موقع الشيخ دبيان الدبيان

في حكم تكبيرات الانتقال[جديد]

📌 مدخل إلى المسألة:

أولاً: كلُّ تكبيرةٍ عدا تكبيرةَ الإحرامِ سنةٌ إلا أن يتوقفَ عليها اقتداءُ المأمومِ بالإمامِ فتجبُ لا لذاتِها، وإنما لإمكانِ الاقتداءِ.
ثانياً: ذكرَ الرسولُ ﷺ لـالمسيءِ في صلاتِه تكبيرةَ الإحرامِ، ولم يذكرْ له غيرَها من تكبيراتِ الانتقالِ، ولو كانت واجبةً لذكرَها.
ثالثاً: القولُ بأن الرسولَ ﷺ ذكرَ لـالمسيءِ ما قَصَّرَ فيه بعيدٌ جدًّا؛ كيف يُتصورُ أن المسيءَ قد أساءَ في تكبيرةِ الإحرامِ، وأحسنَ جميعَ تكبيراتِ الانتقالِ؟ فمن أحسنَ تكبيراتِ الانتقالِ حريٌّ به أن يُحسنَ التكبيرَ للإحرامِ من بابِ أولى، خاصةً أنها هي التي تدخله في الصلاةِ.
رابعاً: القولُ بأن النبيَّ ﷺ لم يعلِّم المسيءَ التكبيرَ؛ لأنه لم يكن واجبًا ثم وجبَ بعيدٌ جدًّا، يحتاجُ للقولِ به دليلٌ بَيِّنٌ من الوقوفِ على تاريخِ التشريعِ، والأصلُ أن التكبيرَ شُرِعَ مع الركوعِ والسجودِ، فالقولُ بأن التكبيرَ كان مستحبًّا أو غيرَ مشروعٍ ثم وجبَ دعوى لا دليلَ عليها من النصوصِ.
خامساً: التكبيرُ في غيرِ الإحرامِ لم يتلقَّهُ السلفُ على أنه واجبٌ لازمٌ من واجباتِ الصلاةِ.
سادساً: فَعَلَ التكبيرَ جماعةٌ من السلفِ، وتركَه جماعةٌ منهم حتى قال عمرانُ: ذكَّرنا هذا الرجلُ صلاةً كنا نصليها مع رسولِ اللهِ ﷺ، وأنكرَ عكرمةُ على الذي كبَّر اثنتينِ وعشرينَ تكبيرةً، حتى نسبَه إلى الحمقِ.
سابعاً: ثبوتُ التكبيرِ من فِعلِه عليه الصلاةُ والسلامُ يثبتُ مشروعيتَه، ولا جدالَ في ذلك، لكنه لا يستفادُ من الفعلِ الوجوبُ، وكيف يستفادُ مع تركِ كثيرٍ من العامةِ التكبيرَ في عصرٍ كان الصحابةُ موجودينَ، ولم يُنكرِ التركَ.
ثامناً: كيف يُظنُّ بـصحابةِ رسولِ اللهِ ﷺ أنهم يرون التكبيرَ واجبًا ثم يدعون العامةَ يتركونه، ويصلون خلفَهم بلا إنكارٍ.
تاسعاً: القولُ بأن الحجةَ فيما فعلَه النبيُّ ﷺ هذا الكلامُ ظاهرُه التمسكُ بالسنةِ، وباطنُه تقديمُ فهمِنا على فهمِ الصحابةِ وعلى فهمِ السلفِ، فالتمسوا في فهمِ دينِكم ما فهمَه الصحابةُ والتابعون لهم بإحسانٍ.
💡 المسألة:
إذا أراد الرجل أن يركع ابتدأ بالتكبير، وعامة العلماء على مشروعيته للانتقال إلى الركوع، واختلفوا في حكمه، فقيل: جميع تكبيرات الانتقال سنة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد.[1]
قال ابن عبد البر: «وعلى هذا القول جماعة من فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث».[2]
وقال ابن الملقن: «قال بسنية تكبير الانتقالات الخلفاء الأربعة…».[3]
وقال النووي: «وهذه كلها عندنا سنة إلا تكبيرة الحرام فهي فرض، هذا مذهبنا، ومذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال ابن المنذر: وبهذا قال أبو بكر الصديق، وعمر، وابن مسعود، وابن عمر وابن جابر… وعوام أهل العلم».[4]
فهذا لو صح عنهم صريحًا لم نرغب عن غيره، فليت شعري مَنْ الناسُ بعدَهُمُ؟ لكن المنقول عن الترمذي وابن المنذر والطحاوي وابن بطال وغيرهم أنهم كانوا يكبرون للركوع كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكبر، والفعل يدل على المشروعية، ولا مرية فيه، لكنه لا يستفاد بمجرده وجوب التكبير، ولا نفيه.[5]
وقال في بدائع الصنائع: «أما التكبير عند الانتقال من القيام إلى الركوع فسنة عند عامة العلماء».[6]
💡 وقيل:
جميع تكبيرات الانتقال واجبة، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة.[7]
💡 وقيل:
التكبير ركن، حكاه الزركشي في شرح الخرقي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم.[8]
قال في المحلى: «والتكبير للركوع فرض».[9]
💡 وقيل:
ركن إلا في حق المأموم فواجب، ذكره الزركشي من الحنابلة.[10]
💡 وقيل:
ليس بسنة إلا في الجماعة، اختاره طائفة من العلماء.[11]
قال ابن عبد البر: «قال قوم من أهل العلم: إن التكبير ليس بسنة إلا في الجماعة، وأما من صلى وحده، فلا بأس عليه ألا يكبر».[12]
💡 خلاصة الأقوال:
هذا ملخص الأقوال في المسألة، وهي ترجع إلى أربعة أقوال: قيل: سنة، وقيل: واجب، وقيل: ركن إلا في حق المأموم، وقيل: ليس بسنة إلا في حق الجماعة.
دليل من قال: تكبيرات الانتقال سنة:
الدليل الأول:

ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: «ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ»، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ»، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». [13]

وجه الاستدلال:

كون النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بتكبيرة الإحرام، ثم يأتي على الركوع والسجود والرفع منه فيذكره، ولا يذكر التكبير؛ دليل على أن تكبيرات الانتقال ليست واجبة، فلو كانت واجبة لعلمه إياها؛ لأن المقام مقام تعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، كما قال ابن دقيق العيد: «وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر أنه عليه السلام ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به من واجبات الصلاة».[14]

ونوقش هذا الاستدلال:
1-أن سكوت هذا الحديث عن إيجاب التكبير لا ينفي وجوبه بأدلة أخرى، فهو لم يذكر التشهد، ولا الجلوس له، ولا السلام، ولا قراءة الفاتحة، وكل هذه الأشياء لا تمنع من وجوبها في أدلة أخرى، هذا الكلام صحيح، إلا أن المخالف ينازع بأن التكبير لم يقم دليله، بخلاف التسليم، وقراءة الفاتحة، والتشهد على افتراض أن لفظة: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) محفوظة، وليست شاذة، وقد رواها النسائي والبيهقي، والحديث في الصحيحين دون هذه الزيادة، وسيأتي تخريجها في مظانها إن شاء الله تعالى.
يقول ابن عبد البر: «إن التسليم قد قام دليله، وثبت النص فيه بقوله: (تحليلها التسليم)، وبأنه كان يسلم من صلاته طول حياته، فثبت التسليم قولًا وعملًا، وأما التكبير فيما عدا الإحرام فقد كان تركه الصدر الأول…. ولم يعب بعضهم تركه، بل جعلوه من باب الكمال والتمام، ولذلك قلنا: إن التكبير فيما عدا الإحرام سنة».[15]
وكذلك قراءة الفاتحة قام دليلها بحديث عبادة المتفق عليه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)
فإن قيل:

إذا كان التكبير واجباً فلماذا لم يذكر في حديث أبي هريرة؟

وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة منها:
الجواب الأول:
يحتمل أن التكبير لم يكن واجباً أول الأمر، ثم وجب بعد ذلك.
ويناقش:

القول بأن الركوع والسجود تقدم وجوبه على وجوب التكبير بعيد جدّاً؛ يحتاج للقول به دليل بَيِّن من الوقوف على تاريخ التشريع، لأن التكبير إن شُرع استحباباً مع الركوع والسجود، ثم نُسخ الاستحباب إلى الوجوب فهذا لو وقع لنُقل وحفظ، والأصل أن حكمه قد استقر مع التشريع الأول، والانتقال عنه يحتاج إلى دليل صريح لا نزاع فيه، كما نُقل نسخ التطبيق. وإن كان تشريع التكبير قد تأخر عن تشريع الركوع والسجود، بحيث إنهم كانوا يركعون ويسجدون ويرفعون من دون تكبير، ثم شُرع التكبير بعد ذلك، فهذه دعوى لا دليل عليها، وهي أشد غرابة من الافتراض الأول؛ فلو تأخر تشريعه لنُقل وحفظ.

الجواب الثاني:
ربما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد اقتصر على تعليمه ما أساء فيه فقط.
ويناقش:

بأن هذا الافتراض بعيد جدّاً؛ لأنه قد ذَكَرَ له تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له تكبيرات الانتقال، فكيف يتصور أنه قد أساء في تكبيرة الإحرام، وما أساء في تكبيرة الركوع والسجود؟ فإن من أحسن التكبير للركوع والسجود حريٌّ به أن يُحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.

الجواب الثالث:
أن التكبير وإن لم يُحفظ من حديث أبي هريرة، فقد حُفظ من حديث رفاعة، فقد جاء فيه تكبيرات الانتقال، وهي قصة واحدة، وسوف نأتي على ذكره في أدلة القائلين بالوجوب إن شاء الله تعالى، ونجيب عنه، فانظره مشكوراً.
الدليل الثاني:

(ح-1613) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا الحسن بن عمران -رجل كان بواسط- قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، يحدث، عن أبيه، أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يتم التكبير، يعني: إذا خفض، وإذا رفع.
[16]

[ضعيف].[17]

ويناقش:

بأن الحديث ضعيف، فلا يقوى على معارضة أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر إذا ركع، ويكبر إذا سجد، وهي أحاديث في غاية الصحة، أو أنه محمول على أنه لم يسمع التكبير.

الدليل الثالث:

(ح-1614) ما رواه البخاري ومسلم من طريق حماد، عن غيلان بن جرير، عن مطرف بن عبد الله، قال: صليت خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنا وعمران بن حصين، «فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين، فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم». [18]

ورواه البخاري من طريق أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران بن حصين، قال: صلى مع علي رضي الله عنه بالبصرة فقال: ذَكَّرَنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما وضع. [19]

الدليل الرابع:

(ح-1615) ما رواه البخاري من طريق همام، عن قتادة، عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك؛ سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. [20]

وجه الاستدلال من الأثرين:

هذه الآثار تدل على أن التكبير في كل خفض ورفع لم يكن في منزلة الواجبات عندهم، ولولا ذلك ما قال عمران: «ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله»، ولا أنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، ولا نسبه إلى الحمق. وكيف يقبل صحابة رسول الله تضييع هذا الواجب حتى أصبح فعله بينهم مستغرباً؟ وكيف يُظن بصحابة رسول الله أنهم يرون التكبير واجباً ثم يدعون العامة يتركونه، ويصلون خلفهم بلا إنكار؟ ولو كان الترك من قبل الأمراء خاصة لوجد التخريج لهم. كل هذا يدل أن التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم، وقد فعله جماعة وتركه جماعة، ولم يقل أحد ممن فعله للذي لم يفعله: إن صلاتك لا تتم إلا به، فكان هذا شأن السنن[21].

وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن هذا مما أحدثه الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان الأمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، ولا حجة فيه، بل الحجة فيما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن المنذر: «ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم… فغير جائز دفع ما ثبتت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أحد».
ورد هذا الجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن هذا الكلام متوجه لو كان الناس يذهبون إلى القول بعدم مشروعية التكبير، أو كان هناك سنة مرفوعة صريحة في وجوب التكبير ثم يدع الناس التكبير. فثبوت التكبير من فعله عليه الصلاة والسلام يثبت مشروعيته، ولا جدال في ذلك، لكنه لا يُستفاد من الفعل الوجوب، وكيف يُستفاد مع ترك كثير من العامة التكبير في عصر كان الصحابة فيه متواجدين، ولم يُنْكَر الترك! والقول بأن الحجة فيما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ظاهره التمسك بالسنة، وباطنه تقديم فهمنا على فهم الصحابة والسلف. والقول بأن التكبير سنة هو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد، وكما قال ابن عبد البر: «عليه جماهير الأمصار».

الوجه الثاني: القول بأن هذا مما أحدثه الأمراء لا يُسلَّم، بل إن الترك كان من عامة الناس، مصحوباً بإقرار الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا يصلون خلفهم، وهل في الناس من هو أنصح من صحابة رسول الله؟ ثم لا تجد نصّاً يُنكر على من ترك التكبير، حتى خفي ذلك على عكرمة وجعله يصف من يكبر بالأحمق، هذا لا نظنه من أنفسنا فكيف نظنه بالصحابة؟

الجواب الثاني:
أن الترك المنسوب في الصدر الأول إنما هو على ترك الجهر، لا على ترك التكبير، أو على نقصه إذا انحط إلى السجود، وإذا أراد أن يسجد السجدة الثانية؛ لأن الخفض يُشاهد بالأبصار، فظنوا أن الإمام لا يحتاج إلى الجهر؛ لأنه يرى ركوعه ويرى سجوده بخلاف الرفع من الركوع والسجود, فيحتاج للتكبير للإعلام به, لإمكان الاقتداء. [22]
ورد هذا:

إذا لم يُسمع التكبير من الإمام، فدعوى أنه يكبر سرّاً خلاف الظاهر. ولهذا فالصحابة استدلوا على قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في السرية على اضطراب لحيته، فأين الدليل على أنه كان يكبر سرّاً؟ بل إن ما رواه البخاري عن عكرمة في قصة من كبر ثنتين وعشرين تكبيرة فأنكر عليه، ظاهره أن الإنكار للتكبير نفسه وليس للجهر فقط. وإذا انتقص التكبير في حال الركوع والسجود، كان هذا دليلاً على عدم الوجوب، فهو بمنزلة التبليغ عن الإمام في حال ضعفه؛ فلا يجب التبليغ لذاته، ولا يجب التكبير على المأموم ولا المنفرد لعدم الحاجة إلى الاقتداء.

الدليل الخامس من الآثار:

(ث-435) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن مسعر، عن يزيد الفقير، قال: كان ابن عمر ينقص التكبير في الصلاة. قال مسعر: إذا انحط بعد الركوع لم يكبر، فإذا أراد أن يسجد الثانية لم يكبر.
[23]

[صحيح].[24]

فهذا ابن عمر مع ما عُرِف منه من شدة احتياطه وتحريه ينقص من التكبير، فلو كان يرى أن التكبير حتمٌ ما كان لينقص منه، وفيه جوابٌ على من رأى أن انتقاص التكبير كان من إحداث الأمراء. وقوله: (لم يكبر) صريحٌ في نفي التكبير، فحمله على نفي الجهر خلاف الظاهر، وقد سبق الجواب على ذلك.

دليل من قال: تكبيرات الانتقال واجبة أو ركن:
الدليل الأول:

(ح-1616) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاةً… فذكر قصة، وفيه: … قال أبو موسى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا، فبين لنا سنَّتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا… وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا… وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا». [25]

وجه الاستدلال:

قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كبر وركع فكبروا… وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا)، فأمر بالتكبير، والأصل في الأمر الوجوب.

ونوقش هذا الحديث:

بأن حديث أبي موسى أخصُّ من الدعوى لأنه أمرٌ للمؤتم فقط، فلا يُستفاد منه وجوب التكبير على المنفرد، ولا على الإمام. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المأموم لم يُؤمر به ابتداءً، وإنما سيق لبيان أن أفعاله تقع بعد فعل إمامه، لا قبله، ولا معه، ولهذا قال في الحديث: (فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم)، فكان الأمر بالتكبير غير مرادٍ منه إلا ترتب فعله على فعل إمامه، فليس كما لو أمر بالتكبير على وجه الاستقلال، فلا يستفاد من هذه الصيغة الوجوب إلا إذا استفيد الوجوب من قوله في هذا الحديث: (وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين) من الأمر بالتأمين، فدلالة حديث أبي موسى هي دلالة حديث عائشة المتفق عليه: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا…). [26]

الدليل الثاني:

(ح-1617) ما رواه أبو داود من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه، قال فيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ… ثم يكبر، ويحمد الله جَلَّ وعَزَّ… ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع… ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد… ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد… ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته». [27]

تنبيه:

ذكر تكبيرات الانتقال في حديث رفاعة ليس بمحفوظ. [28]

الدليل الثالث:

(ح-1618) ما رواه البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد -قال عبد الله بن صالح، عن الليث: ولك الحمد- ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس. ورواه مسلم من طريق عقيل به.
[29]

فإن قيل:

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم لا تدل على الوجوب.

فالجواب:

أن دلالة الوجوب مركبة من أمرين: مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل. والأمر الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحويرث: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فكان هذا الفعل بياناً لهذا المجمل، فالأمر (صلوا) الأصل فيه الوجوب، والفعل إذا وقع بياناً لمجمل أخذ حكم هذا المجمل.

q ويجاب:

بأنه سبق لي مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب، وبينت أن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي، فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله حديث: (لتأخذوا عني مناسككم)، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها العلم، أي صلوا كما عَلِمْتُمُوِني أصلي.

وإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم حين مصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية.

(ح-1619) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال: حدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي… الحديث. [30]

ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، ولا شك أن المخاطب بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) هو مالك بن الحويرث: لأن الخطاب موجه له ولرفقته في أصل التشريع، وتدخل الأمة معه تبعًا باعتبار عموم أحكام الشريعة، وقد رآه مالك بن الحويرث يصلي جلسة الاستراحة، أكانت جلسة الاستراحة واجبة على مالك بن الحويرث، وقد رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يفعلها؟ وما يدري مالك بن الحويرث أن هذه الجلسة ليست واجبة، ومقامه عند النبي صلى الله عليه وسلم عشرين يومًا، وقد أمر بأن يصلي كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فإن قلنا: إن جميع ما رآه مالك بن الحويرث واجب عليه أن يفعله، فقد خالفنا الإجماع، وإن قلنا: إن بعض ما رآه منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، كجلسة الاستراحة مثلًا، لم يصح الاستدلال بالحديث على وجوب التكبير، لهذا لا يمكن الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن الاستدلال به على وجوب التكبيرات بهذا العموم، إلا لو كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجرد الاستحباب، والله أعلم.

دليل من قال: لا يُسن التكبير إلا في الجماعة:

هذا القول نظر إلى أن التكبير من أجل إمكان الاقتداء، فالاقتداء بالإمام واجب، ولا يمكنه العلم بذلك إلا عن طريق سماع التكبير، لهذا خُصَّ الأمر بالتكبير في حال الجماعة، وبذلك نفهم لماذا لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته؛ لأنه يخاطبه في صلاته منفرداً.

ويناقش:

إذا كان التكبير لإمكان الاقتداء فهو واجب لغيره، ويجب في حال لم يمكن العلم بانتقال الإمام إلا به، كما في حال السجود. أما الانحطاط للركوع والسجود فالإمام يمكن رؤيته، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصف الذي خلفه أن يقتدوا به، وأن يقتدي كل صف بالذي أمامه، مما يشعر أن الاقتداء بالفعل، وليس بالتكبير.

(ح-1620) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً، فقال لهم: «تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم…». [31]

فقوله: (فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم) أي اقتدوا بأفعالي، فلم يتوقف الاقتداء على سماع التكبير، بل جُعل الاقتداء بالأفعال، مما يشعر أن الاقتداء لا يتوقف على التكبير إلا في بعض أفعال الصلاة كما سبق.

الحواشي والمراجع

[1] ذكر الحنفية سنن الصلاة فذكروا منها التكبير للركوع، انظر: تبيين الحقائق (1107)، العناية شرح الهداية (1/276)، البحر الرائق (1/320)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (1/493)، شرح معاني الآثار (1/220)، المبسوط (1/19)، فتح القدير (1/297).
وقال خليل في مختصره (ص: 32): « وسننها سورة بعد الفاتحة….وكل تكبيرة إلا الإحرام». واختلف المالكية فقال ابن القاسم: كل تكبيرة سنة مستقلة.
وقال أشهب والأبهري: جميع تكبيرات الانتقال سنة واحدة.
وقال اللخمي: هو فضيلة.

وينبني على الأول حسب فروع المذهب: السجود لترك تكبيرتين سهوًا وبطلان الصلاة بترك السجود للسهو عن ثلاث تكبيرات دون الثاني، أما إذا ترك تكبيرة واحدة سهوًا فلا يسجد على كلا القولين.
و اعتبر البرزلي والحطاب الأول هو المشهور، ورجحه الخرشي. مواهب الجليل (1/525)، لوامع الدرر (2/100) الخرشي (1/275)، وقال علي الأجهوري: كما في كفاية الطالب: والظاهر أنه المشهور؛ لأنهم رتبوا السجود في السهو على ترك اثنتين منه.
وفي شرح الزرقاني على خليل (1/361): «لم أر من الأشياخ ما شهر الأول ولا رجحه، بل الأكثر أن جميعه سنة واحدة». وانظر: الشرح الكبير (1/243)، منح الجليل (1/252، 253)، التاج والإكليل (2/223)،، جواهر الدرر (2/78)، تحبير المختصر (1/293).

وانظر: في مذهب الشافعية: الأم للإمام الشافعي (1/132)، شرح النووي على صحيح مسلم (4/108)، المهذب (1/142)، فتح العزيز (3/386)، روضة الطالبين (1/250)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (3/74).
وقال النووي في المجموع (3/396): «ويسن أن يكبر للركوع بلا خلاف عندنا».

وانظر: في مذهب الحنابلة: شرح الزركشي على الخرقي (1/553)، الإنصاف (2/115)، المحرر (1/116، 117).

[2] الاستذكار (1/418)، وانظر: التمهيد (9/184).

[3] التوضيح لشرح الجامع الصحيح (7/143).

[4] المجموع (3/397).

[5] قال الترمذي بعد روايته لحديث ابن مسعود (2/34): «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع…. الحديث، قال:…. حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليٌّ، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وعليه عامة الفقهاء والعلماء». اهـ
وقال ابن المنذر في الأوسط (3/134): «ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتمُّ التكبير، وثبت ذلك عن الخلفاء الراشدين المهديين، وهو قول عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن عمر… وفي الأخبار الثابتة التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة وكفاية. وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم نقصوا التكبير، ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل من ذكرنا عنهم أنهم نقصوا التكبير، إما أن يكونوا أَغْفَلُوا، أو كَبَّرُوا، فلم يُؤَدَّ عنهم،

أو يكونوا دفعوا ذلك، فغير جائز دفع ما قد ثبتت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن ذكرنا ذلك عنه من أصحابه بقول أحد. فممن روي عنه أنه قال: لا يتم التكبير القاسم، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير».
فأنت ترى ابن المنذر لم ينقل عدم إتمام التكبير إلا عن بعض التابعين، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة.
وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/222): «الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التكبير في كل خفض ورفع أظهر من حديث عبد الرحمن بن أبزى، وأكثر تواترًا، وقد عمل بها من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وتواتر بها العمل إلى يومنا هذا، لا ينكر ذلك منكِرٌ، ولا يدفعه دافع».
وقال ابن بطال في شرح البخاري (2/403): ممن كان يتم التكبير، ولا ينقصه في الصلاة في كل خفض ورفع: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وأبو هريرة، وابن الزبير، ومن التابعين: مكحول، والنخعي، وهو قول مالك، والأوزاعي، والكوفيين، والشافعي، وأبي ثور، وعوام العلماء….».

[6] بدائع الصنائع (1/207).

[7] قال في الإنصاف (2/115): «وواجباتها تسعة: التكبيرة غير تكبيرة الإحرام…»، وانظر: الفروع (2/249)، شرح الزركشي على الخرقي (1/553)، المحرر (1/116، 117)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: 87)، الكافي (1/262)، المبدع (1/443)، شرح منتهى الإرادات (1/218)، كشاف القناع (1/390).

[8] شرح الزركشي على الخرقي (1/553).

[9] المحلى (2/286).

[10] الإنصاف (2/115)، الفروع (2/249).

[11] شرح الزركشي على الخرقي (1/553)، وانظر: المغني (1/357).

[12] التمهيد لابن عبد البر (7/84).

[13] صحيح البخاري (793)، وصحيح مسلم (45-397).

[14] إحكام الأحكام (1/257).

[15] التمهيد (7/87).

[16] مسند أحمد (3/406).

[17] فيه علتان، إحداهما تفرد الحسن بن عمران به، وهو مجهول.
قال فيه محمد بن جرير الطبري: الحسن بن عمران مجهول، لا يجوز الاحتجاج به. وانظر: التراجم الساقطة من كتاب إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ص: 111).
وقال ابن حجر في الفتح (2/269): «قد نقل البخاري في التاريخ عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل، وقال الطبري والبزار: تفرد به الحسن بن عمران، وهو مجهول».
وقال عبد الحق في الأحكام (1/398): شيخ ليس بالقوي.
وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: لين الحديث.
الثانية: الاختلاف في إسناده، فقد رواه شعبة، عن الحسن بن عمران واختلف فيه على شعبة:
فقيل: عنه، عن الحسن بن عمران، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى (هكذا مبهمًا)، عن أبيه.
وقيل: عنه، عن الحسن بن عمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه.
وقيل: عنه، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه.
هذا مجمل الاختلاف فيه على شعبة، وإليك تفصيله:
فقد أخرجه يونس بن حبيب كما في مسند أبي داود الطيالسي (1383)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (2/489).
ومحمد بن المثنى كما في سنن أبي داود (837)، والجزء الرابع من الإغراب للنسائي (42)، كلاهما روياه عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به.
ورواه محمد بن بشار، واختلف عليه فيه:
فرواه البخاري في التاريخ الكبير (2/300، 301)، وأبو داود في سننه (837)، عن محمد ابن بشار، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به، كرواية يونس بن حبيب، ومحمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي.
وخالفهما: محمد بن عبد السلام كما في التمهيد لابن عبد البر (7/84)، فرواه عن محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، قال: سمعت سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، يحدث عن أبيه؛ أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن يتم التكبير، كان لا يكبر إذا خفض.
ومحمد بن عبد السلام الخشني القرطبي ثقة، ويمكن توهيمه وتقديم رواية البخاري وأبي داود لولا أنه قد رواه غيره، فقال: عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى.
فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (2497)، وعنه: ابن أبي غرزة في مسند عابس الغفاري (43).
ومحمود بن غيلان كما في التاريخ الكبير للبخاري (2/300)، والجزء الرابع من الإغراب للنسائي (42)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (13/338).
وأبو هشام الرفاعي (محمد بن يزيد بن محمد العجلي) كما في معجم الصحابة للبغوي (1929)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (13/336)، ثلاثتهم رووه عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى به.
فكان الطيالسي تارة يبهم ابن عبد الرحمن بن أبزى، وتارة يسميه سعيدًا.
ورواه سليمان بن حرب كما في معجم الصحابة لابن قانع (2/149)، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى به، بلفظ: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يتم الركوع).
أراد لا يتم التكبير، فأخطأ، وأظن الحمل فيه على ابن قانع، قال الدارقطني: لا يدخل في الصحيح، وقال فيه أيضًا: كان يحفظ ويعلم، ولكنه كان يخطئ ويصر على الخطأ.
وقال فيه أيضًا: يعتمد حفظه، ويخطئ خطأ كثيرًا، ولا يرجع عنه.
قال أبو بكر الخطيب: لا أدري لماذا ضعفه البرقاني فقد كان ابن قانع من أهل العلم والدراية ورأيت عامة مشايخنا يوثقونه، ولكنه تغير في آخر عمره.
وتكلم فيه الحافظ ابن حجر في أكثر من موضع من كتبه، وكان مما قال فيه: معروف بسوء الحفظ.
وخالف الطيالسي وسليمان بن حرب كل من:
يحيى بن حماد كما في معجم ابن الأعرابي (354)، وشرح معاني الآثار (1/220)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/100).
وروح بن عبادة كما في مسند أحمد (3/406)،
وأبو عاصم النبيل، كما في التاريخ الكبير للبخاري (2/300)،
وعمرو بن مرزوق كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/100)، أربعتهم رووه عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه.
هذا بيان الاختلاف على شعبة، فتارة يبهمه، وتارة يسميه عبد الرحمن، وتارة يسميه عبد الله، وعبد الرحمن وعبد الله أخوان، وسئل عنهما أحمد، فقال: «كلاهما عندي حسن الحديث». لكن علته الحسن بن عمران، وقد قال أحمد: هو حديث منكر، ما أراه محفوظًا.
وقال النسائي: منكر الحديث.
وقال البخاري: لا يصح.
وقال الطيالسي فيما نقله البخاري: وهذا عندنا لا يصح.
ونقل المزي عن الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل. والله أعلم.

[18] صحيح البخاري (786)، وصحيح مسلم (33-393).

[19] صحيح البخاري (784).

[20] صحيح البخاري (788).

[21] انظر: بتصرف شرح البخاري لابن بطال (2/403).

[22] انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (22/586، 587، 588).

[23] المصنف (1380).

[24] رجاله ثقات، ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن المنذر في الأوسط (3/136).

[25] صحيح مسلم (62-404).

[26] صحيح البخاري (688)، وصحيح مسلم (82-412).

[27] سنن أبي داود (857).

[28] حديث المسيء في صلاته جاء من مسند أبي هريرة في الصحيحين، وجاء من مسند رفاعة بن رافع.
فأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (793) ومسلم (45-397) وليس فيه ذكر تكبيرات الانتقال.
وأما حديث رفاعة بن رافع فيرويه: عليُّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع.
ويرويه عن علي بن يحيى بن خلاد جماعة منهم، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد ابن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عون، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، يزيد بعضهم في ألفاظه وينقص، وقد يخالف بعضهم في إسناده،
وحديث أبي هريرة في الصحيحين مقطوع بصحته، وحديث رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة،
وقد اختلف على عليِّ بن يحيى بن خلاد، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض وينفرد بعضهم بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، والحكم في ذلك برد حديث رفاعة إلى حديث أبي هريرة، فما وافق منه حديث أبي هريرة قبلناه، وما انفرد فيه حديث رفاعة، مما اختلف عليه في ذكره حكمنا بشذوذه؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه.
إذا تبين لك هذا أُخَيَّ، فاعلم أن طريق إسحاق بن عبد الله قد انفرد بزيادات لم تأت في سائر الطرق علاوة على كونها مخالفة لما ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء صلاته.
فمما تفرد به إسحاق في روايته: (1) لفظ (لا تتم صلاة أحدكم…) التعبير بنفي التمام انفرد به إسحاق بن عبد الله، عن علي ابن يحيى بن خلاد، ورواه غيره بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ…) وهذا موافق لحديث أبي هريرة في الصحيحين (… إذا قمت إلى الصلاة فكبر… وفي رواية: فأسبغ الوضوء). (2) ذكر دعاء الاستفتاح، انفرد به إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عليِّ بن يحيى بن خلاد، ولم يذكره غيره ممن روى حديث رفاعة، وقد جاء بصيغة تدل على وجوبه في الصلاة، وقد سبق بحث حكم الاستفتاح، ولم يقل أحد بوجوبه، وإنما الخلاف وقع في استحبابه. (3) تكبيرات الانتقال لم تذكر في سائر طرق حديث رفاعة إلا من طريق إسحاق، كما أنها لم تذكر في حديث أبي هريرة. (4) قوله: (سمع الله لمن حمده) لم يذكر في حديث أبي هريرة، كما لم يذكر في سائر طرق حديث رفاعة (5) تفصيل الوضوء بذكر أعضاء الوضوء، ولم يرد في سائر طرق حديث رفاعة، فكلهم ذكر الوضوء مجملًا، وهو كذلك مجمل في حديث أبي هريرة في الصحيحين. (6) تمكين الوجه والجبهة في السجود. (7) ذكر تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر).

وكل ما زاده على حديث أبي هريرة مما انفرد به عن باقي الرواة، فليس بمحفوظ، فيكفي في شذوذه أنه مخالف لما في الصحيحين، ومخالف لبقية الرواة ممن رووه عن علي بن يحيى بن خلاد، فلا وجه للقول بأن إسحاق قد جوده، وقد انفرد بكل هذه الزيادات مخالفًا حديث أبي هريرة في الصحيحين، والحمل ليس على إسحاق، بل على شيخه أو على شيخ شيخه، فليس بلازم أن يكون كل هذه الاختلافات في ألفاظ الحديث الحمل فيها على الرواة عن عليِّ بن يحيى، فقد تكون العهدة عليه، فهو حديثه، والله أعلم. وقد خرجت الحديث بكل ألفاظه، ولله الحمد في المجلد السابع، في الشرط الثالث من شروط تكبيرة الإحرام.

[29] ورواه مسلم (28-392) من طريق ابن جريج، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وحده.
ورواه البخاري (803) من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع…. ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا.
ورواه مسلم كذلك (30-392) من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، وحده عن أبي هريرة.
ورواه مسلم (27-392) من طريق مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة به، بلفظ: كان يصلي لهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فلما انصرف، قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه مسلم (31-392) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به، بنحو لفظ مالك.

[30] صحيح البخاري (631)، وصحيح مسلم (292).

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*