موقع الشيخ دبيان الدبيان

في الإجهاض بعد نفخ الروح[جديد]

📌 مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:

أولاً: قال ابن تيمية: إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين، وهو من الوأد، الذي قال الله فيه: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ 8 بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) [التكوير: 8، 9].
ثانياً: وجوب الدية في قتل الجنين دليل على تحريم إسقاطه.
[م-797] ذهب الحنفية[1] والمالكية[2]، والشافعية [3]، والحنابلة[4]، إلى تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح.

📌 الأدلة على تحريم الإسقاط بعد نفخ الروح:

الدليل الأول: الإجماع. فقد حكى الإجماع غير واحد.
جاء في الشرح الكبير: «لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل الأربعين يومًا، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعًا»[5].
وقال ابن جزي: «وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له، وأشد من ذلك إذا تخلق، وأشد من ذلك إذا نفخ فيه الروح؛ فإنه قتل نفس إجماعا»[6].
ونقله صاحب أسهل المدارك، وأقره[7].
وقال ابن تيمية: إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين، وهو من الوأد، الذي قال الله فيه: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ 8 بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) [التكوير: 8، 9].
وقد قال الله تعالى (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ) [الإسراء:31][8].
الدليل الثاني: وجوب الدية في قتله دليل على تحريم إسقاطه؛ إذ لو كان جائزًا لما وجبت به عقوبة.
2024-484 فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أنه قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى لها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها[9].
وقد ذهب ابن حزم إلى وجوب القود، فيمن تعمد قتل الجنين بعد نفخ الروح، فقال رحمه الله: «فإن قال قائل: فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها، وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين، فقتلته، أو تعمد أجنبي قتله في بطنها، فقتله، فمن قولنا: إن القود واجب في ذلك، ولا بد، ولا غرة في ذلك حينئذ إلا أن يعفى عنه، فتجب الغرة فقط؛ لأنها دية، ولا كفارة في ذلك؛ لأنه عمد، وإنما وجب القود؛ لأنه قاتل نفس مؤمنة عمدًا، فهو نفس بنفس، وأهله مخيرون: إما القود، وإما الدية، أو المفادات كما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قتل مؤمنًا، وبالله تعالى التوفيق»[10].
وشرط الفقهاء في وجوب القود أن ينفصل حيًا، ثم يموت.
قال الحافظ: «وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتًا بسبب الجناية، فلو انفصل حيًا، ثم مات، وجب فيه القود أو الدية كاملة»[11].
وليس هذا موضع تحرير هذه المسألة، والذي يهمنا وجوب العقوبة على من أسقط الجنين، وهو ظاهر في تحريم الإسقاط. والله أعلم.

بقي سؤال: متى نحكم بأن الجنين قد نفخت فيه الروح؟
ذهب الفقهاء إلى أن نفخ الروح يكون بعد أن يتم للحمل أربعة أشهر.

الدليل على أن نفخ الروح يكون بعد تمام أربعة أشهر:
الدليل الأول: الإجماع، فقد نقل الإجماع غير واحد على أن مرحلة نفخ الروح بعد تمام الحمل أربعة أشهر.
قال القرطبي: «لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس»[12].
وقال النووي: «اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر»[13].
وقال ابن حجر: «اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر»[14].
الدليل الثاني: 2025-485 فقد روى البخاري من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، قال عبد الله: حدثنا رسول الله -وهو الصادق المصدوق- قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة»[15].
فقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم ينفخ فيه الروح) جعل هذا بعد أطوار النطفة، والعلقة، والمضغة، وقد كان لكل طور أربعون يومًا، فمجموع ذلك مائة وعشرون يومًا.
في الإجهاض قبل نفخ الروح

مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
أولاً: إلقاء النطفة إذا كان خلوًا من المصلحة كان منافيًا لمقصود الشارع في تكثير النسل.
ثانياً: العزل منع للحياة قبل انعقادها؛ لهذا جاز، بخلاف الإجهاض، فهو تعد عليها بعد انعقادها.
ثالثاً: لا يخلق الجنين من ماء الرجل وحده؛ لهذا جاز العزل، بخلاف النطفة، والتي اجتمع فيها ماء الرجل بماء المرأة، فأصبحت مهيأة للتخلق ووجود الولد.
[م-798] اختلف في هذه المسألة على أقوال:
فقيل يحرم الإسقاط مطلقًا، ولو كان نطفة.
ذهب إلى هذا بعض الحنفية[16]، وهو المعتمد عند المالكية[17]، وقول الغزالي، وابن العماد من الشافعية[18]، واختيار ابن الجوزي من الحنابلة[19].

وقيل: يجوز التسبب لإسقاط الجنين مطلقًا، ما لم يتخلق، والمراد بالتخلق عندهم نفخ الروح، وهو الراجح عند الحنفية[20].
فهذان قولان متقابلان: التحريم مطلقًا، والإباحة مطلقًا ما لم ينفخ فيه الروح.

وبقي في المسألة أقوال، منها:
يباح الإسقاط ما دام نطفة مطلقًا لعذر أو لغير عذر، أما العلقة والمضغة فلا يجوز إسقاطها. انفرد به اللخمي من المالكية[21]، وهو المشهور من مذهب الحنابلة[22].
وقيل: يباح إلقاء النطفة إذا كان لعذر، أما من غير عذر فلا يجوز، اختاره بعض الحنفية[23].
وقيل: يجوز التسبب لإسقاط النطفة والعلقة دون المضغة. حكاه الكرابيسي عن أبي بكر الفراتي من الشافعية[24].
وقيل: يكره إلقاء النطفة، اختاره علي بن موسى من الحنفية[25]، وهو رأي عند بعض المالكية فيما قبل الأربعين يومًا[26].

أدلة القائلين بتحريم إسقاط النطفة:
الدليل الأول: قالوا: النطفة بعد الاستقراء آيلة إلى التخلق، مهيأة لنفخ الروح فلا يجوز إسقاطها، وهي أول مراحل الوجود؛ إذ الولد لا يخلق من مني الرجل وحده، بل من الزوجين جميعًا، فإذا امتزج ماء الرجل بماء المرأة، واستقر في الرحم فإن النطفة حينئذٍ تكون مهيأة للتخلق ووجود الولد.
الدليل الثاني: حرم الله تعالى قتل الصيد حال الإحرام، قال تعالى: (لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ) الآية [المائدة: 95].
وجاء في السنة تحريم أكل بيض الصيد؛ لأنه أصل الصيد، فكذلك لا يجوز إلقاء النطفة؛ لأنها أصل الإنسان.
والحديث الذي فيه تحريم أكل بيض الصيد قد جاء في المسند:
2026-486 قال أحمد: حدثني أبي ثنا هاشم بن سليمان يعنى بن المغيرة عن على بن زيد ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي قال: كان أبي الحارث على أمر من أمر مكة في زمن عثمان، فأقبل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى مكة، فقال عبد الله بن الحارث، فاستقبلت عثمان بالنزل بقديد، فاصطاد أهل الماء حجلا، فطبخناه بماء وملح، فجعلناه عراقا للثريد، فقدمناه إلى عثمان وأصحابه، فامسكوا، فقال عثمان: صيد لم أصطده ولم نأمر بصيده اصطاده قوم حل فأطعموناه، فما بأس؟ فقال عثمان: من يقول في هذا؟ فقالوا: على. فبعث إلى علي رضي الله تعالى عنه، فجاء. قال عبد الله بن الحارث: فكأني أنظر إلى علي حين جاء، وهو يحت الخبط عن كفيه، فقال له عثمان: صيدًا لم نصطده، ولم نأمر بصيده اصطاده قوم حل، فأطعموناه فما بأس؟ قال: فغضب على، وقال: أنشد الله رجلا شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتي بقائمة حمار وحش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قوم حرم فأطعموا أهل الحل. قال: فشهد اثنا عشر رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال على: أشهد الله رجلا شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتي ببيض النعام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قوم حرم أطعموه أهل الحل، قال: فشهد دونهم من العدة من الاثني عشر. قال: فثنى عثمان وركه عن الطعام، فدخل رحله وأكل ذلك الطعام أهل الماء. [حسن إلا أن زيادة بيض النعام تفرد بها ابن جدعان، وهي زيادة منكرة][27].
الدليل الثالث: أول الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية.
ووجهه قال: ماء المرأة ركن في الانعقاد، فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول، فمن أوجب، ثم رجع قبل القبول ـ يعني العزل ـ لم يكن جانيًا على العقد بالنقض والفسخ، ومهما اجتمع الإيجاب والقبول ـ يعني ماء الرجل والمرأة ـ كان الرجوع بعده رفعًا، وفسخًا وقطعًا، وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد، فكذا بعد الخروج من الإحليل، ما لم يمتزج بماء المرأة أو دمها، فهذا هو القياس الجلي[28].
دليل من أباح إسقاط النطفة:
الدليل الأول: القياس على جواز العزل، فإذا كان العزل جائزًا، وهو إلقاء الماء خارج الفرج، فكذلك إنزال المني بعد وجوده في الرحم؛ إذ لا فرق، فإخراج النطفة من رحم المرأة لا يثبت لها حكم السقط أو الوأد؛ لأنه لا يصدق عليها ذلك، فلا حرمة في إخراجها[29].
الدليل الثاني: المني حال نزوله جماد محض، لا يتهيأ للحياة بوجه، بخلافه بعد استقراره في الرحم، وأخذه في مبادئ التخلق. وبداية التخلق كما أرشد إليها حديث حذيفة الغفاري يكون بعد اثنتين وأربعين ليلة[30].
2026-486 فقد روى مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه، أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص»[31].
فهذا الحديث نص أن المني قبل الأربعين لا يكون قد تهيأ للحياة، وإنما هو نطفة، هو والعزل سواء، بخلاف بعد الأربعين فقد بدأ بالتخلق، وهو مرحلة كونه علقة. والله أعلم.
دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل التخلق:
قالوا: إذا لم يتخلق بظهور الأعضاء الدالة على كونه آدميًا، فلا يثبت له حكم الآدمي من وجوب صيانته وحرمة الاعتداء عليه، وعليه فلا إثم في إسقاطه[32].
دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح:
قال ابن عقيل: «ما لم تحله الروح يجوز إسقاطه؛ لأنه ليس وأدًا؛ لأن الوأد لا يكون إلا بعد التارات السبع (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ) إلى قوله (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) [المؤمنون:12-14]». قال ابن مفلح: وهذا منه فقه عظيم، وتدقيق حسن، حيث سمع (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ 8 بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) [التكوير: 19]، وهذا لما حلته الروح؛ لأن ما لم تحله الروح لا يبعث، فيؤخذ منه أنه لا يحرم إسقاطه، وله وجه[33].
الراجح جواز إلقاء النطفة بشروط:
أولًا: ألا يكون في ذلك ضرر على الأم، لا حالًا، ولا مالًا.
ثانيًا: أن يكون ذلك برضا الزوج؛ لأن له حقًا في طلب الولد.
ثالثًا: أن يكون في ذلك تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة. وإن قَـلَّت؛ لأن إلقاء النطفة إذا كان خلوًا من المصلحة كان منافيًا لمقصود الشارع من تكثير النسل.
رابعًا: ألا يكون الحامل على ذلك سوء ظن بالله، وذلك خوفًا من العالة والفقر.

ثم اطلعت على مراحل تكوين الجنين من جهة الطب، فرأيت أن تحريم إلقاء النطفة أقرب من الإباحة، وأن النطفة لا تستوي هي والعزل من كل وجه.
يذكر الأطباء أن ماء الرجل يحتوي على عدة مئات من الملايين من الحيوانات المنوية[34]، ويجب عليهم أن يعبروا المهبل، ومختنق عنق الرحم، وبعد ذلك يتوجهوا إلى قناة فالوب، وهي مسافة تبلغ (15-18) سم، ثم يستعدوا لاقتحام غشاء البويضة، ثم النـزول إلى الرحم لتعلق في جداره، وتأخذ في النمو. وإليك رحلة الحيوان المنوي:
ومن المعلوم أن كل ألف حركة يبذلها ذيل الحيوان المنوي يقطع خلالها الحيوان المنوي مسافة قدرها سنتيمترًا واحدًا، وفي حالة عدم وجود عوائق فإنه يستطيع قطع مسافة (10) سم في نصف ساعة، ومن يستهين بهذه المسافة فليعلم أنها تفوق طول الحيوان المنوي أربعة آلاف ضعف[35].
وتسير تلك الحيوانات المنوية باحثة عن البويضة (نطفة المرأة) لا تدري أين هي، عن يمين أو يسار، فتخترق مجموعة منها القناة الرحمية، وتسير مجموعة منها عبر القناة الرحمية اليسرى، تدعى أيضًا قناة فالوب، فيهلك من يهلك، ويشاء الله سبحانه وتعالى بقدرته أن يقترب من البويضة مئات الحيوانات المنوية، بينما تحتوي الدفقة الواحدة من المني مئات الملايين تهلك معظمها قبل الوصول إلى البويضة، ويختار الله سبحانه وتعالى بحكمته واحدًا من مئات الحيوانات، فيصل سالمًا إلى البويضة، فتفتح له البويضة كوة في جدارها، حتى يلج، فإذا ما دخل أغلق الثقب حالًا، ولن يسمح لحيوان منوي آخر بالدخول في البويضة، وإذا ما دخل الحيوان المنوي هشت له نواتها، كما أن نواة الحيوان المنوي المتجمعة في رأسه تفعل الشيء ذاته.

مراحل التلقيح والتخلق طبياً:
ورأس الحيوان المنوي لا يزيد عن خمسة ميكرونات (والميكرون: واحد على المليون من المتر، ويحتوي هذا الرأس على أسرار الوراثة كاملة ينقلها من الأب إلى الابن أو البنت على هيئة 23 جسيمًا ملونًا (كروموسومًا).
وتحتوي البويضة على 23 جسيمًا ملونًا مثلما يحتوي الحيوان المنوي على نفس العدد، فإذا اجتمعا معًا صارت البويضة الملقحة تحتوي على 46 جسيمًا ملونًا، مثل بقية الخلايا، فيكون كل من الحيوان المنوي والبويضة خلية كاملة من ناحية عدد الكروموسومات، وعند تكون النطفة الأمشاج يكتمل عدد الكروموسومات الحاملة للصفات الوراثية من الأب والأم، وعبر هذه الكروموسومات تنتقل الصفات الوراثية، وحالما يتم التخصيب، وتتكون النطفة الأمشاج من الحيوان المنوي والبويضة يخلق الله سبحانه وتعالى جدارًا سميكًا مصمتًا لا يمكن لأي حيوان منوي آخر اختراقه، ومنذ تلك اللحظة تبدأ العمل الجاد، وتبدأ بالانشطار: الخلية تصبح خليتان، الخليتان أربع، وهكذا دواليك حتى تتكون مئات الخلايا على هيئة ثمرة التوت، وعندئذ تسمى التوتة MORULLA كبرت الكرة قليلًا، صار ما بداخلها مجوفًا، وبه سائل رقيق ..وعندئذ تدعى بالتكور الجرثومي أو البلاستولا BLASTULA وفي هذه الأثناء لا تكف البويضة الملقحة أو النطفة الأمشاج عن الحركة بواسطة شعيرات قناة الرحم، وتقلصات جداره، وإن كانت حركة بطيئة فهي تنتقل من الثلث الوحشي لقناة الرحم (قناة فالوب) حيث يتم التلقيح وتتجه عبر القناة الرحمية حيث تقترب من الرحم، وفي خلال خمسة أيام أو أسبوع على الأكثر تكون قد وصلت إلى الرحم، وتنظر أين تتوسد وتنغرز.
وتوجهها عناية الله بها إلى أن خير مكان لها هو النصف العلوي من الرحم، وخاصة جداره الخلفي، وهناك تنشب، وتَعْلَق في جدار الرحم الذي قد أعد لاستقبالها بفرش الطنف والوسائد.. وجعل جداره مليئًا بالأوعية الدموية حتى يغذيها وينميها..
وعندما تنغرز الكرة الجرثومية تكون قد تحولت من نطفة الأمشاج إلى علقة، وتبدأ عندئذ مرحلة جديدة في حياة الجنين.. وهي مرحلة العلقة[36].
كل هذه الأمور تحدث للنطفة في العشرة الأيام الأولى على أكثر تقدير، فكيف يقال: إن هذا والعزل سواء.
في الإجهاض للضرورة بعد نفخ الروح

مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
أولاً: إسقاط الجنين إبقاء لحياة أمه من باب دفع أعظم الضررين، بارتكاب أخفهما، و جلب أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما.
[م-799] إذا قرر طبيبان أو أكثر أن في بقاء الجنين خطرًا على حياة أمه، ولا سبيل إلى إنقاذهما معًا، فإما الجنين وموت أمه، وإما إنقاذ أمه بهلاكه، فما هو العمل حينئذٍ؟
فقيل: لا يجوز، ولو كان في ذلك خطر على حياة الأم[37].
وقيل: يجوز ذلك بشرط أن يقرر جمع من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الجنين في بطن أمه فيه خطر مؤكد على حياة الأم[38].
أدلة القائلين: لا يجوز إسقاط الجنين:
عللوا ذلك: بأنه لا يجوز إحياء نفس بقتل أخرى، حيث لم يرد في الشرع[39].
ولأننا إذا أسقطناه فقد تعمدنا قتل نفس مؤمنة، وإذا تركناه وماتت الأم لم يكن هذا من فعلنا، بل هو من تقدير الله سبحانه وتعالى.
وقد يقدر الأطباء شيئًا، ويجزمون به، ولا يقع، وإذا كان كذلك، فلا يجوز دفع مفسدة متوقعة بارتكاب مفسدة محققة. وقد نسقط الجنين ولا تسلم الأم، فقد تعطب في نفاسها.
قال ابن عابدين في حاشيته: «لو كان الجنين حيًا ويخشى على حياة الأم من بقائه؛ فإنه لا يجوز تقطيعه؛ لأن موت الأم به موهوم، فلا يجوز قتل الآدمي لأمر موهوم»[40].
دليل القائلين بجواز إسقاط الجنين إنقاذًا لآمه:
إن هذه المسألة قد تعارض فيها واجب ومحرم، كل واحد منهما على درجة واحدة من الأهمية، بحيث لو أننا قمنا بالواجب، وقعنا في المحرم، ولو اتقينا المحرم أهدرنا الواجب، ولا سبيل للقيام بالواجب، وفي نفس الوقت اتقاء المحرم.
وإنما رخصنا الإقدام على إسقاط الجنين دفعًا لأعظم الضررين، وجلبًا لعظمى المصلحتين.
يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره تعليقًا على آية قتل الخضر للغلام من أجل سلامة والديه: «ومنها القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنه يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويراعى أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما أعظم شرًّا منه»[41].
ويقول ابن القيم: «إذا تترس الكفار بأسرى من المسلمين بعدد المقاتلة، فإنه لا يجوز رميهم إلا أن يخشى على جيش المسلمين، وتكون مصلحة حفظ الجيش أعظم من مصلحة حفظ الأسرى، فحينئذٍ يكون رمي الأسرى، ويكون من باب دفع المفسدتين باحتمال أدناهما، فلو انعكس الأمر، وكانت مصلحة الأسرى أعظم من رميهم لم يجز رميهم. فهذا الباب مبني على دفع أعظم المفسدتين بأدناهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، فإن فرض الشك، وتساوى الأمران لم يجز رمي الأسرى»[42].
ويقول العز بن عبد السلام: «وإذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير، للتنازع بين المتساويين، ولذلك أمثلة:
أحدهما: إذا رأينا صائلًا يصول على نفسين من المسلمين متساويين، وعجز عن دفعه عنهما، فإنا نتخير.
والمثال الثاني: لو رأينا من يصول على بضعين متساويين، وعجزنا عن الدفع عنهما، فإنا نتخير»[43].
أرجحية إنقاذ الأم:
فإذا كان لنا شرعًا أن نرتكب أدنى المفسدتين دفعًا لأعظمهما، ونحصل أعظم المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن إنقاذ الأم أعظم مصلحة من إنقاذ الجنين للأسباب التالية:
الأول: الأم هي أصل الجنين، متكون منها، فإنقاذها أولى.
الثاني: أن الأم غالبًا ما يكون لها أطفال، ومن الممكن أن يتعرضوا لمتاعب كثيرة بعد وفاة أمهم، والأسرة كثيرًا ما تتمزق إذا فقدت أحد أعضائها البارزين، فكم من طفل تشرد، وساءت تربيته بسبب فقدانه لأمه، وأهمية الأم في الأسرة عظيمة؛ إذ إنها أصل المجتمع، بخلاف الجنين فلا تعلق به لأحد.
ثالثًا: حياة الأم قطعية، وحياة الجنين محتملة، والظني أو الاحتمالي لا يعارض القطعي المعلوم، فإنقاذ الأم أولى.
رابعًا: الأم أقل خطرًا، وتعرضًا للهلاك من الجنين في مثل هذه الظروف، مما يجعل إنقاذها أكثر نجاحًا من إنقاذ جنينها، لذا تعطى الأولوية في الإنقاذ ففي إحصائية لمستشفى الولادة والاطفال بالرياض في عام 1400هـ، بلغ عدد الوفيات للنساء سبع وفيات، بينما بلغت وفيات الأطفال 865 حالة[44]، كل ذلك يؤكد أهمية إنقاذ الأم دون الجنين عند تساوي الأمر في إنقاذهما[45].
الحواشي والمراجع
[1] تبيين الحقائق (2/166)، حاشية ابن عابدين (3/176)، البحر الرائق (8/233).
[2] حاشية الدسوقي (2/267)، أسهل المدارك (1/405)، حاشية العدوي، مطبوع مع الخرشي (3/225)، منح الجليل (3/360).
[3] نهاية المحتاج ـ الرملي (8/442)، إحياء علوم الدين (2/51)، حاشية الجمل (5/490).
[4] الفروع (1/281)، الإنصاف (1/386)، كشاف القناع (1/220).
[5] الشرح الكبير المطبوع مع حاشية الدسوقي (1/266، 267).
[6] القوانين الفقهية (ص: 235).
[7] أسهل المدارك (1/405).
[8] مجموع الفتاوى (34/160).
[9] صحيح البخاري (6740)، ومسلم (35 ـ 1681).
[10] المحلى (مسألة: 2124).
[11] الفتح (12/311) ح 6908.
[12] الجامع لأحكام القرطبي (12/8).
[13] صحيح مسلم بشرح النووي (16/191).
[14] فتح الباري (11/588) ح 6594
[15] البخاري (3208)، ومسلم (2643).
[16] حاشية ابن عابدين (3/176).
[17] حاشية الدسوقي (2/267)، أسهل المدارك (1/405)، حاشية العدوي، مطبوع مع الخرشي (3/225)، منح الجليل (3/360). وجاء في الشرح الكبير (2/267): «لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل الأربعين يومًا» قال الدسوقي تعليقًا عليه (2/267): «وهو المعتمد». وقال ابن جزي في القوانين الفقهية (ص 235): «وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له».
[18] قال الغزالي في إحياء علوم الدين (2/51): «وليس هذا ـ يقصد العزل ـ كالإجهاض والوأد؛ لأن ذلك جناية على موجود حاصل، وله أيضًا مراتب، وأول الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح، واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفحشًا، ومنتهى التفحش في الجناية بعد الانفصال حيًا». جاء في تحفة المحتاج (8/241): «اختلفوا في التسبب لإسقاط ما لم يصل لحد نفخ الروح فيه، وهو مائة وعشرون يومًا، والذي يتجه وفاقًا لابن العماد وغيره الحرمة».
[19] أحكام النساء – ابن الجوزي (ص: 374).
[20] يقول ابن عابدين في حاشيته المشهورة (3/176): «قال في النهر: بقي هل يباح الإسقاط بعد الحمل؟ نعم يباح، ما لم يتخلق منه شيء، ولن يكون ذلك إلا بعد مضي مائة وعشرين يومًا. علق ابن عابدين: «وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح، وإلا فهو غلط؛ لأن التخلق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة». وهذا مذكور بحروفه في فتح القدير (3/401). وجاء في تبيين الحقائق (2/166): «المرأة يسعها أن تعالج لإسقاط الحبل ما لم يستبن شيء من خلقه، وذلك ما لم يتم له مائة وعشرون يومًا». وانظر البناية (4/759)، الاختيار لتعليل المختار (5/168).
[21] حاشية الرهوني على شرح الزرقاني (3/264).
[22] الفروع (1/281)، الإنصاف (1/386)، كشاف القناع (1/220).
[23] جاء في حاشية ابن عابدين (3/176): «وفي كراهة الخانية: ولا أقول بالحل؛ إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه؛ لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤخذ بالجزاء فلا أقل من أن يلحقها إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر».اهـ قال ابن وهبان: ومن الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر، ويخاف هلاكه، ثم قال: قال ابن وهبان: فإباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر، أو أنها لا تأثم إثم القتل.اهـ من حاشية ابن عابدين. وإسقاط الجنين إذا انقطع اللبن قول ضعيف جدًّا، لأن الرزاق هو الله سبحانه وتعالى، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) وإذا هلك لقلة اللبن لم يكن من كسبها، ولا تأثم بذلك.
[24] جاء في نهاية المحتاج – الرملي (8/442): «قال الزركشي: وفي تعاليق بعض الفضلاء، قال الكرابيسي: سألت أبا بكر بن أبي سعيد الفراتي عن رجل سقى جارية شرابًا لتسقط ولدها؟ فقال: ما دامت نطفة أو علقة فواسع له ذلك إن شاء الله تعالى».اهـ
[25] قال في حاشية ابن عابدين (3/176): «لو أرادت الإلقاء قبل مضي زمن ينفخ فيه الروح، هل يباح لها ذلك أم لا؟ اختلفوا فيه، وكان الفقيه علي بن موسى يقول: إنه يكره؛ فإن الماء بعدما وقع في الرحم مآله إلى الحياة، فيكون له حكم الحياة كما في بيضة الحرم، ونحوه في الظهيرية. اهـ وربما قصد بالكراهة كراهة التحريم، فيرجع القول إلى القول بالتحريم، وهو غير بعيد. والله أعلم».
[26] حاشية الدسوقي (2/266، 267).
[27] الحديث أخرجه أحمد كما سبق (1/100)، والبزار (914) من طريق سليمان بن المغيرة، وأخرجه أبو يعلى (356) من طريق حماد بن زيد، وأخرجه أحمد (1/100)، وأبو يعلى في مسنده (432) من طريق همام بن يحيى. وأخرجه أحمد (1/104)، والطحاوي (2/168) من طريق حماد بن سلمة، ثلاثتهم عن زيد ابن علي بن جدعان. وأخرجه أبو داود (1849)، ومن طريقه البيهقي (5/194) من طريق إسحاق بن عبد الله بن الحارث، كلاهما (ابن جدعان وإسحاق) روياه عن عبد الله بن الحارث، عن عثمان، عن علي. واقتصر إسحاق بن عبد الله بن الحارث على قصة حمار الوحش، ولم يذكر بيض النعام، وإسناد إسحاق إسناد حسن. وزاد زيد بن علي بن جدعان ذكر بيض النعام، وهو رجل ضعيف، فتكون زيادته منكرة.
[28] بتصرف يسير جدًّا إحياء علوم الدين (2/51).
[29] نهاية المحتاج (8/442).
[30] تحفة المحتاج (8/241)، حاشية الجمل (4/447)، الإجهاض من منظور إسلامي
[31] مسلم (2645).
[32] رد المحتار (5/276).
[33] الفروع (1/281).
[34] يقول الدكتور محمد علي البار في كتابه (خلق الإنسان بين الطب والقرآن) (ص:159): «في كل دفقة مني ما بين مائتين إلى ثلاثمائة مليون حيوان منوي».
[35] انظر الآيات العجاب في رحلة الإنجاب (ص: 54).
[36] انظر بتصرف يسير خلق الإنسان بين الطب والقرآن (ص: 197)، الآيات العجاب في رحلة الإنجاب (ص: 54).
[37] وهو ظاهر إطلاق كلام الفقهاء المتقدم، في تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح. يقول صاحب البحر الرائق (8/233): «وفي النوادر امرأة حامل اعترض الولد في بطنها، ولا يمكن إلا بقطعه أرباعًا، ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت، فإن كان الولد ميتًا فلا بأس به، وإن كان حيًّا، فلا يجوز؛ لأن إحياء نفس بقتل أخرى لم يرد في الشرع».اهـ ووافقه ابن عابدين في حاشيته. انظر (2/238)، وبهذا أفتى شيخنا محمد بن عثيمين كما في فتاوى نور على الدرب.
[38] جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة: «إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا، لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة، إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه، سواء كان مشوهًا، أو لا، دفعًا لأعظم الضررين». اهـ وجاء في قرار هيئة كبار العلماء رقم (140)، تاريخ 20/6/1407 هـ: «بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر للحمل، لا يحل إسقاطه إلا أن يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين أن بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته، وإنما رخص الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعًا لأعظم الضررين، وجلبًا لعظمى المصلحتين».اهـ
[39] البحر الرائق (8/233).
[40] حاشية ابن عابدين (2/238).
[41] تيسير الكريم الرحمن (5/70، 71).
[42] مفتاح دار السعادة (2/403).
[43] قواعد الأحكام (1/88).
[44] صحيفة الرياض عدد 4431 في 26/2/1400 صفحة المجتمع.
[45] نقلت أدلة هذا القول ببعض التصرف من كتاب تنظيم النسل (ص: 228).

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*