَ مَنْظُومَةِ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ.

3) التَّاجِرُ مُتَعَاقِدٌ مُسْبَقًا مَعَ هَذِهِ الشَّرِكَاتِ.

4) التَّاجِرُ يَدْفَعُ لِهَذِهِ الشَّرِكَاتِ عُمُولَةً بَعْضُهَا فِي مُقَابِلِ تَحَمُُّلِهَا مَخَاطِرَ دَيْنِ العَمِيلِ.
فَالْعَقْدُ بَيْنَ هَذِهِ الشَّرِكَاتِ وَالتَّاجِرِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى العُمَلاَءِ الَّذِينَ سَتُمَوِّلُهُمْ هَذِهِ الشَّرِكَاتُ بِالقُرُوضِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اسْتِقْلاَلُ هَذِهِ العُقُودِ؟!

فَحَقِيقَةُ هَذِهِ العُقُودِ -فِي جَوْهَرِهَا- مَعَ العَمِيلِ: «أَقْرِضُكَ بِشَرِطِ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ تَاجِرٍ مُعَيَّنٍ يَدْفَعُ لِي عُمُولَةً بِسَبَبِ شِرَائِكَ مِنْهُ».
وَمَعَ التَّاجِرِ: إِذَا أَقْرَضْتُ أَحَدًا فَاشْتَرَى مِنْكَ فَأَنَا مُسْتَعِدٌّ لِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ عَاجِلًا مُقَابِلَ عُمُولَةٍ مِنْكَ، وَجُزْءٌ مِنْ هَذِهِ العُمُولَةِ مُقَابِلَ تَحَمُُّلِ عَثَرَاتِ السَّدَادِ مِنَ المُشْتَرِي.

وَهَذَا ـ عِنْدَ المَانِعِينَ ـ أَشَدُّ اتِّصَالًا مِنْ قَوْلِ الأَجْنَبِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الإِمَامِ مَالِكٍ: «أَقْرِضُكَ بِشَرِطِ أَنْ تُؤَخِّرَ فُلاَنًا»، فَالْمَقْصُودُ بِالنَّفْعِ المَدِينُ.
ثُمَّ يُقَالُ بَعْدَ ذَلِكَ: (هَذِهِ العُقُودُ مُسْتَقِلَّةٌ فِي آثَارِهَا وَأَحْكَامِهَا) هَذَا لاَ يَكْفِي؛ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ اسْتِقْلاَلِ العِوَضِ عَنِ القَرْضِ حَقِيقَةً لاَ صُورَةً.

وَالرَّاجِحُ فِي العُقُودِ المُشْتَرَكَةِ المَشْرُوطَةِ: مَنْعُ الجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ عَقْدَيْنِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الجَمْعِ بَيْنَهُمَا مَحْظُورٌ شَرْعِيٌّ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَائِزًا بِمُفْرَدِهِ. كَمَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ مِنْ خِلاَلِ مُنَاقَشَةِ أَدِلَّةِ المُجِيزِينَ.
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: العُمُولَةُ عَلَى الخَدَمَاتِ الحَقِيقِيَّةِ المُسْتَقِلَّةِ يَجُوزُ أَخْذُهَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَقْطُوعَةً أَمْ كَانَتْ نِسْبَةً مِنْ قِيمَةِ المَبِيعَاتِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ الشِّرَاءُ مَشْرُوطًا فِي القَرْضِ، وَمِنْ تَاجِرٍ مُعَيَّنٍ دَاخِلَ مَنْظُومَةِ هَذِهِ الشَّرِكَاتِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عُمُولَةٌ تَؤُولُ إِلَى مَصْلَحَةِ المُقْرِضِ، وَهُوَ لَمْ يُقْرِضْ إِلاَّ مِنْ أَجْلِ الحُصُولِ عَلَى هَذِهِ العُمُولَةِ، وَهِيَ العَائِدُ الحَقِيقِيُّ لَهُ مِنَ القَرْضِ، لاَ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ رُسُومُ الخِدْمَةِ نِسْبَةً مِنْ قِيمَةِ المَبِيعَاتِ، بَلْ يَجُوبُ أَنْ يَكُونَ الرَّسْمُ مَبْلَغًا مَقْطُوعًا لاَ ارْتِبَاطَ لَهَا بِمِقْدَارِ الِائْتِمَانِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ حِمَايَةً مِنَ الوُقُوعِ فِي الرِّبَا، وَحَتَّى لاَ تَسْتَتِرَ فَائِدَةُ القَرْضِ بِرُسُومِ الخِدْمَةِ، وَلأَنَّ خِدْمَةَ البَيْعِ لاَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ قِيمَةِ الصَّفْقَةِ، فَالْكُلْفَةُ فِي الصَّفْقَةِ الصَّغِيرَةِ كَالْكُلْفَةِ فِي الصَّفْقَةِ الكَبِيرَةِ.
لِهَذَا أَرَى أَنَّ اللَّجْنَةَ كَانَتْ دَقِيقَةً عِنْدَمَا اشْتَرَطَتْ (أَلاَّ يُرَاعَى فِي العُمُولَةِ مَلاَءَةُ العَمِيلِ وَلاَ قُدْرَتُهُ عَلَى السَّدَادِ وَلاَ كَوْنُ العَقْدِ قَرْضًا أَوْ مُرَابَحَةً).
الدَّلِيلُ الرَّابِعُ: البَاعِثُ عَلَى العَقْدِ لَهُ أَثَرٌ فِي إِبَاحَةِ العَقْدِ وَتَحْرِيمِهِ، وَفِي صِحَّتِهِ وَإِبْطَالِهِ، وَلاَ يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ البَاعِثَ عَلَى القَرْضِ هُوَ التَّرَبُّحُ مِنْ عَقْدِ المَقْتَرِضِ؛ لأَنَّ القَرْضَ لَمْ يُمْنَحْ حَصْرًا إِلاَّ مِنْ أَجْلِ هَذَا، وَلاَ أَظُنُّ الشَّرِكَةَ تَدَّعِي خِلاَفَ هَذَا، فَمَا عُقِدَ القَرْضُ إِلاَّ لِلْتِّجَارَةِ، وَالَّتِي تَبْلُغُ مَلاَيِينَ الرِّيَالاَتِ.

وَالعَادَةُ أَنَّ القَرْضَ يَطْلُبُهُ المَقْتَرِضُ مِنَ المُقْرِضِ، بَيْنَمَا هَذِهِ الشَّرِكَاتُ هِيَ الَّتِي تَعْرِضُ قُرُوضَهَا عَلَى النَّاسِ، وَتُغْرِيهِمْ بِالاِقْتِرَاضِ: «اشْتَرِ الآَنَ وَادْفَعْ لَاحِقًا».
وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ البَاعِثَ عَلَى القَرْضِ حَرُمَ القَرْضُ، حَتَّى وَلَوْ دَفَعَ فَائِدَةَ القَرْضِ غَيْرُ المَقْتَرِضِ، كَمَا هُوَ نَصُّ اللَّجْنَةِ المُجِيزَةِ فِي قَرَارِهَا: (لاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ أَيِّ زِيَادَةٍ مُبَاشَرَةٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ، وَلَوْ دَفَعَهَا غَيْرُ المَقْتَرِضِ).
وَلِهَذَا مَنَعَ المَالِكِيَّةُ وَالحَنَابِلَةُ بَعْضَ البُيُوعِ نَظَرًا لِلْبَاعِثِ، مِنْ ذَلِكَ: بَيْعُ العِنَبِ لِمَنْ يَعْصِرُهُ خَمْرًا، وَمِثْلُهُ بَيْعُ السِّلاَحِ فِي زَمَنِ الفِتْنَةِ، وَمِثْلُهُ كُلُّ بَيْعٍ يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي نَفْسِهِ، وَالبَاعِثُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، فَالْعِنَبُ بَيْعُهُ مَشْرُوعٌ، وَلَكِنَّ البَاعِثَ عَلَى الشِّرَاءِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَهُوَ عَصْرُهُ لِيُتَّخَذَ خَمْرًا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ السِّلاَحِ مَشْرُوعٌ، وَلَكِنَّ البَاعِثَ عَلَيْهِ الظُُّلْمُ وَالقَتْلُ، وَهَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَمِثْلُ اسْتِئْجَارِ البَيْتِ مَشْرُوعٌ، وَلَكِنَّ اسْتِئْجَارَهُ، لِيُبَاعَ فِيهِ الخَمْرُ، أَوْ يُتَّخَذَ مَحَلًُّا لِلْدَّعَارَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
وَالبَاعِثُ التِّجَارِيُّ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ نِيَّةٍ بَاطِنَةٍ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي بِنْيَةِ العَقْدِ؛ إِذِ لاَ يُمْنَحُ التَّمْوِيلُ إِلاَّ لِشِرَاءٍ يُوَلِّدُ عَائِدًا مَالِيًّا مِنْ تَاجِرٍ مُتَعَاقِدٍ مَعَهَا، فَالبَاعِثُ مَشْرُوطٌ فِي العَقْدِ.
الدَّلِيلُ الخَامِسُ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ…» الحَدِيثَ[51]. [حَسَنٌ][52].
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَلِ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ «سَلَفٍ وَبَيْعٍ»، وَيَدْخُلُ فِي البَيْعِ كُلُّ عَقْدٍ قَائِمٍ عَلَى المُعَاوَضَةِ، وَمِنْهُ الشِّرَاءُ، فَإِذَا اشْتَرَطَ المُقْرِضُ عَلَى المَقْتَرِضِ أَلاَّ يُقْرِضَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَةِ القَرْضِ لِيَتَكَسَّبَ مِنْهُ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ السَّلَفِ وَالمُعَاوَضَةِ.

فَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى مَنْعِ تَرْكِيبِ القَرْضِ مَعَ عَقْدِ المُعَاوَضَةِ إِذَا كَانَ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُؤَثِّرًا فِي مَصْلَحَةِ المُقْرِضِ، وَالصُُّورَةُ هُنَا وَإِنْ كَانَتْ ثَلاَثِيَّةَ الأَطْرَافِ فَإِنَّ مَنَاطَ المَنْعِ: هُوَ رُجُوعُ مَنَفَعَةِ المُعَاوَضَةِ إِلَى المُقْرِضِ بِسَبَبِ القَرْضِ.
الرَّاجِحُ: الخِلاَفُ فِي الشِّرَاءِ عَنْ طَرِيقِ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ هُوَ مِنْ مَسَائِلِ الخِلاَفِ بَيْنَ المُعَاصِرِينَ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَضِيقَ الصَّدْرُ بِالاِخْتِلاَفِ فِي حُكْمِهَا، وَأَمَّا دَعْوَةُ بَعْضِ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي القَوْلُ بِجَوَازِهَا تَحْتَ ضَغْطِ حَاجَةِ النَّاسِ وَانْتِشَارِ الفَقْرِ، وَأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ فَلاَ أُوَافِقُ عَلَيْهَا؛ لأَنَّ مِثْلَ هَذَا دَعْوَةٌ لِلْسُُّكُوتِ عَنْهَا حَتَّى يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الإِجْمَاعِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَجَّهَ طَلَبَةُ العِلْمِ إِلَى دِرَاسَتِهَا وَبَحْثِهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الصَّوَابُ مِنَ الخَطَأِ.
وَقَوْلُ بَعْضِ العُلَمَاءِ: إِنَّ المَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ، إِنْ قَصَدَ أَنَّهَا ظَنِّيَّةٌ فَهِيَ كَذَلِكَ، وَأَكْثَرُ مَسَائِلِ الفِقْهِ ظَنِّيَّةٌ، وَالِاحْتِيَاطُ فِيمَا هُوَ مِنْ مَظَانِّ الرِّبَا التَّرْكُ، وَلَيْسَ الإِبَاحَةَ.

وَإِنْ قَصَدَ أَنَّ القَائِلَ بِالتَّحْرِيمِ لاَ دَلِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ دَعْوَى، فَالْمُحَرِّمُ يَدَّعِي أَنَّ لَهُ أَدِلَّتَهُ الظَّاهِرَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَإِذَا كَانَ المُجَوِّزُ يُخَرِّجُهَا عَلَى السُُّفْتَجَةِ، وَالأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ فِي المُعْتَمَدِ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ عَلَى تَحْرِيمِ السُُّفْتَجَةِ، فَلْيُلْحَقِ الفَرْعُ بِالأَصْلِ، إِذَا سُلِّمَ تَحَقُُّقُ العِلَّةِ وَانْتِفَاءُ الفَارِقِ المُؤَثِّرِ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لِكُلِّ فَرِيقٍ أَدِلَّتُهُ، وَقَدْ عَرَضْتُهَا، وَالحَكَمُ طَلَبَةُ العِلْمِ، وَالخِلاَفُ الفِقْهِيُّ قَدَرًا وَشَرْعًا غَيْرُ مَدْفُوعٍ، وَمَا زَالَ أَهْلُ العِلْمِ يَخْتَلِفُونَ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَكُلُُّنَا يَطْلُبُ إِصَابَةَ الحَقِّ، وَالمُجْتَهِدُ بَيْنَ الأَجْرِ وَالأَجْرَيْنِ، وَهَذَا أَمْرٌ بَدِيهِيٌّ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْكِيدٍ، وَهَذَا البَحْثُ لَيْسَ رَدًُّا عَلَى أَحَدٍ، بَلْ هُوَ بَحْثٌ فِقْهِيٌّ يَعْرِضُ أَدِلَّةَ القَوْلَيْنِ وَلَيْسَ تَرْجِيحِي لأَحَدِهِمَا يَحْمِلُنِي أَنْ أَبْخَسَ أَدِلَّةَ القَوْلِ الآخَرِ، وَلاَ أَنْ أَتَكَلَّفَ فِي رَدِّ أَدِلَّتِهِمْ بِمَا لاَ يَحْتَمِلُهُ المَقَامُ.
وَلَعَلَّ مَنْ قَرَأَ بُحُوثِي يَعْرِفُ أَنَّنِي لَمْ أَتَعَرَّضْ لأَحَدٍ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ حِفَاظًا عَلَى سَلاَمَةِ القُلُوبِ، وَحِرْصًا عَلَى سَلاَمَةِ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَلِهَذَا فِي المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ القَدِيمَةِ لَمْ أَحْرِصْ عَلَى نَقْلِ آرَاءِ المُعَاصِرِينَ حَتَّى وَلَوْ كَانَ مِنْ شُيُوخِي؛ لأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الاِخْتِلاَفِ مَعَهُمْ فِي تَرْجِيحِ بَعْضِ المَسَائِلِ، وَلاَ أُرِيدُ إِبْرَازَ هَذَا، وَلاَ المَسَّ مِنْ رُمُوزِ أَهْلِ السُُّنَّةِ مِنَ السَّلَفِيِّينَ، وَكُلٌّ مِنَّا يَطْلُبُ الحَقَّ، وَيُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَلاَ أَظُنُّ فِي طَلَبَةِ العِلْمِ إِلاَّ مَا أَظُنُُّهُ فِي نَفْسِي، مِنَ الحِرْصِ عَلَى تَحَرِّي الحَقِّ، وَإِقَامَةِ العَدْلِ، وَلِكَوْنِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ نَازِلَةً، سَيَكُونُ الخِلاَفُ فِيهَا حَصْرِيًّا بَيْنَ المُعَاصِرِينَ، مِمَّا يَضْطَرُُّنِي إِلَى ذِكْرِ الأَسْمَاءِ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
وَالقَوْلُ بِتَحْرِيمِ الشِّرَاءِ مِنْ شَرِكَاتِ الدَّفْعِ الآَجِلِ إِذَا كَانَ المُنْتَجُ قَائِمًا عَلَى القَرْضِ هُوَ الأَقْرَبُ لِلصَّوَابِ، وَيُمْكِنُ لِهَذِهِ الشَّرِكَاتِ أَنْ تَشْتَرِيَ البَضَاعَةَ الَّتِي يُرِيدُهَا العَمِيلُ، وَتَبِيعَهَا إِيَّاهُ عَنْ طَرِيقِ المُرَابَحَةِ لِلآَمِرِ بِالشِّرَاءِ وَفْقَ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ لِهَذِهِ العَمَلِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الخَاتِمَةُ

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبَعْدُ:

📌 فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْهِ البَحْثُ، وَأُجْمِلُهُ فِي مَسَائِلَ:
الأُولَى: أَنَّ هَذِهِ المُعَامَلَةَ نَازِلَةٌ مُرَكَّبَةٌ لاَ تُلْتَمَسُ صُورَتُهَا فِي كُتُبِ المُتَقَدِّمِينَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي آحَادِ عُقُودِهَا قَدِيمَةً، فَالْبَيْعُ وَالقَرْضُ وَالعُمُولَةُ كُلُُّهَا مِنَ العُقُودِ المُمَسَّاةِ، وَمَرْجِعُ تَصْوِيرِهَا إِلَى ثَلاَثَةٍ:

(أ) نُصُوصِ العُقُودِ المَنْشُورَةِ.

(ب) وَنِظَامِ الجِهَةِ الرَّقَابِيَّةِ.

(ج) وَإِفْصَاحِ الشَّرِكَاتِ المَالِيِّ المُدَقَّقِ؛ وَمَا عَدَاهَا فَعِبَارَاتٌ تَسْوِيقِيَّةٌ لاَ يُبْنَى عَلَيْهَا تَكْيِيفٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الشَّرِكَةَ لاَ تُقْرِضُ العَمِيلَ قَرْضًا مُجَرَّدًا، بَلْ تُقْرِضُهُ مَشْرُوطًا عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ تَاجِرٍ بِعَيْنِهِ سَبَقَ التَّعَاقُدُ مَعَهُ؛ فَدَعْوَى اسْتِقْلاَلِ هَذِهِ العُقُودِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ دَعْوَى تُكَذِّبُهَا بِنْيَةُ المُنْتَجِ نَفْسِهَا.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَا يَبْذُلُهُ التَّاجِرُ لَيْسَ أُجْرَةَ خِدْمَةٍ مُنْفَكَّةٍ عَنِ التَّمْوِيلِ؛ يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى مَبْلَغِ الشِّرَاءِ لاَ مَقْطُوعٌ، وَأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الأَجَلِ وَالمَخَاطِرَةِ، وَأَنَّ الشَّرِكَةَ نَفْسَهَا أَدْرَجَتْهُ فِي المُكَوِّنِ التَّمْوِيلِيِّ لِلْمُعَامَلَةِ، وَأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُقَابِلُهُ تَحَمُُّلُهَا مَخَاطِرَ ائْتِمَانِ المَقْتَرِضِ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ الفَرِيقَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ المَشْرُوطَةَ لِلْمُقْرِضِ مَمْنُوعَةٌ وَلَوْ بَذَلَهَا غَيْرُ المَقْتَرِضِ؛ فَانْحَصَرَ النِّزَاعُ فِي تَحْقِيقِ المَنَاطِ: أَهَذَا العِوَضُ مِنْهَا أَمْ لاَ؟ وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ مِنْهَا، فَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ هُوَ الرَّاجِحُ.
الخَامِسَةُ: أَنَّ هَذَا خِلاَفٌ سَائِغٌ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ، لِكُلِّ فَرِيقٍ فِيهِ مَأْخَذُهُ وَنَظَرُهُ، وَلَمْ أَقْصِدْ بِهَذَا البَحْثِ الرَّدَّ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَلاَ انْتِقَاصَ مَنْ خَالَفَ؛ فَإِنَّ الحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، وَالمُصِيبُ مَأْجُورٌ أَجْرَيْنِ، وَالمُخْطِئُ المُجْتَهِدُ مَأْجُورٌ أَجْرًا، وَهَكَذَا كُلُُّ مَسَائِلِ الخِلاَفِ.
السَّادِسَةُ: إِذَا أُرِيدَ لِهَذَا المُنْتَجِ أَنْ يَسْلَمَ، فَمَدَارُ سَلاَمَتِهِ عَلَى فَكِّ الِارْتِبَاطِ حَقِيقَةً لاَ صُورَةً: بِأَلاَّ يُشْتَرَطَ عَلَى العَمِيلِ الشِّرَاءُ مِنْ تَاجِرٍ بِعَيْنِهِ، وَأَنْ يَكُونَ عِوَضُ التَّاجِرِ مَبْلَغًا مَقْطُوعًا لاَ نِسْبَةً مِنْ مَبْلَغِ التَّمْوِيلِ، وَأَلاَّ يَدْخُلَ فِي تَسْعِيرِهِ أَجَلُ المَدِينِيَّةِ وَلاَ مَخَاطِرُهَا. فَإِنَّ الرَّسْمَ إِذَا تَنَاسَبَ مَعَ المَبْلَغِ وَالأَجَلِ وَالخَطَرِ، فَقَدْ نَطَقَ بِحَقِيقَتِهِ وَإِنْ سُمِّيَ بِغَيْرِ اسْمِهِ.

وَبَعْدُ، فَمَا كَانَ فِي هَذَا البَحْثِ مِنْ صَوَابٍ فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ خَطَأٍ أَوْ نَقْصٍ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ. وَأَنَا رَاجِعٌ إِلَى الحَقِّ مَتَى تَبَيَّنَ، شَاكِرٌ لِمَنْ أَهْدَى إِلَيَّ عَيْبِي، فَإِنَّ المَسَائِلَ تَنْضَجُ بِالْمُذَاكَرَةِ، وَلاَ يَزَالُ المَرْءُ عَالِمًا مَا طَلَبَ العِلْمَ، فَإِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ فَقَدْ جَهِلَ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

الحواشي والمراجع
[8] اللجنة الشرعية لشركة «تمارا»، وأعضاؤها: أ.د. يوسف بن عبد الله الشبيلي (رئيسًا)،
وأ.د. سعد بن تركي الخثلان، ود. خالد بن محمد السياري. ولها في المنتج ثلاثة قرارات منشورة على موقع الشركة، أهمها: القرار رقم (002)؛ لأنه القرار الذي أجاز الصورة القائمة على أن تدفع تمارا للتاجر عن العميل، ثم تستوفي من العميل المبلغ نفسه بالأقساط، وتأخذ عمولتها من التاجر، وقد صدر في الاجتماع الثاني للجنة يوم الخميس 30/3/1446هـ الموافق 3/10/2024م.
ونص الحكم الحاسم فيه: «جواز تعامل الشركة بمنتج «اشتر الآن وادفع لاحقًا» وفقًا للصورة المعروضة في ديباجة هذا القرار».
وقيدت الإجازة بستة ضوابط، بالغة الأهمية:
1) عقد تمارا مع التاجر لا يكون مشروطًا في عقد القرض مع العميل، ولا في عقد البيع بين التاجر والعميل؛ بل يجب استقلال العقود في آثارها وأحكامها.
2) لا يجوز اشتراط أية زيادة على المقترض في عقد القرض، مباشرة أو غير مباشرة، ولو دفعت الزيادة من غير المقترض.
3) عمولة تمارا من التاجر تكون بقدر يتلاءم مع المنفعة التي يحصل عليها التاجر، ولا يراعى في تحديدها ملاءة العميل أو قدرته على السداد، ولا كون تمويل العميل قرضًا أو مرابحة أو غيرهما، ولا تستحق العمولة بمجرد التمويل بل بإتمام شراء العميل.
4) سعر السلعة للعميل المستخدم لتمارا يجب أن يكون مثل سعر النقد بلا زيادة.
5) لا فوائد ولا غرامات تأخير على العملاء.
6) السلع والخدمات مباحة، وأجاز القرار دخول الذهب والفضة في هذه الصورة باعتبار تحقق القبض الشرعي بحسب رأي اللجنة.
وفي خاتمة القرار تؤكد اللجنة أن هذا الرأي خاص بالمنتج بصورته ووثائقه المعروضة على اللجنة، وأن أي تعديل في الهيكلة أو الوثائق يجب رفعه إليها.

[9] توصف تساهيل بأنها برنامج من مصرف الراجحي لتقسيط العمليات الشرائية على البطاقات الائتمانية الصادرة منه — لا منتجٌ مستقل — وله ثلاث حالات يعنينا منها حالتان، بحسب ما صرّحت به حسابات المصرف:
٣ أشهر بدون هامش ربح لأي عملية شرائية.
وقولهم: بدون هامش ربح أي على العميل، ولكن الشراء بالبطاقة يدر عائدًا على البنك من جهة التاجر.
من ٦ إلى ٢٤ شهرًا بدون هامش ربح «مع التجار المشاركين، حسب المتفق عليه مع التاجر».

[10] دار المراجعة الشرعية» (Shariyah Review Bureau) في ورقتها الصادرة في مايو ٢٠٢٤م، وفيها تصريحٌ بالتكييف الذي يعتمده المجيزون: أن العلاقة بين العميل والشركة قرضٌ بلا فائدة، وبين الشركة والتاجر وساطةٌ تسويقيةٌ بعمولة، وبين التاجر والعميل بيعٌ عادي؛ وأن عمولة التاجر أجرةُ خدمةٍ تسويقية، بشرط أن يبيع التاجر بسعر النقد — قياسًا على قرار المجمع في بطاقات الائتمان.
ولقد قامت الدار بمراجعة واعتماد وتدقيق نماذج عمل عدة شركات بارزة تقدم خدمة «اشتر الآن وادفع لاحقاً» في المنطقة، ومنها:
شركة تابي (Tabby): تعاقدت مع دار المراجعة الشرعية للتأكد من توافق حلول الدفع المؤجل التي تقدمها في الأسواق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وحصلت على شهادة الاعتماد الشرعي لنماذج سدادها.
شركة مدفوع (Madfoat): حصلت على شهادة الاعتماد الشرعي لحل «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» لتقديم نموذج تمويل خالٍ من الفوائد لتمكين المستهلكين والشركات.

[11] ذكر ذلك معالي الشيخ في برنامج «فتاوى» على القناة السعودية (٢٨ أغسطس ٢٠٢٢م): أن الشراء بالتقسيط من مثل «تمارا» و«تابي» ليس فيه ربا.
وعلَّل بأن الشركة تشتري بسعرٍ مخفَّض ثم تبيع بسعر السوق وتأخذ عمولةً من التاجر وهذا تعليلٌ مبنيٌّ على تكييفِ بيعٍ لا قرض، فليُتنبَّه له، ولعل الشيخ يقصد معاملة أخرى لتمارا: (بيع التقسيط بالمرابحة)، وهي غير هذه المعاملة.

[12] له بحث سماه (البيع عبر وسيط الدفع الآجل) منشور في مجلة الشريعة والقانون بتفهنا الأشراف – دقهلية، العدد الخامس والعشرون لسنة 2022 م، الإصدار الثاني، الجزء الثالث: (ص: 2263).

[13] بعث لي فضيلة الشيخ أحمد الخليل رأيه تعليقًا على فتوى صدرت مني في حكم التعامل مع تمارا، وكان نص تعليقه: قد أصاب الشيخ دبيان الدبيان. والخلاف في جواز تابي وتمارا، في خدمة: ( اشتر الآن وادفع لاحقا)، أرى أنه خلاف غير معتبر:
وليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلاف له حظ من النظر
والواقع أن شركات (خدمة الدفع) ومنها تابي وتمارا ، تقوم خدمتها على اتفاق منظم بين أطراف ثلاثة هي:
تمارا مثلاً، والتاجر «البائع»، والعميل»المشتري».
وهذا الاتفاق موضوعه: أن تمارا تكفل العميل «المشتري» بالثمن الذي يستحقه عليه التاجر»البائع».
وتشترط تمارا على البائع أن لا يطالب المشتري بالثمن، وتلتزم له بأدائه إليه ، مقابل زيادة على ما تدفعه عن المشتري.
وهذه الزيادة بحسب الاتفاق بين الأطراف تأخذها تمارا من التاجر «البائع»
هذا هو عملها بالتفصيل دون زيادة أو نقصان، وبه يظهر جليا أنها تقرض العميل»المشتري» ثمن ما يشتريه ، مقابل زيادة على هذا القرض، تأخذها من التاجر، بموجب عقد واتفاق.
والمعاملة على هذا النحو لا ريب أنها قرض جر نفعًا،
وكون النفع «الزيادة» يدفعها التاجر وليس العميل المقترض، ذلك لا يغير في حقيقة الأمر شيئا، فإن القرض قد قصد به المعاوضة وليس الإرفاق، وبهذا يخرج من قاعدة القرض، ويدخل قاعدة الربا.
والخلاف في هذا «القائل بالجواز « هو خلاف مخالف لحقيقة العقد، وبهذا يكون فاسد الاعتبار.

[14] وصلني رأيه في فتوى بعثها لي عبر تطبيق الوتس أب.

[15] رأيه منشور في مدونته على الشبكة، والشيخ تخصصه شرعي، وهو شيخ آخر غير الشيخ محمد بن سعود العصيمي، والمتخصص في الاقتصاد، وصاحب القائمة المعروفة في الشركات النقية، والمشرف على مركز المقاصد للاستشارات الاقتصادية.

[16] (١٢/٥٨٣).

[17] الاستذكار: (17/341).

[18] جامع الأمهات (ص: 374).

[19] الذخيرة (5/289).

[20] الذخيرة (5/290).

[21] مواهب الجليل (4/546).

[22] شرح الزرقاني على خليل (5/409).

[23] شرح ميارة شرح تحفة الحكام (2/196).

[24] البيان والتحصيل: (7/107-108).

[25] تحرير الكلام في مسائل الالتزام (ص: 386).

[26] الذخيرة (292/5).

[27] مصنف عبد الرزاق، ط: التأصيل (15583).

[28] المصنف (21029).

[29] اختلف فيه على ابن جريج:
فرواه الثوري، كما في مصنف عبد الرزاق (15583)، ومن طريقه رواه ابن المنذر في الأوسط، ط: الفلاح (10/416)، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وفيه: فذكرت ذلك إلى ابن عباس، فقال: لا بأس به. وظاهر النص أن ابن عباس يوافق ابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين.
ورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (21029)، عن ابن جريج به، وفيه، فقال ابن عباس: لا بأس ما لم يشترط. فأجازها بقيد عدم الاشتراط، وظاهره يخالف ابن الزبير.
وتابع حجاج بن أرطأة ابن جريج، فرواه ابن أبي شيبة في المصنف (21023) حدثنا حفص، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، وابن الزبير أنهما كانا «لا يريان بأسا أن يؤخذ المال بأرض الحجاز، ويعطى بأرض العراق أو يؤخذ بأرض العراق، ويعطى بأرض الحجاز.
ورواه البيهقي (5/576): من طريق هشيم، أخبرنا حجاج بن أرطاة به، بلفظ: أن عبد الله بن الزبير كان يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق فيأخذونها منه، فسئل ابن عباس عن ذلك فلم ير به بأسا، فقيل له: إن أخذوا أفضل من دراهمهم، قال: لا بأس إذا أخذوا بوزن دراهمهم.
وحجاج ضعيف، لكنه قد تابعه ابن جريج.
والسؤال: أيهما أرجح رواية الثوري الثقة الحافظ الإمام الفقيه، وقد تابعه رجل وإن كان ضعيفًا إلا أنها من المرجحات.
أو رواية وكيع، الثقة الحافظ ؟ وكلاهما كوفي، وابن جريج مكي.
أميل إلى ترجيح رواية وكيع في ابن جريج خاصة، فقد قال الذهبي في سير أعلام النبلاء، ط: الرسالة (٦/٣٣٠): «قال عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان: أعياني ابنُ جُرَيجٍ أن أحفظ حديثَه، فنظرتُ إلى شيءٍ يجمع فيه المعنى، فحفظتُه، وتركتُ ما سوى ذلك».
والنقل في غاية الدقة، والراوي عنه ابن مهدي، وهو من أعرف الناس بسفيان.
وإذا كان سفيان يحفظ من حديث ابن جريج ما يجمع المعنى، والشرط قد يسقط عند اختصار الخبر.
وكان سماع وكيع من ابن جريج وهو في سن الشباب، وهو أدعى للحفظ، جاء في الكفاية في علم الرواية للخطيب (ص: ٥٤): «حدثنا أبو عُبيد محمد بن علي الآجُرّي قال: سمعتُ أبا داود سليمان بن الأشعث يقول: قال ابن جريج لوكيع: باكرتَ العلم، وكان لوكيعٍ ثماني عشرة سنة».
والضبط ينظر فيه إلى حال التحمل وحال الأداء. فوكيع سمع ابن جريج وهو في نحو الثامنة عشرة؛ وهذه سن قوة الحافظة، وليست سنًّا يخشى فيها ضعف التمييز. ثم إن وكيعًا لم يكن حافظًا عاديًّا؛ فقد قال أحمد: «ما رأيت أحدًا أوعى للعلم، ولا أحفظ من وكيع»، ووصفه بأنه «مطبوع الحفظ»، ونقل عن ابن معين: «ما رأيت أحفظ من وكيع».
وكان سفيان نفسه يتعجب من حفظ وكيع، جاء في تهذيب الكمال (30/477): «قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: سمعت قاسمًا الجرمي، قال: كان سفيان يدعو وكيعًا وهو غلام، فيقول: يا رؤاسي، تعال أي شيء سمعت؟ فيقول: حدثني فلان كذا. قال: وسفيان يبتسم، ويتعجب من حفظه.
قال ابن عمار: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث منه، كان وكيع جهبذًا».
فزيادة وكيع: (ما لم يشترط) زيادة حافظ إمام، لا تخالف رواية الثوري، بل تقيد إطلاقها، وتتقوى بكون وكيع سمع من ابن جريج في سن قوة الحفظ، مع اشتهاره بالحفظ المتقن؛ فلا يظهر وجه للحكم بشذوذها لمجرد انفراد وكيع بها عن الثوري».

[30] والسفتجة: كلمة فارسية معربة، وحقيقتها: معاملة مالية وهي أن يدفع الرجل مالًا بأرض ليأخذه بأرض أخرى.

[31] الكافي لابن قدامة (2/126-127).

[32] مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج ().

[33] مصنف عبد الرزاق ط: التأصيل (15582).

[34] التبصرة للخمي (9/4207).

[35] عقد الجواهر (2/759).

[36] لوامع الدرر (9/181).

[37] البناية شرح الهداية (8/ 492)، مرشد الحيران، مادة (914)، حاشية ابن عابدين (5/ 350)، الخرشي (5/ 232)، المنتقى للباجي (5/ 97)، عقد الجواهر الثمينة (2/ 566)، الشرح الكبير للدردير (3/ 225 – 226)، منح الجليل (5/ 406)، الذخيرة (5/ 291)، نهاية المطلب (5/ 452)، المهذب (2/ 304)، الحاوي الكبير (6/ 467)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (5/ 462)، روضة الطالبين (4/ 34)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج (6/ 2676)، الإنصاف (5/ 131، 419)، الفروع (4/206)، المبدع (4/ 209)، كشاف القناع (3/ 317)، شرح منتهى الإرادات (2/ 227)، المحلى، مسألة (1193).

[38] مرشد الحيران (ص: 130).

[39] الإنصاف (5/131).

[40] المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (18/268).

[41] المغني (4/244).

[42] المعيار (6/239).

[43] المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (12/583).

[44] جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 30 (5/ 4) في الفقرة الرابعة منه: ما يلي: ….
«ليس هناك ما يمنع شرعًا من النص في نشرة الإصدار، أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث بمبلغ بالتبرع، مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون مستقلًا عن عقد المضاربة، بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطًا في نفاذ العقد، وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة، أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد». انظر: مجلة المجمع، ع4، ج3، ص: 1809.

[45] راجع كتابي المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (12/489).

[46] الأشراف على مذاهب العلماء (1/ 120 – 121).

[47] الشرح الكبير (3/ 77).

[48] المبسوط (4/227).

[49] المادة: 44.

[50] البخاري (3814).

[51] مسند أبي داود الطيالسي (2257).

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*