📌 المدخل إلى المسألة:
{مسألة}
إمكانُ الخفاء في حقّه عادةً، لا مجرّدُ دعواه؛
وعبارات المذاهب متواردةٌ على ذلك.
وقول النووي: «وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْفَى كَمُسْلِمٍ مُخْتَلِطٍ بِالْمُسْلِمِينَ صَارَ بِجَحْدِهَا كَافِرًا»[9].
وقد ذكر السرخسي مثالًا للعذر بما حصل لأهل قباء وتحولهم إلى الكعبة في أثناء الصلاة، وجوز لهم ذلك؛ لأن الخطاب لم يبلغهم، فلم يكن الأمر محصورًا بحديث العهد بالإسلام، ولا بمن نشأ في بادية نائية[12].
وقد اعترض على هذا المثال بأنه من قبيل العلم بالناسخ، والنسخ لا يثبت في حق الجاهل قبل العلم، وإذا لم يثبت الخطاب المتأخر قبل العلم لم يثبت الخطاب الأول قبل العلم من باب أولى.
إذا علمت هذا من حيث الإجمال، فلنأت إلى تفصيل كل مذهب.
تحرير الضابط: العلم بالخطاب أو ما يقوم مقام العلم به وهو شيوع الخطاب في دار الإسلام، وتيسر الوصول إليه بأدنى طلب شرط لصحة التكليف، لا يصح إلا بالقدرة، وهي لا تحصل إلا بالعلم أو ما يقوم مقامه، أما من تمكن من السؤال والتعلم وتركه، فجهله ناشئ عن تفريط، فلا يعذر.
قال السرخسي: «وجهله لَا يكون حجَّة على غَيره وَلَا عذرًا فِي حَقه أَيْضا إِذا كَانَ مُتَمَكنًا من الطّلب إِلَّا أَن لَا يكون مُتَمَكنًا مِنْهُ»[13].
ثم فرع عليه أن المسلم الذي أسلم في دار الإسلام ولم يعلم وجوب العبادات، جعله مقصرًا، بخلاف من أسلم في دار الحرب.
وقال في المبسوط: «ومن أسلم في دار الحرب وأقام في تلك الدار سنين …. إذا لم يعلم بوجوب الزكاة عليه فليس عليه أداؤها إلا على قول زفر»[14].
وعلل السرخسي سقوط الزكاة بقوله: «لأن توجه خطاب الشرع يتوقف على البلوغ إليه، ألا ترى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد تحول القبلة إلى الكعبة وجوز لهم ذلك؛ لأنه لم يبلغهم، وهذا لأن التكليف بحسب الوسع ولا وسع في حق العمل به قبل البلوغ، فصار كأن الخطاب غير نازل في حقه، وهذا لأن الخطاب غير شائع في دار الحرب؛ لأن أحكام الإسلام غير شائعة في دار الحرب لقيام الشيوع مقام الوصول إليه»[15].
وفي أصول البزدوي مع كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري قرر صراحةً: أن «الجهل في دار الحرب… يكون عذرًا في الشرائع»[16].
وعلل ذلك بأن الخطاب خفي في حقه لعدم بلوغه إليه حقيقة بالسماع ولا تقديرًا باستفاضته وشهرته؛ لأن دار الحرب ليست بمحل استفاضة أحكام الإسلام وأن الجاهل غير مقصر. ثم قابل ذلك بقوله: «إذا انتشر الخطاب في دار الإسلام فقد تم التبليغ، فمن جهل بعد ذلك فإنما أُتي من جهة تقصيره، لا من قبل خفاء الدليل فلا يعذر كمن لم يطلب الماء في العمران ولكنه تيمم والماء موجود فصلى لم يجزه».
فالبلاغ عند الحنفية قد يكون حقيقيًا بالسماع، وقد يكون تقديريًا بالاستفاضة والشهرة، كما لو نشأ بين المسلمين.
وقال البابرتي: «الجهل بحكم الشرع في دار الإسلام ليس بعذر»[17].
1- أن الجهل بالحكم الشرعي يكون عذرًا إذا لم يبلغ الخطاب المكلف حقيقةً بالسماع، ولا تقديرًا بالاستفاضة والشهرة، ولم يكن الجاهل مفرطًا في طلب العلم مع تمكنه منه؛ ولذلك نصوا فيمن أسلم بدار الحرب ولم يعلم وجوب الزكاة أن الجهل بوجوبها معتبر في حقه، بخلاف من تمكن من معرفة الحكم أو السؤال عنه فترك ذلك.
وعلى هذا، فمن أنكر وجوب الزكاة في دار الإسلام لا يكون معذورًا بجهله، لإمكان العلم، ولتفريطه في طلبه، يعني: فلا تسقط عنه الزكاة.
تحرير الضابط: يراعى إمكان خفاء الحكم على مثل المكلف، وما إذا كان دفع جهله متعذرًا عادة أو شاقًا، أو كان قادرًا على التعلم من غير مشقة معتبرة ففرط.
وقد قرر البناني ضابط تصديق مدعي الجهل فيما يجهله مثله.
وقرر القرافي أثر إمكان الاحتراز من الجهل، مع اختلاف فروعه.
وفي خصوص الزكاة قيد ابن عرفة حكم الجاحد بغير حديث الإسلام، وإليك النصوص.
جاء في حاشية البناني: «كل من ادعى الجهل فيما يجهله مثله صدق وكل من ادعى الجهل فيما لا يجهله مثله لم يصدق فهذا ضابطه»[18].
وقال ابن عرفة في المختصر: «وعلم وجوبها لغير حديث الإسلام ضروري، وروى ابن رشد: جاحده كافر. قلت: يريد غير الحديث. وأبطل قول ابن حبيب: تاركها كافر»[19].
وعقد القرافي في الفروق فرقًا مستقلًا بعنوان: «الفرق بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرًا فيه وبين قاعدة ما يكون الجهل عذرًا فيه»، وقرر: «وضابط ما يعفى عنه من الجهالات الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة، وما لا يتعذر الاحتراز عنه، ولا يشق لم يعف عنه، ولذلك صور … ثم ذكرها»[20]. ثم قابل ذلك بما يمكن الاحتراز عنه من غير مشقة، فلم يجعله معفوًا عنه.
ويزيد القرافي ذلك وضوحًا في موضع آخر فيقول: «كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله وأوجب عليهم كافة أن يعلموها ثم يعملوا بها فالعلم والعمل بها واجبان فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبين وإن علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل ومن علم وعمل فقد نجا… نعم الجهل الذي لا يمكن رفعه للمكلف بمقتضى العادة يكون عذرا»[21].
الجهل الذي يمكن دفعه من غير حرج معتبر لا يكون عذرًا من حيث الأصل، والجهل الذي لا يمكن دفعه عادةً أو يشق دفعه مشقة معتبرة يكون محلًا للعذر.
وصاغ المقري هذا المعنى في قاعدة شديدة الإيجاز: «لا عذر في الجهل بالحكم ما أمكن التعلم»[22].
وفي شرح المنهج المنتخب نقل المنجور: أن الحق إن وجب العلم، ولم يشق مشقة فادحة لم يعذر، وإلا عذر، ثم نقل عن المقري والقرافي، وذكر التفريق بين ما «لا يخفى غالبًا» وما «قد يخفى» [23].
قال القرافي: «أجرى مالك رحمه الله الجاهل في الصلاة مجرى العامد، لا مجرى الناسي؛ لاشتراكهما في العصيان، هذا بعمده، وهذا بترك تعلمه»[24].
قال الشافعي في الرسالة: «العلم علمان: علم عامة، لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله».
ثم جعل من أمثلته: الصلوات الخمس، وصيام رمضان، والحج، وزكاة في أموالهم، وتحريم الزنا والقتل والسرقة والخمر.
ثم علل ذلك بأن هذا العلم عام عند أهل الإسلام، ينقله عوام المسلمين عمن قبلهم ولا يتنازعون في وجوبه[25].
فالزكاة عند الشافعي ليست مجرد حكم قطعي في الدليل، بل هي حكم شائع العلم بين الناس، وهذا قريب جدًا من مفهوم «المعلوم من الدين بالضرورة».
وصاغ السيوطي قاعدة، فقال: «كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك: كتحريم الزنا، والقتل، والسرقة والخمر، والكلام في الصلاة»[26].
وقال النووي في المجموع: «إذا امتنع من أداء الزكاة منكرًا لوجوبها، فإن كان ممن يخفى عليه ذلك؛ لكونه قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة أو نحو ذلك لم يحكم بكفره، بل يعرف وجوبها وتؤخذ منه، فإن جحدها بعد ذلك حكم بكفره».
ثم قابل ذلك بمن لا يخفى عليه الحكم، كالمسلم المختلط بالمسلمين، فجعل جحده موجبًا لحكم الردة[27].
وحكم النووي في روضة الطالبين بأن جحد الصلاة ردة ثم قال: «إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام يجوز أن يخفى عليه وجوبها»[28].
وقال الزركشي في القواعد: «فلا حجة للعبد في جهله بالحكم بعد التبليغ والتمكين»[29].
العذر بالجهل عند الشافعية معتبر إذا كان الحكم مما يخفى على مثل المكلف، أو لم يحصل له التبليغ والتمكين من معرفته؛ أما الأحكام التي هي من علم العامة وتشترك غالب الأمة في معرفتها، فلا تقبل دعوى الجهل بها ممن استقر بين المسلمين ووصلته أسباب العلم المعتادة، إلا لعارض معتبر يجعل خفاءها عليه ممكنًا.
قال ابن قدامة: «كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله، لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك، وتزول عنه الشبهة، ويستحله بعد ذلك. وقد قال أحمد: من قال: الخمر حلال. فهو كافر يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. وهذا محمول على من لا يخفى على مثله تحريمه»[30].
فليس الجهل وصفًا ذاتيًا كافيًا، بل لا بد من التحقق من إمكان الجهل في حقه بحسب الشخص والمسألة والبيئة والملابسات، ولهذا حمل ابن قدامة كلام أحمد في تكفير مستحل الخمر على من لا يخفى على مثله تحريمها.
وقال في الإقناع: «فإن جحد وجوبها جهلًا ومثله يجهله كقريب عهد بإسلام أو نَشْئِهِ ببادية بعيدة يخفى عليه عرِّف ذلك ونهى عن المعاودة، فإن أصرَّ، أو كان عالمًا بوجوبها كفر»[31].
فالقيد لمن ادعى الجهل أن يكون مثله يجهل هذا الحكم، فلا يرد العذر بالجهل مطلقًا بحجة أن الحكم معلوم، ولا يقبل كل مدعٍ للجهل لمجرد دعواه.
وعقد ابن اللحام في القواعد والفوائد الأصولية قاعدة في اشتراط العلم لصحة التكليف، ثم قال في المسائل المترتبة على جاهل الحكم: «فإذا وقلنا يعذر، فإنما محله إذا لم يقصر ويفرط في تعلم الحكم، أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزما»[32].
الجهل المعذور عند الحنابلة هو الجهل بحكم يمكن أن يجهله مثل المكلف بحسب حاله وبيئته، مع عدم تقصيره في تعلم الحكم؛ فإذا عُرف الحكم وزالت الشبهة انتهى عذر الجهل، ومن أصر بعد ذلك على جحد الحكم القطعي الظاهر جرى عليه حكم الجاحد.
وفي باب الزكاة: من جحد أصل وجوبها وكان مثله يمكن أن يجهل ذلك لم يكفر حتى يعرف، أما من كان مثله لا يجهله؛ لظهور الحكم واستفاضته فلا تقبل دعوى الجهل منه في الأصل.
قال أبو زيد الدبوسي: «الجاهل عاجز حكمًا كالناسي، فيكون الجهل عذرًا يؤخر حكم الخطاب، ولا يسقط الوجوب أصلًا كالخطأ والنسيان»[33].
قال ابن قدامة: «لأن الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يسقطها كالجهل بتحريم الأكل في الصوم»[34].
قال ابن تيمية: ولا تلزم الشرائع إلا بعد العلم، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، فعلى هذا لا تلزم الصلاة حربيا أسلم في دار الحرب ولا يعلم وجوبها، والوجهان في كل من ترك واجبا قبل بلوغ الشرع كمن لم يتيمم لعدم الماء لظنه عدم الصحة، أو لم يزك، أو أكل حتى تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة، والأصح: لا قضاء ولا إثم[35].
قال ابن مفلح: ومعناه: ولم يقصر، وإلا أثم[36].
وأرى أن التكليف بالقضاء لا يصح أن يكون عقوبة على التفريط في طلب العلم، فالتكليف تبع للعلم، وليس لإمكان العلم، ويأثم على التفريط.
فإثم التفريط وحده لا يثبت وجوب القضاء؛ كما أن انتفاء الإثم لا يثبت سقوطه. وإنما ينظر في دليل ثبوت الواجب وبقائه.
وقد رغبت أن أناقش أثر الجهل في زكاة الأعوام الماضية في مبحث مستقل، وإنما أشرت إليه هنا لمعرفة ضابط العذر بالجهل.
فالحنفية لا يجعلون الجهل عذرًا في دار الإسلام؛ لتفريطه في ترك التعلم. قال البابرتي: «الجهل بحكم الشرع في دار الإسلام ليس بعذر»[37].
ويتحدد ذلك بالنظر في بلوغ الحكم إليه حقيقة بالسماع أو حكمًا بالشهرة والاستفاضة، وهل فرط في التعلم؟ وقد عذر السرخسي أهل قباء في صلاتهم إلى غير القبلة لعدم تمكنهم من العلم، وهم في دار الإسلام.
والمالكية يعبرون بـ تعذر الاحتراز عن الجهل، وإمكان التعلم، وكون الحكم مما يخفى أو لا يخفى غالبًا.
والشافعية يعبرون بـ: علم العامة، وما يشترك غالب الناس في معرفته، ومن يخفى عليه الحكم، والتبليغ والتمكين.
والحنابلة يعبرون بـ «مثله يجهله»، وعدم التقصير في التعلم، وزوال الشبهة بعد التعريف.
المحور الأول: ظهور الحكم وخفاؤه. فليست كل الأحكام سواء؛ فهناك «علم العامة» والأحكام الضرورية الظاهرة، وهناك دقائق المسائل التي قد تخفى.
المحور الثاني: حال المكلف وإمكان وصول العلم إليه. فقد يكون الحكم في نفسه ظاهرًا، لكنه خفي على شخص بعينه لحداثة إسلام أو بعد عن أهل العلم أو نحو ذلك.
المحور الثالث: التقصير والتمكين. فمن تمكن من التعلم والبحث عما يلزمه عادةً ثم فرط، ليس كمن انقطع عنه طريق العلم.
والجاهل المعذور إذا عُرِّف فأصرّ فهو جاحد؛ نصّ عليه صاحب «المقنع»[38].
الراجح:
قال السيوطي: «اعلم أن قاعدة الفقه: أن النسيان والجهل مسقط للإثم مطلقا»[39].
الإطلاق مسلم في النسيان، وأما في الجهل فينبغي أن يقيد بعدم التفريط، فإن كان يمكنه التعلم ففرط فإنه يلام على تركه التعلم؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وإعذار الجاهل إنما هو من باب التخفيف، لا من حيث جهله، ولهذا نقل الزركشي عن الشافعي أنه قال: «لو عذر الجاهل لأجل جهله، لكان الجهل خيرًا من العلم؛ إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف، ويريح قلبه من ضروب التعنيف»[40].
ولعل ذلك يرجع إلى ما ذكره القرافي، قال: «اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها، وأخذ بجهالات، فلم يعف عن مرتكبها، وضابط ما يعفى عنه من الجهالات: الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة، وما لا يتعذر الاحتراز عنه، ولا يشق لم يعف عنه».
وقال أيضا: «الجهل قسمان: منه ما يتعذر الاحتراز منه غالبا، أو فيه مشقة، فجعله الشارع عذرا لمن ابتلي به ومنه ما ليس كذلك، فلا يعذر به وإلا فالأصل أن الجهل لا يجدي خيرا، ولا يكون عذرا».
وهذا هو السبب في عدم اطراد مسائل العذر بالجهل حتى في المذهب الواحد، وإذا كان الرجوع إلى اجتهاد المجتهد في تقدير ما يتعذر الاحتراز منه فلا بد أن يقع الخلاف في تحقيق المناط، لهذا استيعاب فروع المسألة يخرج عن نطاق هذا المبحث، ولكني سأشير إلى أهم ما يكشف غموض هذا الباب، وما لم يذكر يقاس على ما ذكر.
لا فرق بين الأمور القطعية في الدين، وبين الأمور الظنية في أن الإنسان يعذر فيها بالجهل على الصحيح من أقوال أهل العلم.
فقد روى البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله به الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له».
قال ابن تيمية: «هذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه، ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته، فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله، وبرسوله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالًا من الرجل فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق .. »[41].
وقال ابن عبد البر: «هذا رجل جهل بعض صفات الله عز وجل، وهي القدرة… ولم يكن بجهله بعض صفات الله كافرًا، قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق، لا من جهله، وهذا قول بعض المتقدمين من العلماء، ومن سلك سبيلهم من المتأخرين… »[42].
الفرق بين حق الخالق وحق المخلوق، فضمان الإتلاف في الخطأ لا يقدح في كون الإنسان معذورًا في الجهل، فقد يثبت ضمان المتلف مع انتفاء الإثم عن المتلِف؛ فلا تلازم بين الحكمين فقد يضمن مالك البهيمة ما تتلفه دابته، كما يضمَّن النائم والمجنون والصبي ما أتلفوه من أموال الناس مع أنهم ليسوا من أهل التكليف أصلًا، والحق في الزكاة مركب، ففيها حق الخالق وحق المخلوق.
«قال أحمد: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن الله أوجب في قتل الخطأ الكفارة»[43].
الفرق بين الجهل بالتحريم والجهل بالحكم المترتب عليه.
وفي الصور التي يعذر فيها الجاهل بالتحريم قد يسقط بعض الأثر المترتب على الفعل، بخلاف من علم التحريم وجهل العقوبة أو الكفارة، وجهل ما يترتب عليه لم يفده ذلك.
قال السيوطي: «كل من علم تحريم شيء، وجهل ما يترتب عليه لم يفده ذلك»[44].
وقال الزركشي: «الجهل بالتحريم مسقط للإثم والحكم في الظاهر لمن يخفى عليه لقرب عهده بالإسلام ونحوه. فإن علم التحريم وجهل المرتب عليه لم يعذر. ولهذا لو جهل تحريم الكلام في الصلاة عذر ولو علم التحريم وجهل الإبطال بطلت….»[45].
قلت: يشهد لهذا حديث الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، فإنه كان عالمًا بالتحريم، لقوله «هلكت يا رسول الله»، ولم يكن عالمًا بما يترتب عليه، ولذلك سأل رسول الله ﷺ ماذا عليه، ووجبت عليه الكفارة، ولم يعذر بجهله في الحكم المترتب على الفعل[46].
ومن الضوابط التي يذكرها بعض الفقهاء التفريق بين المأمور والمنهي، ولهم في تطبيقه واستثناءاته تفصيل، فمن وقع جهله في حقوق الله تعالى، وكان بترك مأمور لم يسقط، بل يجب تداركه ما دام يمكنه ذلك، والزكاة من فعل المأمور، وإن وقع في فعل منهي عنه سقط عنه.
قال الزركشي: «فالجهل والنسيان يعذر بهما في حق الله تعالى المنهيات دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة، ولم تؤمر بالإعادة لجهله بالنهي. وحديث يعلى بن أمية حيث أمره النبي ﷺ بننزع الجبة عن المحرم، ولم يأمره بالفدية لجهله …. والفرق بينهما من جهة المعنى: أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهالة لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه»[47].
ومن ذلك: من صلى ناسيًا طهارته فصلاته باطلة، ومن صلى بثوب نجس ناسيًا فصلاته صحيحة، وقد صلى الرسول ﷺ وفي نعليه نجاسة، فأخبره جبريل بذلك، وهو في صلاته، فخلعهما، وبنى على صلاته، ولم يبطل الجزء الذي صلاه، وهو متلبس بالنجاسة.
ومن ذلك أوجب المالكية على المزكي ماله نية الزكاة عند عزلها، أو عند دفعها لمستحقها، فإن لم ينو ولو جهلًا أو نسيانًا لم يجزه[48].
لأن هذا من باب فعل المأمور الذي لا يسقط بالجهل أو النسيان.
ومنه ما ذكر فقهاء المالكية والحنابلة أن من ترك التسمية على الذبيحة، ولو جهلًا لم تؤكل ذبيحته، كما لو تركها عمدًا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121][49].
الفرق بين من نشأ في بلد الإسلام، وبين ظهراني العلماء، ومن نشأ في بلاد الكفر، أو في البادية حيث لا يوجد علماء.
قال السيوطي: «كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس، لم يقبل منه دعوى الجهل، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك كتحريم الزنى والقتل والسرقة والخمر والكلام في الصلاة والأكل في الصوم»[50].
قال في حواشي الشرواني: «من جهل تحريم الزنا لقرب عهده بالإسلام، أو بعده عن المسلمين …. إنما يقبل منه ببينة»[51].
ولذلك لم يسقط عمر الحد بسبب تأويل الصحابي رضي الله عنه قدامة بن مظعون حين شرب الخمر متأولًا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة:93]؛ لأن مثله لا يجهل تحريم الخمر، أو لأنه عرف التحريم، وتأول في العقوبة[52]، وإن كان لم يكفره باستحلاله لشبهة التأويل.
وقد عذر الرسول ﷺ الأعرابي المسيء صلاته، فقد قال له الرسول ﷺ: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ومع ذلك لم يطلب منه إعادة الصلوات الماضية، مع الحكم عليه بأنه لم يصل.
إذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو إيمان، أو طلاق، أو إعتاق، أو بيع، أو شراء، أو نحوه ولا يعرف معنى ما تكلم به، لا يؤاخذ بشيء منه؛ لأنه لم يلتزم بمقتضاه ولم يقصد إليه. وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه العبارة بلفظ أعجمي لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ.
ونفى المرداوي النزاع في صورة الطلاق قال في الإنصاف: «فإن قاله العربي – يقصد صريح الطلاق بلغة العجم – وهو لا يفهمه، أو نطق الأعجمي بلفظ الطلاق، وهو لا يفهمه، لم يقع، بلا نزاع»[53].
قد يكون التأويل مانعًا من بعض الأحكام، وإن كان خطأ، ويختلف أثره بحسب مأخذه وقربه وحال المتأول والحكم المراد ترتيبه.
وقد مثل ابن قدامة في المغني بمذهب الخوارج، فقد عرف عنهم تكفيرهم لكثير من الصحابة ومن بعدهم، واستحلال دمائهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب إلى الله بقتلهم، ومع ذلك لم يحكم أكثر الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يُخَرَّج في كل محرم استحل بتأويل[54].
ومن ذلك اعتقاد المرأة التي كانت تستحاض بأن الدم مانع من الصلاة، فقد بنت على أصل، وهو أن الأصل في الدم الخارج من المرأة أنه دم حيض يمنع من الصلاة، فلم تكلف إعادة ما تركته من الصلاة.
قال الشاطبي في الموافقات: «ومما وقع في المذهب في المستحاضة تترك الصلاة زمانًا، جاهلة بالعمل أنه لا قضاء عليها فيما تركت، قال في مختصر ما ليس في المختصر: لو طال بالمستحاضة والنفساء الدم، فلم تصل النفساء ثلاثة أشهر، ولا المستحاضة شهرًا، لم يقضيا ما مضى إذا تأولتا في ترك الصلاة دوام ما بهما من الدم…»[55].
ومن ذلك اعتقاد عمار بأن التيمم للجنب يجب تعميم البدن فيه بالتراب، فهو قد قاس التيمم على الغسل بالماء[56].
