📌 المدخل إلى المسألة:
• ما هو متمحض للعبادة كـالصلاة والصوم وهذا لا خلاف في افتقاره إلى النية.
• ما هو متمحض لغير العبادة: كـالديون، فلا يفتقر دفعها إلى النية.
• ما هو مركب منهما كـالزكاة والطهارة، فالأصح أن النية فيهما شرط.
• تمييز العبادة عن العادة.
• تمييز مراتب بعض العبادات بعضها من بعض.
• الغسل يقع تبردًا ونظافة ويقع عبادة.
• الإمساك عن الأكل يكون صومًا شرعيًا، أو حمية، ويكون لعدم الرغبة في الأكل.
• الجلوس في المسجد يكون لانتظار الصلاة ويكون اعتكافًا.
• دفع المال إلى غيره يكون صدقة ويكون زكاة، ولا تمييز بين كل ذلك إلا بـالنية.
اتفقَ الأئمةُ الأربعةُ على أن النيةَ شرطٌ لصحةِ أداءِ الزكاةِ، فلو دفعَ مالَهُ للفقيرِ ولم ينوِ به الزكاةَ، ثم أرادَ بعد الدفعِ أن يحتسبَهُ من الزكاةِ لم يجزئْهُ عند الجمهورِ، وهو مذهبُ الظاهريةِ [1].
واختلف القائلون بأن النية شرط في علة اشتراط النية للزكاة: أهو للتعبد أم للتمييز؟
للتعبد، وهو قول الجمهور وأحد الوجهين في مذهب الشافعية.
جاء احترازًا من شرط الوجوب، فمن الشروط ما هو شرطٌ للصحة، ومنها ما هو شرطٌ للوجوب.
وقال الأوزاعي: لا تشترط النية، فلو دفعها بلا نية أجزأه.ونسبه القرافي في الذخيرة وغيره إلى بعض فقهاء المالكية [3].
وقال القاضي أبو الحسن (المعروف بابن القصار): لا يحتاج الإمام إلى نية؛ لأن فعله يقوم مقام النية [4].
وقال النووي: «لا يصح أداء الزكاة إلا بالنية في الجملة، وهذا لا خلاف فيه عندنا، وإنما الخلاف في صفة النية وتفريعها. وبوجوبها قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وأبو ثور، وداود، وجماهير العلماء. وشذ عنهم الأوزاعي، فقال: لا تجب، ويصح أداؤها بلا نية …» [5].
وقال ابن قدامة: «مذهب عامة الفقهاء: أن النية شرط في أداء الزكاة إلا ما حكي عن الأوزاعي» [6].
قال تعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
أمرنا الله بعبادته مخلصين له الدين، وبيَّن أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من الدين القيِّم، والأمر بالإخلاص يتضمن الأمر بالنية.
وقال الماوردي: «فجعل الإخلاص: وهو النية شرطًا في صحة العبادة» [7].
وقال أيضًا: «والإخلاص في كلامهم: النية» [8].
وقال ابن حزم: «فصح أنهم لم يؤمروا بشيء في الدين إلا بعبادة الله تعالى والإخلاص له فيها بأنها دينه الذي أمر به» [9].
يؤيد هذا الاستدلال قوله ﷺ: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله: أي كانت هجرته هجرة مقبولة عند الله تعالى وثوابها عليه، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكِحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
فاستدلوا بذلك على ارتباط النية بالإخلاص.
بأنه لا يلزم من إخلاص الفعل نية الزكاة، فالإخلاص يتعلق بالباعث على الفعل، وهو الامتثال لأمر الله سبحانه (رغبة وخوفًا)، فلو دفع الغني للفقير مخلصًا لم يُبين الإخلاص نوع العبادة (زكاة أم صدقة تطوع)، كما أنه قد ينوي الزكاة ولا يكون مخلصًا، مما يدل على تغاير المعنيين.
• قال الجصاص: «الإخلاص ضد الإشراك وليس له تعلق بالنية، لا في وجودها، ولا في فقدها، فلا يصح الاستدلال به في إيجاب النية؛ لأنه متى اعتقد الإيمان فقد حصل له الإخلاص في العبادة، ونفي الإشراك فيها» [10].
• ولأنه لو كان الإخلاص من النية، للزم أن يكون كل من لم ينو، فهو مشرك [11].
(ح-) روى البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على المنبر، قال سمعت رسول الله ﷺ، يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى… الحديث [12].
قوله: (إنما الأعمال بالنيات) فالحصر بـ(إنما) في قوة قولك: لا عمل إلا بنية، والحصر يفيد إثبات المذكور ونفي ما سواه، وإذا كان النفي لا يمكن أن يكون متوجهًا إلى الوجود؛ لأن الأعمال قد توجد بلا نية، صار النفي متوجهًا إلى الصحة، أي: لا عمل صحيح إلا بنية، كقولك: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) [13].
فدل حديث عمر بن الخطاب على نفي الإجزاء بعمل لا نية له، والمقصود بالعمل ليس عموم العمل، بل المراد به العبادات التي لا يتميز وصفها الشرعي إلا بالنية؛ لأن سداد الديون لا يفتقر إلى نية.
إن قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) مفهومه: أن ما لم ينوه ليس له، فصحة الزكاة والصلاة وسائر العبادات إنما تكون بالنية.
ما حكي من الإجماع، فقد حكاه بعض الحنفية، جاء في شرح مختصر الطحاوي للجصاص: «وإنما لم تجز الزكاة إلا بنية؛ لأنها فرض مقصود بعينه، كالصلاة والصيام، ولا نعلم مع ذلك فيه خلافًا بين الفقهاء» [14].
بأن الخلاف محفوظ، فقد خالف فيه الأوزاعي، وبعض المالكية، وإن كان اشتراط النية هو قول عامة الفقهاء.
قال ابن مفلح في الفروع: «والنية شرط في إخراج الزكاة [و]» [15]، والواو رمز لوفاق الأئمة الثلاثة، ولو كانت المسألة إجماعًا لرمز لها بحرف العين.
أن النية لا بد منها في العبادات؛ لتمييزها عن العادات، وتمييز الفريضة عن النافلة، وصرف المال إلى الفقراء له جهات مختلفة: (من زكاة، وكفارة، ونذر، وصدقة تطوع)، فاعتبرت نية التمييز، فالعبادات التي تتميز بنفسها، ولا تلتبس بغيرها، فعلها لا يفتقر إلى نية، كالأذكار وقراءة القرآن من حيث أصل الفعل؛ أما قصد القربة والثواب فله حكم آخر.
النية في الزكاة من قبيل المأمور به، والأصل أن المأمور به لا تحصل مصلحته إلا بفعله، فلا يسقط طلبه بمجرد النسيان قياسًا على من صلى بلا طهارة ناسيًا، فلا يكون النسيان عذرًا في تركها؛ لفوات المصلحة بتركها، بخلاف ترك المحظور.
الزكاة تجري فيها النيابة في الجملة؛ لأنها عبادة مالية لا تتعلق بالبدن، ويجوز توكيل الكافر في تفريق الزكاة عند الجمهور، وهو وجه في مذهب الحنابلة؛ لأنها مجرد إعانة واستخدام، ولو كانت نية القلب متعينة لوجب على المكلف بها مباشرتها.
واشترط الشافعية: تعيين المدفوع إليه حتى لا تكون له ولاية الإعطاء والمنع لمن شاء [16].
بأن الحنابلة لا يرون صحة توكيل الكافر، وإذا كانت المسألة خلافية فلا يصح الاحتجاج بمجرد القول [17].
ولو سلمنا صحة توكيل الكافر؛ فإن نية الموكل كافية، فإذا نوى المالك عند الدفع إلى الوكيل، أو قبل صرف الوكيل إلى المستحق، كفت نيته.
الولي يدفع الزكاة عن المحجور عليه (المجنون والصبي غير المميز)، وهما لا نية لهما.
هذا الاعتراض مبني على مسألة خلافية وهي وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون، وعلى القول بالوجوب وهو الصحيح فالولي يستمد ولايته من الشرع، وتقوم نيته مقام نية المحجور عليه، بخلاف الوكيل الذي يفتقر لإذن الموكل ونيته.
متى وجبت الزكاة صارت دينًا في الذمة، والديون لا تفتقر إلى نية في الأداء كسائر الديون.
هناك فرق بين دين الآدمي ودين الزكاة، فدين الزكاة عبادة، ومستحقها غير معين ابتداءً، فلا يملك إسقاطها، بخلاف دين الآدمي، فإنه ليس عبادة، ويسقط بإسقاط مستحقه.
للإمام أن يأخذها من الممتنع قهرًا وتبرأ بها ذمته، والمُكره لا نية له، فلو كانت النية واجبة لما أجزأت.
بأن العلماء مختلفون في إجبار الممتنع على دفعها كرهًا، والقائلون بأخذها منه كرهًا مختلفون فيما بينهم: هل تجزئه ظاهرًا وباطنًا، أو تجزئه ظاهرًا فقط، ولا تجزئه عند الله سبحانه وتعالى، ومثل هذه المسألة لا تنهض اعتراضًا على القائلين بوجوب النية. وسيأتي بحث هذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
أن النية شرط لصحة الزكاة، والله أعلم.
📌 المدخل إلى المسألة:
ولأن نية الزكاة أخص من نية الفرض، فالفرض يصدق على الزكاة ويصدق على غيرها من الفروض المالية كالنذر والكفارة، والتعرض للأخص يغني عن الأعم.
قال إمام الحرمين: «من العبادات ما لا يشترط فيه التعرض للفرضيّة وجهًا واحدًا، كالزكاة، فإذا نواها من لزمته ولم يتعرض للفرضيّة في النية أجزأته؛ فإن اسم الزكاة لا يطلق إلا على المفروض، وما يتطوع المرء به يسمى صدقة» [20].
وجاء في كشاف القناع: «ولا تُعتبر نية الفرض اكتفاء بنية الزكاة؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا» [21].
وقيل: نية الزكاة وحدها لا تجزئ، وهو وجه ضعيف عند الشافعية: حكاه إمام الحرمين، والمتولي وآخرون من الخرسانيين، قالوا: وهما كالوجهين فيمن نوى صلاة الظهر، ولم يتعرض للفرضية [22].
وضعّف إمام الحرمين وغيره هذا الاستدلال، وفرّقوا بأن الظهر قد تكون نافلة في حق الصبي، وفي حق من أعاد الصلاة، وأما الزكاة فلا تكون إلا فرضًا، فلا وجه لاشتراط نية الفريضة مع نية الزكاة [23].
فهذه تجزئه بلا خلاف؛ لتعين المال للزكاة بقرينة الفرضية مع إضافة الصدقة إلى المال [24].
قال النووي: «وهذه الصور كلها تجزئه بلا خلاف» [25]؛ لأنه إذا ذكر لفظ الزكاة أو لفظ الصدقة مع وصف الفرضية تعيّن المال المخرَج للزكاة، فصدقة التطوع لا توصف بالفرضية، والكفارات لا تسمى زكاة، وقرينة الفرضية مع إضافة الصدقة إلى المال تعيّن المراد.
ذكر الشافعية أنها لا تكفي أن ينوي: هذا فرض مالي؛ لصدقه على النذر والكفارة وغيرهما، ولا عبرة بالقرائن الخارجية [26].
فإن قيل: هذا ظاهر إن كان عليه شيء من ذلك غير الزكاة.
بأن القرائن الخارجية لا تخصص النية، فلا عبرة بكون غير الزكاة واجبًا عليه أو غير واجب؛ لأن منويه يصدق على الزكاة وغيرها [27].
فقيل: لا يجزئ، فلا بد من تقييدها بالفرضية؛ وهو أصح الوجهين عند الشافعية؛ واختاره جماعة من الحنابلة؛ واستوجهه ابن مفلح في الفروع [28].
قال ابن مفلح: «صرف المال إلى الفقير له جهات، فلا تتعين الزكاة إلا بتعيين، وظاهره: لا تكفي نية الصدقة الواجبة أو صدقة المال، وهو ظاهر ما جزم به جماعة من أنه ينوي الزكاة، وهذا متجه» [29]؛ لأن الصدقة منها ما هو مستحب، ومنها ما هو واجب، فلا تتعين الزكاة بهذه النية.
وقيل: تجزئه، وهو وجه في مذهب الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة [30].
جاء في التهذيب: «ولو قال: صدقة مالي… لم يجز؛ لأن الصدقة قد تكون نفلًا…. وقيل: لو نوى صدقة المال، أو صدقة مالي جاز» [31].
لظهور عبارة «صدقة المال» في الزكاة؛ إذ عُهد إطلاق الصدقة في القرآن على الزكاة. قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ [التوبة: 103] وقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: 60].
ولأن إضافة الصدقة إلى المال يجعلها متعيّنة في الصدقة المفروضة؛ لأنه ليس في صدقة المال غير الزكاة، ولذلك قال الشافعية: لو نوى الصدقة فقط فإنه لا يجزئه على المذهب. قال النووي في المجموع: وبه قطع الجمهور [32].
أن الصدقة تطلق على غير المال، كقوله ﷺ (وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة).
قال الشيرازي في المهذب: «فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه؛ لأن الصدقة قد تكون نفلًا فلا تنصرف إلى الفرض إلا بالتعيين» [33].
وقيل: تجزئ، حكاه الرافعي وجهًا في المذهب، وضعفه النووي.
قال النووي: «ولو نوى الصدقة فقط لم تجزئه على المذهب، وبه قطع المصنف وإمام الحرمين والبغوي والجمهور. وحكى الرافعي فيه وجهًا أنه يجزئه وهو ضعيف؛ لأن الصدقة تكون فرضًا وتكون نفلًا، فلا يجزئه» [34].
إذا دفع المال بنية صدقة التطوع، ثم نوى الزكاة، فإن كان المال بيد وكيله، ثم نوى الزكاة قبل أن يفرقه الوكيل، صح ذلك قولًا واحدًا.
وإن كان ذلك بعد دفع المال إلى الفقير:
إذا نوى أداء الزكاة وجعل يتصدق إلى آخر السنة، ولا تحضره النية، لم يجزئه؛ لعدم اقتران النية بالعزل.
ولو أخرج دراهم فصرَّها أو عزلها بنية الزكاة، فجعل يتصدق منها، ولا تحضره النية، أجزأته.
والفرق: أن تعيين المال للزكاة بالنية شرط، ولم يوجد إذا فرق الدفعات أو فرق المال من غير نية. وليس كذلك إذا جمعها في صرة؛ لأنه عينها لهذه الجهة وأعدها لها، وإحضار النية مع كل جزء ليس بشرط، فمتى صرفه في الجهة التي أعدّه لها وقع عما قصده [37].
واختلف النقل عن محمد بن الحسن.
فجاء في عيون المسائل للسمرقندي: «قال هشام: سألت محمدًا عن رجل قال: ما تصدقت به إلى آخر السنة فقد نويت به من الزكاة، وجعل يتصدق ولا تحضره النية. قال: أرجو أن يجوز هذا» [38]. ومثله في المجرد عن محمد [39].
وهذا مخالف لما نقله الكاساني في بدائع الصنائع، قال: «والصحيح أن النية تعتبر في أحد الوقتين: إما عند الدفع، وإما عند التمييز. هكذا روى هشام عن محمد في رجل نوى أن ما يتصدق به إلى آخر السنة فهو عن زكاة ماله، فجعل يتصدق إلى آخر السنة ولا تحضره النية. قال: لا تجزئه. وإن ميز زكاة ماله فصَرَّها في كمه، وقال: هذه من الزكاة، فجعل يتصدق، ولا تحضره النية. قال: أرجو أن تجزئه عن الزكاة؛ لأن في الأول لم توجد النية في الوقتين وفي الثاني وجد في أحدهما، وهو وقت التمييز، وإنما لم تشترط في وقت الدفع عينًا؛ لأن دفع الزكاة قد يقع دفعة واحدة وقد يقع متفرقًا، وفي اشتراط النية عند كل دفع إذا فُرِّق المال حرج، والحرج مدفوع، والله أعلم» [40].
فما نقله الكاساني معارض لما نقله السمرقندي في عيون المسائل، فينبغي حمله على اختلاف الرواية، أو الخطأ في النقل، والله أعلم.
هذه بعض الصور، وهذه نماذج من الصور، ويُلحق بها ما يماثلها مما لم يُذكر.

