يَدْخُلُ في هذا الشرطِ مبحثانِ:
أحدُهُمَا: إمامةُ الأُمِّيِّ؛ إذا عَرَّفْنَا الأُمِّيَّ بأنَّهُ من لا يَحْفَظُ الفاتحةَ.
الثاني: إمامةُ اللَّحَّانِ، وهوَ من يَحْفَظُ الفاتحةَ ولكنْ يَلْحَنُ فيها لحناً يُحِيلُ المعنى.
وفي هذا المبحثِ نُعَرِّفُ الأُمِّيَّ لغةً واصطلاحاً، ثمَّ نَنْتقلُ بعدَ ذلكَ إلى التفصيلِ في إمامةِ الأُمِّيِّ واللَّحَّانِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
منسوبٌ إلى أمِّهِ، فكأنَّهُ نُسِبَ إلى ما ولدتْهُ أمُّهُ عليهِ.
أو لأنَّ الكتابةَ كانتْ سابقاً في الرجالِ دونَ النساءِ، فَنُسِبَ من لا يَكْتُبُ ولا يَخُطُّ من الرجالِ إلى أمِّهِ؛ لجهلِهِ بالكتابةِ دونَ أبيهِ؛ لأنَّ هذهِ صفاتُ النساءِ غالباً في ذلكَ الوقتِ [1].
وأضعفُ الأقوالِ من قالَ:
الأُمِّيُّ نسبةٌ إلى أمِّ القرى؛ لأنَّ هذهِ النسبةَ صفةٌ للنبيِّ ﷺ وصفةٌ للعربِ، وليستْ صفةً لقريشٍ فقطْ، وما هيَ الفائدةُ من هذهِ النسبةِ للنبيِّ ﷺ؟ [2].
من لا يُحْسِنُ الكتابةَ والقراءةَ، ومنهُ قِيلَ للعربِ أُمِّيُّونَ؛ لأنَّ الكتابةَ كانتْ فيهِمْ عزيزةً.
قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (الجمعةُ: 2) أرادَ الأكثرَ الأعمَّ، وإنْ كانَ فيهِمُ القليلُ ممن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ.
وكانَ النبيُّ ﷺ أُمِّيًّا، وكانَ مع ذلكَ حافظاً لكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ فكانتْ آيةً معجزةً، ومعنى أُمِّيَّتِهِ أنَّهُ لم يَكُنْ يُحْسِنُ الكتابةَ ولا يَقْرَؤُهَا [3].
قالَ تعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (الأعرافُ: 157).
وقالَ تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوتُ: 48).
فنفى اللهُ عن نبيِّنَا القراءةَ بقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ كما نفى عنهُ الكتابةَ بقولِهِ: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.
وفي الصحيحينِ من حديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ قالَ:
«إنا أمةٌ أميةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ…» [4].
فكانَ قولُهُ: «لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ» جملةً تفسيريةً لقولِهِ: «إنا أمةٌ أميةٌ».
أرادَ أنَّهُمْ على أصلِ ولادةِ أمِّهِمْ لم يَتَعَلَّمُوا الكتابةَ والحسابَ، فهُمْ على جبلتِهِمُ الأُولَى [5].
ومنهُ قولُهُ تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (البقرةُ: 78):
فقولُهُ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أيْ منهم من لا يُحْسِنُ القراءةَ ولا الكتابةَ.
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ لا يعلمونَ ما في الكتابِ؛ لأنَّ من لا يستطيعُ أنْ يَقْرَأَ فلنْ يَعْلَمَ ما في الكتابِ الذي أنزلَهُ اللهُ ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ أيْ إلا ما يتمنونَهُ على اللهِ بالباطلِ مما ليسَ لهُمْ. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أيْ ما يتمنونَهُ ظناً منهم لا يقيناً [6].
وأما الأُمِّيُّ في اصطلاحِ الفقهاءِ فهُمْ مختلفونَ فيهِ:
حتى جَازَ عندَ أبي حنفيةَ اقتداءُ حافظِ القرآنِ بمن لا يُحْسِنُ إلا قراءةَ آيةٍ من القرآنِ، وعندَ صاحبيهِ بمن يُحْسِنُ ثلاثةَ آياتٍ قِصَارٍ، أو آيةً طويلةً [8].
وقد ذَكَرْتُ أدلتَهُمْ عندَ الكلامِ على مسألةِ فرضِ القراءةِ.
قالَ في «منهاجِ التحصيلِ»:
«وأما الأُمِّيُّ الذي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ ولا يَنْفَعُ فيهِ التعليمُ» [10].
وقالَ الخرشيُّ:
«المرادُ بالأُمِّيِّ: من لا يَقْرَأُ» [11].
وجاءَ في «الفواكهِ الدواني»:
«وأما الأُمِّيُّ الذي لم يَقْرَأْ بمثلِهِ فَتَصِحُّ عندَ فَقْدِ القارئِ» [12].
فالمالكيةُ لا فرقَ عندَهُمْ في معنى الأُمِّيِّ بينَ اللغةِ والاصطلاحِ.
• ولهذا فَرَّقَ المالكيةُ بينَ إمامةِ الأُمِّيِّ، وبينَ إمامةِ اللَّحَّانِ:
فَمَنَعُوا الأولَ، واختلفُوا في إمامةِ الثاني.
والمعتمدُ صحةُ إمامتِهِ، ولو كانَ لحنُهُ يُحِيلُ المعنى، كما سيأتي بيانُهُ عندَ ذكرِ الخلافِ في حكمِ إمامةِ اللَّحَّانِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وهذا مذهبُ الشافعيةِ [13].
وهذا يعني أنَّهُ لو حَفِظَ جميعَ القرآنِ حتى الفاتحةَ إلا تشديدةً منها فهوَ أُمِّيٌّ عندَ الشافعيةِ.
وفَرَّقَ الشافعيةُ بينَ زيادةِ الشدةِ وبينَ نقصِهَا، فإذا شَدَّدَ مخففاً فقد جاءَ بجميعِ حروفِ الفاتحةِ، إلا أنَّهُ أساءَ بالزيادةِ عليها، ولم تَبْطُلْ صلاتُهُ، مع أنَّهُ لَحَنَ، وأما إنْ خَفَّفَ حرفاً مشدداً من الفاتحةِ فإنَّهُ قد نَقَصَ منها، فلم يَأْتِ بالركنِ على وجهِهِ، فإنْ كانَ عاجزاً عن الإتيانِ بالحرفِ مشدداً كانَ أُمِّيًّا [14].
الأولُ:
قالَ الزركشيُّ:
«الأُمِّيُّ في عرفِ الفقهاءِ: هوَ من لا يُحْسِنُ فرضَ الفاتحةِ إنْ قِيلَ بركنيتِهَا، وإنْ قِيلَ: الفرضُ آيةٌ، فالأُمِّيُّ: من لا يُحْسِنُ آيةً» [15].
ونفيُ الإحسانِ في فرضِ الفاتحةِ فيهِ إجمالٌ، فإنْ قَصَدَ بقولِهِ: (لا يُحْسِنُ الفاتحةَ) أيْ لا يَحْفَظُهَا، فهوَ متفقٌ مع المالكيةِ.
والثاني: وهوَ المشهورُ: أنَّ الأُمِّيَّ: هوَ من لا يُحْسِنُ الفاتحةَ: أيْ: لا يَحْفَظُهَا، أو يُدْغِمُ فيها ما لا يُدْغَمُ، وهوَ الأَرَتُّ، أو يُبْدِلُ منها حرفاً لا يُبْدَلُ كإبدالِ الراءِ غيناً، وهوَ الأَلْثَغُ، -إلا ضادَ المغضوبِ والضالينَ بظاءٍ لتقاربِ مخرجِهِمَا- أو يَلْحَنُ لحناً يُحِيلُ المعنى كالذي يَكْسِرُ الكافَ (إياكِ) أو يَضُمُّ تاءَ (أنعمتُ) ولا يَقْدِرُ على إصلاحِهِ.
وهذا التعريفُ قريبٌ من تعريفِ الشافعيةِ [16].
زَادَ ابنُ قدامةَ في حدِّهِ: من تَرَكَ حرفاً من حروفِ الفاتحةِ؛ لعجزِهِ عنهُ).
قالَ في «المغني»:
«ومن تَرَكَ حرفاً من حروفِ الفاتحةِ؛ لعجزِهِ عنهُ، أو أبدلَهُ بغيرِهِ، كالأَلْثَغِ الذي يَجْعَلُ الراءَ غيناً، والأَرَتِّ: الذي يُدْغِمُ حرفاً في حرفٍ، أو يَلْحَنُ لحناً يُحِيلُ المعنى … فهوَ كالأُمِّيِّ» [17].
وكلُّ من عَرَّفَ الأُمِّيَّ من الحنابلةِ لم يَذْكُرْ تركَ الحرفِ في حدِّ الأُمِّيِّ إلا ما ذكرَهُ ابنُ قدامةَ، فهل ما زادَهُ ابنُ قدامةَ يُعَدُّ زيادةَ تفصيلٍ، أم أنَّ ما زادَهُ يُضِيفُ وصفاً في حدِّ الأُمِّيِّ لم يَكُنْ داخلاً في تعريفِ جماعةِ الحنابلةِ؟
ولولا أنَّ ابنَ قدامةَ ذَكَرَ في حدِّ الأُمِّيِّ من يَلْحَنُ في الفاتحةِ، لقلتُ: تركُ الحرفِ يَدْخُلُ في اللحنِ، فلا يُعَدُّ إضافةً.
أنَّ زيادةَ ابنِ قدامةَ هيَ زيادةُ تفصيلٍ؛ لأنَّ تركَ الشدةِ عندَ الحنابلةِ إذا تركَهَا غيرُ مأمومٍ: فإنْ كانَ قريباً منها، أَعَادَ الكلمةَ التي تَرَكَ، وصَحَّتْ صلاتُهُ، كمن نَطَقَ بالكلمةِ على غيرِ الصوابِ، ثمَّ أتى بها على وجهِهَا، فإنْ فَاتَ مَحَلُّهَا، وبَعُدَ عنهُ بحيثُ يُخِلُّ بالموالاةِ، أو فَارَقَ القيامَ لَزِمَهُ الرجوعُ إليهِ واستئنافُ الفاتحةِ، لتركِهِ حرفاً منها؛ لأنَّ الحرفَ المشددَ أُقِيمَ مقامَ حرفينِ، ما لم يَشْرَعْ في قراءةِ الركعةِ الثانيةِ، فإنْ شَرَعَ في قراءةِ الركعةِ الثانيةِ بَطَلَتِ الركعةُ السابقةُ، وقَامَتِ الركعةُ التي تَلِيهَا مقامَهَا، فإنْ لَيَّنَهَا، ولم يُحَقِّقْهَا على الكمالِ فلا إعادةَ قولاً واحداً في المذهبِ، واللهُ أعلمُ.
فإذا كانَ تركُ الشدةِ يَجِبُ تصحيحُهُ من الإمامِ والمنفردِ وإلا بَطَلَتِ الركعة فهذا يَدُلُّ على أنَّ تركَ الشدةِ عجزاً داخلٌ في حدِّ الأُمِّيِّ، واللهُ أعلمُ.
كما انْفَرَدَ الحنابلةُ بإدخالِ اللحنِ في تعريفِ الأُمِّيِّ باعتبارِ أنَّ اللحنَ المحيلَ للمعنى من العيوبِ التي تَقْدَحُ في القراءةِ؛ لأنَّ اللَّحَّانَ يُغَيِّرُ التنزيلَ حتى يكونَ ما قرأَهُ ليسَ بقرآنٍ، فلا فرقَ بينَهُ وبينَ من أَسْقَطَ حرفاً أو أَبْدَلَ حرفاً بآخرَ مما لا يَصِحُّ إبدالُهُ.
ومن خلالِ هذهِ التعريفاتِ نَخْرُجُ بما يلي:
الأولُ: المالكيةُ ليسَ لهُمْ مصطلحٌ خاصٌّ في تعريفِ الأُمِّيِّ، فاسْتَخْدَمُوا الأُمِّيَّ بمعناهُ اللغويِّ، فأرادُوا بهِ من لا يَعْرِفُ قراءةَ الفاتحةِ في الصلاةِ، فأرَاحُوا واسْتَرَاحُوا، وهوَ ظاهرُ تعريفِ الزركشيِّ من الحنابلةِ.
فحكمُ إمامةِ الأُمِّيِّ عندَهُمْ لا يَدْخُلُ فيها حكمُ إمامةِ اللَّحَّانِ، ولا من تَرَكَ شدةً أو حرفاً، ولا يَدْخُلُ فيهِ إمامةُ الأَلْثَغِ والأَرَتِّ، فهذهِ مسائلُ تُبْحَثُ على وجهِ الاستقلالِ عن حكمِ إمامةِ الأُمِّيِّ.
الثاني: لا يَدْخُلُ اللحنُ وتركُ الشدةِ عندَ الحنفيةِ في حدِّ الأُمِّيِّ، وظاهرُ كلامِهِمْ أنَّهُ لا فرقَ بينَ أنْ يَقَعَ اللحنُ وتركُ الشدةِ في القَدْرِ الذي يَقُومُ بهِ الفرضُ، أو يَقَعَ في القدرِ المستحبِّ من القراءةِ.
قالَ ابنُ الهمامِ في «فتحِ القديرِ»:
«تركُ المدِّ والتشديدِ كالخطأِ في الإعرابِ» [18].
الثالثُ: نَصَّ الحنابلةُ على أنَّ اللحنَ المحيلَ للمعنى يَدْخُلُ في حدِّ الأُمِّيِّ، ولم يَذْكُرِ الجمهورُ اللحنَ في حدِّ الأُمِّيِّ، ولا يعني ذلكَ أنَّ اللَّحَّانَ لحناً يُحِيلُ المعنى أنَّ إمامتَهُ صحيحةٌ، ولكنَّ الكلامَ في إدخالِ ذلكَ في حدِّ الأُمِّيِّ.
وسوفَ نَتَكَلَّمُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى على حكمِ إمامةِ اللَّحَّانِ في مبحثٍ مستقلٍّ عن حكمِ إمامةِ الأُمِّيِّ مراعاةً لمصطلحِ من لا يُدْخِلُهُ في حدِّ الأُمِّيِّ.
الرابعُ: الاختلافُ بينَ الحنفيةِ وبينَ الشافعيةِ والحنابلةِ في اصطلاحِ الأُمِّيِّ عائدٌ إلى اختلافِهِمْ في تقديرِ ما تَصِحُّ بهِ الصلاةُ من القراءةِ، فهُمْ متفقونَ على أنَّ العاجزَ عن القيامِ بفرضِ القراءةِ في الصلاةِ فهوَ أُمِّيٌّ. والخلافُ بينهُمَا في تقديرِ فرضِ القراءةِ، فالفرضُ عندَ الشافعيةِ والحنابلةِ: هوَ في الفاتحةِ خلافاً لأبي حنيفةَ فالفرضُ عندَهُ آيةٌ، ولو قصيرةً، وهوَ قولٌ عندَ الحنابلةِ.
وقالَ صاحباهُ: ثلاثُ آياتٍ قصيرةٍ أو آيةٌ طويلةٌ.
وقد ذَكَرْنَا أدلتَهُمْ عندَ الكلامِ على أحكامِ القراءةِ.
والذي يَهُمُّنَا في هذا المبحثِ:
أنْ نَعْرِفَ عندما نَتَكَلَّمُ على حكمِ إمامةِ الأُمِّيِّ ما ذا يَعْنِي هذا المصطلحُ عندَ الفقهاءِ.
وقد تَبَيَّنَ لنَا:
أنَّ دلالتَهُ الاصطلاحيةَ ليستْ مَحَلَّ وفاقٍ بينَ المذاهبِ.
فالمالكيةُ: تَمَسَّكُوا في دلالتِهِ اللغويةِ خلافاً للجمهورِ الذينَ وَضَعُوا لهُ تعريفاً اصطلاحياً على اختلافٍ بينهُمْ في هذا المصطلحِ، وإنْ كانَ تعريفُ الحنابلةِ قريبٌ من تعريفِ الشافعيةِ. واللهُ أعلمُ.
هل يَصِحُّ اقتداءُ القارئِ بالأُمِّيِّ؟
📌 المدخلُ إلى المسألةِ:
اختلفَ العلماءُ في صلاةِ القارئِ خلفَ الأُمِّيِّ:
وبهِ قالَ أبو حنيفةَ والمالكيةُ، وهوَ أشهرُ الوجهينِ في مذهبِ الحنابلةِ [19].
قالَ الزركشيُّ في «شرحِ الخرقيِّ»:
«وهل تَبْطُلُ صلاةُ الإمامِ والحالُ هذهِ؟ فيهِ احتمالانِ، أشهَرُهُمَا البطلانُ» [20].
خَرَّجَهُ أبو إسحاقَ المروزيُّ على قولِ الشافعيِّ في (الجديدِ): تَلْزَمُ المأمومَ القراءةُ بكلِّ حالٍ.
وبهِ قالَ أشهبُ من المالكيةِ، وقالَ بهِ بعضُ الحنابلةِ [21].
واختارَهُ المزنيُّ وابنُ المنذرِ والثوريُّ وأبو ثورٍ، ورُوِيَ ذلكَ عن عطاءٍ وقتادةَ [22].
قالَ البيهقيُّ:
«وإمامةُ الأُمِّيِّ للقارئِ جائزةٌ عندَنَا على أحدِ القولينِ» [23].
وبهِ قالَ أبو يوسفَ ومحمدُ بنُ الحسنِ من الحنفيةِ وهوَ وجهٌ عندَ الحنابلةِ، رجَّحَهُ البهوتيُّ وبعضُ الحنابلةِ [24].
جاءَ في «تصحيحِ الفروعِ»:
«قالَ ابنُ تميمٍ: فلو أَمَّ أُمِّيٌّ قارئاً فقد بَطَلَتْ صلاةُ القارئِ، وفي الإمامِ وجهانِ» [25].
وهوَ وجهٌ في مذهبِ الحنابلةِ [26].
فإنْ أَمَّ الأُمِّيُّ قارئاً ومعَهُ أُمِّيٌّ أو جماعةٌ من الأُمِّيِّينَ.
لم يَخْتَلِفِ الحكمُ عن التفصيلِ السابقِ عندَ الجمهورِ.
وانْفَرَدَ الحنابلةُ بتفصيلٍ آخرَ بسببِ موقفِهِمْ من المنفردِ خلفَ الصفِّ، فقالُوا:
إنْ أَمَّ أُمِّيٌّ أُمِّيًّا وقارئاً، فإنْ كانَا عن يمينِهِ، أو كانَ الأُمِّيُّ عن يمينِهِ فقطْ صَحَّتْ صلاةُ الإمامِ والأُمِّيِّ، وبَطَلَتْ صلاةُ القارئِ، وإنْ كانَا خلفَهُ أو القارئُ وحدَهُ عن يمينِهِ فَسَدَتْ صلاةُ الكلِّ، وإنْ أَمَّ قارئاً وأُمِّيَّيْنِ أَعَادَ القارئُ وحدَهُ، نَصَّ عليهِ صاحبُ «الإقناعِ» [27].
وقالَ الشافعيُّ في «القديمِ»:
إنْ كانتِ الصلاةُ سريةً جَازَ الاقتداءُ بهِ، وإنْ كانتْ جهريةً لم يَجُزِ الاقتداءُ بهِ [28].
وهذا القولُ فرعٌ عن قولِ الشافعيِّ في «القديمِ»: تَلْزَمُ المأمومَ القراءةُ خلفَ الإمامِ في السريةِ دونَ الجهريةِ.
وهوَ قولٌ في مذهبِ الحنابلةِ [29].
وقالَ إسحاقُ:
«من قَرَأَ خلفَ الأُمِّيِّ فصلاتُهُ جائزةٌ. ومن لم يَقْرَأْ خلفَهُ يُعِيدُ.
قِيلَ: فإنْ صلى الظهرَ، ولم تُسْمَعْ لهُ قراءةٌ، ونحنُ لا نَشُكُّ أنَّهُ لا يَقْرَأُ؟
قالَ: صلاةُ من قَرَأَ خلفَهُ جائزةٌ ومن لم يَقْرَأْ يُعِيدُ» [30].
الأولُ: تَفْسُدُ صلاةُ الإمامِ والقارئِ.
الثاني: تَصِحُّ صلاةُ الإمامِ والقارئِ.
الثالثُ: تَفْسُدُ صلاةُ القارئِ وحدَهُ دونَ الإمامِ.
الرابعُ: تَفْسُدُ في الصلاةِ الجهريةِ دونَ السريةِ.
الخامسُ: إنْ قَرَأَ القارئُ خلفَ الأُمِّيِّ صَحَّتْ صلاتُهُمَا، وإلا فَسَدَتْ صلاةُ القارئِ.
السادسُ: يَبْطُلُ فرضُ القارئِ، ويَنْقَلِبُ نفلاً.
السابعُ: يَصِحُّ اقتداءُ القارئِ بالأُمِّيِّ في النفلِ خاصةً.
الثامنُ: إذا فَسَدَتْ صلاةُ القارئِ لصلاتِهِ خلفَ أُمِّيِّ:
- فإنْ بَقِيَ خلفَ الإمامِ اثنانِ فصاعداً من الأُمِّيِّينَ:
صَحَّتْ صلاتُهُمْ. - وإنْ كانَ مع القارئِ أُمِّيٌّ واحدٌ، وكانَا عن يمينِ الإمامِ، أو كانَ الأُمِّيُّ عن يمينِهِ:
صَحَّتْ صلاةُ الإمامِ والأُمِّيِّ. - وإنْ كانَا خلفَ الإمامِ، أو كانَ الأُمِّيُّ عن يسارِ الإمامِ:
أعادَا جميعاً، وقِيلَ: تَصِحُّ صلاةُ الإمامِ.
ما رواهُ مسلمٌ من حديثِ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «يَؤُمُّ القومَ أَقْرَؤُهُمْ لكتابِ اللهِ، فإنْ كانُوا في القراءةِ سواءً، فأَعْلَمُهُمْ بالسنةِ، فإنْ كانُوا في السنةِ سواءً، فأَقْدَمُهُمْ هجرةً، فإنْ كانُوا في الهجرةِ سواءً، فأَقْدَمُهُمْ سِلْماً…» الحديثَ [31].
روى الإمامُ أحمدُ، قالَ: حدثنَا أسودُ بنُ عامرٍ، أخبرَنَا حسنُ بنُ صالحٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: «من كانَ لهُ إمامٌ، فقراءتُهُ لهُ قراءةٌ» [32].
[ضعيفٌ مرفوعاً، والصوابُ عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ مرسلاً، وعن جابرٍ موقوفاً] [33].
أنَّ الإمامَ يَتَحَمَّلُ القراءةَ عن المأمومِ، والأُمِّيُّ ليسَ من أهلِ التحملِ، فلم يَجُزْ أنْ يكونَ إماماً لهُ.
هذا الحديثُ في حقِّ إمامٍ فرضُهُ القراءةُ، وأما الأُمِّيُّ فقد سَقَطَ عنهُ فرضُ القراءةِ، فَيَقْرَأُ المأمومُ لنفسِهِ، وتَصِحُّ إمامةُ الأُمِّيِّ.
الأُمِّيُّ يُمْكِنُهُ أنْ يصليَ بقراءةٍ وذلكَ بأنْ يصليَ خلفَ قارئٍ، فإذا لم يَفْعَلْ صَارَ كأنَّهُ تَرَكَ القراءةَ مع قدرتِهِ عليها.
ولَزِمَ من الصلاةِ خلفَ الأُمِّيِّ أحدُ أمرينِ:
• إما أنْ نَقُولَ: بسقوطِ القراءةِ عن المأمومِ، وهذا يَعْنِي جوازَ الصلاةِ بغيرِ قراءةٍ مع القدرةِ عليها، وقد قالَ النبيُّ ﷺ في حديثِ عبادةَ:«لا صلاةَ لمن لم يَقْرَأْ بفاتحةِ الكتابِ». متفقٌ عليهِ.
• أو: نُلْزِمَ المأمومَ بالقراءةِ، والمأمومُ لا قراءةَ عليهِ في أصحِّ أقوالِ أهلِ العلمِ.
ولأنَّ الأُمِّيَّ إذا وَجَدَ قارئاً مُنِعَ أنْ يصليَ منفرداً، فكانَ بالمنعِ من أنْ يكونَ إماماً للقارئِ أَوْلَى.
قالَ تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرةُ: 286)، ومن لا تَجِبُ عليهِ القراءةُ عن نفسِهِ، كيفَ يَجِبُ عليهِ أنْ يَتَحَمَّلَ القراءةَ عن غيرِهِ وإلا لم تَصِحَّ إمامتُهُ؟
سقوطُ القراءةِ عن المأمومِ راجعٌ لأحدِ احتمالينِ:
إما لأنَّهُ: كانَ يَسْمَعُ قراءةَ الإمامِ، وهوَ مأمورٌ في مثلِ هذهِ الحالةِ بالاستماعِ والإنصاتِ، لقولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعرافُ: 204)، فإذا كانَ المأمومُ لا يَسْمَعُ قراءةَ إمامِهِ إما لأنَّ الصلاةَ سريةٌ، وإما لسقوطِ القراءةِ عن الإمامِ لكونِهِ أُمِّيًّا، فعلى المأمومِ أنْ يَقْرَأَ حينئذٍ، كما لو كانَ لا يَسْمَعُ إمامَهُ لبعدٍ أو طرشٍ، واللهُ أعلمُ.
وإما لأنَّ: القراءةَ ليستْ واجبةً على المأمومِ لكونِهِ مأموماً، لا لكونِ الإمامِ يَتَحَمَّلُهَا عنهُ، لأنَّ الأركانَ لا يَتَحَمَّلُهَا أحدٌ عن أحدٍ، فإنْ قَرَأَ المأمومُ في السريةِ اسْتُحِبَّتْ لهُ القراءةُ، وإنْ كانَ في صلاةٍ جهريةٍ فلا يَقْرَأُ المأمومُ حالَ سماعِ قراءةِ إمامِهِ.
فإذا كانَ الإمامُ أُمِّيًّا:
سَقَطَتِ القراءةُ عن الإمامِ لعجزِهِ، وسَقَطَ وجوبُ القراءةِ عن المأمومِ لكونِهِ مأموماً، فإنْ قَرَأَ فذلكَ أحوطُ، ولكنْ صلاتُهُ صحيحةٌ قَرَأَ أو لم يَقْرَأْ، واللهُ أعلمُ.
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ الوليدِ – يعني ابنَ كثيرٍ – حدثني سعيدُ ابنُ أبي سعيدٍ المقبريِّ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ قالَ: صلى بنَا رسولُ اللهِ ﷺ يوماً، ثمَّ انْصَرَفَ فقالَ: «يا فلانُ، ألا تُحْسِنُ صلاتَكَ؟ ألا يَنْظُرُ المصلي إذا صلى كيفَ يصلي؟ فإنما يصلي لنفسِهِ…» الحديثَ [34].
أنَّ صلاةَ المأمومِ ليستْ مرتبطةً بصلاةِ الإمامِ، وأنَّ كلَّ مصلٍّ يصلي لنفسِهِ.
وقد نَاقَشْتُ في بحثٍ سابقٍ، خلافَ الفقهاءِ في مسألةِ (ارتباطِ صلاةِ المأمومِ بصلاةِ إمامِهِ)، وبَيَّنْتُ عدمَ الارتباطِ، كما قالَ في الحديثِ الصحيحِ: «يُصَلُّونَ لكُمْ فإنْ أصابُوا فلكُمْ ولهُمْ وإنْ أساءُوا فلكُمْ وعليهِمْ» فارْجِعْ إليهِ إنْ شِئْتَ.
قولُهُ: «يصلي لنفسِهِ» أيْ: لهُ ثوابُهَا، وعليهِ نقصُهَا، وهذا لا يَمْنَعُ من ارتباطِ صلاةِ المأمومِ بإمامِهِ، واللهُ أعلمُ.
قالَ ابنُ رجبٍ:
«يُشِيرُ إلى أنَّ نفعَ صلاتِهِ يَعُودُ إلى نفسِهِ، كما قالَ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ (فصلتْ: 46)، فمن عَلِمَ أنَّهُ يَعْمَلُ لنفسِهِ وأنَّهُ مُلَاقٍ عملَهُ، ثمَّ قَصَّرَ في عملِهِ وأساءَ، كانَ مسيئاً في حقِّ نفسِهِ، غيرَ ناظرٍ لها، ولا ناصحٍ» [35].
القارئُ فرضُهُ: القراءةُ، وغيرُ القارئِ فرضُهُ: التسبيحُ والتحميدُ والتكبيرُ.
فإذا أَمَّ الأُمِّيُّ الذي فرضُهُ الذكرُ مَنْ كانَ فرضُهُ القراءةَ، وأَدَّى كلُّ واحدٍ منهما فرضَهُ الذي عليهِ، فأيهُمَا أَمَّ الآخرَ فصلاتُهُ جائزةٌ؛ إذ كلُّ واحدٍ منهما مُؤَدٍّ ما فُرِضَ عليهِ [36].
بأنَّ العاجزَ عن تحصيلِ الفرضِ بنفسِهِ عليهِ تحصيلُ هذا الفرضِ عن طريقِ الائتمامِ بمن يُحْسِنُهَا؛ لأنَّ قراءةَ الإمامِ قراءةٌ للمأمومِ، ولأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجبُ إلا بهِ فهوَ واجبٌ، فإذا تَرَكَ الأُمِّيُّ الصلاةَ خلفَ القارئِ مع إمكانِ الائتمامِ بهِ كانَ ذلكَ تركاً للقراءةِ اختياراً مع القدرةِ.
سَبَقَ أنْ نَاقَشْتُ القولَ بأنَّ:
(الأُمِّيَّ إذا عَجَزَ عن القراءةِ انْتَقَلَ إلى بدلٍ، وهوَ الائتمامُ بالقارئِ، وأنَّهُ إذا أَمْكَنَ أنْ يصليَ خلفَ قارئٍ أَصْبَحَتِ الجماعةُ في حقِّهِ شرطاً في صحةِ صلاتِهِ، بحيثُ لو صلى منفرداً أو خلفَ أُمِّيِّ بَطَلَتْ صلاتُهُ)
وبَيَّنْتُ في المسألةِ السابقةِ ضعفَ هذا القولِ، فارْجِعْ إليهِ.
إذا كانَ العجزُ عن القراءةِ لا يَمْنَعُ من صحةِ الصلاةِ، لم يَمْنَعْ من صحةِ الإمامةِ، فكلُّ من صَحَّتْ صلاتُهُ لنفسِهِ صَحَّتْ إمامتُهُ لغيرِهِ إلا بدليلٍ، أصلُهُ صحةُ ائتمامِ القائمِ بالقاعدِ، والمتوضئِ بالمتيممِ، والكاسي بالعاري، فما المانعُ من صحةِ إمامةِ الأُمِّيِّ للقارئِ، وقد أَدَّى كلُّ واحدٍ منهما ما فُرِضَ عليهِ؟
يقولُ المزنيُّ:
«قد أَجَازَ -يعني الإمامَ الشافعيَّ– صلاةَ من ائتمَّ بجنبٍ والجنبُ ليسَ في صلاةٍ، فكيفَ لا يَجُوزُ من ائتمَّ بأُمِّيِّ، والأُمِّيُّ في صلاةٍ، وقد وُضِعَتِ القراءةُ عن الأُمِّيِّ، ولم يُوضَعِ الطهرُ عن المصلِّي، وأصلُهُ: أنَّ كُلًّا يصلي عن نفسِهِ، فكيفَ يُجْزِئُهُ خلفَ العاصي بتركِ الغسلِ، ولا يُجْزِئُهُ خلفَ المطيعِ الذي لم يَعْصِ، وقد احْتَجَّ الشافعيُّ بأنَّ النبيَّ ﷺ صلى قاعداً بقيامٍ، وفَقْدُ القيامِ أشدُّ من فَقْدِ القراءةِ، فَتَفَهَّمْ» [37].
وقد صَحَّحَ المالكيةُ والحنابلةُ الائتمامَ بالمُحْدِثِ إذا لم يَتَذَكَّرِ الإمامُ حدثَهُ إلا بعدَ الصلاةِ.
وصَحَّحَهُ الشافعيُّ مطلقاً حتى ولو تَذَكَّرَ في صلاتِهِ وتَمَادَى بها ما دامَ المأمومُ لم يَعْلَمْ بهِ أثناءَ الصلاةِ.
أما القياسُ على ائتمامِ القائمِ بالقاعدِ، والمتوضئِ بالمتيممِ، والكاسي بالعاري:
فهذهِ الثلاثةُ لا يَدْخُلُهَا التحملُ، ولهذا لم يُمْنَعْ من صحةِ الصلاةِ خلفَهُمْ، بخلافِ العجزِ عن القراءةِ.
وأما الصلاةُ خلفَ المُحْدِثِ:
فإنَّ المأمومَ غيرُ منسوبٍ إلى التفريطِ، لأنَّهُ لا سبيلَ إلى معرفةِ حدثِ إمامِهِ، فلو صلى خلفَهُ وهوَ يَعْلَمُ حدثَهُ بَطَلَتْ صلاتُهُ، بخلافِ الصلاةِ خلفَ الأُمِّيِّ فإنَّهُ يُدْرِكُ عجزَ الإمامِ، وهوَ في الصلاةِ، كما لو كانتِ الصلاةُ جهريةً، فافْتَرَقَا، واللهُ أعلمُ.
تَجِبُ القراءةُ على المأمومِ في الصلاةِ السريةِ؛ لحديثِ عبادةَ بنِ الصامتِ: «لا صلاةَ لمن لم يَقْرَأْ بفاتحةِ الكتابِ». متفقٌ عليهِ، وسَبَقَ تخريجُهُ.
ولحديثِ أبي هريرةَ: «كلُّ صلاةٍ لا يُقْرَأُ فيها بأمِّ القرآنِ فهيَ خِدَاجٌ غيرُ تمامٍ». رواهُ مسلمٌ، وسَبَقَ تخريجُهُ.
وهذانِ العمومانِ خُصَّ منهما:
المأمومُ في الصلاةِ الجهريةِ من أجلِ سماعِ القرآنِ، لقولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعرافُ: 204)، وبَقِيَ الوجوبُ في حقِّ المأمومِ في الصلاةِ السريةِ.
فَتَبَيَّنَ من هذهِ الأحاديثِ:
أنَّ المأمومَ لا يَقْرَأُ في الجهريةِ، بل يَتَحَمَّلُ عنهُ الإمامُ، فإذا لم يُحْسِنِ الإمامُ القراءةَ لم يَصْلُحْ للتحملِ.
وفي السريةِ يَقْرَأُ المأمومُ لنفسِهِ، فلا أثرَ لعجزِ الإمامِ.
الجهرُ والإسرارُ في موضعِهِ سنةٌ على الصحيحِ، وهوَ قولُ الجمهورِ.
فإنْ قَرَأَ الإمامُ في الجهريةِ أَنْصَتَ المأمومُ، وإذا لم يَقْرَأِ الإمامُ إما لعجزٍ كالأُمِّيِّ، أو لم يَسْمَعْهُ لبعدٍ، أو لطرشٍ فعلى المأمومِ أنْ يَقْرَأَ الفاتحةَ، وتَصِحُّ الإمامةُ، فلو كانَ الجهرُ في الجهريةِ واجباً، لَقِيلَ لا تَصِحُّ الإمامةُ في الجهريةِ؛ لأنَّهُ سوفَ يُفَوِّتُ واجبَ الجهرِ، واللهُ أعلمُ.
ما رواهُ الإمامُ أحمدُ، قالَ: حدثنَا محمدُ بنُ جعفرٍ، حدثنَا شعبةُ، عن حصينٍ، عن هلالِ بنِ يسافٍ، قالَ:
أراني زيادُ بنُ أبي الجعدِ شيخاً بالجزيرةِ يُقَالُ لهُ: وابصةُ بنُ معبدٍ، قالَ: فأقامني عليهِ، وقالَ: هذا حدثني أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى رجلاً صلى في الصفِّ وحدَهُ، فأمرَهُ فأعادَ الصلاةَ. قالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: وكانَ أبي يقولُ بهذا الحديثِ [38].
[صحيحٌ] [39].
فالحنابلةُ يُبْطِلُونَ صلاةَ المنفردِ خلفَ الصفِّ.
فإذا كانَ الأُمِّيُّ عن يمينِ الإمامِ، فإذا بَطَلَتْ صلاةُ القارئِ، لم تَبْطُلْ صلاتُهُ، أو كانَا خلفَهُ، ومع الأُمِّيِّ أُمِّيٌّ آخرَ، فإذا بَطَلَتْ صلاةُ القارئِ، لم تَبْطُلْ صلاةُ الأُمِّيِّ، أما لو كانَ هوَ والقارئُ فقطْ خلفَ الإمامِ فإنَّ صلاتَهُمَا تَفْسُدُ، لأنَّ الأُمِّيَّ، وإنِ انْعَقَدَ إحرامُهُ فَذًّا، لكنْ فَسَدَتْ صلاتُهُ بدوامِهِ على ذلكَ؛ لأنَّهُ لا صلاةَ لمنفردٍ خلفَ الصفِّ.
إبطالُ صلاةِ المنفردِ خلفَ الإمامِ من مفرداتِ الحنابلةِ، والجمهورُ لا يَرَوْنَ إبطالَ الصلاةِ بذلكَ، ويَرَوْنَ إعادةَ الصلاةِ على وجهِ الاستحبابِ.
وحتى على القولِ بأنَّ المصافةَ واجبةٌ، فالواجبُ للعبادةِ، يختلفُ عن الواجبِ فيها.
وسوفَ يأتي بحثُ هذهِ المسألةِ في مبحثٍ مستقلٍّ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وينبغي التفريقُ بينَ من صلى فَذًّا ابتداءً، وبينَ من تَحَوَّلَ فَذًّا في أثناءِ الصلاةِ بغيرِ اختيارِهِ:
فالأولُ مُفَرِّطٌ، والثاني معذورٌ، والاستدامةُ أقوى من الابتداءِ، كالطيبِ على بدنِ المحرمِ، يجوزُ استدامتُهُ، ولا يجوزُ ابتداؤُهُ، فَيَصِحُّ وقوفُهُ قياساً على وقوفِ المرأةِ وحدَهَا خلفَ الصفِّ ضرورةً.
فالإمامُ الأُمِّيُّ إذا أَمَّ قارئاً وأُمِّيًّا فإذا كَبَّرُوا للصلاةِ انْعَقَدَتْ صلاتُهُمْ لأنَّهُمْ في حالةِ التكبيرِ متساوُونَ، هذا يُحْسِنُ التكبيرَ، كما أنَّ هذا يُحْسِنُ التكبيرَ، فإذا جاءَ وقتُ القراءةِ سَقَطَتِ القراءةُ عن الإمامِ لعجزِهِ، وبَطَلَتْ صلاةُ القارئِ على القولِ بتحملِ الإمامِ القراءةَ عنهُ، فَتَحَوَّلَ المأمومُ الأُمِّيُّ إلى كونِهِ فَذًّا خلفَ إمامِهِ الأُمِّيِّ بعدَ انعقادِ صلاتِهِ، ومثلُ هذا لا يُؤَثِّرُ على صلاتِهِ؛ إلا لو كانَ يَعْلَمُ بالحالِ قبلَ الصلاةِ، ولأنَّ الممنوعَ الابتداءُ منفرداً، بخلافِ الاستدامةِ، فالاستدامةُ أقوى من الابتداءِ، خاصةً أنَّ الأُمِّيَّ المأمومَ تَحَوَّلَ فَذًّا بغيرِ اختيارِهِ، وهوَ لا يَدْرِي أنَّ المأمومَ الذي بجانبِهِ قارئٌ، والوقوفُ على مثلِ هذا غيرُ ممكنٍ، فيُعْفَى عنهُ.
وقد روى مهنا عن أحمدَ رحمَهُ اللهُ:
في رجلٍ صلى يومَ الجمعةِ مع الإمامِ ركعةً وسجدتينِ في الصفِّ، ثمَّ زَحَمُوهُ، فصلى الركعةَ الأُخْرَى خلفَ الصفِّ وحدَهُ، قالَ: يُعِيدُ الركعةَ التي صلاهَا وحدَهُ.
وقالَ في روايةِ الحسنِ بنِ محمدٍ:
إذا رَكَعَ وسَجَدَ ثمَّ دَخَلَ في الصفِّ يُعِيدُ الركعةَ التي صلاهَا، ولا يُعِيدُ الصلاةَ كلَّهَا [40].
قالُوا: وهذا يَدُلُّ على أنَّ صلاتَهُ فَذًّا لا تُبْطِلُ الصلاةَ من أصلِهَا، وإنما يُمْنَعُ الاعتدادُ بها، ويَبْنِي على تحريمتِهِ.
قالَ القاضي أبو يعلى:
«ما نَقَلَهُ مهنا محمولٌ على أحدِ وجهينِ:
أحدُهُمَا: ما أَوْمَأَ إليهِ أبو بكرٍ: وأنَّ الصلاةَ في هذهِ الحالِ انْعَقَدَتْ في الصفِّ، وإنما صَارَ فَذًّا في أثنائِهَا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُنَافِيَ الابتداءَ، ولا يُنَافِيَ الاستدامةَ؛ كَالْعِدَّةِ، والرِّدَّةِ، والإحرامِ في عقدِ النكاحِ، والرجعةِ.
والوجهُ الثاني: أنَّهُ في هذا الحالِ صَارَ فَذًّا بغيرِ اختيارِهِ، وهوَ أنَّهُ زُحِمَ فيهِ؛ بحيثُ لا يُمْكِنُهُ المقامُ في الصفِّ، ولا عن يمينِ الإمامِ، وليسَ يُمْكِنُهُ أنْ يَنْفَرِدَ بفعلِ هذهِ الصلاةِ، فكانتْ هذهِ حالَ ضرورةٍ، فَجَازَ أنْ نَحْكُمَ بصحتِهَا؛ كما جَازَ ذلكَ في حقِّ المريضِ يصلي قاعداً، أو العادمِ للماءِ يصلي متيمماً» [41].
والوجهانِ كلاهُمَا متحققٌ في مسألتِنَا هذهِ.
وأما إذا لم يَعْلَمِ المأمومُ الأُمِّيُّ ببطلانِ صلاةِ من كانَ بجانبِهِ لكونِهِ قارئاً إلا بعدَ الصلاةِ فصلاتُهُ صحيحةٌ، كما لو لم يَعْلَمِ المأمومُ بحدثِ إمامِهِ إلا بعدَ الصلاةِ.
قالَ المرداويُّ في «تصحيحِ الفروعِ»:
«ظاهرُ كلامِ المصنفِ -يعني ابنَ قدامةَ– في بابِ النيةِ في مسائلَ كثيرةٍ أنَّهَا تَنْقَلِبُ نفلاً على المقدمِ عندَهُ، كما إذا أَحْرَمَ بفرضٍ فَبَانَ قبلَ وقتِهِ، أو بَطَلَ الفرضُ الذي انْتَقَلَ منهُ، وكذا لو فَعَلَ ما يُفْسِدُ الفرضَ فقطْ، كتركِ القيامِ، والصلاةِ في الكعبةِ، والائتمامِ بمتنفلٍ، إذا قُلْنَا لا يَصِحُّ الفرضُ، والائتمامِ بصبيٍّ إنْ لم يَعْتَقِدْ جوازَهُ، فإنَّ المقدمَ عندَهُ، وهوَ المذهبُ انقلابُهُ نفلاً، فَلْتَكُنْ هذهِ المسألةُ كذلكَ، واللهُ أعلمُ» [42].
القراءةُ فرضٌ في الفريضةِ والنافلةِ، فإذا بَطَلَتِ الفريضةُ لتركِ فرضِ القراءةِ بَطَلَتِ النافلةُ أيضاً لتركِهِ أيضاً، بخلافِ الصلاةِ قبلَ الوقتِ، أو تركِ القيامِ في الفرضِ فذلكَ لا يَعُودُ على النافلةِ بالبطلانِ، فنيةُ الفريضةِ قد اشْتَمَلَتْ على نيتينِ: نيةِ الصلاةِ، ونيةِ الفريضةِ، فإذا بَطَلَتْ نيةُ الفرضِ بَقِيَتْ نيةُ مطلقِ الصلاةِ، واللهُ أعلمُ.
حديثُ عبادةَ بنِ الصامتِ: «لا صلاةَ لمن لم يَقْرَأْ بفاتحةِ الكتابِ». متفقٌ عليهِ، وسَبَقَ تخريجُهُ.
وحديثُ أبي هريرةَ: «كلُّ صلاةٍ لا يُقْرَأُ فيها بأمِّ القرآنِ فهيَ خِدَاجٌ غيرُ تمامٍ». رواهُ مسلمٌ، وسَبَقَ تخريجُهُ.
والعلماءُ متفقونَ على أنَّ القراءةَ فرضٌ على الإمامِ والمنفردِ، واختلفُوا في المأمومِ، والجمهورُ على أنَّ القراءةَ ليستْ بفرضٍ عليهِ.
وقراءةُ الإمامِ للإمامِ أصالةً وللمأمومِ بالتبعِ، فإذا سَقَطَ فرضُ القراءةِ عن الإمامِ لعجزِهِ، انْتَقَلَ الفرضُ على المأمومِ القادرِ على القراءةِ، فإذا لم يَقْرَأْ فقد تَرَكَ الفرضَ مع القدرةِ عليهِ، واللهُ أعلمُ.
إنْ قُلْنَا: إنَّ سقوطَ القراءةِ عن المأمومِ راجعٌ إلى تحملِ الإمامِ، أو بسببِ سماعِ قراءةِ الإمامِ:
فإنَّ المأمومَ يَلْزَمُهُ القراءةُ؛ لأنَّ الإمامَ لا يَتَحَمَّلُ، ولا يَقْرَأُ، وإنْ قُلْنَا: إنَّ سقوطَ القراءةِ عن المأمومِ لكونِهِ مأموماً، ولهذا تَسْقُطُ القراءةُ عن المأمومِ إذا أَدْرَكَ إمامَهُ راكعاً، وهوَ لا يَتَحَمَّلُ عنهُ في مثلِ هذهِ الحالةِ؛ لأنَّهُ لم يَكُنْ معهُ في القيامِ، فلا يَلْزَمُ المأمومَ القارئَ قراءةُ الفاتحةِ، فإنْ قَرَأَ فقد أَحْسَنَ وإنْ لم يَقْرَأْ فَحَسَنٌ، واللهُ أعلمُ.
صلاةُ الإمامِ الأُمِّيِّ لنفسِهِ صحيحةٌ، تُسْقِطُ عنهُ الطلبَ، فإذا ائتمَّ بهِ قارئٌ وقُلْنَا: لا يَصِحُّ للقارئِ أنْ يأتمَّ بأُمِّيِّ بَطَلَتْ صلاةُ القارئِ وحدَهُ، ولم يَتَطَرَّقِ الخللُ إلى صلاةِ الإمامِ؛ لأنَّ فعلَ الإمامِ كفعلِ المنفردِ، لا أثرَ لهُ في صلاةِ المأمومِ، ولذلكَ تَصِحُّ إمامتُهُ ولو لم يَنْوِ الإمامةَ على الصحيحِ، فَيَكْفِي أنْ ينوى المأمومُ الائتمامَ فَيَصِحُّ الاقتداءُ بهِ، عَلِمَ الإمامُ أو لم يَعْلَمْ.
ولأنَّ الجماعةَ لو كانتْ من رجلينِ فنوى المأمومُ مفارقةَ إمامِهِ لعذرٍ، وأَتَمَّ الإمامُ منفرداً جَازَ، فكذلكَ إذا بَطَلَ ائتمامُ القارئِ بالأُمِّيِّ، غايةُ ما فيهِ أنَّهُ بَقِيَ منفرداً، وهذا لا يَسْتَدْعِي بطلانَ صلاتِهِ، وليستْ هذهِ المسألةُ محسوبةً من صلاةِ الفذِّ خلفَ الصفِّ حتى يُحْتَجَّ بحديثِ وابصةَ.
• وقولُ الحنابلةِ (تَبْطُلُ صلاةُ الإمامِ الأُمِّيِّ لأنَّهُ نوى الإمامةَ بمن لا يَصِحُّ أنْ يَؤُمَّهُ):
قولٌ ضعيفٌ جِدًّا. واللهُ أعلمُ.
الخلافُ في المسألةِ قويٌّ جِدًّا.
والاحتياطُ ألا يَتَقَدَّمَ الأُمِّيُّ للصلاةِ لمخالفتِهِ ظاهرَ حديثِ: «يَؤُمُّ القومَ أَقْرَؤُهُمْ».
ولو تَقَدَّمَ لم أُبْطِلْ صلاةَ من خلفَهُ، فالأصلُ صحةُ الصلاةِ، والأُمِّيُّ معذورٌ في سقوطِ فرضِ القراءةِ عنهُ.
ويَبْقَى الاجتهادُ في قراءةِ القارئِ خلفَ الأُمِّيِّ، والأحوطُ أنْ يَقْرَأَ حتى لا تَخْلُوَ صلاتُهُ من قراءةٍ، واللهُ أعلمُ.
ومثلُ هذهِ المسألةِ اختلافُ الفقهاءِ في إمامةِ الأخرسِ للمتكلمِ كالأُمِّيِّ والقارئِ.
«سحنونٌ: جوازُ إمامةِ الأُمِّيِّ بالأُمِّيِّ، ولابنِ اللبادِ: جوازُ إمامةِ اللَّحَّانِ بمثلِهِ». ففَرَّقَ بينَ الأُمِّيِّ واللَّحَّانِ.
وانظرْ: «مناهجَ التحصيلِ» (1/261)، و«شرحَ الخرشيِّ» (2/25)، و«الفواكهَ الدواني» (1/205)، و«عقدَ الجواهرِ» (1/140)، و«المعونةَ» (1/252)، و«شرحَ التلقينِ» (2/664).
وقالَ الخطيبُ في «مغني المحتاجِ» (1/480) في تعريفِ الأُمِّيِّ، فقالَ:
«أصلُهُ لغةً لمن لا يَكْتُبُ، اسْتَعْمَلَهُ الفقهاءُ مجازاً في قولِهِمْ: وهوَ من يُخِلُّ بحرفٍ ظاهرٍ، بأنْ عَجَزَ عن إخراجِهِ من مخرجِهِ، أو تشديدةٍ من الفاتحةِ».
وانظرْ: «تحفةَ المحتاجِ» (2/285)، و«تحريرَ الفتاوى» (1/336)، و«نهايةَ المحتاجِ» (2/169).
فَسَاوَى الحنفيةُ بينَ تركِ الشدةِ وبينَ اللحنِ في الإعرابِ. وقد اختلفَ مذهبُ المتقدمينَ من الحنفيةِ في حكمِ الخطأِ في الإعرابِ أو تركِ الشدةِ عن مذهبِ المتأخرينَ:
وخلاصةُ مذهبِ المتقدمينَ: أنَّهُ إنْ كانَ لا يُغَيِّرُ المعنى، فإنْ كانَ نظيرُهُ في القرآنِ نحوُ: (إنَّ المسلمونَ) لم تَفْسُدْ بهِ الصلاةُ باتفاقِ الأئمةِ الثلاثةِ.
وإنْ كانَ لا يُغَيِّرُ المعنى، وليسَ نظيرُهُ في القرآنِ مثلَ: (قيامينَ بالقسطِ):
فعندَ أبي حنيفةَ ومحمدٍ: لا تَفْسُدُ الصلاةُ بهِ، وعندَ أبي يوسفَ تَفْسُدُ.
ولو قَرَأَ قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ برفعِ لفظِ الجلالةِ، ونصبِ العلماءِ
فَسَدَتِ الصلاةُ عندَ أبي حنيفةَ ومحمدٍ؛ ولم تَفْسُدْ عندَ أبي يوسفَ.
فالعبرةُ في الفسادِ وعدمِهِ عندَ الإمامِ أبي حنيفةَ ومحمدٍ: تغيرُ المعنى تغيراً فاحشاً، سواءٌ أكانَ اللفظُ نظيرُهُ موجودٌ في القرآنِ أم لا.
وعندَ أبي يوسفَ: إنْ كانَ اللفظُ نظيرُهُ موجودٌ في القرآنِ لم تَفْسُدِ الصلاةُ بهِ مطلقاً، سواءٌ أَتَغَيَّرَ بهِ المعنى تغيراً فاحشاً أم لا، وإنْ لم يَكُنْ موجوداً في القرآنِ فَتَفْسُدُ مطلقاً، ولا يُعْتَدُّ بالإعرابِ أصلاً.
هذا خلاصةُ مذهبِ المتقدمينَ وأَخَذَ بهِ بعضُ المتأخرينَ؛ لكونِهِ أحوطَ.
وذَهَبَ أكثرُ المتأخرينَ من الحنفيةِ كابنِ مقاتلٍ ومحمدِ بنِ سلامٍ وإسماعيلَ الزاهدِ وأبي بكرٍ البلخيِّ والهندوانيِّ وابنِ الفضلِ والحلوانيِّ إلى أنَّ الخطأَ في الإعرابِ لا يُفْسِدُ الصلاةَ مطلقاً، ولو كانَ اعتقادُهُ كفراً، وعلى هذا مَشَى في «الخلاصةِ»، فقالَ: وفي «النوازلِ»: لا تَفْسُدُ في الكلِّ، وبهِ يُفْتَى.
وحجتُهُمْ: أنَّ أكثرَ الناسِ لا يُمَيِّزُونَ بينَ وجوهِ الإعرابِ، ولأنَّ اشتراطَ الصوابِ في الإعرابِ يُوقِعُ الناسَ في الحرجِ، وهوَ مرفوعٌ شرعاً.
ومَحَلُّ الاختلافِ في الخطأِ والنسيانِ، أما في العمدِ فَتَفْسُدُ بهِ الصلاةُ مطلقاً إذا كانَ مما يُفْسِدُ الصلاةَ، أما إذا كانَ ثناءً فلا يُفْسِدُ، ولو تَعَمَّدَ ذلكَ.
انظرْ: «فتحَ القديرِ» لابنِ الهمامِ (1/322)، و«حاشيةَ ابنِ عابدينَ» (1/361)، و«حاشيةَ الطحطاويِّ على مراقي الفلاحِ» (ص: 239).
وقد تَكَلَّمْتُ على حكمِ من تَرَكَ شدةً من الفاتحةِ في صفةِ الصلاةِ، فارْجِعْ إليها في المجلدِ الثامنِ تحتَ عنوانِ: وجوبِ قراءةِ الفاتحةِ بتشديداتِهَا.
«أميٌّ صلى بقومٍ أُمِّيِّينَ وقارئينَ فصلاةُ الإمامِ والقومِ كلُّهُمْ فاسدةٌ عندَ أبي حنيفةَ، وعندَ أبي يوسفَ ومحمدٍ رحمهمَا اللهُ تعالى صلاةُ الإمامِ والأُمِّيِّينَ تامةٌ».
والنصُّ نفسُهُ في «الهدايةِ» للمرغينانيِّ (1/59).
وجاءَ في «التاجِ والإكليلِ» (2/421):
«قالَ ابنُ القاسمِ: إنْ صلى من يُحْسِنُ القرآنَ خلفَ من لا يُحْسِنُهُ أَعَادَ الإمامُ والمأمومُ أبدًا». فقضى بفسادِ صلاةِ الإمامِ والمأمومِ.
وجاءَ في «حاشيةِ الدسوقيِّ» (1/328):
«ظاهرُ المذهبِ بطلانُ صلاةِ الأُمِّيِّ إذا أَمْكَنَهُ الائتمامُ بالقارئِ فلم يَفْعَلْ ….. فلو اقْتَدَى الأُمِّيُّ بمثلِهِ عندَ عدمِ القارئِ، فَطَرَأَ قارئٌ بعدَ الاقتداءِ لم يَقْطَعْ لهُ إنْ كانَ الوقتُ ضيقًا، وإلا قَطَعَ».
وانظرْ: «فتحَ القديرِ» (1/375، 376)، و«بدائعَ الصنائعِ» (1/139)، و«التجريدَ» للقدوريِّ (2/843)، و«المحيطَ البرهانيَّ» (1/409)، و«النهايةَ في شرحِ الهدايةِ» (3/48)، و«كنزَ الدقائقِ» (ص: 168)، و«تبيينَ الحقائقِ» (1/141)، و«البحرَ الرائقَ» (1/382)، و«شرحَ الوقايةِ» (2/131)، و«مختصرَ خليلٍ» (ص: 40)، و«تفسيرَ القرطبيِّ» (1/354)، و«شرحَ الزرقانيِّ» (2/18)، و«المعونةَ» (1/252)، و«الإشرافَ على مسائلِ الخلافِ» (1/296)، و«لوامعَ الدررِ» (2/450)، و«تحبيرَ المختصرِ» (1/416)، و«شرحَ الخرشيِّ» (2/25)، و«منحَ الجليلِ» (1/360)، و«الأمَّ» (1/194)، و«المنهاجَ» (ص: 39)، و«تصحيحَ الفروعِ» (3/33).
هكذا نَقَلَ الجمهورُ. وأَنْكَرَهُ بعضُهُمْ. اهـ
وانظرْ: «البيانَ» للعمرانيِّ (2/406)، و«المجموعَ» (4/267)، و«شرحَ مشكلِ الوسيطِ» (2/242).
وجَوَّزَ ابنُ قدامةَ وتَبِعَهُ الشارحُ اقتداءَ من يُحْسِنُ قدرَ الفاتحةِ بمن لا يُحْسِنُ قرآنًا، وصَوَّبَهُ المرداويُّ في «الإنصافِ» (2/268)، وهيَ صورةٌ من اقتداءِ غيرِ الأُمِّيِّ بالأُمِّيِّ.
«وإنْ أَمَّ أُمِّيٌّ بمن يَقْرَأُ أَعَادَ القارئُ». فَصَحَّحَ إمامةَ الأُمِّيِّ».
وقالَ الخرقيُّ في مختصرِهِ (ص: 29):
«وإنْ أَمَّ أُمِّيٌّ أميًّا وقارئًا أَعَادَ القارئُ وحدَهُ الصلاةَ».
قالَ ابنُ قدامةَ في «المغني» (2/144):
«خَصَّ الخرقيُّ القارئَ بالإعادةِ فيما إذا أَمَّ أميًّا وقارئًا. وقالَ القاضي: هذهِ المسألةُ محمولةٌ على أنَّ القارئَ مع جماعةٍ أُمِّيِّينَ حتى إذا فَسَدَتْ صلاةُ القارئِ بَقِيَ خلفَ الإمامِ اثنانِ فصاعدًا. فإنْ كانَ معهُ أميٌّ واحدٌ، وكانَا خلفَ الإمامِ أعادَا جميعًا؛ لأنَّ الأُمِّيَّ صَارَ فَذًّا.
والظاهرُ أنَّ الخرقيَّ إنما قَصَدَ بيانَ من تَفْسُدُ صلاتُهُ بالائتمامِ بالأُمِّيِّ، وهذا يَخُصُّ القارئَ دونَ الأُمِّيِّ، ويجوزُ أنْ تَصِحَّ صلاةُ الأُمِّيِّ؛ لكونِهِ عن يمينِ الإمامِ، أو كونِهِمَا جميعًا عن يمينِهِ، أو معهمْ أميٌّ آخرَ، وإنْ فَسَدَتْ صلاتُهُ لكونِهِ فَذًّا، فما فَسَدَتْ لائتمامِهِ بمثلِهِ، إنما فَسَدَتْ لمعنى آخرَ».
والقولُ ببطلانِ صلاةِ الفذِّ خلفَ الإمامِ تَفَرَّدَ بهِ الحنابلةُ.
وانظرْ: «كنزَ الدقائقِ» (ص: 168)، و«تبيينَ الحقائقِ» (1/141)، و«البحرَ الرائقَ» (1/382)، و«شرحَ الوقايةِ» (2/131)، و«كشافَ القناعِ»، ط العدلِ (3/210)، و«تصحيحَ الفروعِ» (3/31)، و«المبدعَ» (2/85).
«وإنْ أَمَّ أميٌّ أميًّا وقارئًا فإنْ كانَا عن يمينِهِ أو الأُمِّيُّ فقطْ صَحَّتْ صلاةُ الإمامِ والأُمِّيِّ، وبَطَلَتْ صلاةُ القارئِ، وإنْ كانَا خلفَهُ أو القارئُ وحدَهُ عن يمينِهِ فَسَدَتْ صلاةُ الكلِّ».
عَلَّقَ البهوتيُّ على قولِهِ: (فَسَدَتْ صلاةُ الكلِّ)، فقالَ في «كشافِ القناعِ» (3/210):
«أما الإمامُ، فلأنَّهُ نوى الإمامةَ بمن لا يَصِحُّ أنْ يَؤُمَّهُ، وأما القارئُ فلاقتدائِهِ بالأُمِّيِّ، وأما الأُمِّيُّ فلمخالفتِهِ موقفَهُ. وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ المأمومَ الأُمِّيَّ لا تَبْطُلُ صلاتُهُ بيسارِ إمامِهِ إلا بركعةٍ، كما يأتي. فَصَحَّ اقتداؤُهُ أولًا بالإمامِ، وبطلانُ صلاتِهِ بعدُ لا يُؤَثِّرُ في بطلانِ صلاةِ الإمامِ، كما تقدمَ في بابِ النيةِ، وكما يأتي في الفصلِ عقبَهُ، وقد نَبَّهْتُ على ذلكَ في الحاشيةِ».
وانظرْ: «الإرشادَ إلى سبيلِ الرشادِ» (ص: 71).
فهذهِ الأقوالُ الثلاثةُ كلُّهَا حُكِيَتْ في مذهبِ الشافعيةِ، قالَ النوويُّ في «المجموعِ» (4/267):
«واعلمْ أنَّ الأقوالَ الثلاثةَ جاريةٌ سواءٌ عَلِمَ المأمومُ أنَّ الإمامَ أميٌّ أم جَهِلَ ذلكَ، هكذا صَرَّحَ بهِ الشيخُ أبو حامدٍ وغيرُهُ، وهوَ مقتضى كلامِ الباقينَ، وشَذَّ عنهُمْ صاحبُ «الحاوي»، فقالَ: الأقوالُ إذا كانَ جاهلًا، وإنْ عَلِمَ لم تَصِحَّ قطعًا، والمذهبُ ما قدمناهُ».
وفي «الروضةِ» (1/349):
«وقالَ صاحبُ «الحاوي»: الأقوالُ إذا لم يَعْلَمْ كونَهُ أميًّا، فإنْ عَلِمَ لم يَصِحَّ قطعًا، والصحيحُ أنَّهُ لا فرقَ».


