موقع الشيخ دبيان الدبيان

من شروط الزكاة: النية[جديد]

📌 المدخل إلى المسألة:

أولاً: الأمور بمقاصدها.
ثانياً: لا خلاف بين الفقهاء -في الجملة- في افتقار العبادات المحضة التي لا تتميز إلا بالقصد إلى النية.
ثالثاً: حديث: (إنما الأعمال بـالنيات)، هو في قوة قولك: لا عمل إلا بـنية.
رابعاً: الحصر لا يتوجه إلى نفي الوجود الحسّي؛ لأن العمل قد يوجد ظاهرًا، ولو لم توجد النية، فحُمل الحصر على نفي الصحة أو الإجزاء بحسب المقام.
خامساً: العبادات من حيث افتقارها إلى النية ثلاثة أقسام:

• ما هو متمحض للعبادة كـالصلاة والصوم وهذا لا خلاف في افتقاره إلى النية.

• ما هو متمحض لغير العبادة: كـالديون، فلا يفتقر دفعها إلى النية.

• ما هو مركب منهما كـالزكاة والطهارة، فالأصح أن النية فيهما شرط.
سادساً: النيابة تجري في العبادات المالية دون البدنية المحضة؛ لهذا جاز على قول توكيل الكافر في تفريق الزكاة اكتفاء بنية الموكل.
سابعاً: الحكمة من اشتراط النية للعبادة:

• تمييز العبادة عن العادة.

• تمييز مراتب بعض العبادات بعضها من بعض.
ثامناً: كل فعل يقع عبادة ويقع عادة، أو يقع فريضة ويقع نافلة ولا يتميز الشرعي عن العادة إلا بالقصد يفتقر إلى النية.
تاسعاً: أمثلة توضيحية:

الغسل يقع تبردًا ونظافة ويقع عبادة.

الإمساك عن الأكل يكون صومًا شرعيًا، أو حمية، ويكون لعدم الرغبة في الأكل.

الجلوس في المسجد يكون لانتظار الصلاة ويكون اعتكافًا.

دفع المال إلى غيره يكون صدقة ويكون زكاة، ولا تمييز بين كل ذلك إلا بـالنية.
[مسألة] حكم النية في الزكاة:

اتفقَ الأئمةُ الأربعةُ على أن النيةَ شرطٌ لصحةِ أداءِ الزكاةِ، فلو دفعَ مالَهُ للفقيرِ ولم ينوِ به الزكاةَ، ثم أرادَ بعد الدفعِ أن يحتسبَهُ من الزكاةِ لم يجزئْهُ عند الجمهورِ، وهو مذهبُ الظاهريةِ [1].
واختلف القائلون بأن النية شرط في علة اشتراط النية للزكاة: أهو للتعبد أم للتمييز؟

💡 فقيل:
للتعبد، وهو قول الجمهور وأحد الوجهين في مذهب الشافعية.
💡 وقيل:
للتمييز بين الفرض والنفل، وهو وجه في مذهب الشافعية [2].
وفُرِّعَ على هذا الاختلافِ: ما لو دفعَ المالَ إلى الإمامِ ولم ينوِ، هل يجزئُه؟
فعلى القولِ بأنَّ العلةَ هي التمييزُ، أجزأه الدفعُ؛ لأنَّ الإمامَ إنما يأخذُ الزكاةَ.
ولا يمتنعُ أن يكونَ الاشتراطُ معللًا بالتعبدِ والتمييزِ معًا.
💡 وقولنا: (شرط لصحة الزكاة)
جاء احترازًا من شرط الوجوب، فمن الشروط ما هو شرطٌ للصحة، ومنها ما هو شرطٌ للوجوب.
وقال الأوزاعي: لا تشترط النية، فلو دفعها بلا نية أجزأه.ونسبه القرافي في الذخيرة وغيره إلى بعض فقهاء المالكية [3].
وقال القاضي أبو الحسن (المعروف بابن القصار): لا يحتاج الإمام إلى نية؛ لأن فعله يقوم مقام النية [4].
وقال النووي: «لا يصح أداء الزكاة إلا بالنية في الجملة، وهذا لا خلاف فيه عندنا، وإنما الخلاف في صفة النية وتفريعها. وبوجوبها قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وأبو ثور، وداود، وجماهير العلماء. وشذ عنهم الأوزاعي، فقال: لا تجب، ويصح أداؤها بلا نية …» [5].
وقال ابن قدامة: «مذهب عامة الفقهاء: أن النية شرط في أداء الزكاة إلا ما حكي عن الأوزاعي» [6].
أدلة القائلين بأن النية شرط:

الدليل الأول:

قال تعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

وجه الاستدلال:

أمرنا الله بعبادته مخلصين له الدين، وبيَّن أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من الدين القيِّم، والأمر بالإخلاص يتضمن الأمر بالنية.
وقال الماوردي: «فجعل الإخلاص: وهو النية شرطًا في صحة العبادة» [7].
وقال أيضًا: «والإخلاص في كلامهم: النية» [8].
وقال ابن حزم: «فصح أنهم لم يؤمروا بشيء في الدين إلا بعبادة الله تعالى والإخلاص له فيها بأنها دينه الذي أمر به» [9].
يؤيد هذا الاستدلال قوله ﷺ: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله: أي كانت هجرته هجرة مقبولة عند الله تعالى وثوابها عليه، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكِحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
فاستدلوا بذلك على ارتباط النية بالإخلاص.

⚠️ واعترض:
بأنه لا يلزم من إخلاص الفعل نية الزكاة، فالإخلاص يتعلق بالباعث على الفعل، وهو الامتثال لأمر الله سبحانه (رغبة وخوفًا)، فلو دفع الغني للفقير مخلصًا لم يُبين الإخلاص نوع العبادة (زكاة أم صدقة تطوع)، كما أنه قد ينوي الزكاة ولا يكون مخلصًا، مما يدل على تغاير المعنيين.
• قال الجصاص: «الإخلاص ضد الإشراك وليس له تعلق بالنية، لا في وجودها، ولا في فقدها، فلا يصح الاستدلال به في إيجاب النية؛ لأنه متى اعتقد الإيمان فقد حصل له الإخلاص في العبادة، ونفي الإشراك فيها» [10].
• ولأنه لو كان الإخلاص من النية، للزم أن يكون كل من لم ينو، فهو مشرك [11].

الدليل الثاني:

(ح-) روى البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على المنبر، قال سمعت رسول الله ﷺ، يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى… الحديث [12].

وجه الاستدلال بالحديث من وجهين:

الوجه الأول:

قوله: (إنما الأعمال بالنيات) فالحصر بـ(إنما) في قوة قولك: لا عمل إلا بنية، والحصر يفيد إثبات المذكور ونفي ما سواه، وإذا كان النفي لا يمكن أن يكون متوجهًا إلى الوجود؛ لأن الأعمال قد توجد بلا نية، صار النفي متوجهًا إلى الصحة، أي: لا عمل صحيح إلا بنية، كقولك: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) [13].
فدل حديث عمر بن الخطاب على نفي الإجزاء بعمل لا نية له، والمقصود بالعمل ليس عموم العمل، بل المراد به العبادات التي لا يتميز وصفها الشرعي إلا بالنية؛ لأن سداد الديون لا يفتقر إلى نية.

الوجه الثاني:

إن قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) مفهومه: أن ما لم ينوه ليس له، فصحة الزكاة والصلاة وسائر العبادات إنما تكون بالنية.

الدليل الثالث:

ما حكي من الإجماع، فقد حكاه بعض الحنفية، جاء في شرح مختصر الطحاوي للجصاص: «وإنما لم تجز الزكاة إلا بنية؛ لأنها فرض مقصود بعينه، كالصلاة والصيام، ولا نعلم مع ذلك فيه خلافًا بين الفقهاء» [14].

⚠️ واعترض:
بأن الخلاف محفوظ، فقد خالف فيه الأوزاعي، وبعض المالكية، وإن كان اشتراط النية هو قول عامة الفقهاء.
قال ابن مفلح في الفروع: «والنية شرط في إخراج الزكاة [و]» [15]، والواو رمز لوفاق الأئمة الثلاثة، ولو كانت المسألة إجماعًا لرمز لها بحرف العين.

الدليل الرابع:

أن النية لا بد منها في العبادات؛ لتمييزها عن العادات، وتمييز الفريضة عن النافلة، وصرف المال إلى الفقراء له جهات مختلفة: (من زكاة، وكفارة، ونذر، وصدقة تطوع)، فاعتبرت نية التمييز، فالعبادات التي تتميز بنفسها، ولا تلتبس بغيرها، فعلها لا يفتقر إلى نية، كالأذكار وقراءة القرآن من حيث أصل الفعل؛ أما قصد القربة والثواب فله حكم آخر.

الدليل الخامس:

النية في الزكاة من قبيل المأمور به، والأصل أن المأمور به لا تحصل مصلحته إلا بفعله، فلا يسقط طلبه بمجرد النسيان قياسًا على من صلى بلا طهارة ناسيًا، فلا يكون النسيان عذرًا في تركها؛ لفوات المصلحة بتركها، بخلاف ترك المحظور.

أدلة القائلين بعدم اشتراط النية للزكاة ومناقشتها:

الدليل الأول:

الزكاة تجري فيها النيابة في الجملة؛ لأنها عبادة مالية لا تتعلق بالبدن، ويجوز توكيل الكافر في تفريق الزكاة عند الجمهور، وهو وجه في مذهب الحنابلة؛ لأنها مجرد إعانة واستخدام، ولو كانت نية القلب متعينة لوجب على المكلف بها مباشرتها.
واشترط الشافعية: تعيين المدفوع إليه حتى لا تكون له ولاية الإعطاء والمنع لمن شاء [16].

ورد هذا:

بأن الحنابلة لا يرون صحة توكيل الكافر، وإذا كانت المسألة خلافية فلا يصح الاحتجاج بمجرد القول [17].
ولو سلمنا صحة توكيل الكافر؛ فإن نية الموكل كافية، فإذا نوى المالك عند الدفع إلى الوكيل، أو قبل صرف الوكيل إلى المستحق، كفت نيته.

⚠️ الاعتراض عن الرد:
الولي يدفع الزكاة عن المحجور عليه (المجنون والصبي غير المميز)، وهما لا نية لهما.
⚠️ تنفيد الاعتراض:
هذا الاعتراض مبني على مسألة خلافية وهي وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون، وعلى القول بالوجوب وهو الصحيح فالولي يستمد ولايته من الشرع، وتقوم نيته مقام نية المحجور عليه، بخلاف الوكيل الذي يفتقر لإذن الموكل ونيته.

الدليل الثاني:

متى وجبت الزكاة صارت دينًا في الذمة، والديون لا تفتقر إلى نية في الأداء كسائر الديون.

ورد هذا:

هناك فرق بين دين الآدمي ودين الزكاة، فدين الزكاة عبادة، ومستحقها غير معين ابتداءً، فلا يملك إسقاطها، بخلاف دين الآدمي، فإنه ليس عبادة، ويسقط بإسقاط مستحقه.

الدليل الثالث:

للإمام أن يأخذها من الممتنع قهرًا وتبرأ بها ذمته، والمُكره لا نية له، فلو كانت النية واجبة لما أجزأت.

ونوقش هذا
بأن العلماء مختلفون في إجبار الممتنع على دفعها كرهًا، والقائلون بأخذها منه كرهًا مختلفون فيما بينهم: هل تجزئه ظاهرًا وباطنًا، أو تجزئه ظاهرًا فقط، ولا تجزئه عند الله سبحانه وتعالى، ومثل هذه المسألة لا تنهض اعتراضًا على القائلين بوجوب النية. وسيأتي بحث هذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
الراجح:

أن النية شرط لصحة الزكاة، والله أعلم.

في صفة النية في إخراج الزكاة

📌 المدخل إلى المسألة:

أولاً: النية هنا: قصد القلب إلى إخراج المال زكاةً واجبةً، وليس عليه النطق بلسانه.
ثانياً: لا يكفي التلفظ بالنية باللسان دون القلب على الأصح إلا وجهًا ضعيفًا عند الشافعية، فلو اختلف اللسان والقلب فالعبرة بما في القلب.
ثالثاً: لم يُنقل عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه التلفظ بالنية، والأصل في العبادات التوقيف.
رابعاً: النية مشروعة في العبادة؛ لتمييز العبادات عن العادات، وتمييز الفريضة عن النافلة.
خامساً: إذا نوى الزكاة أجزأته عن نية الفرضية؛ لأن نية الأخص تغني عن نية الأعم.
سادساً: إذا نوى الصدقة المفروضة، أو فرض صدقة مالي أجزأه ذلك في الجملة؛ لتعين المال للزكاة بقرينة الفرضية مع إضافة الصدقة إلى المال.
سابعاً: إذا نوى فرض مالي من غير لفظ الصدقة لم تجزئ عند الشافعية؛ لصدقه على النذر والكفارة وغيرهما، لأن ذلك لم يتمحض للزكاة، ولا عبرة بالقرائن الخارجية.
[مسألة] صور النية وتفصيلاتها (خاصة عند الشافعية والحنابلة):

أولاً: صفة النية: أن يقصد بقلبه أن المال المخرج هو الزكاة الواجبة بحيث تتمحض النية للزكاة ولا تحتمل غيرها. ولها صور، وأكثر الفقهاء تفصيلًا لهذه الصور الشافعية، ويليهم الحنابلة، وتكاد تكون هذه التفاصيل غائبة في مصادر مذهب الحنفية والمالكية.

ثانياً: الصورة الأولى: إذا تلفظ بالنية بلسانه دون قلبه أو العكس. النية: أن يقصد بقلبه ما يريده بفعله، وليس عليه النطق بلسانه، فلو اختلف اللسان والقلب فالعبرة بما في القلب. فلو نوى بقلبه من إخراج المال الزكاة دون لسانه أجزأه بلا خلاف. وإن لفظ بلسانه ولم ينوِ بقلبه، ففيه قولان في مذهب الشافعية، الراجح أنه لا يجزئه وجهًا واحدًا عند الكثيرين (كالعراقيين والخراسانيين)، وفيه وجه ضعيف بالاكتفاء باللسان [18]. والراجح: أن التلفظ وحده دون القلب لا يجزئ، وأن العبرة بنية القلب.

ثالثاً: الصورة الثانية: نية الزكاة فحسب. إذا نوى الزكاة أجزأه ذلك، ولو لم يتعرض للفرضية؛ لأن الزكاة لا تكون إلا فرضًا [19].
ولأن نية الزكاة أخص من نية الفرض، فالفرض يصدق على الزكاة ويصدق على غيرها من الفروض المالية كالنذر والكفارة، والتعرض للأخص يغني عن الأعم.
قال إمام الحرمين: «من العبادات ما لا يشترط فيه التعرض للفرضيّة وجهًا واحدًا، كالزكاة، فإذا نواها من لزمته ولم يتعرض للفرضيّة في النية أجزأته؛ فإن اسم الزكاة لا يطلق إلا على المفروض، وما يتطوع المرء به يسمى صدقة» [20].
وجاء في كشاف القناع: «ولا تُعتبر نية الفرض اكتفاء بنية الزكاة؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا» [21].
وقيل: نية الزكاة وحدها لا تجزئ، وهو وجه ضعيف عند الشافعية: حكاه إمام الحرمين، والمتولي وآخرون من الخرسانيين، قالوا: وهما كالوجهين فيمن نوى صلاة الظهر، ولم يتعرض للفرضية [22].
وضعّف إمام الحرمين وغيره هذا الاستدلال، وفرّقوا بأن الظهر قد تكون نافلة في حق الصبي، وفي حق من أعاد الصلاة، وأما الزكاة فلا تكون إلا فرضًا، فلا وجه لاشتراط نية الفريضة مع نية الزكاة [23].

ثالثاً: الصورة الثالثة: أن ينوي بقلبه (فرض زكاة مالي)، أو (فرض صدقة مالي)، أو (زكاة مالي)، أو (الصدقة المفروضة).
فهذه تجزئه بلا خلاف؛ لتعين المال للزكاة بقرينة الفرضية مع إضافة الصدقة إلى المال [24].
قال النووي: «وهذه الصور كلها تجزئه بلا خلاف» [25]؛ لأنه إذا ذكر لفظ الزكاة أو لفظ الصدقة مع وصف الفرضية تعيّن المال المخرَج للزكاة، فصدقة التطوع لا توصف بالفرضية، والكفارات لا تسمى زكاة، وقرينة الفرضية مع إضافة الصدقة إلى المال تعيّن المراد.

رابعاً: الصورة الرابعة: نية (فرض مالي) دون لفظ الصدقة.
ذكر الشافعية أنها لا تكفي أن ينوي: هذا فرض مالي؛ لصدقه على النذر والكفارة وغيرهما، ولا عبرة بالقرائن الخارجية [26].
فإن قيل: هذا ظاهر إن كان عليه شيء من ذلك غير الزكاة.
💡 أُجيب:
بأن القرائن الخارجية لا تخصص النية، فلا عبرة بكون غير الزكاة واجبًا عليه أو غير واجب؛ لأن منويه يصدق على الزكاة وغيرها [27].
الصورة الخامسة: نية (صدقة مالي) أو (صدقة المال)، ولم يتعرض للفرضية.

ففيها وجهان في مذهب الشافعية:

فقيل: لا يجزئ، فلا بد من تقييدها بالفرضية؛ وهو أصح الوجهين عند الشافعية؛ واختاره جماعة من الحنابلة؛ واستوجهه ابن مفلح في الفروع [28].
قال ابن مفلح: «صرف المال إلى الفقير له جهات، فلا تتعين الزكاة إلا بتعيين، وظاهره: لا تكفي نية الصدقة الواجبة أو صدقة المال، وهو ظاهر ما جزم به جماعة من أنه ينوي الزكاة، وهذا متجه» [29]؛ لأن الصدقة منها ما هو مستحب، ومنها ما هو واجب، فلا تتعين الزكاة بهذه النية.
وقيل: تجزئه، وهو وجه في مذهب الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة [30].
جاء في التهذيب: «ولو قال: صدقة مالي… لم يجز؛ لأن الصدقة قد تكون نفلًا…. وقيل: لو نوى صدقة المال، أو صدقة مالي جاز» [31].
لظهور عبارة «صدقة المال» في الزكاة؛ إذ عُهد إطلاق الصدقة في القرآن على الزكاة. قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ [التوبة: 103] وقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: 60].
ولأن إضافة الصدقة إلى المال يجعلها متعيّنة في الصدقة المفروضة؛ لأنه ليس في صدقة المال غير الزكاة، ولذلك قال الشافعية: لو نوى الصدقة فقط فإنه لا يجزئه على المذهب. قال النووي في المجموع: وبه قطع الجمهور [32].

💡 والفرق بين المسألتين:
أن الصدقة تطلق على غير المال، كقوله ﷺ (وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة).

الصورة السادسة: لو نوى صدقة وأطلق لم تجزه.

قال الشيرازي في المهذب: «فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه؛ لأن الصدقة قد تكون نفلًا فلا تنصرف إلى الفرض إلا بالتعيين» [33].

وقيل: تجزئ، حكاه الرافعي وجهًا في المذهب، وضعفه النووي.

قال النووي: «ولو نوى الصدقة فقط لم تجزئه على المذهب، وبه قطع المصنف وإمام الحرمين والبغوي والجمهور. وحكى الرافعي فيه وجهًا أنه يجزئه وهو ضعيف؛ لأن الصدقة تكون فرضًا وتكون نفلًا، فلا يجزئه» [34].

الصورة السابعة: تبديل النية.

إذا دفع المال بنية صدقة التطوع، ثم نوى الزكاة، فإن كان المال بيد وكيله، ثم نوى الزكاة قبل أن يفرقه الوكيل، صح ذلك قولًا واحدًا.

وإن كان ذلك بعد دفع المال إلى الفقير:

  • فالجمهور على عدم الإجزاء؛ لخروج المال عن ملكه [35].
  • وقال الحنفية: تجزئ عن الزكاة بشرط أن يكون المال قائمًا في يد الفقير؛ وفسره ابن عابدين ببقائه في ملكه، لا باليد الحسية [36].

الصورة الثامنة: النية المتقدمة أو المتفرقة.

إذا نوى أداء الزكاة وجعل يتصدق إلى آخر السنة، ولا تحضره النية، لم يجزئه؛ لعدم اقتران النية بالعزل.

ولو أخرج دراهم فصرَّها أو عزلها بنية الزكاة، فجعل يتصدق منها، ولا تحضره النية، أجزأته.

والفرق: أن تعيين المال للزكاة بالنية شرط، ولم يوجد إذا فرق الدفعات أو فرق المال من غير نية. وليس كذلك إذا جمعها في صرة؛ لأنه عينها لهذه الجهة وأعدها لها، وإحضار النية مع كل جزء ليس بشرط، فمتى صرفه في الجهة التي أعدّه لها وقع عما قصده [37].

واختلف النقل عن محمد بن الحسن.

فجاء في عيون المسائل للسمرقندي: «قال هشام: سألت محمدًا عن رجل قال: ما تصدقت به إلى آخر السنة فقد نويت به من الزكاة، وجعل يتصدق ولا تحضره النية. قال: أرجو أن يجوز هذا» [38]. ومثله في المجرد عن محمد [39].

وهذا مخالف لما نقله الكاساني في بدائع الصنائع، قال: «والصحيح أن النية تعتبر في أحد الوقتين: إما عند الدفع، وإما عند التمييز. هكذا روى هشام عن محمد في رجل نوى أن ما يتصدق به إلى آخر السنة فهو عن زكاة ماله، فجعل يتصدق إلى آخر السنة ولا تحضره النية. قال: لا تجزئه. وإن ميز زكاة ماله فصَرَّها في كمه، وقال: هذه من الزكاة، فجعل يتصدق، ولا تحضره النية. قال: أرجو أن تجزئه عن الزكاة؛ لأن في الأول لم توجد النية في الوقتين وفي الثاني وجد في أحدهما، وهو وقت التمييز، وإنما لم تشترط في وقت الدفع عينًا؛ لأن دفع الزكاة قد يقع دفعة واحدة وقد يقع متفرقًا، وفي اشتراط النية عند كل دفع إذا فُرِّق المال حرج، والحرج مدفوع، والله أعلم» [40].

فما نقله الكاساني معارض لما نقله السمرقندي في عيون المسائل، فينبغي حمله على اختلاف الرواية، أو الخطأ في النقل، والله أعلم.

هذه بعض الصور، وهذه نماذج من الصور، ويُلحق بها ما يماثلها مما لم يُذكر.

الحواشي والمراجع
[1] جاء في بدائع الصنائع (٢/ ٤٠): «الزكاة عبادة مقصودة، فلا تتأدى بدون النية، كالصوم والصلاة». وعدَّ الشافعية النية ركنًا في اصطلاحهم، في حين يعبر الجمهور عنها بالشرط. جاء في أسنى المطالب (١/ ٣٥٨): «النية: وهي ركن على قياس ما في الصلاة وغيرها، فقوله: (تشترط) أي تجب كما عبر به الأصل». وقد ذكرنا أدلتهم في كتابنا موسوعة أحكام الصلوات الخمس (٦/ ٢٣٩). وانظر: الفروق للكرابيسي (١/ ٨٠)، المبسوط (٣/ ٣٤)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٢/ ٢٦٨)، تبيين الحقائق (١/ ٢٥٧)، البحر الرائق (٢/ ٢٢٦)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٣٩٠)، مختصر خليل (ص: ٥٩)، شرح الزرقاني على خليل (٢/ ٣٢٣)، شرح الخرشي (٢/ ٢٢٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٠٠)، الأم (٢/ ٢٣-٢٤)، مختصر المزني (١/ ٢٥٠)، المهذب (١/ ٣١١)، المجموع (٦/ ١٨٠)، المقنع (ص: ٩٦)، الإنصاف (٣/ ١٩٥), المبدع (٢/ ٣٩٣).

[2] المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ٢٨٦).

[3] جاء في الذخيرة للقرافي (٣/ ١٣٦): «وقال بعض أصحابنا: لا تفتقر الزكاة إلى النية قياسًا على الديون».

[4] الذخيرة (٣/ ١٣٦)، وانظر: مواهب الجليل (٢/ ٣٥٦)، تحبير المختصر (٢/ ١١٩). القاضي أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد البغدادي المالكي، المعروف بابن القصار، الفقيه الأصولي النظّار، شيخ المالكية. ويُراد بالقاضي في اصطلاح كثير من المالكية: (القاضي أبو الحسن)، وأمّا إذا أطلق لفظ: (القاضيان)، فالمقصود بهما: القاضي ابن القصار والقاضي عبد الوهاب.

[5] المجموع (٦/ ١٨٠). يُذكر أن الشافعية عدّوا النية (ركنًا) في اصطلاحهم، في حين يعبر الجمهور عنها بـ(الشرط).

[6] المغني (٢/ ٤٧٦). وقال الماوردي في الحاوي الكبير (٣/ ١٧٨): «إخراج الزكاة لا يصح إلا بنية، فإن أخرجها بغير نية لم يجزئه، وبه قال جميع العلماء إلا ما حكي عن الأوزاعي: أن إخراجها لا يفتقر إلى نية».

[7] الحاوي الكبير (٣/ ١٧٨).

[8] الحاوي الكبير (٢/ ٩١).

[9] المحلى (٤/ ٢٨٥).

[10] أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٦٤٢).

[11] انظر: شرح مختصر الطحاوي (١/ ٣١١).

[12] صحيح البخاري (1)، واللفظ له، ورواه مسلم (1907).

[13] صحيح البخاري (756)، وصحيح مسلم (394).

[14] شرح مختصر الطحاوي (٢/ ٢٦٨).

[15] الفروع (٢/ ٥٤٧).

[16] جاء في بدائع الصنائع (٢/ ٥): «يصح توكيل الذمي بأداء الزكاة والذمي ليس من أهل العبادة». وجاء في القوانين الفقهية (ص: ٢١٥): «وتجوز الوكالة في كل ما تصح النيابة فيه من الأمور المالية وغيرها والعبادات والقربات إلا العبادة المتعلقة بالأبدان كالصلاة والصيام فلا تصح النيابة فيها وتصح في العبادة المتعلقة بالأموال كالزكاة». ولم يصرح بتوكيل الكافر، إلا أن إطلاق الكلام صحة الوكالة في العبادات التي لا تتعلق بالأبدان يشمله؛ لأنه لم يستثن أحدًا.

[17] جاء في المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٥٧٦): قوله: «الزكاة تجري فيها النيابة، وإن لم يكن النائب من أهلها… ويؤخذ منه جواز توكيل الكافر في تفرقة الزكاة، والأمر كذلك فقد صرح بجوازه القاضي الحسين في (تعليقه)، والبغوي في (التهذيب) والروياني في (الحلية) و(البحر)، والرافعي في كتاب الأضحية في الكلام على توكيل الكافر في ذبحها… ونقله النووي في (شرح المهذب) عن (التهذيب) فقط وأقره. لكن جواز ذلك ليس على إطلاقه، بل شرطه تعيين المدفوع إليه. كذا صرح به الروياني في (الحلية) وهو متعين؛ لأن التوكيل في هذه الحالة مجرد إعانة واستخدام بخلاف ما إذا لم يعين، فإن فيه ولاية الإعطاء لمن شاء والمنع لمن شاء فيمتنع». اهـ كلامه. وانظر: مغني المحتاج (٢/ ١٢٩)، تحفة المحتاج (٣/ ٣٤٤)، الفروع (٤/ ٢٥٣)، الإنصاف (٣/ ١٩٧)، مطالب أولي النهى (٢/ ١٢٤).

[18] قال النووي في المجموع (٦/ ١٨٠): «قال أصحابنا: فإن نوى بقلبه دون لفظ لسانه أجزأه بلا خلاف، وإن لفظ بلسانه، ولم ينوِ بقلبه، ففيه طريقان: أحدهما: لا يجزئه وجهًا واحدًا، وبه قطع العراقيون والسرخسي وغيره من الخراسانيين. والطريق الثاني فيه وجهان: أحدهما: يكفيه اللفظ باللسان دون نية القلب. والثاني: لا يكفيه، ويتعين القلب، وهذا الطريق مشهور في كتب الخراسانيين، ذكره الصيدلاني، والفوراني، وإمام الحرمين، والغزالي، والبغوي، وآخرون. قال الرافعي: وهو الأشهر…. واتفق القائلون بهذا الطريق على أن الأصح اشتراط نية القلب، وممن قال بالاكتفاء باللسان: القفال، ونقله الصيدلاني وإمام الحرمين والغزالي قولًا للشافعي، وأشار القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد إلى هذا، فقال: قال الشافعي في الأم: سواء نوى في نفسه أو تكلم، فإنما أعطى فرض مال، فأقام اللسان مقام النية كما أقام أخذ الإمام مقام النية».

[19] المهذب (١/ ٣١٢)، المجموع (٦/ ١٧٩)، الفروع (٤/ ٢٤٩)، الإقناع (١/ ٢٨٤)، غاية المنتهى (١/ ٣٢٨).

[20] نهاية المطلب (٢/ ١١٨).

[21] كشاف القناع (٥/ ٨٨).

[22] انظر: روضة الطالبين (٢/ ٢٠٧). وقد اختلف الفقهاء في الرجل ينوي الظهر، ولم ينو كونها فريضة: فقيل: يشترط أن ينوي الظهر فرضًا، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، والأصح عند الشافعية، واختاره ابن حامد من الحنابلة وابن مفلح في الفروع. وقيل: لا تشترط نية الفرضية، وهو الأصح عند الحنفية، ومذهب المالكية والحنابلة، ووجه مرجوح عند الشافعية. انظر: فتح القدير (١/ ٢٦٧)، البحر الرائق (١/ ٢٩٥)، المبسوط (١/ ١٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٦٧، ٢٦٨)، الجوهرة النيرة (١/ ٤٨)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٢٥)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٤)، وحاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٦٦)، ومنح الجليل (١/ ٢٤٤)، فتح العزيز (٣/ ٢٦١)، نهاية المحتاج (١/ ٤٥١)، تحفة المحتاج (٢/ ٨)، المغني (١/ ٣٣٦)، الفروع (٢/ ١٣٥)، المحرر (١/ ٥٢)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٥٣٩).

[23] المجموع (٦/ ١٨١).

[24] المهذب (١/ ٣١٢)، التهذيب في فقه الشافعي (٣/ ٦٣)، مغني المحتاج (٢/ ١٣٠)، الإنصاف (٣/ ١٩٤)، المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح (١/ ٥٣٠).

[25] المجموع (٦/ ١٨١).

[26] فتح العزيز (٥/ ٥٢٣)، منهاج الطالبين (ص: ٧٢)، مغني المحتاج (٢/ ١٣٠)، نهاية المحتاج (٣/ ١٣٧).

[27] انظر: تحفة المحتاج (٣/ ٣٤٦).

[28] المجموع (٦/ ١٨١)، روضة الطالبين (٢/ ٢٠٦)، منهاج الطالبين (ص: ٧٢)، المهمات للإسنوي (٣/ ٥٧٧).

[29] الفروع (٤/ ٢٥٠).

[30] البيان في مذهب الإمام الشافعي (٣/ ٤٠٠)، الفروع (٤/ ٢٤٩)، المبدع (٢/ ٣٩٣)، التنقيح المشبع (ص: ١٥٥)، الإنصاف (٣/ ١٩٤).

[31] التهذيب للبغوي (٣/ ٦٣).

[32] مغني المحتاج (٢/ ١٣٠)، والحديث رواه مسلم من حديث أبي ذر (٥٣-١٠٠٦).

[33] المهذب (١/ ٣١٢).

[34] المجموع (٦/ ١٨١).

[35] الأم (٢/ ٢٤)، فتح العزيز (٥/ ٥٢٧).

[36] تبيين الحقائق (١/ ٢٥٨)، الفتاوى الهندية (١/ ١٧١)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٢٦٨)، البحر الرائق (٢/ ٢٢٦)، مراقي الفلاح (ص: ٢٧١)، مجمع الأنهر (١/ ١٩٦).

[37] انظر: الفروق للكرابيسي (١/ ٨٠).

[38] عيون المسائل (ص: ٤١).

[39] انظر: البناية شرح الهداية (٣/ ٣١٢).

[40] بدائع الصنائع (٢/ ٤١).

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*