موقع الشيخ دبيان الدبيان

في الحكمة من مشروعية الزكاة وبيان بعض مقاصدها[جديد]

📌 المدخل إلى المسألة:

الزكاة لها معنى معقول فليست من التعبد المحض.
الأحكام الشرعية شرعت لمقاصد وحكم، ومن أبرز الأدلة على الاستدلال بالمقاصد في باب مصارف المال قوله تعالى في بيان مصارف الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾.
هناك فرق بين الحكمة والعلة، فالحكم في يد السارق قطع يده، والعلة السرقة، والحكمة حفظ المال.
الحكمة إذا ساوت العلة في الظهور والانضباط أنيط الحكم بها؛ لأنها المقصودة بالتشريع بخلاف ما إذا اضطربت.
لا يلزم من تخلف الحكمة تخلف الحكم الثابت بمقتضاه، فلا تسقط الزكاة عن مال الصغير لانتفاء تطهيره من الذنب، ولا تسقط الزكاة عن النقد لانتفاء النماء، ولا يمتنع المسافر من القصر لانتفاء المشقة.
الحكم يدور مع علته المعتبرة، لا مع كل حكمة ملحوظة فيه.
الزكاة حق معلوم للفقير في مال الغني حتى يكون المال دولة بين المسلمين.
لا يجوز اتخاذ مصلحة متوهَّمة سبيلًا إلى إبطال حكم ثابت، ولا يعارض المقصد المستنبط حكمًا ثابتًا بدليل خاص.
المفاضلة تحتاج إلى تقدير الحاجات والموارد فلا يعطى فرد رأس مال كبير ولو حقق استغناءه، إذا فوّت سد ضرورة عدد من المحتاجين؛ ولا يعطى مبالغ ضئيلة للجميع ولو حقق كثرة المستفيدين عددًا إذا لم يحقق الكفاية لأحد.
التعليل بأن هذا أنفع للفقراء ينبغي أن يضبط بما لا يفوت به حق المالك.
حق المالك مقدم على حق الفقير؛ لأن المالك معين والفقير جهة، وإذا تنازع الملكية معين وجهة كالفقراء فالمعين أقوى.
الاحتياط للفقير ليس بأولى من الاحتياط للمالك؛ لأن الأصل عدم وجوب الزكاة.
ملك الجهة ضعيف بدليل أن المال المرصود لجهة عامة لا زكاة فيه حتى يتحول الملك فيه إلى معين، ويحول عليه الحول.
حق الفقراء في الزكاة ليس حقًا محضًا، بل هو أوجبه الله لهم فليس كالدين.
الوسائل تابعة لمقاصدها مع اشتراط مشروعيتها.
التقدير الاجتهادي يتبع الحاجة والعرف حيث لم يرد تحديد شرعي، كتقدير الكفاية وآلات الحرفة وأجرة العمل، دون تغيير المقادير المنصوصة.
اجتمع في الزكاة مصلحة المزكّي، ومصلحة الآخذ، ومصلحة المال، ومصلحة المجتمع.
في الزكاة مصلحة للمزكي في العبودية، والتطهير، وشكر النعمة، والابتلاء، وفيها مصلحة للمال من جهة النماء، والتطهير، ومن جهة الآخذ: المواساة والإغناء، وما يحصل من فك الرقاب، وقضاء الغرم، وإعانة الغازي وابن السبيل، وأداء أجر العامل.

{مسألة}

ليس هذا المبحث بابًا في فضائل الزكاة والترغيب فيها؛ فذلك موضعه كتب الرقائق، بل المقصود به تحرير ما نص عليه الأئمة من حكم الزكاة ومقاصدها مما يبنى عليه حكم أو يرجح به قول فقهي.
وقبل الكلام في هذا نذكر ضابط هذا الباب.
الضابط في حكم الزكاة ومقاصدها:
📌 الأول: الفرق بين الحكمة والعلة:

فرق الأصوليون بين الحكمة والعلة.

فالحكمة: ما شرع الحكم لأجله من جلب مصلحة أو دفع مفسدة كتطهير النفس والمال، وسد حاجة الفقير.

والعلة: هي الوصف الظاهر المنضبط الذي علق به الحكم لكونه مظنة تلك الحكمة.

فتحريم الخمر مثلًا حكم. ووصف الإسكار هو علة هذا الحكم. والمحافظة على العقل من الاختلال هي الحكمة التي من أجلها صار الإسكار علة لتحريم الخمر.

مثال آخر: قطع يد السارق: حكم. والعلة: السرقة، والحكمة: حفظ أموال الناس.

التعليل بالحكمة:

وقد اختلف الأصوليون في التعليل بالحكمة:

فقيل: لا يجوز التعليل بالحكمة المجردة عن وصف ضابط لها، حكاه الآمدي عن الأكثرين، وابن النجار عن الأكثر من أصحابه وغيرهم[1].

وأجازه الرازي في المحصول والبيضاوي[2].

وفصّل الآمدي وصاحب الإبهاج، فأجازاه إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها، ومنعاه فيما عدا ذلك[3].

وهو الأقرب؛ لأن الحكمة إذا ساوت الوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل؛ لأنها المقصودة بالتشريع بخلاف ما إذا اضطربت.

وتراجع كتب الأصول للتوسع في هذه المسألة.

الثاني: اجتماع التعبد والحق المالي في الزكاة:

اجتمع في الزكاة معنيان: معنى التعبد، ومعنى الحق المالي. وقد ذكر ابن رشد هذا المأخذ في زكاة مال الصغير، وفي أثر الدين، وذكر نظيره في إخراج القيمة. وليس المراد أن القائل بالحق المالي ينفي كونها عبادة، أو أن القائل بالتعبد ينفي حق المستحق؛ وإنما الكلام في الجهة المؤثرة في الفرع المختلف فيه.

والأئمة الأربعة متفقون على أن الزكاة لها معنى معقول فليست من التعبد المحض.

فالكاساني عقد للمعقول من أدلة فرضيتها وجوهًا ثلاثة: المواساة، والتزكية، وشكر النعمة[4].

والقرافي قال: «أن الزكاة إنما وجبت في الأموال النامية شكرًا النعمة النماء في الأموال»[5].

والغزالي جعل «سد الخلة» هو «ما يسبق إلى الفهم من إيجاب الزكاة للفقراء[6].

وابن قدامة قال: «أن الزكاة إنما وجبت مواساة للفقراء، وشكرًا لنعمة الغنى»[7].

ولم أقف على من خالف في هذا الأصل.

مدار المنصوص من هذه المقاصد على ثلاثة نصوص:
💡 النصوص الأساسية في المقاصد:

الأول: قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: 103]، وهو أصل ما يرجع إلى المزكي.

والثاني: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39]، وهو أصل ما يرجع إلى المال.

والثالث: حديث ابن عباس في بعث معاذ رضي الله عنه إلى اليمن، وفيه: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)[8]، وهو أصل ما يرجع إلى الآخذ.

وكذلك يفيد قوله: (أغنيائهم وفقرائهم) أصل ما يرجع إلى المجتمع.

والمعنى: أن الزكاة تُخرج جزءًا واجبًا من أموال الأغنياء إلى مستحقيه، وتُشرك الفقراء في الانتفاع بالثروة حتى يكون المال دولة بين المسلمين.
الرابع: مراتب الاستدلال بالمقاصد:

أقوى ما يُعتمد مقصد دل عليه نصٌّ خاصٌّ، أو معنى تظاهرت عليه نصوص الباب وأحكامه. ثم يستعان بتعليلات الفقهاء على ضبط هذا المعنى وحدود تنزيله.

فالأحكام الشرعية شرعت لمقاصد وحكم، ومن أبرز الأدلة على الاستدلال بالمقاصد في باب مصارف المال قوله تعالى في بيان مصارف الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7].

وجه الدلالة: أن الشارع بيّن مقصدًا ماليًّا لتشريع هذه القسمة، وهو ألا ينحصر تداول الفيء في الأغنياء؛ فدل على اعتبار هذا المقصد في فهم أحكام الفيء وتنفيذها، وفي النظر فيما يلحق بها بطريق استدلال صحيح.
📌 حدّ الدلالة وضوابطها:

أن الآية لا تسوّغ تغيير الأنصبة والمصارف المنصوصة بدعوى تحقيق تداول المال؛ وإنما تُفهم الأحكام مع مقصدها، ويُستعان به فيما يحتمل الاجتهاد. كما أن تعميم هذا المقصد على جميع الأموال يحتاج إلى دليل يثبت مقدار العموم.

وقد دلّت النصوص والتطبيقات النبوية واجتهادات الصحابة على اعتبار مقاصد الشارع في فهم الأحكام واستنباطها وتنزيلها؛ وذلك بإعمال المقصد الثابت بطريق معتبر، والتحقق من انطباقه على الواقعة، ومراعاة ما يعارضه من الأدلة والمقاصد، دون اتخاذ مصلحة متوهَّمة سبيلًا إلى إبطال حكم ثابت.

من ذلك: النهي عن سب الأصنام إذا ترتب عليه سب الله سبحانه وتعالى، وترك إعادة بناء الكعبة مراعاة لتأليف القلوب، وربط النهي عن ادخار لحوم الأضاحي بحاجة الوافدين، وتعليل الاستئذان بحفظ الأبصار عن الاطلاع على عورات الناس، ونصوص كثيرة تدل على الاستدلال بالمقاصد.

وكثيرا ما يعلل الفقهاء بالقول بأن هذا أنفع للفقراء، كما في تقدير نصاب النقود بالفضة، وهذا التعليل ينبغي أن يضبط حتى يتبين من هم الفقراء المنتفعون، وهل يفوت به حق المالك، وهل المنفعة عاجلة أو موهومة، وهل تتحقق بوسيلة جائزة، إلى غير ذلك.

إذا عرفنا هذا نأتي إلى الكلام على المقاصد والحكم من مشروعية الزكاة، فقد اجتمع في الزكاة مصلحة المزكّي، ومصلحة الآخذ، ومصلحة المال، ومصلحة المجتمع، ونحتاج إلى التنبيه على ضوابط الترجيح عند تزاحم المقاصد.

الجهل الأول: ما يرجع إلى المزكي

المقصد الأول: تحقيق العبودية وأثره في النية:

قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥]. فاقتران الزكاة بإخلاص الدين يدل على أن أداءها قربة مقصودة، وليس مجرد نقل مال من ذمة إلى ذمة.

وأثره في التخريج: اشتراط النية في أداء الزكاة، وهو قول الجمهور في الجملة، مع اختلافهم في وقتها وتفاصيل النيابة وفي الإجزاء إذا أخذت منه قهرًا.

وأن مجرد إنفاق المال على محتاج لا يصير زكاة واجبة بأثر رجعي لمجرد تحقق النفع؛ وأن دفع المال إلى جهة تتولى توزيعه يحتاج إلى تعيين كونه زكاة على الوجه المعتبر. والخلاف في جواز إسقاط الدين واحتسابه من الزكاة، فهذه جهات قد تختلف أحكامها في بعض الصور.

ولا يلزم من اعتبار النية أن يباشر المزكّي تسليم المال بيده؛ إذ تقبل الزكاة النيابة في الأداء. فمباشرة الدافع ليست مقصدًا لازمًا إذا تحققت النية المعتبرة ووصل الحق إلى مستحقه. وهذا يفتح باب التنظيم المؤسسي دون تفريغ الزكاة من معناها التعبدي.

المقصد الثاني: التطهير والتزكية دون جعله شرطًا للوجوب:

وأصله قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: 103].

قال الكاساني: «الزكاة تطهر نفس المؤدي عن أنجاس الذنوب، وتزكي أخلاقه بتخلق الجود والكرم وترك الشح والضن؛ إذ الأنفس مجبولة على الضن بالمال فتتعود السماحة، وترتاض لأداء الأمانات وإيصال الحقوق إلى مستحقيها، وقد تضمَّن ذلك كله قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾»[1].

وقال الرازي: «فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب، فالله سبحانه أوجب الزكاة لهذه الحكمة، وهو المراد من قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ أي: تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا»[2].

وأثره الفقهي: أن هذا المقصد راجع إلى المزكي نفسه، فهو أقوى ما يتمسك به لجانب العبادة في الزكاة؛ ومن هنا بنى الحنفية عليه فروعًا ثلاثة: اشتراط النية، وعدم الوجوب على الصبي والمجنون، وسقوطها بالردة.

قال الكاساني: «ومن أصحابنا من بنى المسألة على أصل، وهو أن الزكاة عبادة عندنا، والصبي ليس من أهل وجوب العبادة فلا تجب عليه كما لا يجب عليه الصوم والصلاة»[3]، وقال في المرتد: «ولأن الزكاة عبادة والكافر ليس من أهل العبادة لعدم شرط الأهلية وهو الإسلام فلا يكون من أهل وجوبها»[4].

وقد جعل ابن رشد هذا هو سبب الخلاف في مال الصبي فقال: «وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة عليه أو لا إيجابها: هو اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية: هل هي عبادة كالصلاة والصيام؟ أم هي حق واجب للفقراء على الأغنياء؟ فمن قال: إنها عبادة اشترط فيها البلوغ. ومن قال: إنها حق واجب للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء لم يعتبر في ذلك بلوغًا من غيره»[5].

وهذا له تحرير مستقل إن شاء الله تعالى. والذي يحرر هنا أن الآية جعلت التطهير مقصودًا للزكاة، لا شرطًا في الوجوب؛ فلا يلزم من انتفاء التطهير في حق من لا ذنب له كالمجنون والصبي انتفاء الوجوب، كما لا يلزم من انتفاء «شكر النعمة» في حق الغافل انتفاؤه؛ وهذا الإلزام سبق إلى نظيره الشافعية فيما حكاه الكاساني عنهم من أن الزكاة «إن كانت عبادة فهي عبادة مالية تجرى فيها النيابة»[6].

والذي يقتضيه الجمع بين المقاصد أن عدم قابلية الصغير للتطهير من ذنب مكتسب لا يصلح وحده لنفي الزكاة عن ماله؛ لأن حق المستحقين ومواساة المال باقيان. وهذا دفع لاستدلال بعينه، وليس استغناءً عن أدلة المسألة التفصيلية، ولا حسمًا للخلاف في كيفية تعلق الزكاة بالعين أو بالذمة.

المقصد الثالث: شكر نعمة المال:

قال الكاساني: «إن الله تعالى قد أنعم على الأغنياء وفضلهم بصنوف النعمة والأموال الفاضلة عن الحوائج الأصلية وخصهم بها فيتنعمون ويستمتعون بلذيذ العيش، وشكر النعمة فُرِض عقلًا وشرعًا، وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شكر النعمة فكان فرضًا»[7].

وقال في سبب الفرضية: «وأما سبب فرضيتها فالمال؛ لأنها وجبت شكرًا لنعمة المال، ولذا تضاف إلى المال فيقال: زكاة المال، والإضافة في مثل هذا يراد بها السببية»[8].

وعبر القرافي بأنها «وجبت في الأموال النامية شكرًا النعمة النماء»[9]. وابن قدامة بأنها وجبت «شكرا لنعمة الغنى»[10].

وأثره الفقهي في ثلاثة مواضع:

الأول: أن سبب الوجوب هو المال، ومن هنا أضيفت الزكاة إليه. وتفرع على ذلك تعلق الزكاة بعين المال عند من قال به، وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.

الثاني: أن ما لا تتم به النعمة لا زكاة فيه؛ حيث ذهب الحنفية إلى أن المال المرصود للحوائج الأصلية «لا يكون صاحبه غنيًّا عنه، ولا يكون نعمة، إذ التنعم لا يحصل بالقدر المحتاج إليه حاجة أصلية؛ لأنه من ضرورات حاجة البقاء، وقوام البدن، فكان شكره شكر نعمة البدن»[11]. وهي مسألة خلافية سيأتي تحرير الخلاف فيها في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.

الثالث: أن المدين لم تتم عليه نعمة الغنى، فهو بحاجة إلى المواساة، وهو مأخذ ابن قدامة في منع زكاة الدين كما سيأتي.

المقصد الرابع: إخراج الحق حقيقة ومنع عوده إلى المكلّف حيلة:

شُرعت الزكاة لإيصال الحق إلى مستحقه؛ فمقتضى أدائها أن يخرج المزكّي من عهدتها حقيقةً، وألّا يجعل بذلها وسيلةً لاستبقاء ماليتها لنفسه، باسترداد عينها، أو استيفاء عوضٍ عنها، أو إسقاط واجبٍ ماليٍّ آخر عليه بها. فكما يتحقق العود باسترجاع المدفوع، يتحقق معناه باستبقاء ما كان يلزم المزكّي بذله من ماله؛ ولهذا علَّل ابن قدامة منع دفع الزكاة إلى الوالدين عند وجوب نفقتهما بقوله: «ويعود نفعها إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه، فلم تجز، كما لو قضى بها دينه»[12].

فجهة المنع هنا أن نفقة الوالدين حقٌّ مستقلٌّ عن الزكاة، فلا يجعل أداء أحد الحقين وسيلةً للتخلص من الآخر.

وأصل النهي عن العود حديث عمر رضي الله عنه في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله، ثم أراد شراءه، فقال النبي ﷺ: (لا تشترِ، ولا تعد في صدقتك)[13].

ووجه الدلالة: أنه سمّى شراء المتصدِّق صدقته عودًا فيها، مع وجود صورة المعاوضة؛ فدل على أن استقلال العقد في صورته لا يكفي وحده لنفي معنى العود. لكن الحديث في شراء الصدقة بعد إخراجها، فلا يستقل بإثبات بطلان الزكاة في كل صورة يرجع فيها نفع إلى المزكّي، ولا بتسوية جميع صور الرجوع في الحكم كإعطاء القريب بوصف آخر، كما لو كان غارمًا مستقلًا عن النفقة، فله تحريره وشروطه؛ فلا يعمم المنع، وإلا امتنع كثير من صور الصلة المشروعة.

وبدليل حديث المرأة التي تصدقت على أمها بجارية، ثم ماتت أمها، فقال لها النبي ﷺ: وجب أجرك، وردَّها عليك الميراث[14]. ففيه اجتماع ثبوت أجر الصدقة ورجوع عينها؛ لأن رجوعها بالميراث لم ينقض التمليك السابق، ولم يكن عوضًا مشروطًا في البذل. وهذا يكشف أن الممنوع ليس بقاء وصف الصدقة ملازمًا للعين بحيث يمتنع تملّكها أبدًا، وإنما العود المنافي لحقيقة البذل أو الذي ورد النهي عنه بخصوصه.

والخلاصة: أنه يُمنع توظيف الزكاة لاسترداد المبذول أو لاستيفاء حقٍّ للمزكّي أو لإسقاط واجبٍ ماليٍّ آخر عليه؛ لأن ذلك يجعل أداء حق المستحق وسيلةً إلى حفظ مال المؤدّي.

ويُفرَّق في التخريج بين ما يخلّ بأصل الأداء، وما يرد النهي عنه بعد أداء صحيح؛ فإن منع التصرف اللاحق لا يستلزم بمجرده عدم إجزاء الزكاة السابقة.

وفي كتاب أبي بكر رضي الله عنه في الصدقات: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة»[15]. وهو أصل نصي في منع العبث المؤثر في الجباية على الوجه الوارد فيه، ويحتج به في نقد التحايل الممنوع.

وأما ما ذكر من معنى الابتلاء والامتحان ومحبة المال فمرجعه إلى الجهة الوعظية، ولم أقف له على أثر في فرع فقهي.

الجهل الثاني: ما يرجع إلى المال

المقصد الأول: مراعاة النماء وعدم استئصال أصل المعاش:

وهو معنى الاسم نفسه. قال المازري: «أصل الزكاة في اللغة النماء. فإن قيل: كيف يستقيم هذا الاشتقاق ومعلوم انتقاص المال بالإنفاق؟ قيل: وإن كان نقصًا في الحال، فقد يفيد النمو في المآل، ويزيد في صلاح الأموال»[17].

وعبر الكاساني بأن «معنى الزكاة وهو النماء لا يحصل إلا من المال النامي»[18].

فالنماء يعد من المعاني الظاهرة في نظام الزكاة وقد ارتباط جانب كبير من أموالها بالنماء الحقيقي أو التقديري، وإعفاء أعيان القنية التي لم تعد للتجارة.

وفي الصحيح: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)[19].

وقد قرر الكاساني معنى الإعداد للنماء والفضل عن الحاجة الأصلية في تعليل شروطها[20]. ويظهر أثر ذلك في التمييز بين السلعة المعدة للبيع والآلة التي يُنتج بها، وبين العقار المعد للتجارة والعقار المتخذ أصلًا للاستغلال. ولا يُسوّى بينهما لمجرد اشتراكهما في اسم الاستثمار؛ فالاشتراك في حصول المنفعة لا يستلزم اتحاد الوعاء الزكوي أو وقت الوجوب أو المقدار.

ومع ذلك لا يصح بناء قاعدة مطلقة بأن كل مال لا يربح بالفعل لا زكاة فيه؛ فقد يكون النقد مستكملًا لشروط الوجوب مع كونه مدخرًا، وقد تنقص قيمة عروض التجارة وتبقى زكاتها متعلقة بقيمتها المعتبرة. كما لا تكفي النية المجردة لصرف النقد في حاجة مستقبلية للحكم بإعفائه؛ وقد نص الكاساني على وجوب الزكاة في الأثمان ولو نويت للنفقة[21].

وهل النماء علة للوجوب بحيث يسقط الوجوب بانتفائه في آحاد المال الزكوي كمال الضمار، والدين على المعسر أو الجاحد، والسلعة الكاسدة عند المتربص، والحلي المستعمل، ومال الصبي، أم هو حكمة لوضع الزكاة في جنس المال، فلا يلتفت إلى تخلفه في الآحاد بعد تحقق مظنته؟

وسوف نتعرض لهذه المسائل مسألة مسألة في البحوث القادمة عند الكلام على شروط الزكاة إن شاء الله تعالى.

المقصد الثاني: طهرة المال:

وتطهيره: يكون بأداء الحق الواجب المتعلق به، والخروج من تبعة منعه، ولا يعني أن الزكاة تصحح كسب المال المحرم أو تُسقط حق صاحبه.

وفي صحيح مسلم أن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، وإنما هي أوساخ الناس[22]. وهذا وصف متعلق بمعنى التطهير، لا بنجاسة عين المال ولا بإهانة الآخذ.

قال ابن القيم: «وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه»[23].

وقال القاضي عياض في وجه تسميتها زكاة: «وقيل: لأنها تزكى المال وتطهره؛ إذ لو لم يخرج منه أَخْبَثَتْه وأبقت فيه أوساخه»[24].

وأثره الفقهي في موضعين: أحدهما: أن من أدى زكاة ماله فليس بكنز. والثاني: أن المال الحرام لا تطهره الزكاة فلا تجب فيه.

المقصد الثالث: مراعاة المؤنة في مقدار الزكاة:

وهذا مقصد نبه عليه ابن القيم، وهو وإن لم يُبْنَ عليه حكمٌ؛ لتوقيفية المقادير، فإنه يفسر اطراد المنصوص، ويصلح للترجيح عند الاحتمال؛ قال: «ثم إنه أوجبها مرة كل عام، وجعل حول الزروع والثمار عند كمالها واستوائها، وهذا أعدل ما يكون؛ إذ وجوبها كل شهر أو كل جمعة يضر بأرباب الأموال، ووجوبها في العمر مرة مما يضر بالمساكين، فلم يكن أعدل من وجوبها كل عام مرة. ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها، وسهولة ذلك ومشقته»[25].

ثم بين أن الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعًا، والعشر فيما تولى الله سقيه، ونصف العشر فيما سقي بكلفة، وربع العشر فيما كان النماء فيه موقوفًا على عمل متصل؛ وقال: «وظهور النمو فيما يسقى بالسماء والأنهار أكثر مما يسقى بالدوالي والنواضح، وظهوره فيما وجد محصلًا مجموعًا كالكنز أكثر وأظهر من الجميع»[26].

وثمرته في التخريج: البحث في إسقاط سائر النفقات الزراعية، وإذا كان هناك ديون أنفق على الثمار والزروع تسدد قبل إخراج الزكاة. وأما تخفيض نسبة زكاة التجارة كلما ارتفعت تكاليفها، فلا يثبت بهذا التعليل وحده؛ لأن النص فرّق في صورة معينة، والتعدية إلى غيرها تحتاج إلى دليل يضبط الجامع ويمنع إلغاء المقادير.

الجهل الثالث: ما يرجع إلى الآخذ

المقصد الأول: سد الخلة ودفع الحاجة:

وهو المقصد الذي قال فيه الغزالي: «فإن معنى سد الخلة ما يسبق إلى الفهم من إيجاب الزكاة للفقراء»[27]. وقال في موضع آخر: «ومعلوم أن سد الخلة ودفع الحاجة معنى يسبق إلى الفهم من الزكوات»[28].

وجعله الكاساني أول وجوه المعقول: «أن أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف وإغاثة اللهيف وإقدار العاجز وتقويته على أداء ما افترض الله عز وجل عليه من التوحيد والعبادات، والوسيلة إلى أداء المفروض مفروض»[29].

وأصله من النص حديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)، متفق عليه وسبق تخريجه. وحديث قبيصة بن مخارق رضي الله عنه في المسألة: (حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش)[30].

ولا تنحصر الكفاية في الطعام؛ فقد نص الفقهاء على اعتبار السكن والكسوة وآلات الحرفة وكفاية العيال، وتختلف تفاصيل ذلك باختلاف باب البحث والمذهب. ومن ثم يُبحث العلاج والتعليم اللازمان للفقير من جهة كونهما حاجة معتبرة، وبقدر المعتاد والحاجة الفعلية، لا من جهة جعل كل نفقة نافعة مصرفًا جديدًا.

المقصد الثاني: الإغناء:

وأصله ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: قال عمر بن الخطاب: إذا أعطيتم فأغنوا. ورواه ابن أبي شيبة، وقال: يعني: من الصدقة. [لم يدرك عمرو بن دينار أمير المؤمنين عمر الفاروق][31].

وأثره في تحديد قدر ما يعطى الفقير: وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يعطاه الفقير:

فكره الحنفية دفع نصاب إلى فقير غير مديون فإن دفع جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقال زفر: لا يجوز.

ومأخذهم في التحديد: أن الغنى الموجب للزكاة هو الغنى المانع من أخذها، وهو ملك نصاب تجب فيه الزكاة، فالشارع جعل الزكاة تؤخذ من الأغنياء وترد إلى الفقراء، فكان الغنى مناط الوجوب في جهة المزكي، وانتفاؤه مناط الاستحقاق في جهة الآخذ. وأصله من السنة حديث ابن عباس رضي الله عنه المتقدم: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)[32].

وقد قال الكاساني في وجه دلالته: «قسم الناس قسمين: الأغنياء، والفقراء فجعل الأغنياء يؤخذ منهم والفقراء يرد فيهم فكل من لم تؤخذ منه يكون مردودًا فيه»[33]، وحديث «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»[34].

وذهب المالكية والحنابلة إلى أن المدار عندهم على كفاية السنة، ولو زاد المدفوع على النصاب؛ لأن الزكاة تتكرر كل سنة. ومأخذهم: أن الغنى الموجب للزكاة هو امتلاك النصاب، والغنى المانع هو الكفاية[35].

وذهب الشافعية إلى صحة إعطاء الفقير ما تتحقق به الكفاية على الدوام؛ فيعطى المحترف ما يشتري به آلات حرفته، والتاجر ما يناسب تجارته، ومن لا يحسن الكسب ما يحقق كفایته على التفصيل المذكور عندهم. ودليله حديث قبيصة بن مخارق رضي الله عنه في المسألة: (حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش)[36]. وحكى قولًا في مذهب الشافعية بكفاية السنة، ثم رجح الأول.

المقصد الثالث: المقاصد الخاصة بالأصناف:

من ذلك تأليف القلوب، وفك الرقاب، وقضاء الغرم، وإعانة الغازي وابن السبيل، وأداء أجر العامل.

وأثرها الفقهي من ثلاثة أوجه:

الأول: أنها دليل على أن دفع الحاجة ليس المقصد الوحيد من الزكاة؛ إذ يعطى منها الغني لهذه المعاني، بنص حديث (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة)[37]. قال ابن قدامة: «وجملة من يأخذ مع الغنى خمسة: العامل، والمؤلف قلبه، والغازي، والغارم لإصلاح ذات البين، وابن السبيل الذي له اليسار في بلده. وخمسة لا يعطون إلا مع الحاجة: الفقير، والمسكين، والمكاتب، والغارم لمصلحة نفسه في مباح، وابن السبيل»[38]. وقد صرح الروياني بهذا المعنى في رد الاستدلال بسد الخلة على جواز الاقتصار على صنف فقال: «إن المقصود ببعضه سد الخلة في الفقراء والمساكين، وبعضه معونة لفك رقاب المساكين والغارمين»[39].

الثاني: أن الأخذ يستقر بحصول المقصود ولا يستقر بعدمه. قال ابن قدامة: «وأربعة أصناف يأخذون أخذًا مستقرًا، فلا يراعى حالهم بعد الدفع، وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون، والمؤلفة… وأربعة منهم، وهم الغارمون، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل؛ فإنهم يأخذون أخذًا مراعى، فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها، وإلا استرجع منهم…»[40].

فالأصناف الأربعة: الفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، يملكون الزكاة بالقبض؛ المستفاد من لام التمليك في قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء …. فلو ورث الواحد منهم بعد دفع الزكاة إليه ما يجعله غنيًّا لا يجب عليه رد ما أخذه من الزكاة؛ لأن ملكه استقر على ما أخذه.

بخلاف الأصناف الأربعة الأخيرة والتي عُبِّر عنها بالحرف (في) قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60]. فليس فيها تمليك، فإنه لو استغنى بعد دفع الزكاة رد ما فضل عن حاجته إلى جهة الزكاة، ولم يملكه، هذا ما يستفاد من حرف اللام ومن حرف (في)، وسيأتي الكلام عليه في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.

الثالث: أن سهم المؤلفة قلوبهم لما كان معقول المعنى بمعنى خاص، رتب الحنفية على ذهاب ذلك المعنى ذهاب الحكم؛ قال الكاساني: «ولأنه ثبت باتفاق الأمة أن النبي ﷺ إنما كان يعطيهم ليتألفهم على الإسلام، ولهذا سماهم الله المؤلفة قلوبهم، والإسلام يومئذ في ضعف وأهله في قلة… والحكم متى ثبت معقولًا بمعنى خاص ينتهي بذهاب ذلك المعنى»[41]. وهذا من أخص مواضع التعليل بالحكمة في الباب، وتحريره أهو نسخ أم تعليق للحكم على علته.

الرابع: الأولوية عند تزاحم المصارف:

إذا قصرت أموال الزكاة عن سد حاجات جميع المصارف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة، قدم الفقراء والمساكين على غيرهم؛ لأن حاجتهم ماسة وضرورية لحفظ النفوس والأبدان، بينما مصارف أخرى (كالعاملين عليها أو المؤلفة قلوبهم) حاجتهم تكميلية أو تنظيمية.

الخامس: جواز دفع الزكاة في سداد ديون الغارمين لحاجتهم:

إذا كان المدين غارمًا لمصلحة نفسه في مباح (لحاجة عيال أو علاج أو نفقة ضرورية)، جاز إعطاؤه من الزكاة لسداد دينه؛ لأن تفريغ ذمته من الدين يماثل في علته سد حاجة الفقير المحروم.

الجهة الرابعة: ما يرجع إلى المجتمع

المقصد الأول: انتظام التكافل وتعدد جهات الاستحقاق:

آية المصارف لم تقصر الزكاة على الفقر؛ بل ذكرت العاملين والمؤلفة والرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل.

فتعدد الجهات دليل على أن البناء الاجتماعي للزكاة أوسع من الإعانة المعيشية وحدها، مع التزام الحدود الشرعية لكل جهة.

وثمرته أن بعض الأوصاف يستحق بها الآخذ لعمل أو حاجة مخصوصة، فلا يصح اشتراط الفقر في كل مصرف على صورة واحدة. وقد بيّن القرافي اختلاف مقدار العطاء باختلاف الجهة: فالغارم بقدر دينه، وابن السبيل بما يبلغه مقصده أو موضع ماله، والعامل بحسب عمله، والفقير والمسكين بحسب كفايتهما.

والعكس صحيح: لا يصير كل مشروع عام مصرفًا للزكاة بمجرد أنه يحفظ المجتمع. فبناء طريق أو مرفق عام لا يثبت جواز تمويله من الزكاة إلا بعد إثبات دخوله في مصرف معتبر.

والفرق بين زكاة تعالج استحقاقات معينة ومال عام للمصالح المطلقة فرق مؤثر في التخريج.

المقصد الثاني: دوران المال ومنع تعطيله دون دعوى التسوية بين الناس:

من مقاصد الزكاة الاجتماعية توسيع الانتفاع بالمال، وإيصال نصيبٍ منه إلى أهل الحاجة؛ فلا ينحصر تداوله والانتفاع به في دائرة الأغنياء، فقوام الأمة دوران أموالها بينها. ويشهد لهذا المقصد قوله تعالى في قسمة الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]؛ فالآية، وإن وردت في الفيء، نصَّت على حكمةٍ يتحقق معناها في الزكاة، كما يدل عليه قوله ﷺ: (تُؤخذ من أغنيائهم وتُردُّ على فقرائهم). فالاستدلال بها من جهة اشتراك التشريعين في هذا المقصد، مع استقلال كلٍّ منهما بأحكامه ومصارفه.

والمقصود إشراك أهل الحاجة في الانتفاع بالمال بالحقوق المشروعة على وجه لا تحرم المكتسب للمال فائدة اكتسابه وانتفاعه به قبل كل أحد، فليس الهدف إزالة التفاوت في الملك، ولا التسوية بين الناس في الأموال كما تفعله الشيوعية، فالشريعة أعطت لمال الفرد العصمة من أن ينتزعه منه منتزع، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تراضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].

وقال النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا).

قال ابن عاشور: «من مقاصد الشريعة أن يكون المال دُولة بين الأمة الإسلامية على نظام محكم في انتقاله»، ثم عدَّ الزكاة ضمن التشريعات المحققة لذلك.

قال الرازي في المصالح العائدة إلى الآخذ: «أن المال الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان في بيته بقي معطلًا عن المقصود الذي لأجله خلق المال، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى، وهو غير جائز، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتى لا تصير تلك الحكمة معطلة بالكلية».

المقصد الثالث: معالجة الحوادث والغرم وإصلاح ذات البين:

حديث قبيصة يجمع بين الحمالة والجائحة والفاقة؛ وفيه إقرار الاستعانة بالصدقة في رفع آثار هذه الوقائع. وبذلك لا تُحصر الحاجة في فقر مزمن، بل قد تطرأ على قادر بسبب كارثة أو انقطاع مورد أو التزام معتبر.

ويستنبط من ذلك اعتبار برامج الإغاثة العاجلة من جهة حال الأشخاص المستحقين، لا من مجرد اسم المنطقة المنكوبة؛ فقد يكون المتضرر غنيًّا قادرًا على رفع ضرره، وقد يكون ممن انقطعت قدرته على الوصول إلى ماله. كما أن تمويل الصلح يحتاج إلى تحقق الغرم المشروع وحدوده، ولا يتحول إلى إعانة غير منضبطة لكل اتفاق مالي يسميه أطرافه إصلاحًا.

المقصد الرابع: انتظام الجباية وأمانة الإدارة:

تسمية العاملين عليها في القرآن، وبعث النبي ﷺ السعاة، دليل على مشروعية إدارة تجمع الحق وتحفظه وتوصله. وقد أدخل ابن قدامة في أعمالها الجمع والحفظ والنقل والحساب والكتابة ونحوها مما تحتاج إليه.

يقول ابن قدامة: «الصنف الثالث من أصناف الزكاة، وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذها من أربابها، وجمعها وحفظها ونقلها، ومن يعينهم ممن يسوقها ويرعاها ويحملها، وكذلك الحاسب والكاتب والكيال والوزان والعداد، وكل من يحتاج إليه فيها فإنه يعطى أجرته منها؛ لأن ذلك من مؤنتها».

وأثر ذلك في التخريج: إمكان إلحاق وسائل التسجيل والتحقق والمحاسبة المعاصرة بهذه الوظائف من جهة الخدمة، إذا صدرت عن ولاية معتبرة وضبطت الحاجة والأجرة. ولا يلزم من ذلك أن كل وكيل خاص أو جمعية يثبت له وصف العامل الشرعي، أو يملك اقتطاع ما شاء من الزكاة؛ فصفة الجهة وولايتها ومصدر أجرتها تحتاج إلى تحرير سابق.

كما أن وجود مصرف العاملين لا يقرر نسبة إدارية ثابتة لكل مشروع؛ فالحنابلة قالوا: يعطى العامل أجرة مثله، ولو جاوزت الثمن نصًّا.

والمقصد هنا كفاية الإدارة اللازمة مع صيانة أموال المستحقين من النفقات المتضخمة.

الجهة الخامسة: ضوابط الترجيح عند تزاحم المقاصد

📌 ضوابط الترجيح الخمسة:

الضابط الأول: لا يعارض المقصد المستنبط حكمًا ثابتًا بدليل خاص؛ وإنما يعمل في فهمه أو تحقيق مناطه أو الترجيح في المجال الذي يحتمل الاجتهاد. فالحاجة لا تنشئ بنفسها نصابًا جديدًا.

الضابط الثاني: يقدم تحقيق أصل الاستحقاق على اختيار أفضل وسيلة للانتفاع. فلا يبدأ البحث في ربح مشروع للفقراء قبل الجواب عن مالكه، ومن يقبض عنهم، وهل يملك القائم عليه حبس الزكاة وتعريضها للمخاطرة.

الضابط الثالث: تراعى المصالح مجتمعة. فإعطاء فرد رأس مال كبير قد يحقق استغناءه، لكنه يفوّت سد ضرورة عدد من المحتاجين؛ وإعطاء مبالغ ضئيلة للجميع قد يحقق كثرة المستفيدين عددًا، ولا يحقق الكفاية لأحد. والمفاضلة تحتاج إلى تقدير الحاجات والموارد والبدائل، لا إلى تفضيل مطلق للتوزيع أو التجميع.

الضابط الرابع: لا تسوّى المنفعة المحققة بالمظنونة ظنًّا ضعيفًا. فسد الجوع والدواء اللازم في وقتهما أقوى من وعد استثماري غير مدروس. ويستفاد من الخبرة في تحقيق المناط وتقدير الجدوى، دون إحلال الحكم الاقتصادي محل الحكم الشرعي.

الضابط الخامس: ما يرجع إلى تقدير الكفاية أو وسيلة إيصال الحق يتغير بتغير الأعراف والحاجات المعتبرة؛ أما الثوابت المقدرة فتبقى على دليلها. ومن هنا يصح اختلاف كلفة سكن الفقير وتعليمه اللازم وآلة حرفته بين البلدان والأزمان، ولا يلزم منه تغير نسب الزكاة تبعًا لذلك.

الحواشي والمراجع
[1] قال الرازي في المحصول (5/287): والأقرب جوازه. وانظر: الإبهاج في شرح المنهاج (3/140).
[2] قال الصفي الهندي «نهاية الوصول في دراية الأصول» (8/3495): «ومنهم من فصّل فقال: إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها، وإلا فلا، وهو المختار». وانظر: الإبهاج (3/140).
[3] انظر: بدائع الصنائع (2/3).
[4] الذخيرة للقرافي (3/97). كذا في المطبوع: «شكرًا النعمة النماء»، ولعل الصواب: شكرًا لنعمة النماء.
[5] المستصفى، ط: العملية (ص: 199).
[6] المغني (3/67)، ط مكتبة القاهرة.
[7] صحيح مسلم (19).
[8] مفاتيح الغيب (16/77).
[9] الذخيرة (3/97)، كذا في المطبوع، والوجه: لنعمة النماء.
[10] المغني (3/67)، ط مكتبة القاهرة.
[11] بدائع الصنائع (2/11).
[12] المغني (2/482).
[13] صحيح البخاري (١٤٩٠)، ومسلم (١٦٢٠).
[14] صحيح مسلم (١١٤٩).
[15] رواه أبو داود (1567)، ومن طريق أبي داود أخرجه أبو بكر الجصاص في شرح مختصر الطحاوي (2/ 251)، والخطابي في غريب الحديث (2/45)، وابن حزم في المحلى (4/112)، والبيهقي في الخلافيات (3195، 3365). وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى كاملًا في زكاة بيهمة الأنعام، فانظره هناك.
[16] المعلم بفوائد مسلم للمازري (2/5).
[17] بدائع الصنائع (2/11).
[18] صحيح مسلم (8-982).
[19] بدائع الصنائع (2/11).
[20] المرجع السابق، الصفحة نفسها.
[21] صحيح مسلم، رقم (167-1072).
[22] زاد المعاد، ط: الرسالة (2/5).
[23] إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (3/458).
[24] زاد المعاد ط: الرسالة (2/5-6).
[25] زاد المعاد، ط: الرسالة (2/6).
[26] المستصفى (ص:199).
[27] شفاء الغليل (ص: 96).
[28] بدائع الصنائع (2/3).
[29] رواه مسلم (1044) من طريق حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب، عن كنانة بن نعيم، عن قبيصة.
[30] رواه حجاج بن محمد كما في الأموال لأبي عبيد (1778). وعبد الرزاق كما في المصنف، ط: التأصيل (7514). وحفص بن غياث كما في مصنف ابن أبي شيبة (10425). وسفيان بن عيينة كما في الإشراف في منازل الأشراف (202)، والمجالسة وجواهر العلم للدينوري (2090). وروح بن عبادة كما في مكارم الأخلاق للخرائطي (130)، كلهم عن ابن جريج به. وعلقه البيهقي في السنن الكبرى (7/36) ط العلمية وفي السنن الصغير (1273). ومداره على عمرو بن دينار عن عمر، وعمرو لم يدرك عمر، فهو منقطع.
[31] صحيح مسلم (19).
[32] بدائع الصنائع (2/48).
[33] صحيح البخاري (1426).
[34] المغني ط مكتبة القاهرة (2/494).
[35] صحيح مسلم (109-1044).
[36] رواه مالك، والثوري، وإسماعيل بن أمية، وسفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلاً. ووجه آخر عن الثوري، رواه ابن مهدي عن سفيان، عن زيد بن أسلم، قال: حدثني الثبت؛ أن رسول الله ﷺ. وهو محفوظ عن الثوري، واشتهر عند النقاد. وخالفهم معمر بن راشد، فرواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، مرفوعًا. ورفعه شاذ، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى والمحفوظ فيه المرسل.
[37] المغني (6/486).
[38] بحر المذهب للروياني (6/316).
[39] المغني (2/500)، ط مكتبة القاهرة.
[40] بدائع الصنائع (2/45).
[41] تفسير ابن عاشور (28/85). مفاتيح الغيب (16/79). المغني (6/473). انظر: المنهج الصحيح (1/544)، الإقناع (1/297)، كشاف القناع، ط: العدل (5/152).

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*