📌 المدخل إلى المسألة:
أجمعَ العلماءُ على أن البالغَ العاقلَ يتوجهُ إليهِ الشارعُ بالخطابِ أمرًا ونهيًا؛ لأنه لا خلافَ في تكليفِهِ.
واختلفوا في خطابِ الشارعِ للصبيِ للاختلافِ في تكليفِهِ على ثلاثةِ أقوالٍ:
الصبي لا يخاطب لا بندب، ولا كراهة، ولا بغيرهما، وإنما المخاطب بذلك الأولياء، لأن الخطاب فرع عن التكليف، وهو غير مكلف، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن أحمد[1].
جاء في حاشية ابن عابدين نقلًا من أحكام الصغار للأسرونشي: «لا خطاب مع الصبا»[2].
فقيل: لا ثواب له عليها، وهو قول في مذهب المالكية، واختاره بعض الحنابلة[3].
قال الدسوقي: «وأما على القول بأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء يكون الولي مأمورًا من جهة الشارع، فيؤجر دون الصبي فإنه مأمور من جهة الولي؛ لأجل تدريبه، وحينئذٍ فلا يكون مكلفًا بالمندوبات، ولا ثواب له عليها، والثواب عليها لأبويه. قيل: على السواء، وقيل: ثلثاه للأم، وثلثه للأب» [4].
وجاء في الفروع: «وعلل ابن عقيل في الجنائز تقديم النساء على الصبيان بالتكليف، ففضلهن بالثواب والتعويض، والصبي ليس من أهل الثواب والعقاب، كذا قال، وفي طريقة بعض أصحابنا في مسألة تصرفه: ثوابه لوالديه …»[5].
الدليل الأول: أن الصبي مرفوع عنه القلم بالنص، فدل هذا على أنه ليس داخلًا في خطاب التكليف من إيجاب أو تحريم، أو ندب أو كراهة.
(ح-363) لما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن علي، سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -يقول: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه» [6].
[إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه] [7].
بأن رفع القلم لا يدل على أنه لا يثاب، فـ الثواب أعم من التكليف، فقد يثاب العبد على أمر لم يؤمر بفعله، بل قد يثاب على فعل غيره. والشرع لم يأمر الصبي بالحج، ولا أمر وليه بأن يحج به، وأثبت له الثواب، بحديث: (ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر).
أن الثواب يتبع الأمر، ولا أمر يتعلق بالصبي، بل المأمور والده، فالولي مأمور من جهة الشرع، فيؤجر دون الصبي، فإنه مأمور من جهة الولي من أجل تدريبه، فلا يكون مكلفًا بالمندوبات ولا بالمكروهات، ولا ثواب له، ولا عقاب عليه.
ولأن الأمر بالأمر بالشيء لو كان أمرًا بالشيء لزم منه وجوب الصلاة على الصبيان، وهذا لا يصح لقيام المانع، وهو امتناع الوجوب في حق الصبي.
لا يلزم من الأمر بالأمر بالشيء إذا جعل أمرًا بذلك الشيء أن يكون واجبًا، فقد يصرف من الوجوب لعلة صارفة، وهو أن عدم البلوغ مانع من الوجوب.
يثاب عليها، وإن لم يكن مكلفًا بالندب والكراهة، وهذا هو قول الأكثر.
قال النووي: «مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والعلماء كافة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أنه يصح حج الصبي، ويثاب عليه، ويترتب عليه أحكام حج البالغ، إلا أنه لا يجزيه عن فرض الإسلام فإذا بلغ بعد ذلك واستطاع لزمه فرض الإسلام» [8].
أن الثواب فرع الصحة، وترتبه كترتب الحكم على السبب.
(ح-364) لما رواه مسلم من طريق إبراهيم بن عقبة، عن كريب، مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – لقي ركبًا بالروحاء، فقال: «من القوم؟» قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: «رسول الله»، فرفعت إليه امرأة صبيًا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولكِ أجر» [9].
فإذا ثبت أن حجه صحيح، وشرعي ترتب على ذلك الثواب عليها ما لم يقع مانع شرعي من ذلك، وكون العبادة تقع ندبًا من الصبي المميز، لا يعني ذلك أنه مخاطب بالندب.
قلت: هذا مشكِل في الحقيقة، وقد استشكله العطار في حاشيته على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع: «قولنا معاشر الشافعية: إن صلاة الصبي مندوبة مشكِل؛ لأن الندب من قبيل خطاب التكليف، ولا يتعلق به، فلا يصح أن يقال معنى مندوبة مطلوبة على وجه الندب، ولا أنها مطلوبة من الولي كذلك؛ لأن خطاب الولي بأن يأمر الصبي بذلك على وجه الوجوب، وقد يجاب بأن معنى ندبها أن لها حكم المندوب من حيث إثابة فاعله، وعدم إثمه بالترك، ولا يخفى قوة الإشكال» [10].
فالقول بأن أعمال الصبي تقع ندبًا، وليست مندوبة في حقه هذا مشكِل عندي، فإما أن نقول: إن الندب والكراهة ليستا من أحكام التكليف، وإما أن نقول: إن الصبي مكلف بالمندوبات والمكروهات، ولا سبيل إلى غير ذلك.
أن الصبي المميز مخاطب بجميع الأحكام التكليفية، وهو رواية مرجوحة في مذهب أحمد span>.[11]
جاء في المسودة: «حُكِيَ عن أحمد أنه قال: الصبى المميز مكلف، وادعى فيه الإجماع، قال: وقطع القاضي بأنه غير مكلف، وادعى فيه الإجماع» [12].
الدليل الأول: (ح-365) روى الإمام أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته»[13].
[ضعيف] [14].
وجوب الزكاة في مال الصغير، والزكاة من الأحكام التكليفية.
بأن المسألة خلافية، فـ الحنفية لا يرون وجوب الزكاة على الصغير[15]، وعلى القول بوجوب الزكاة لم يكن هذا دليلًا على صحة تكليفه؛ لأنها واجبة في مال المجنون، والصبي غير المميز، وليسا من أهل التكليف بالإجماع، فالزكاة واجبة في عين المال، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103].
(ح-366) وروى مسلم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله …» وفيه: «فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم …» الحديث[16].
ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع، فقال: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم»[17].
فجعل الصدقة واجبة في المال.
(ح-367) روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كخ كخ، ارمِ بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟»[18].
أن الصغير يُنهى عما يُنهى عنه الكبير من الكذب والسرقة وغيرهما من باب التأديب، والمحظوراتُ كَفٌّ، وليست أفعالًا يتطلب فعلها، والله أعلم.
(ح-368) ما رواه الشيخان من طريق الوليد بن كثير، عن وهب بن كيسان، عن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، سَمِّ الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك». قال عمر: فما زالت تلك طعمتي بعد[19].
بأنه لم يأتِ خطاب من الشارع يأمر الصبيان على سبيل العموم بالتسمية للأكل إلا ما كان من هذه الواقعة في خطاب النبي – صلى الله عليه وسلم – لربيبه عمر بن أبي سلمة، فلعل هذا الخطاب من النبي – صلى الله عليه وسلم – واقعة عين بصفته وليًّا، وليس بصفته نبيًّا، ولهذا لم يأتِ أمر مباشر للصبيان بالصلاة. ولم يأتِ أمر من الشارع للصبيان بالزكاة مع أنها واجبة في ماله على الصحيح، وإذا كان هذا هو الشأن مع أركان الإسلام، وهما أولى بالأمر بهما من الأمر بأدب من آداب الأكل، فلا يؤخذ من هذه الواقعة بأنه أمر عام لعموم الصبيان بالتسمية، ولو أراد الشارع هذا لوجه خطابًا للولي بأن يأمر الصبي بالتسمية، كما فعل في الصلاة، وكما فعل في الاستئذان بالدخول في أوقات العورات الثلاث: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} [النور: 58]. وحين بلغ الأطفال الحلم وجه الخطاب لهم مباشرة، فقال سبحانه: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا}.
أن الصبي المميز يخاطب بالندب والكراهة، وإن لم يخاطب بالوجوب والحرمة، وهو المعتمد في مذهب المالكية، واختاره السبكي من الشافعية[20].
قال الدسوقي في حاشيته: «كون الصبي مأمورًا بها من جهة الشارع بفعلها بِناءً على أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء، وعلى هذا فالصبي مكلف بالمندوبات والمكروهات، والبلوغ إنما هو شرط في التكليف بالواجبات، والمحرمات، وهذا هو المعتمد عندنا، ويترتب على تكليفه بالمندوبات أنه يثاب على الصلاة ….»[21].
قال السبكي: «خطاب الندب ثابت في حق الصبي، فإنه مأمور بالصلاة من جهة الشارع أمر ندب، مثاب عليها، وكذلك يوجد في حقه خطاب الإباحة، والكراهة حيث يوجد خطاب الندب، وهو ما إذا كان مميزًا»[22].
ويحتجون لذلك بصحة ذبيحة الصبي مع أن التسمية شرط في حل الذبيحة، فكان الصبي أهلًا لفعل الواجب في الجملة، ولو سلم رجل على جماعة، فردَّ صبي عنهم سقط فرض الكفاية به.
قال بعضهم: إن الصبي مكلف بالإيمان دون سائر الواجبات، وهو قول أبي منصور الماتريدي، وكثير من مشايخ العراق.
وذكر بعضهم بأن «أصل الدين لا يصح نفلًا، فإذا وجد فعلى وجه الوجوب».
ويعترض عليه بأنه لو كان مكلفًا فيه لم يكن تبعًا فيه لأبويه، والله أعلم.
وقيل: مكلف بالصلاة إذا بلغ عشرًا، وهو رواية عن أحمد، واختارها ابن سريج من الشافعية، واستدلوا بوجوبها بالأمر بضربه على تركها، فلو لم تكن واجبة لما عوقب على تركها.
وقد رد هذا بأن التعزير من الولي لا يعني الوجوب، وإنما هو التأديب والتعليم.
وقيل: يكلف المراهق دون غيره، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل باعتبار أن ما قارب الشيء يعطى حكمه، والله أعلم.
أن الصبي فيه ما لا يلحق بالبالغ، كالواجبات والمحرمات، ومن خالف في هذا فهو من قبيل الخلاف الشاذ.
وفيه ما يلحق بالبالغ على الصحيح كالصلاة، والطهارة.
ولا يمتنع أن يكون مأمورًا بها، باعتبار أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بالشيء نفسه، ولا يلزم منه أن تكون دلالته على الوجوب حتمًا حتى على القول بأن صيغة الأمر ظاهرة في الدلالة على الوجوب؛ لأن دلالته على الوجوب مشروطة بأن لا يوجد صارف يصرفه من الوجوب إلى الندب، والصارف هنا كون المأمور به ليس واجبًا في حق الصبي المميز، فإذا صرف الأمر عن الوجوب تعين الندب.
فإذا توجه أمر من الشارع لمكلف بأن يأمر غير مكلف، كحديث «مروا أبناءكم بالصلاة لسبعٍ» فالأول مأمور من قبل الشارع، والأصل فيه الوجوب لكن حين كان المأمور به ليس واجبًا لدليل آخر كان هذا قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب.
وإن توجه خطاب لمكلف بأن يأمر مكلفًا آخر بفعل واجب، فالمكلف الأول مأمور به على سبيل التبليغ، وهو واجب عليه.
والثاني مأمور من قبل الشرع أيضًا، والامتثال به واجب عليه، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لـ عمر حين أخبره بأن ابن عمر طلق زوجته، وهي حائض، فقال له: «مُرْهُ فليراجعْها»[23].
وإن توجه أمر لمكلف بأن يأمر مكلفًا بأمر غير واجب كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لـ أبي بكر رضي الله عنه في حق أسماء بنت عميس حين نفست: «مرها فلتغتسل»[24].
فهل يكون الأمر لـ أبي بكر على سبيل الوجوب؟
فالجواب: أن وجوبه على أبي بكر لا يتعلق بالصيغة، بمعنى لا يتعلق بالأمر من حيث كونه أمرًا، وإنما كان متعلق الوجوب هو تعيين أبي بكر للبلاغ من لدن الرسول – صلى الله عليه وسلم – ليبلغ أسماء ما استحب لها من الاغتسال، وهذا لا علاقة له بالصيغة، فلو أن الصيغة جرت بهذا اللفظ: (مروا النفساء أن تغتسل للإحرام) على سبيل العموم، لم يكن الخطاب في حقنا واجبًا؛ لأن المأمور به ليس بواجب، فالوسيلة كذلك.
فإذا رجعنا إلى الأمر من حيث كونه أمرًا كحديث «مروا أبناءكم بالصلاة لسبعٍ» نستطيع أن نقول: إن كان المأمور به مستحبًّا كان مستحبًًّا، وإن كان واجبًا كان واجبًا؛ فالأمر وسيلة، والمأمور به غاية، والوسائل لها أحكام الغايات فما كان وسيلة لواجب كان واجبًا، وما كان وسيلة لمندوب كان مندوبًا، والله أعلم.
وأما قول بعض الفقهاء بأن صلاة الصبي من فرض ونفل وحفظ للقرآن، وصيام، وزكاة مال لا ثواب له عليها، فهذا من أضعف الأقوال، وهو مخالف للعدل، والنص.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] أي صلاتكم، والله أعلم.
📌 المدخل إلى المسألة:
أمرَ الشارعُ الوليَ بأن يأمرَ الصبيَ بالصلاةِ، واختلفوا في أمرِ الشارعِ للوليِ أيحملُ على الندبِ، أم على الوجوبِ؟
وقال الشافعية والحنابلة: بل يجب، وهو قول في مذهب المالكية[26].
وقال الشافعية: ويلزم الأم كذلك إذا عدم الأب.
جاء في حاشية الجمل: «والأمر والضرب واجبان على الولي أبًا كان، أو جدًّا، أو وصيًّا، أو قيمًا من جهة القاضي»[27].
أن قوله صلى الله عليه وسلم: «مروا» أمر، وهو ظاهر في الوجوب إلا أنه مصروف إلى الندب والاستحباب لأن المأمور به (وهو الصلاة) لا تجب على الصبي، فإذا كان المأمور به ليس واجبًا لم يكن الأمر به واجبًا؛ إذ كيف تكون الصلاة مستحبة، ويكون الأمر بها واجبًا؟ والعكس بالعكس، فالأمر بالشيء له حكم المأمور به، فكون الصبي ليس مكلفًا يمنع من حمل الأمر على حقيقته؛ لأن الإجبار إنما يكون على فعل واجب، أو ترك محرم، وليست الصلاة بواجبة على الصبي، ولا تركها محرم عليه.
أن ذلك إنما يلزم لو كان المحل متحدًا، وهو هنا مختلف، فإن محل الوجوب متوجه إلى الولي، ومحل عدم الوجوب متوجه إلى الصبي، ولا يلزم من عدم الوجوب على الصبي عدمه على الولي، فالخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أبناءكم» ليس خطابًا من الشرع للصبي، ولا إيجابًا عليه، وإنما هو خطاب للولي، وهو واجب عليه.
الدليل الأول:
(ح-369) روى أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته»[28].
[ضعيف][29].
وجه الاستدلال:
أن الأصل في الأمر الوجوب.
بأن الحديث ضعيف كما قد علمت من التخريج.
قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} الآية، [طه: 132].
وجه الاستدلال:
قوله: (أهلك) مفرد مضاف، فيشمل جميع الأهل، صغارًا وكبارًا ممن يعقل الصلاة.
بأن الأمر للأهل بالصلاة منه ما هو واجب إذا كان ذلك واجبًا على المأمور، ومنه ما هو مستحب إذا لم تكن الصلاة واجبة على المأمور.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].
بأن الصبي ليس مكلفًا حتى يكون الأمر بالصلاة وقاية له من النار، وإنما الآية في حق من يكون ترك الفعل معصية في حقه وسببًا في دخول النار.
(ح-370) روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال له في قصة صيامه وقيامه، وقراءته: «وإن لولدك عليك حقًّا»[30].
هذا الحديث يذكر أن للولد حقًّا على الولي، من إحسان تربيته، والإنفاق عليه، وتأديبه بالآداب الشرعية، وأعظم ذلك أمره بالصلاة، وتعليمه إياها.
قال النووي: «فيه أن على الأب تأديب ولده، وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدين، وهذا التعليم واجب على الأب وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبي والصبية. نص عليه الشافعي وأصحابه، قال الشافعي وأصحابه: وعلى الأمهات أيضًا هذا التعليم إذا لم يكن أب؛ لأنه من باب التربية، ولهن مدخل في ذلك، وأجرة هذا التعليم في مال الصبي فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته؛ لأنه مما يحتاج إليه والله أعلم»[31].
بأن الحديث ليس نصًّا في المسألة، والاشتغال بنفل العبادة كالصيام إنما يكون مذمومًا إذا أشغل عن القيام بواجب مستحق للأولاد، والقول بأن ذلك يشمل أمرهم بالصلاة دعوى في محل النزاع.
إذا وجب على الولي إصلاح ماله، وكفه عن المفاسد وجب عليه أمره بالصلاة قياسًا على ذلك، بل هو أولى؛ لأن صلاح الدين أولى من إصلاح المال.
بأن هناك فرقًا بين المسألتين، فإصلاح مال الصغير ليس واجبًا على الولي، وإنما الواجب عليه حفظه، وأما كفه عن الفساد، فهذا من باب المنهيات، ولا شك أن المنهيات آكد من باب المأمورات، ولذلك يُنهى الصغير عما يُنهى عنه الكبير، من ترك الكذب، والغيبة، والسرقة، بخلاف الصلاة، فهي من باب المأمورات، وهي ليست واجبة على الصبي بالاتفاق، ولم يأمر الشرع الصبي بالصلاة، وإنما أمر وليه أن يأمره.
(ح-371) وقد روى مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، فأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أبا بكر يأمرها أن تغتسلَ وتُهِلَّ[32].
فهل كان واجبًا على أبي بكر أن يأمرها بالاغتسال والإهلال، مع أن الاغتسال والإهلال من باب المندوبات في حقها.
وفيه مسألة أصولية، هل الأمر بالأمر بالشيء، هو أمر بذلك الشيء؟
وهل لوازم صيغة الأمر، هي لوازم صيغة الأمر بالأمر، بمعنى: هل يستويان في الدلالة على الطلب من وجه واحد أم لا؟
هذه مسألة خلافية عند أهل الأصول، وفيها قولان:
أحدهما: أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به ما لم يدل عليه دليل؛ فالأمر الموجه للأولياء ليس أمرًا للأبناء؛ لامتناع توجه الأمر على غير المكلف؛ لأن التكليف فرع عن خطاب الشارع، ولا خطاب من الشارع موجه لغير المكلف.
بأنك لو قلت: مر عبدك أن يصنع لي ثوبًا لم يكن أمرًا منك للعبد بخياطته، وإلا عُدَّ مثل ذلك تعديًا.
والقول الثاني: أن الأمر بالأمر أمر، فالأول بالمباشرة، والثاني بالواسطة.
ويستدلون بأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – لـ عمر بأن يأمر ابنه بمراجعة زوجه التي طلقها، وهي حائض، فقال: «مره فليراجعها».
حديث: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبعٍ» ضعيف، والصغير يؤمر بالتكاليف من باب التأديب والتمرين، ووليه مأمور بإحسان تربيته، والتكاليف الشرعية قسمان: مأمورات، ومنهيات، والمنهيات آكد في حق الصغير، فإن الصغير يمنع مما يمنع منه الكبير، وإن لم يكن على سبيل الإلزام[33].
(ح-372) فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كخ كخ، ارمِ بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟»[34].
وأما المأمورات فهي أخف من المنهيات، لأن المأمور يتطلب الفعل، والفعل فيه تكليف ومشقة، بخلاف المنهيات فإن المطلوب فيها مجرد الترك، وهو أسهل.
ومع ذلك صح أمر الطفل في باب المأمورات،
فقد قال عمر بن أبي سلمة كما في الحديث المتفق عليه: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، سَمِّ الله تعالى، وكلْ بيمينك، وكلْ مما يليك». قال عمر: فما زالت تلك طعمتي بعد[35].
فإذا أمر الصغير بآداب الطعام، فلأن يؤمر بالصلاة، والتي هي آكد أركان الإسلام العملية من باب أولى فأولى، ولكن القول بأن الأمر للولي على سبيل الحتم والإلزام لم يتبين لي.
وإذا كان الرجوع إلى دلالة صيغة الأمر، وأن الأصل فيها الوجوب فهذا ظاهر، وهو ما حمل الشافعية والحنابلة إلى القول بالوجوب إلا أن النزاع في دلالة الصيغة فيها خلاف قوي، فهناك من يرى أن المتيقن هو الاستحباب، ولا يصار إلى الوجوب إلا بقرينة، ويستدل بأن هناك أوامر شرعية تحمل على الاستحباب، ولا يعلم لها صارف عن الوجوب.
وهناك من العلماء من يرى أن دلالة الأمر مشتركة بين الوجوب والاستحباب، ولا يصار لأحدهما إلا بقرينة. ومع أني أميل إلى القول بأن الأصل في الأمر الوجوب إلا أن الفقهاء الذين يقولون بهذا يتساهلون في الصارف، فيصرفون الأمر عن الوجوب لأدنى صارف، وربما صرفوه بدلالة معنوية، كأن يكون الأمر يتعلق بالآداب، أو من جهة الصحة، كحديث: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فلْيغمسْه».
فلا يوجد قرينة صارفة لهذا الأمر عن الوجوب إلا أن الأمر يتعلق بالإرشاد، وهي قرينة معنوية، فإذا جئنا للحديث: «مروا أبناءكم للصلاة لسبعٍ».
فالغاية من الأمر هو امتثال المأمور، وصيغة الأمر وسيلة إليه.
فإذا كان المأمور ليس واجبًا، فكيف تكون وسيلته واجبة؟
فهذه قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وهذه القرينة أولى بالاعتبار من كثير من الصوارف التي اعتمدها الجمهور في صرف بعض الأوامر الشرعية، والله أعلم.
وقد تقدم في المبحث السابق كلام مهم يتعلق بهذه المسألة، لم أحب أن أعيده هنا اكتفاءً بذكره هناك، فراجعه يا رعاك الله.
وعميرة (1/139)، حاشية الجمل (1/290)، الشرح الكبير على المقنع (1/381)، شرح منتهى الإرادات (1/127)، الإقناع في فقه الإمام أحمد (1/73)، كشاف القناع (1/225)، مطالب أولي النهى (1/278).
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، وفيه: (إن لولدك عليك حقًّا).
وقد رواه البخاري (6134) حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا روح بن عبادة به، ولم يذكر: (إن لولدك عليك حقًّا).
وقد رواه هشام كما في المسند (2/188).
والأوزاعي عند أحمد (2/200)، والبخاري (5199)، وابن حبان (3571).
وعلي بن المبارك كما في صحيح البخاري (1974).
وعبد الله بن المبارك كما في صحيح البخاري (5199).
وعكرمة بن عمار كما في صحيح مسلم، وصحيح ابن خزيمة (2110).
كلهم رووه عن يحيى بن أبي كثير به، ولم يرد فيه: (وإن لولدك عليك حقًّا).
وقد تابع يحيى بن أبي كثير كل من محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، ومحمد بن عمرو ومحمد بن عبد الرحمن مولى بني زهرة، عن أبي سلمة، ولم يذكروا في الحديث: (إن لولدك عليك حقًّا). ولم أتتبع تخريجه اقتصارًا.
كما رواه البخاري (1976)، ومسلم (1159) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، وليس فيه: (إن لولدك عليك حقًّا).
وقد رواه البخاري (5052، 1978) من طريق مجاهد.
ورواه البخاري أيضًا (1131، 3420) ومسلم (1159) من طريق عمرو بن أوس.
ورواه البخاري (1153) ومسلم (1159) من طريق أبي العباس السائب بن فروخ المكي.
ورواه البخاري (1980، 6277)، ومسلم (1159) من طريق أبي المليح.
ورواه مسلم (1161) من طريق أبي عياض،
ورواه أيضًا (1159) من طريق سعيد بن ميناء، كلهم عن عبد الله بن عمرو مطولًا، ومختصرًا، وليس فيه زيادة: (إن لولدك عليك حقًّا). واقتصرت على طرق الصحيحين ففيها الكفاية.
وأخرجه البخاري (1485) من طريق محمد بن طهمان، كلاهما عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة. وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.
ورواه البخاري (5377) ومسلم (5318) من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي، كلاهما عن وهب بن كيسان، عن عمر بن أبي سلمة.
