📌 المدخل إلى المسألة:
{مسألة}
أهي عبادة محضة يشترط في وجوبها التكليف، كالصلوات والصيام،
أم هي حق مالي متعلق بالمال،فيثبت متى وجد سببه ولو كان المالك غير مكلف؟ والزكاة وإن اشتملت على معنى العبادة من جهة النية والقربة، فإن فيها معنى الحق المالي ظاهرًا؛ لأنها تؤخذ من المال، وتصرف إلى مستحقيها،، وتشرع لسد حاجة الفقراء والمساكين وسائر أهل الزكاة. وتحققت فيه شروط الزكاة: هل يتعلق به حق الزكاة، فيخرجه الولي عنهما، أم لا يجب حتى يتحقق التكليف؟
تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون مطلقًا، فلا يشترط التكليف، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.[1]
قال في الإنصاف: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، بلا خلاف عندنا.[2]
لا تجب الزكاة في مالهما مطلقًا حتى يتحقق التكليف، وهو قول شريح وإبراهيم النخعي والحسن البصري وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب، وأبي وائل.[3]
وهذان أصلان متقابلان: وجوب الزكاة مطلقًا في مال غير المكلف، وعدم
وجوبها مطلقًا، ثم تفرعت عن هذين الأصلين أقوال وسط فرّقت بين بعض الأموال وبعضها، منها:
لا تجب الزكاة عليهما إلا في الخارج من الأرض، وزكاة الفطر، وهو مذهب الحنفية، وبه قال سفيان الثوري.[4]
جاء في الهداية: «وليس على الصبي والمجنون زكاة.[5]
وفي بدائع الصنائع: « يجب العشر في أرض الصبي والمجنون.[6]
قال الطحاوي كما في اختلاف العلماء اختصار الجصاص: «ولا خلاف بينهم أن العشر يجب في أرض اليتيم.[7]»
تجب في الأموال الظاهرة من مواش وحبوب وثمار، ولا تجب
في الذهب والفضة وبه قال الحسن البصري وابن شبرمة.[8]
إن كان الوصي يتجر في مال اليتيم وجبت فيه الزكاة، وإن كان لا يتجر فيه سقطت عنه، وكان في حكم المال المعجوز عن تنميته، كالضال، والموروث الذي لم يعلم به وارثه إلا بعد مضي سنوات، وبه قال اللخمي من المالكية، وظاهر قول سالم بن عمر.[9]
هذه هي مجموع أقوال سلفنا في زكاة أموال ، الصبي والمجنون خلاصتها كالتالي..
1- ليس محل النزاع في تكليف الصبي والمجنون بأداء الزكاة بأنفسهما؛ إذ لا يتوجه إليهما خطاب التكليف، ولا يأثمان بالترك. وإنما محل النزاع في المال المملوك لهما إذا بلغ نصابًا وتحققت فيه شروط الزكاة: هل يتعلق به حق الزكاة، فيخرجه الولي عنهما، أم لا يجب حتى يبلغ الصبي أو يفيق المجنون؟.
وعلى هذا فالبحث في تعلق الزكاة بالمال لا في أهلية الصبي والمجنون للمباشرة والأداء.
يرجع الخلاف في المسألة إلى أمور:
أولًا: اختلافهم في الزكاة أهي عبادة محضة فيشترط لها التكليف أم حق مالي فتجب في مال غير المكلف.
ثانيًا: اختلافهم في الزكاة: أتجب في الذمة، أم تتعلق بعين المال؟
ثالثًا: اختلافهم في أثر عدم التكليف: أيمنع وجوب الزكاة مطلقًا أم يمنع الإثم والمباشرة فقط؟
رابعًا: اختلافهم في نيابة الولي عن الصبي والمجنون في إخراج الزكاة.
خامسًا: في آثار الصحابة في إخراج الزكاة من مال اليتيم أهي حجة قاطعة في الباب، أم هي اجتهادات محتملة.
إذا تصور هذا نأتي إلى ذكر الأدلة.
الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾.
الوجه الأول: اقتران الزكاة بالصلاة في نصوص كثيرة، فقالوا: لما كانت الصلاة لا تجب على الصبي والمجنون، فكذلك الزكاة؛ لأن العطف يقتضي المشاركة.
1-العطف يقتضي مطلق التشريك، لا المساواة في الحكم، ، قال تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده، والأكل مستحب، وإتيان الحق واجب﴾. وينتقض بما إذا قلت: ذهب زيد وتكلم عمرو، فلا اشتراك بينهما، فالذهاب غير الكلام. وينتقض بالعبد، فإنها تجب عليه الصلاة، ولا تجب عليه الزكاة عندهم،
وتجب الزكاة على الحائض حال الحيض وتحسب مدة الحيض من الحول، ولا تجب عليها الصلاة. [10]
أن الخطاب الشرعي لا يخاطب به إلا البالغ، أرأيت الاستئذان للصبي قبل البلوغ توجه للأولياء، وبعد البلوغ توجه لهم مباشرة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ منكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الَْأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59,58]
1-بأن الخطاب في الآية متوجه للمكلف في ماله أصالة، وفي مال الصبي والمجنون ولاية عن غيره، خاصة من قال: إن للولي أو الوصي ولاية أداء الزكاة، وهو مذهب الجمهور.[11] قال الشافعي: «وعلى ولي اليتيم أن يؤدي الزكاة عنه في جميع ماله، كما
يؤديها عن نفسه،
لا فرق بينه وبين الكبير البالغ فيما يجب عليهما.[12] »
ولا نقول: إن الزكاة واجبة على الصبي، وإنما واجبة في مال الصبي،
وبينهما فرق؛ لأن ذمة الصبي لا تحتمل التأثيم، كما تجب زكاة الفطر، وزكاة الخارج من الأرض، وإن كانت ذمته لا تحتمل التأثيم.
ما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن علي،
سمعت رسول الله ﷺ يقول: رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه. [13]
[إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدار قطني وقفه].[14]
رفع القلم يقتضي عدم الوجوب؛ لأنه إشارة إلى رفع الإثم عنهما، والقول بوجوب الزكاة يستلزم استحقاق التأثيم بالترك.
النية شرط في أداء الزكاة، ولا يلزم أن تقع من الصبي والمجنون؛
لأنهما ليسا أهلًا للمباشرة، وإنما تقع ممن باشر الأداء شرعًا،
وهو الولي كما يباشر عنه سائر التصرفات المالية الواجبة.فالزكاة هنا لها جهتان:
جهة الوجوب: وهي متعلقة بالمال، وسببها ملك النصاب. وجهة الأداء: وهي متعلقة بمن يباشر الإخراج.
فإذا كان المالك مكلفًا، تولى النية والإخراج بنفسه أو وكيله. وإذا كان غير مكلف، تولى ذلك وليه؛ لأن الشرع أقامه مقامه في المال، ولذلك لا نقول: إن الزكاة واجبة على الصبي، وإنما واجبة في مال الصبي، وهذه العبارة هي الجواب عن إشكال النية، وهناك قواعد فقهية ينبني عليها الجواب.
خطاب التكليف يتوجه إلى من يفهم الخطاب ويصلح للامتثال،ولذلك لا يتعلق بالصبي والمجنون من جهة الإثم والعقوبة. وأما خطاب الوضع، كالأسباب والشروط والموانع، فقد يتعلق بمال غير المكلف؛ لأن المقصود فيه ترتيب الحكم على السبب، لا امتحان المكلف بالفعل.فالسبب في وجوب الزكاة في المال: هو الملك التام، ، وقد قرر البحث أن تعلق الزكاة بمال الأطفال والمجانين من قبيل خطاب الوضع،وأن ملك المال سبب الوجوب، وملك الصبي والمجنون كملك البالغ.
الصبي والمجنون لا يملكان أهلية أداء كاملة، لكن تثبت لهما أهلية الوجوب في الجملة؛ فتثبت لهما الحقوق، وتثبت عليهما الحقوق المالية في أموالهما. ولهذا يجب في مالهما ضمان المتلفات، والنفقات الواجبة، والديون الثابتة، ولا يقال: إن عدم صحة قصدهما يمنع ثبوت هذه الحقوق.
الولاية ليست مجرد تسليط على حفظ المال، بل يدخل فيها أداء ما وجب في المال، ودفع ما يضر بمال المولى عليه، وتخليصه من الحقوق اللازمة، ولهذا يتجر الولي بمال اليتيم. وإذا وجبت نفقة أو دين أو أرش جناية في مال الصبي، تولى الولي أداء ذلك. فكذلك إذا وجبت الزكاة في المال على قول الجمهور، تولى الولي إخراجها.
فالزكاة عبادة مالية، والعبادات المالية تقبل النيابة من حيث الجملة، بخلاف العبادات البدنية المحضة. وإذا صحت النيابة بالوكالة الاختيارية في زكاة البالغ العاقل، فالنيابة بالولاية الشرعية في مال الصبي والمجنون أولى؛ لأن الولي ليس أجنبيًا متبرعًا بالتصرف، بل منصوب شرعًا لحفظ مال المولى عليه والقيام بما يجب فيه. والفرق بين الوكيل والولي أن الوكيل يستمد سلطانه من إذن المالك، أما الولي فيستمد سلطانه من الشرع. فإذا تعذر إذن الصبي والمجنون ونيتهما، قام إذن الشرع مقام إذنهما، وقامت نية الولي مقام نيتهما في الأداء.
حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، ولا تسقط لمجرد تعذر قصد من وجبت في ماله.
فالأصل أن الولي لا يتبرع من مال الصبي؛ لأن التبرع المحض لا حظ للصبي فيه، فإذا أخرج الولي شيئًا من مال اليتيم باسم الزكاة، لم يجز ذلك إلا إذا كان واجبًا. وهذه حجة قوية جدًا في المسألة؛ لأن الصحابة الذين أخرجوا زكاة أموال اليتامى كانوا أعلم الناس بحرمة مال اليتيم، ومع ذلك أخرجوها. فلو لم تكن واجبة لم يجز لهم إخراجها من أموال اليتامى؛ لعصمة مال المسلم، وأولى الأموال بالعصمة مال اليتيم.
ما رواه الطحاوي في أحكام القرآن: من طريق الحسن بن الربيع، قال: حدثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «لا تجب على يتيم زكاة حتى تجب عليه الصلاة». [15]
[ضعيف].[16]
أما أدلتهم على سقوط الزكاة في مالهما إذا لم يكن خارجًا من الأرض فهي أدلة من منع الزكاة في مالهما مطلقًا، وقد ذكرتها، فأغنى ذلك عن إعادتها.
إطلاق الآية في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]؛ فأمر بإتيان الواجب فيه من غير فرق بين أن يكون المالك صبيًّا أو كبيرًا.
ح – وروى البخاري من طريق يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثرياً، العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر».[17]
عموم قوله: «فيما سقت السماء العشر» من غير فرق بين أن يكون المالك مكلفاً أو غير مكلف.
1-لا فرق بين قوله: «فيما سقت السماء العشر» وبين قوله ﷺ: «وفي الرقة ربع العشر» رواه البخاري. [18] فالواجب في أحدهما يجب في الآخر.
وملك الغلة هو سبب الزكاة في الأرض الموقوفة، لا ملك الأرض؛ بدليل أنه لو ملك الأرض ولم يخرج منها شيء لم تجب فيها الزكاة، وإذا جاز وجوب الزكاة على الصبي بسبب امتلاك الغلة جاز وجوب الزكاة على الصبي إذا امتلك مالاً زكويّاً، فالعشر والزكاة حقان ماليان: فما يجب في أحدهما يجب في الآخر.
الإجماع على وجوبها، قال الجصاص: «ولا خلاف بينهم أن العشر يجب في أرض اليتيم.» [19] وقال الزنجاني: «ويجب عليه العشر وصدقة الفطر إجماعًا.» [20]
لا يوجد إجماع على وجوب الزكاة في الخارج من الأرض إذا كان المالك صبيًّا أو مجنونًا، وقد عرضت الخلاف فيه في الأقوال.
وعلى التسليم أن الزكاة واجبة في العشر وفي الفطر إجماعًا، فما وجب في العشر وجب في غيره من أموال الزكاة؛ بجامع أنهما مالان زكويان، فيجب في أحدهما ما يجب في الآخر، هذا هو مقتضى القياس.
قال الطحاوي: «والفرق أن الزكاة حق طارئ على ملك ثابت للمالك قبل حدوث الحق فهو طهارة، والزكاة لا تلزم إلا من تلزمه الطهارة، وثمرة النخل والزرع بحدوثها يجب الحق فلا يملكها مالكها إلا وهناك حق واجب مع حدوث الملك فيصير كالشريك فيه.» [21]
1-القول بأن المالك لا يملك الخارج من الأرض إلا وقد حدث فيها حق الفقير فيكون شريكاً؛ هذا يقال لو كان الخارج من الأرض نبت على أرض موات، فيكون حق الفقير سابقاً لحق التملك، أما إذا كان الخارج من الأرض يحصل في أرض مملوكة، فالخارج تبع للأرض يملكه صاحبه من حين خروجه إلى حين استوائه ووجوب الزكاة فيه، ووجوب الزكاة لا يجب بمجرد الخروج حتى يشتد الحب، وتستوي الثمار، ويحمر ويصفر النخل، فكان التملك سابقاً لوجوب الزكاة، والله أعلم.
استدلوا بأدلة عامة وخاصة، وأقرب الأدلة إلى محل النزاع هو قضاء الصحابة في مال اليتيم؛ ويلحق باليتيم سائر الصبيان بجامع عدم التكليف وثبوت الملك، لذلك سأقدم هذه الآثار لكونها أخص في الاستدلال من الأدلة العامة، ولو كانت من الكتاب.
ث – روى عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، حدثنا وكيع، قال أخبرنا القاسم بن الفضل، عن معاوية بن قرة، عن الحكم بن أبي العاص، قال: قال لي عمر: «إن عندي مالَ يتيمٍ، قد كادت الصدقة أن تأتي عليه».
[صحيح].[22]
وروى الدارقطني من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة». [23]
[روي موقوفاً ومرفوعاً، والموقوف أصح، ورفعه منكر، وسماع سعيد بن المسيب عن عمر فيه خلاف، والأصح أنه في حكم المتصل]. [24]
ث – وروى عبد الرزاق عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: باع لنا علي أرضاً بثمانين ألفاً، فلما أردنا قبض ما نقصت لنا، فقال: «إني كنت أزكيه، وكنا يتامى في حجره». [25]
[صحيح].[26]
ث – وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: «كانت عائشة تليني وأخاً لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة».
[صحيح].[27]
ث – وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول فيمن يلي مال اليتيم؟ قال جابر: «يعطي زكاته». [28]
[صحيح].[29]
ث – وروى عبد الرزاق في المصنف عن معمر، عن الزهري، عن سالم، أن ابن عمر «كان يكون عنده مال اليتيم فيستسلفها ليحرزها من الهلاك، وهو يؤدي زكاتها من أموالهم».
[صحيح].[30]
ث – وروى عبد الرزاق عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن مسعود قال: سئل عن أموال اليتامى؟ فقال: «إذا بلغوا فأعلموهم ما حل فيها من زكاة، فإن شاؤوا زكوا وإن شاؤوا تركوا».
[ضعيف].[31]
1-أن هذا الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه لا ينفي الزكاة في مال اليتيم، وإنما ينفي حق الولي في تولي دفعها نيابة عنه، فيحصيها حتى إذا بلغ اليتيم وآنس منه الرشد أخبره ليتولى دفعها. ويمكن القول بأن هذه الآثار عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وفيهم خلفاء راشدون، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة، وما ورد عن ابن عباس لم يثبت، ومعلوم أن هذه الأقضية قد اشتهرت بين الصحابة ولم تنكر، فكان إجماعاً سكوتياً وهو حجة على الصحيح. ومال المسلم معصوم بنصوص قطعية، وأولاها بالعصمة مال اليتيم، فلو لم يكن هذا الفعل واجباً لكانت مراعاة مال اليتيم أولى من مراعاة المسكين الكبير، فالكبير المسكين يأخذ من صدقات الأغنياء الواجبة والمستحبة وقادر على التكسب، فلما أخذت الزكاة من هذه الفئة الضعيفة دل ذلك على أنه لأمر واجب. وإذا كان الولي ممنوعاً شرعاً من صدقة التطوع من مال اليتيم، فما كان للولي أن يخرج شيئاً من ماله لولا وجوب الزكاة في ماله، والله أعلم.
وأما كون أكثر الآثار الواردة في الباب إنما جاءت في مال اليتيم؛ فلأنه أظهر صور مال الصبي في الواقع العملي، فيلحق به سائر الصبيان بجامع عدم التكليف وثبوت الملك. وأما المجنون فيلحق به من جهة أن الكلام ليس في أهلية الأداء، بل في تعلق الحق بالمال.
يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي: «ولا ريب أن أقوال الصحابة كعمر، وعلي، وعائشة، وابن عمر، وجابر، إذا اتفقت في موضوع كهذا، يكثر وقوعه، وتعم به البلوى، وخاصة أن ذلك المجتمع الذي قدم الشهداء تلو الشهداء وكثر فيه اليتامى، كان لها دلالتها واعتبارها في هذا المقام، ولا يسع عالماً إهدار أقوالهم التي أجمعت على هذا الأمر، مع قرب عهدهم بالرسول ﷺ، وكمال فهمهم عنه، ومعرفتهم بالقوارع التي أنزلها الله في شأن أموال اليتامى، والحق أنه لم يصح عن أحد من الصحابة القول بعدم وجوب الزكاة في مال اليتيم، وما روي عن ابن مسعود وابن عباس فهو ضعيف لا يحتج بمثله». [32]
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60].
جعل الزكاة حقاً محضاً للفقير والمسكين والعامل عليها وابن السبيل ومن ذكر معهم، وحقوق العباد واجبة على الصغير والمجنون كوجوبها على البالغ، وليست الزكاة عبادة محضة حتى تختص بالمكلف.
جاءت نصوص صحيحة تدل على أن الزكاة واجبة في المال، وليست واجبة في البدن حتى يقال: إن التكليف شرط، من ذلك:
– قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103].
– وقال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141].
– وقال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19].
أمر الله سبحانه وتعالى نبيه ﷺ بأن يأخذ الزكاة من أموال المسلمين، فكان الواجب متعلقاً بعين المال، وكان النبي ﷺ يبعث السعاة كل عام امتثالاً للأمر لأخذ الزكاة من أصحاب الماشية والزروع، ولم يأمرهم بالانكفاف عن مال الصبي، ولم يكن السعاة أنفسهم يكفون مرة واحدة عن مال الصبي ولو كان لا يجوز أخذ الزكاة منها لحذرهم من الأخذ منها كما كان يحذرهم من الأخذ من كرائم أموالهم، ولو كان ذلك مؤثراً في وجوب الزكاة لكانوا يسألون عن تكليف المالك حين أخذ الزكاة، ولم يكن دافع الزكاة يعتذر عن دفعها لهم بأن هذا المال حق يتيم أو صبي، فلو كان الأخذ منها لا يجوز لوجب عليهم السؤال حتى لا يأخذوها ممن لا تجب عليه، فعلم أن الأخذ من الأموال عام لجميع المسلمين من غير فرق بين أن يكون هذا المال للمكلف أو لغير المكلف.
1-بأن قوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ يقتضي أن الزكاة إنما شرعت للتطهير، والصبي لا إثم عليه فلا يحتاج إلى تطهير.
2-بأن وصف التطهير ليس علة يسقط الحكم بفواته؛ بدليل أن زكاة الزروع والثمار واجبة على الصغير عندكم مع أنه لا يحتاج إلى تطهير، وأن صدقة الفطر شرعت طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، ومع ذلك تجب على الصغير بالاتفاق مع أنه لا يحتاج إلى التطهير، فكذلك الزكاة.
3-بأن قول النبي ﷺ في زكاة الفطر: «طهرة للصائم من اللغو والرفث» ظاهر التعليل فيه يمنع من وجوبها لولا الإجماع. [33]
ومقتضى النظر: أن يُردَّ أنه إذا كان التعليل بالتطهير لم يمنع وجوب الزكاة في مال الصبي في زكاة الفطر بالإجماع، لم يمنع التعليل بالتطهير في سائر أموال الزكاة، ردّاً للمختلف فيه إلى المجمع عليه؛ لعدم الفارق.
ح – ومنها ما رواه الشيخان من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، وجاء فيه: «…فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم». [34]
قوله: «صدقة في أموالهم»، فالزكاة واجبة في عين المال، بصرف النظر عن كون مالكه صغيراً كان أو كبيراً.
الوجه الأول: أن هذا الخطاب متجه إلى المكلف، ولا ينصرف إلى الصبي والمجنون، لقوله ﷺ: «فإن هم أجابوك لذلك»، فعلق التكليف بالزكاة بإجابتهم للفريضة كالصلاة، والصبي والمجنون لا تجب عليه الصلاة حتى إذا أقر بوجوبها طُلب منه تقبل فريضة الزكاة.
الوجه الثاني: أن الحديث يقول: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم»، فالفرض واقع عليهم وليس على المال، وذمة الصبي والمجنون لا تتحمل التكليف، فصار قوله «في أموالهم» بياناً لما افترض عليهم.
ح – ومنها ما رواه البخاري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، قال حدثني أبي، قال حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنساً رضي الله عنه حدثه: أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله…» وجاء فيه: «…وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها…» الحديث. [35]
جعل الرسول ﷺ الواجب متعلقاً في الرقة (الفضة)، ولم يجعل الواجب متعلقاً في ذمة المالك.
بأن قوله: «وفي الرقة ربع العشر» بيان للقول المجمل في صدر الكتاب: «هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين»، فكانت الزكاة فريضة على المسلمين وليست فريضة في أموالهم، والصبي والمجنون ذمتهما لا تحتمل الفرض.
ث – وقال أبو بكر رضي الله عنه: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال…» الحديث. رواه البخاري من طريق الزهري، قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن أبي بكر رضي الله عنه. [36]
أضاف أبو بكر الحق إلى المال، فحيثما وجد المال تُؤخذ منه الزكاة، وليست كالصلاة التي هي حق البدن.
بأن أبا بكر رضي الله عنه قد قال قبل ذلك: «لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة»، ومعلوم أن الصبي لا تجب عليه الصلاة فلا تجب عليه الزكاة.
الوجه الأول: لو سُلِّم أن هذه الأحاديث قد عُورِضت في دلالتها على وجوب الزكاة في عين المال، فهناك ما لا يقبل الاعتراض، وهو تأثير الخلطة في الزكاة؛ فلو كان للرجل عشرون شاة ترعى في مكان، وله عشرون أخرى ترعى في مكان آخر، ولم يكن تفريقها هرباً من الزكاة لم يجب عليه فيها زكاة، ولو كانت الزكاة واجبة في الذمة لوجبت؛ لكونه يملك نصاباً من الغنم ملكاً تاماً.
فقد روى البخاري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال حدثني أبي، قال حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنساً رضي الله عنه حدثه: أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة». [37]
القياس على زكاة الفطر، وهي واجبة في مال الصبي بالإجماع.
فقد روى أبو داود من طريق أبي يزيد الخولاني – وكان شيخ صدق وكان ابن وهب يروي عنه – عن سيار بن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين…» الحديث. [40] [حسن]. [41]
احتج ابن عبد البر بالإجماع على وجوب الزكاة على اليتيم في حرثه وثماره، وأن من يُجنّ أحياناً، وكذا الحائض لا يراعي قدر الجنون والحيض من الحول، فدل ذلك كله على أن الزكاة حق المال، وأنها ليست كالصلاة التي هي حق البدن. [42]
استدل هؤلاء بأن النبي ﷺ وخلفاءه رضي الله عنهم كانوا يبعثون سعاتهم لقبض زكاة الأموال الظاهرة دون الباطنة، فلم يكن السعاة يسألون عن مالك المال، أهو مكلف أم غير مكلف، ولو كانت الزكاة لا تجب على الصغير واليتيم والمجنون لوجب السؤال حتى لا يأخذوها ممن لا تجب عليه، ولم يكن دافع الزكاة يعتذر عن دفعها لهم بأن هذا المال حق يتيم أو صبي، فعلم أن الأخذ من الأموال الظاهرة عام لجميع المسلمين من غير فرق بين أن يكون هذا المال للمكلف أو لغير المكلف.
بأن السعاة إذا كانوا لا يأخذون الزكاة من الأموال الباطنة من جميع المسلمين ولو كانوا مكلفين، لم يكن الترك دليلاً على سقوط الزكاة، والله أعلم.
أن الزكاة تجب في المال النامي، فلا تجب في مال القنية، حتى إنك إذا علفت الماشية سقطت الزكاة عنها وإن كنت تنتفع بدرها ونسلها؛ لأن جزءاً من النفقة يذهب بالنماء، والمال المعجوز عن تنميته كالمال الضال تسقط الزكاة عنه، وإذا لم يمكن تنميته تسقط الزكاة عن مال اليتيم والصبي إذا كان بيد معسر أو مماطل سقطت الزكاة عن مال اليتيم والصبي إذا لم يمكن تنميته قياسًا على ما ذكر..
بأن المعتبر في النماء هو التمكن من تنمية المال، وهو موجود لإمكان الولي أن يتجر فيه وينميه، فكان المانع من قبل الآدمي لا من قبل الشارع، ولأنه يلزم من قولكم أن تسقط الزكاة في مال السفيه البالغ وفي مال الرشيد العاجز عن تنميته، ولا قائل بذلك.
فالراجح وجوب الزكاة في ذلك المال؛ لأن الصبي والمجنون إذا ملكا مالاً زكوياً بلغ نصاباً وحال عليه الحول، أو وجد سبب الزكاة فيما لا يشترط له الحول؛ لأن الزكاة حق مالي متعلق بالمال، ولأن عدم التكليف لا يسقط الحقوق المالية؛ ولثبوت العمل بذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم خلفاء راشدون ولا يعلم لهم مخالف، والله أعلم.
ورواهُ ابنُ زنجويه في «كتابِ الأموالِ» (3/995) أخبرنا أبو نعيمٍ، ومحمدُ بنُ يوسفَ قالا: أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ به.
ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ أيضًا (10127) حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ. [صحيح.]
وروى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (10128)، من طريقِ هشامٍ، عن الحسنِ، قال: ليس في مالِ اليتيمِ زكاةٌ حتى يحتلمَ. [صحيح عن الحسن.]
جاء في «الإشراف على مذاهب العلماء» (3/59): «وقال النخعيُّ، وأبو وائلٍ، والحسنُ البصريُّ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، ليس في مالِ اليتيمِ زكاةٌ».
وانظر: «الآثار لأبي يوسف» (451)، «الاستذكار» (3/157)، «فتاوى السبكي» (1/187).
جاء في «الاستذكارِ» (3/156): «قال سفيانُ الثوريُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه: لا زكاةَ في مالِ يتيمٍ ولا صغيرٍ إلا فيما تُخرِجُ أرضُه من حبٍّ أو تمرٍ».
ورواهُ البغويُّ في «الجعدياتِ» (2764) أخبرنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن سالمٍ، عن أبيه، أنه كان عندَه مالُ يتيمينِ فجعلَ يزكِّيه. فقلتُ: يا أبتاه لا تتجرُ فيه ولا تضربُ، ما أسرعَ هذا فيه! فقال: لأزكِّينَّه ولو لم يبقَ منه إلا درهمٌ واحدٌ، قال: ثم اشترى لهما به دارًا. ورواهُ الطحاويُّ في «أحكامِ القرآنِ» (520)، من طريقِ يزيدَ بنِ هارونَ، قال: أخبرنا ابنُ أبي ذئبٍ به.
والحارثُ بنُ عبدِ الرحمنِ خالُ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ذئبٍ المدنيِّ، قال ابنُ سعدٍ في طبقاتِه: كان قليلَ الحديثِ.
وفي «تاريخِ ابنِ معينٍ» روايةُ الدارميِّ (224) قلتُ: فابنُ أبي ذئبٍ عن خالِه الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ كيف حالُه؟ قال: هو يروى عنهُ، وهو مشهورٌ. وانظر: «الجرحُ والتعديلُ» (3/80). وذكرَه البخاريُّ في «التاريخِ الكبيرِ» (2434) وسكتَ عليه.
وذكره البخاريُّ في «مشاهيرِ علماءِ الأمصارِ» (546). فالإسنادُ جيدٌ خاصةً أن رأي ابنِ عمرَ في زكاةِ مالِ اليتيمِ ثابتٌ عنهُ بأسانيدَ صحيحةٍ كما سيأتي ذكرُه في الأدلةِ إن شاء اللهُ تعالى. وانظر قولَ اللخميِّ في: «شرحِ ابنِ ناجي على الرسالةِ» (1/313)، «مواهبِ الجليلِ» (2/292).
وقيل: ليس للوليِّ ولا للوصيِّ ولايةُ الأداءِ، ولكن يُحصي الوليُّ أعوامَ اليتيمِ، فإذا بلغَ أخبرَه. وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وبه قال الثوريُّ والأوزاعيُّ.
وقال ابنُ أبي ليلى: في أموالِ اليتامى الزكاةُ، ولو أداها عنهم الوصيُّ غَرِمَ.
انظر: «الأموالُ لابنِ زنجويه» (3/995)، «الاستذكارُ» (3/156)، «بدائعُ الصنائعِ» (2/4).
ورواهُ أبو ظبيانَ عن عليٍّ، واختلفَ على أبي ظبيانَ:
فرواهُ جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، ووكيعٌ، وشعبةُ، وجعفرُ بنُ عونٍ، وابنُ فضيلٍ، وعمارُ بنُ رزيقٍ ستتُهم رووه عن الأعمشِ، عن أبي ظبيانَ، عن عليٍّ موقوفًا.
وخالفَهم جريرُ بنُ حازمٍ، فرواهُ عن الأعمشِ به، مرفوعًا.
كما رواهُ سعدُ بنُ عبيدةَ، وأبو حصينٍ، عن أبي ظبيانَ موقوفًا.
وخالفَ هؤلاءِ عطاءُ بنُ السائبِ، فرواهُ عن أبي ظبيانَ، عن عليٍّ مرفوعًا. وروايةُ الأعمشِ وأبي حصينٍ وسعدِ بنِ عبيدةَ أرجحُ من روايةِ عطاءٍ. كما رواهُ أبو الضحى عن عليٍّ مرفوعًا، وأبو الضحى لم يدركْ عليًّا.
ورواهُ القاسمُ بنُ يزيدَ، عن عليٍّ مرفوعًا، والقاسمُ مجهولٌ.
وقد رجحَ ثلاثةُ أئمةٍ وقفَه على عليٍِّ رضي اللهُ عنهُ، وهم النسائيُّ، والترمذيُّ والدارقطنيُّ، وله شواهدُ ضعيفةٌ، وانظر تخريجَ هذا الحديثِ بشواهدِه في كتابي «موسوعة الطهارة، الوضوء» (2/50)، ح 167.
ومما يدلُّ على ذلك ما قالَه عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حاتمٍ، قال: «سُئِلَ أبو زرعةَ عن ابنِ لهيعةَ سماعِ القدماءِ منه؟ فقال: آخره وأولُه سواءٌ إلا أن ابنَ المباركِ وابنَ وهبٍ كانا يتتبعانِ أصولَه فيكتبانِ منه، وهؤلاءِ الباقونَ كانوا يأخذونَ من الشيخِ، وكان ابنُ لهيعةَ لا يضبطُ، وليس ممن يحتجُّ بحديثِه.» «الجرحُ والتعديلُ» (5/147).
فهذا نصٌّ على أنه ضعيفٌ مطلقًا، وإن كان قد يتفاوتُ الضعفُ فروايةُ ابنِ المباركِ أخفُّ ضعفًا. وقال عمرو بنُ عليٍّ الفلاسُ: عبدُ اللهِ بنُ لهيعةَ احترقتْ كتبُه، فمن كتبَ عنهُ قبلَ ذلك مثلُ ابنِ المباركِ وعبدِ اللهِ بنِ يزيدَ المقرئِ أصحُّ من الذين كتبوا بعدَ ما احترقتِ الكتبُ، وهو ضعيفُ الحديثِ. [المرجع السابق].
ولفظةُ: (أصحُّ) لا تعني ثبوتَ الصحةِ المطلقةِ كما هو معلومٌ، ولذلك أردفَها بقولِه: وهو ضعيفُ الحديثِ، هذا حالُه قبلَ احتراقِ كتبِه وبعدَها.
قال ابنُ أبي حاتمٍ: قلتُ لأبي إذا كان من يروي عن ابنِ لهيعةَ مثلُ ابنِ المباركِ وابنِ وهبٍ يحتجُّ به؟ قال: لا. «الجرحُ والتعديلُ» (5/147).
وقد حررَ الإمامُ ابنُ حبانَ علةَ ابنِ لهيعةَ تحريرًا دقيقًا، فقال: قد سبرتُ أخبارَ ابنِ لهيعةَ من روايةِ المتقدمينَ والمتأخرينَ عنهُ فرأيتُ التخليطَ في روايةِ المتأخرينَ عنهُ موجودًا، وما لا أصلَ له من روايةِ المتقدمينَ كثيرًا، فرجعتُ إلى الاعتبارِ فرأيتُه كان يدلسُ عن أقوامٍ ضعفاءَ، عن أقوامٍ رآهم ابنُ لهيعةَ ثقاتٍ، فالتصقتْ تلك الموضوعاتُ به.
قال عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍ: لا أحملُ عن ابنِ لهيعةَ قليلًا ولا كثيرًا، كتبَ إليَّ ابنُ لهيعةَ كتابًا فيه: حدثنا عمرو بنُ شعيبٍ، قال عبدُ الرحمنِ: فقرأتُه على ابنِ المباركِ، فأخرجَه إليَّ ابنُ المباركِ من كتابِه، عن ابنِ لهيعةَ قال حدثني: إسحاقُ بنُ أبي فروةَ، عن عمرو بنِ شعيبٍ. [«المجروحين» (2/11)] ثم خلُصَ ابنُ حبانَ إلى نتيجةٍ حاسمةٍ بقولِه: «وأما روايةُ المتأخرينَ عنهُ بعدَ احتراقِ كتبِه ففيها مناكيرُ كثيرةٌ، وذاك أنه كان لا يبالي ما دُفِعَ إليه قراءةً، سواءٌ كان ذلك من حديثِه أو غيرِ حديثِه، فوجبَ التنكبُ عن روايةِ المتقدمينَ عنهُ قبلَ احتراقِ كتبِه لما فيها من الأخبارِ المدلسةِ عن الضعفاءِ والمتروكينَ، ووجبَ تركُ الاحتجاجِ بروايةِ المتأخرينَ عنهُ بعدَ احتراقِ كتبِه لما فيه مما ليس من حديثِه.» [«المجروحين» (2/11)]
وهذا عينُ التحقيقِ؛ إذ إن روايةَ المتقدمينَ عنهُ معلولةٌ بالتدليسِ عن الضعفاءِ، وروايةَ المتأخرينَ معلولةٌ بالتلقينِ وسوءِ الحفظِ.
ويؤيدُ هذا ما جاء في «ضعفاءِ العقيليِّ» (2/294)، قال: «حدثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدثنا محمدُ بنُ عليٍّ، قال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ، وذكر ابنَ لهيعةَ، وقال: كان كتبَ عن المثنى ابنِ الصباحِ، عن عمرو بنِ شعيبٍ، وكان بعدُ يحدثُ بها عن عمرو بنِ شعيبٍ نفسِه.» وهذا نصٌّ صريحٌ من الإمامِ أحمدَ على ممارسةِ ابنِ لهيعةَ للتدليسِ عن الضعفاءِ (كالمثنى بنِ الصباحِ.) مما يؤكدُ ضعفَ هذا السندِ وتخليطَ ابنِ لهيعةَ فيه أنه مخالفٌ لما ثبتَ عن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهُما، ومخالفٌ لما ثبتَ عن الصحابةِ.
وروى ابنُ زنجويه في «كتابِ الأموالِ» (1808) من طريقِ أبي نعيمٍ، أخبرنا القاسمُ بنُ الفضلِ، حدثني معاويةُ بنُ قرةَ، حدثني الحكمُ بنُ أبي العاصِ الثقفيُّ، قال: إن عمرَ بنَ الخطابِ رضي اللهُ عنهُ قال لي: هل قبلَكم متجرٌ؟ فإن في يدي مالًا ليتيمٍ قد كادتِ الصدقةُ أن تأتيَ عليه. وسندُه صحيحٌ.
وعلَّقَه البخاريُّ في «التاريخِ الكبيرِ» (2/331) قال البخاريُّ: قال أبو نعيمٍ: حدثنا القاسمُ بنُ الفضلِ به. ورواهُ الطحاويُّ في «أحكامِ القرآنِ» (516) من طريقِ الخصيبِ بنِ ناصحٍ الحارثيِّ، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (4/6)، وفي «الخلافياتِ» (3207)، من طريقِ موسى بنِ داودَ الضبيِّ، وابنُ حزمٍ في «المحلى» (11/4) من طريقِ وكيعٍ، كلُّهم عن القاسمِ بنِ الفضلِ به. ورواهُ أبو عبيدٍ في «الأموالِ» (1303)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (4/180) من طريقِ يزيدَ بنِ هارونَ، عن شعبةَ، قال: حدثنا حميدُ بنُ هلالٍ، عن محجنٍ أو ابنِ محجنٍ أو أبي محجنٍ
وروى الدارقطنيُّ من طريقِ حسينٍ المعلمِ، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ أن عمرَ بنَ الخطابِ رضي اللهُ عنهُ، قال: ابتغوا بأموالِ اليتامى لا تأكلْها الصدقةُ. (1)
[رُويَ موقوفًا ومرفوعًا، والموقوفُ أصحُّ، ورفعُه منكرٌ، وسماعُ سعيدِ بنِ المسيبِ عن عمرَ فيه خلافٌ، والأصحُّ أنه في حكمِ المتصلِ. (2)]
-الشكُّ من شعبةَ– وكان خادمًا لـعثمانَ بنِ أبي العاصِ، أن عمرَ قال لـعثمانَ بنِ أبي العاصِ.: كيف متجرُ أرضِك؟ فإن عندنا مالَ يتيمٍ قد كادتِ الزكاةُ أن تفنيَه … وذكر الأثرَ
قال البيهقيُّ: كذا في هذه الروايةِ، ورواهُ معاويةُ بنُ قرةَ عن الحكمِ بنِ أبي العاصِ عن عمرَ، وكلاهما محفوظٌ.
قال عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ: سمعتُ مالكًا، وسُئلَ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قيل: أدرك عمرَ؟ قال: لا، ولكنه ولد في زمانِ عمرَ، فلما كبر أكبَّ على المسألةِ عن شأنِه وأمرِه حتى كأنه رآه. قال مالكٌ: بلغني أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يرسلُ إلى ابنِ المسيبِ يسألُه عن بعضِ شأنِ عمرَ وأمرِه. «تهذيبُ الكمالِ» (11/74).
وقال عباسُ الدوريُّ: سمعتُ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: سعيدُ بنُ المسيبِ قد رأى عمرَ، وكان صغيرًا. قلتُ لـيحيى: يقولُ: وُلِدْتُ لسنتينِ مضتا من خلافةِ عمرَ؟ قال يحيى: ابنُ ثمانِ سنينَ يحفظُ شيئًا. المرجعُ السابقُ.
وقال إسحاقُ بنُ منصورٍ: قلتُ لـيحيى بنِ معينٍ: يصحُّ لـسعيدِ بنِ المسيبِ سماعٌ من عمرَ؟ قال: لا. [«المراسيل لابن أبي حاتم» (ص: 71).]
وقال أبو حاتمٍ الرازيُّ: سعيدُ بنُ المسيبِ عن عمرَ مرسلٌ، يدخلُ في المسندِ على المجازِ. وقال أيضًا: لا يصحُّ سماعٌ لـسعيدِ بنِ المسيبِ عن عمرَ إلا رؤيتُه على المنبرِ ينعي النعمانَ بنَ مقرنٍ. المرجعُ السابقُ.
وخالفَ هؤلاءِ الإمامُ أحمدُ. قال أبو طالبٍ: قلتُ لـأحمدَ: «سعيدٌ عن عمرَ حجةٌ؟ قال: هو عندنا حجةٌ، قد رأى عمرَ، وسمع منهُ، وإذا لم يُقبَل سعيدٌ عن عمرَ، فمن يُقبَل؟.»! [«الجرحُ والتعديلُ» (4/60) ونقلَه ابنُ حجرٍ في «تهذيبِ التهذيبِ» (4/76).]
وعلى فرضِ أن يكون مرسلًا فقد قال أحمدُ: مرسلاتُ سعيدٍ صحاحٌ، لا نرى أصحَّ من مرسلاتِه. [المرجع السابق.]
وقال الليثُ عن يحيى بنِ سعيدٍ، كان ابنُ المسيبِ يُسمَّى راويةَ عمرَ، كان أحفظَ الناسِ لأحكامِه وأقضيتِه. [المرجع السابق.]
الاختلافُ الثاني: الاختلافُ فيه على عمرو بنِ شعيبٍ، اُختُلِفَ فيه على عدةِ وجوهٍ:
الوجهُ الأولُ: عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن عمرَ بنِ الخطابِ موقوفًا عليه.
رواهُ حسينٌ المعلمُ، واختلفَ على حسينٍ:
فرواهُ عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ [صدوق ربما أخطأ] رواهُ الدارقطنيُّ (1973)، ومن طريقِه البيهقيُّ في «الخلافياتِ» (3205)، وفي «السننِ الكبرى» (4/179) عنهُ، عن حسينٍ المعلمِ، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ رضي اللهُ عنهُ قال …. وذكر الأثرَ.
قال البيهقيُّ: «هذا إسنادٌ صحيحٌ، وله شواهدُ عن عمرَ رضي اللهُ عنهُ.» أهـ
وقال أيضًا (2/6): والصحيحُ روايةُ حسينٍ المعلمِ، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ رضي اللهُ عنهُ قال: … وذكر الأثرَ.
قلتُ: هذا أحسنُ إسنادٍ رُويَ فيه هذا الأثرُ عن عمرَ.
ورواهُ يحيى بنُ سعيدٍ، وابنُ أبي عديٍّ كما في «الأموال» لـأبي عبيدٍ (1301)، كلاهما عن حسينٍ المعلمِ عن مكحولٍ، وعن عمرو بنِ شعيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: قال عمرُ… وهذا لا يدلُّ على أن حسينًا رواهُ عن مكحولٍ، عن عمرو بنِ شعيبٍ، وإنما رواهُ حسينٌ المعلمُ بإسنادينِ: أحدهما: عن مكحولٍ، عن عمرَ. والآخرُ عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن عمرَ.
وهو مخالفٌ لما جاء في «العللِ للدارقطنيِّ» (2/156)، قال: «رواهُ الحسينُ المعلمُ، عن مكحولٍ، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن عمرَ قولَه.»
وهو كذلك في «بيان الوهم والإيهام» (2/308)، وفي «البدر المنير» (5/468)، فهل كان في أحدِ الإسنادينِ خطأٌ؟
وحسينٌ المعلمُ لا يعرفُ بالروايةِ عن مكحولٍ ولم أقفْ له إلا على حديثٍ واحدٍ، رواهُ الدارقطنيُّ في «السننِ» (4367) من طريقِ عبدِ الوارثِ، عن حسينٍ المعلمِ، عن مكحولٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ مرفوعًا، لا تحرمُ المصةُ ولا المصتانِ.
وهو في «السننِ الكبرى للنسائيِّ» (5436) بالإسنادِ نفسِه موقوفًا على عائشةَ. والحديثُ في مسلمٍ من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ مرفوعًا.
وروى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (23166) من طريقِ حسينٍ المعلمِ عن مكحولٍ أثرًا مقطوعًا عليه. هذا كلُّ ما وقفتُ عليه، وأما روايةُ حسينٍ المعلمِ عن عمرو بنِ شعيبٍ فقد روى عنهُ جملةً من الأحاديثِ، واللهُ أعلمُ.
الوجهُ الثاني: عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا.
رواهُ مندلُ بنُ عليٍّ، عن سليمانَ أبي إسحاقَ الشيبانيِّ كما في «الأوسطِ للطبرانيِّ» (998)، و«سننِ الدارقطنيِّ» (1971).
والمثنى بنُ الصباحِ كما في «سننِ الترمذيِّ» (641)، و«الأموالِ للقاسمِ بنِ سلامٍ» (1299)، و«الأموالِ لابنِ زنجويه» (1806) و«سننِ الدارقطنيِّ» (2/109)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (4/179). وعبدُ اللهِ بنُ عليٍّ أبو أيوبَ الإفريقيُّ كما في «السننِ الكبرى للبيهقيِّ» (4/3) والجرجاني في «تاريخ جرجان» (487) وابنُ عديٍّ في «الكاملِ» (7/145).
وعبد الله بن لهيعة كما في «الأموال لابن زنجويه» (1807)،
ورواد بن الجراح، عن محمد بن عبيد الله العرزمي كما في «سنن الدارقطني» (1972)، كلهم رووه عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا.
وكلُّ من المثنى، وأبي أيوبَ الأفريقيِّ، وابنِ لهيعةَ وروادٍ ضعفاءُ، والعرزميُّ متروكٌ.
جاء في «تنقيح التحقيق» (3/34) قال مهنا: سألتُ أحمدَ عن حديثِ عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: اتجروا بأموالِ اليتامى، لا تأكلُها الزكاةُ؟ فقال: ليس بصحيحٍ، هذا يرويه المثنى بنُ الصباحِ عن عمرو بنِ شعيبٍ. اهـ.
وقال الدارقطنيُّ بعدَ روايتِه لإسنادِ المثنى: المثنى ضعيفٌ، وقال عقبَ روايةِ مندلٍ: مندلٌ ليس بقويٍّ. وقال عقبَ روايةِ العرزميِّ: روادٌ ضعيفٌ، وشيخُه هو العرزميُّ ضعيفٌ.اهـ الوجهُ الثالثُ: رواهُ عمرو بنُ دينارٍ، واختلفَ عليه فيه:
فقيل: عن عمرو بنِ دينارٍ، عن مكحولٍ، عن عمرَ.
رواهُ أيوبُ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (10119) عن عمرو بنِ دينارٍ، عن مكحولٍ، قال: قال عمرُ: …..فذكره.
ومكحولٌ لم يدركْ عمرَ.
وقيل: عن عمرو بنِ دينارٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ.
رواهُ ابنُ عيينةَ كما في «مسندِ الشافعيِّ» (ص: 204)، وفي «الأمِّ» (2/32)، ومن طريقِه البيهقيُّ في «معرفةِ السننِ والآثارِ» (6/67) عن عمرو بنِ دينارٍ، أن عمرَ ابنَ الخطابِ … وذكر الأثرَ، فأسقطَ مكحولًا من إسنادِه.
وقيل: عن عمرو بنِ دينارٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ.
رواهُ الدارقطنيُّ في «السننِ» (1977) من طريقِ أبي الربيعِ السمانِ، عن عمرو بنِ دينارٍ بهِ. وذكرَه ابنُ حجرٍ في «إتحافِ المهرةِ» (12/322) وقال: أبو الربيعِ ضعيفٌ.
وقيل: عن عبدِ الرحمنِ بنِ السائبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ.
رواهُ محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفيُّ كما في «السننِ الكبرى» (4/6) عن عمروٍ، قال البيهقيُّ: هو ابنُ دينارٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ السائبِ أن عمرَ بنَ الخطابِ. فزادَ واسطةً بين ابنِ دينارٍ وعمرَ. والطائفيُّ وثقَه ابنُ معينٍ وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: ما أضعفَ حديثَه. ولعلَّ من وثقَه نظرَ إلى أن كتبَه صحاحٌ. قال أحمدُ: إذا حدَّث محمدُ بنُ مسلمٍ من غيرِ كتابٍ ـ يعني: أخطأـ قلتُ: الطائفيُّ؟ قال: نعم. اهـ.
وقال ابنُ حجرٍ: صدوقٌ، وذكره الذهبيُّ فيمن تكلم فيه، وهو موثقٌ.
وعبدُ الرحمنِ بنُ السائبِ مجهولٌ لم يرو عنهُ أحدٌ إلا عمرو بنُ دينارٍ، ولم يوثقْه أحدٌ إلا ابنُ حبانَ، وفي «التقريبِ»: مقبولٌ، يعني حيثُ يُتابَعُ، وقد تُوبِعَ على هذا الحديثِ، لكن لم أقفْ على أن له روايةً عن عمرَ بنِ الخطابِ، وقد قال ابنُ حبانَ في «الثقات» (5/91) عبدُ الرحمنِ ابنُ السائبِ، يروي عن أبي هريرةَ، روى عنهُ عمرو بنُ دينارٍ.
وبقيةُ الوجوهِ مراسيلُ:
قيل: عن أبي عونٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ.
رواهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (6990) عن الثوريِّ، عن ثورٍ، عن أبي عونٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: … وذكر الأثرَ، وسفيانُ روى عن اثنينِ كلاهما يُسمَّى أبا عونٍ، عبدُ اللهِ بنُ أبي عبدِ اللهِ الأنصاريُّ، وعبدُ اللهِ بنُ عونِ بنِ أرطبانَ المزنيُّ وكلاهما لم يدركْ عمرَ رضي اللهُ عنهُ.
وقيل: عن مجاهدٍ، قال: قال عمرُ.
رواهُ عبدُ الرزاقِ أيضًا (6989) وابنُ زنجويه في «الأموالِ» (1809)، من طريقِ إسرائيلَ بنِ يونسَ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رفيعٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ… ومجاهدٌ لم يدركْ عمرَ رضي اللهُ عنهُ.
وقيل: عن الزهريِّ، قال: قال عمرُ.
رواهُ عبدُ الرزاقِ (6991)، وابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (10213) من طريقِ ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، قال عمرُ: ابتغوا لليتامى في أموالِهم، لا تستغرقُها الزكاةُ.
وقيل: عن الشعبيِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ. رواهُ القاسمُ بنُ سلامٍ في «الأموالِ» (1302). وقيل: عن طاوسٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ.
رواهُ عبدُ الرزاقِ (6993) عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه به.
الخلاصةُ: أصحُّها ما رواهُ سعيدُ بنُ المسيبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ. وانظر: «علل الدارقطني» (2/156)، واللهُ أعلمُ.
قال أبو داودَ كما في سؤالاتِه (138) «سمعتُ أحمدَ سُئِلَ عن الرجلِ يُعرَفُ بالتدليسِ: يحتجُّ فيما لم يقل فيه: سمعتُ؟ قال: لا أدري. فقلتُ: الأعمشُ متى تصادُ له الألفاظُ؟ قال: يضيقُ هذا؛ أي: أنك تحتجُّ به.»
وهذا التوقفُ من الإمامِ أحمدَ محمولٌ على الورعِ، ومفهومُ كلامِه قبولُ عنعنةِ الأعمشِ، والتوقفُ في عنعنةِ غيرِه.
وقال ابنُ القطانِ في «بيان الوهم والإيهام» (2/435) «إذا كان ثقةً يختلفُ في قبولِ معنعنِه ما لم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعتُ، فإنه إذا قال ذلك قُبِلَ إجماعًا لثقتِه.
وإذا لم يقل ذلك، قَبِلَه قومٌ ما لم يتبين في حديثٍ بعينِه أنه لم يسمعْه. وردَّه آخرون ما لم يتبين أنه سمعَه.»
فأشار إلى الخلافِ في قبولِ عنعنةِ المدلسِ بين العلماءِ، والذي أميلُ إليه أن عنعنةَ المدلسِ محمولةٌ على الاتصالِ حتى يثبتَ أنه دَلَّسَ، ولا يتبينُ ذلك إلا بجمعِ الطرقِ، أو تصريحِ الراوي نفسِه بأنه لم يسمعْه، أو تنصيصِ إمامٍ من أئمةِ الحديثِ على عدمِ السماعِ، أو أن يكون المتنُ مما يُنكرُ ويُستغربُ، فيُعلِّقُ العلماءُ الضعفَ على التدليسِ؛ وذلك لأن الرواةَ يتصرفون في صيغِ التحديثِ، فربَّ حديثٍ صرَّح فيه المدلسُ بالسماعِ نقلَه الراوي عنهُ بالعنعنةِ، أو العكسَ، واللهُ أعلمُ.
وعبيدُ اللهِ بنُ أبي رافعٍ كاتبُ عليٍّ رضي اللهُ عنهُ، من رجالِ الصحيحينِ ثقةٌ متفقٌ على توثيقِه، فلا حاجةَ إلى ترجمتِه.
تخريجُ الأثرِ:
رواهُ الإمامُ الشافعيُّ كما في «الأم» (7/179)، والإمامُ أحمدُ كما في «مسائل عبد الله» (594)، وهو في «مدونةِ مالكٍ» (1/308)، عن ابنِ مهديٍّ، عن سفيانَ الثوريِّ عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ عن ابنٍ لأبي رافعٍ، قال: باعَ لنا عليُّ بنُ أبي طالبٍ أرضًا بثمانينَ ألفًا…. وذكر الأثرَ.
ورواهُ محمدُ بنُ يوسفَ كما في «الأموالِ لابنِ زنجويه» (1810)، وأبو نعيمٍ كما في «التاريخ الأوسط للبخاري» (297) كلُّهم عن سفيانَ به.
وقولُه: عن ابنٍ لأبي رافعٍ (هو عبيدُ اللهِ كما جاء مبينًا في روايةِ عبدِ الرزاقِ عن سفيانَ).
المخالفةُ في إسنادِه:
خالفَ أشعثُ الإمامَ الثوريَّ فرواهُ البخاريُّ في «التاريخ الأوسط» (296) والدارقطنيُّ في «السننِ» (1975)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (4/180)، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن الصلتِ المكيِّ، عن ابنِ أبي رافعٍ -وفي سننِ البيهقيِّ: عن أبي رافعٍ وهو خطأٌ-، قال: كانت أموالُنا عندَ عليٍّ فكان يزكِّيها.
وأشعثُ بنُ سوارٍ مع ضعفِه ليس معروفًا بالروايةِ عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ.
قال البيهقيُّ: ورواهُ حسنُ بنُ صالحٍ وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ عن أشعثَ، وقالا: عن ابنِ أبي رافعٍ، وهو الصوابُ.
قلتُ: البيهقيُّ رواهُ من طريقِ الدارقطنيِّ، وروايةُ الدارقطنيِّ على الصوابِ.
رواهُ شريكُ بنُ عبدِ اللهِ النخعيُّ كما في «الأموال لأبي عبيد» (1305)، و«مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (10113)، و«التاريخ الأوسط للبخاري» (295)، و«أحكام القرآن للطحاوي» (518)، وفي «مشكل الآثار له» (12/392)، و«سنن الدارقطني» (1980)، و«السنن الكبرى للبيهقي» (4/181)، وفي «الخلافيات له» (3215)، عن أبي اليقظانِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى أنه كان يزكِّي أموالَ ولدِ أبي رافعٍ، وكانوا أيتامًا في حجرِه.
وشريكٌ وشيخُه أبو اليقظانِ ضعيفانِ، فالمعروفُ في إسنادِه ما رواهُ الثوريُّ، واللهُ أعلمُ.
رواهُ مالكٌ في «الموطأ» (1/251).
ومن طريقِ مالكٍ أخرجَه الشافعيُّ في «الأمِّ» (2/30)، وفي «مسندِه» (ص: 92)، وابنُ زنجويه في «الأموالِ» (1812)، والطحاويُّ في «أحكامِ القرآنِ» (521)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (4/181)، وفي «الخلافياتِ» (3208)، وفي «معرفة السنن والآثار» (6/68). وعبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ ثقةٌ. وقد تُوبِعَ عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ على هذا الأثرِ، ورُويَ عن القاسمِ بنِ محمدٍ من طرقٍ عدةٍ: وقد تُوبِعَ عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ على هذا الأثرِ:
الثاني: يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ:
روى عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ»، ط: التأصيل (7201) عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ، يقولُ: كانت عائشةُ تبضعُ بأموالِنا في البحرِ، وإنها لتزكِّيها. ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (21375) حدثنا عليُّ بنُ مسهرٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ به بنحوهِ. وهذه متابعةٌ صحيحةٌ من يحيى بنِ سعيدٍ لـعبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ.
كما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (10118) حدثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن يحيى، وحنظلةَ، وحميدٍ، عن القاسمِ، أن عائشةَ كانت تبضعُ بأموالِهم في البحرِ، وتزكِّيها.
الثالثُ: هشامُ بنُ حسانٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ:
روى ابنُ زنجويه في «الأموالِ» (1811)، قال: أخبرنا النضرُ بنُ شميلٍ، أخبرنا هشامُ بنُ حسانٍ، قال: سأل القاسمَ بنَ محمدٍ رجلٌ وأنا أسمعُ: أعلى مالِ اليتيمِ زكاةٌ؟ فقال: وَلِيَتْنا عائشةُ فكانت تؤدي عن أموالِنا الزكاةَ، ثم دفعتْها متاجرةً، فنما وبُورِكَ لنا فيه. وسندُه صحيحٌ. الرابعُ: أيوبُ السختيانيُّ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ:
روى عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ»، ط: التأصيل (7202)، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ قال: كنا يتامى في حجرِ عائشةَ، فكانت تزكِّي أموالَنا، ثم دفعتْه مقارضةً فبُورِكَ لنا فيه. قلتُ: روايةُ معمرٍ عن أهلِ البصرةِ فيها كلامٌ، لكنه لم ينفردْ به، فقد رواهُ مالكٌ كما سبقَ. الخامسُ والسادسُ: كثيرُ بنُ مسلمٍ وليثُ بنُ أبي سليمٍ:
روى عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (7203) عن الثوريِّ، عن ليثٍ وعبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ ومسلمِ ابنِ كثيرٍ، كلُّهم، عن القاسمِ قال: كان مالُنا عندَ عائشةَ، فكانت تزكِّيه، ونحن يتامى.
وأما مسلمُ بنُ كثيرٍ؛ فقد جاء في «الجرحُ والتعديلُ» (8/193) «قال عثمانُ بنُ سعيدٍ الدارميُّ: قلتُ لـيحيى بنِ معينٍ: محمدُ بنُ إسحاقَ عن أبي سفيانَ ما حالُ أبي سفيانَ؟ فقال: ثقةٌ مشهورٌ، قلتُ: عن مسلمِ بنِ كثيرٍ، عن عمرو بنِ حريشٍ الزبيديِّ؟ قال: هذا حديثٌ مشهورٌ.»
وأما عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ فثقةٌ، وقد رواهُ عنهُ مالكٌ كما في إسنادِ البابِ. وأما ليثُ بنُ أبي سليمٍ فضعيفٌ، لكنه قد تُوبِعَ، واللهُ أعلمُ.
الخلاصةُ: هذا الأثرُ ثابتٌ عن عائشةَ رضي اللهُ عنها.
ورواهُ حجاجُ بنُ محمدٍ كما في «الأموال لأبي عبيد» (1310).
وابنُ بكرٍ كما في «مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه» مقرونًا بـعبدِ الرزاقِ (ص: 159). وأشعثُ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (10115).
وأبو عاصمٍ كما في «أحكام القرآن للطحاوي» (525)، خمستُهم رووه عن ابنِ جريجٍ به.
وله طريقٌ آخرُ عن جابرٍ:
رواهُ أبو عبيدٍ في «كتاب الأموال» (1311)، قال: وحدثنا يزيدُ، عن حبيبِ بنِ أبي حبيبٍ، عن عمرو بنِ هرمٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، يقولُ في الرجلِ يَلِي مالَ اليتيمِ أيعطي زكاتَه؟ قال: نعم. دراسةُ إسنادِ الطريقِ الآخرِ:
حبيبُ بنُ أبي حبيبٍ (واسمُ أبي حبيبٍ: يزيدُ) الجرميُّ، روى عنهُ ابنُ مهديٍّ وسليمانُ بنُ حربٍ وجماعةٌ.
قال الإمامُ أحمدُ: أرجو أن يكونَ صالحَ الحديثِ، وكان عبدُ الرحمنِ يحدثُ عنهُ. «سؤالات أبي داود» (509).
وذكر الأثرمُ أنه سأل أحمدَ بنَ حنبلٍ عنهُ، فقال: ما أعلمُ به بأسًا. «ميزان الاعتدال» (1/453).
وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: سألتُ أبي عنهُ، فقال: هو كذا وكذا، وكان ابنُ مهديٍّ يحدثُ عنهُ. اهـ [«الكامل لابن عدي» (3/306)، «تهذيب التهذيب» (2/180).]
وقال ابنُ عديٍّ: أرجو أنه لا بأسَ به. وأما ابنُ معينٍ فنهى عن كتابةِ حديثِه. المرجعُ السابقُ. وترجمَ له البخاريُّ في «التاريخ الكبير» (2597)، وسكتَ عليه.
وجاء في «الجرح والتعديل» (3/99) قال عليُّ بنُ المدينيِّ: سألتُ يحيى بنَ سعيدٍ، عن حبيبِ بنِ أبي حبيبٍ صاحبِ عمرو بنِ هرمٍ، قلتُ: كتبتَ عنهُ شيئًا؟ قال: نعم أتيتُه بكتابِه، فقرأه عليَّ، فرميتُ به، ثم قال: كان رجلًا من التجارِ، ولم يكن في الحديثِ بذاك.
وانظر: «تهذيب الكمال» (5/365).
وعمرو بنُ هرمٍ ثقةٌ، وثقَه الإمامُ أحمدُ فإسنادُه صالحٌ خاصةً في المتابعاتِ.
ومن طريقِ عبدِ الرزاقِ أخرجَه الطبرانيُّ في «الكبير» (9/318) ح 9591.
ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (10125) حدثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ بهِ، بلفظِ: (أحصِ ما يجبُ في مالِ اليتيمِ من الزكاةِ، فإذا بلغَ وأُونِسَ منه رُشدٌ فادفعْه إليه، فإن شاء زكَّاه، وإن شاء تركَه.) وليس التخييرُ على وجهِ الإباحةِ، وإنما على طريقةِ قولِه تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيمَ﴾. ومدارُه على الليثِ بنِ أبي سليمٍ، وهو ضعيفٌ.
