موقع الشيخ دبيان الدبيان

هل يستحب الغسل يوم عرفة؟

📌 مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:

الأصل عدم استحباب الغسل ليوم عرفة، وقد بين النبي ﷺ أحكام المناسك ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اغتسل لعرفة.
ترك النبي ﷺ لشيء مع إمكان فعله تشريع للأمة كفعله الشيء، فالترك والفعل كلاهما سنة.
الغسل لعرفة ليس بدعة، وقد ثبت عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وهو إمام راشد، وله سنة متبعة.
غسل الجمعة معقول المعنى، وهو أنه شرع من أجل اجتماع الناس وهذا المعنى موجود في عرفة، بل إن اجتماع الناس في عرفة، أكبر منه في الجمعة، والله أعلم، فكان القياس يقتضيه.

استحب الفقهاء الغسل يوم عرفة.

وهو مذهب الحنفيّةِ، والمالكيّةِ، والشافعيّةِ، والحنابلةِ[1].

وقيل: لا يستحب الغسل ليوم عرفة.

وهو اختيار ابن تيمية -رحمه الله-[2].

دليل من قال: يستحب الغسل:
الدليل الأول:

ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، من طريق يوسف بن خالد، قال حدثنا أبو جعفر الخطمي، عن عبدالرحمن بن عقبة بن الفاكه، عن جده الفاكه بن سعد وكانت له صحبة، أن رسول الله ﷺ «كان يغتسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر» قال: «وكان الفاكه ابن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام»[3].
[موضوع][4].

الدليل الثاني:

ما رواه مالك، عن نافع، «أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة»[5].
[صحيح].

الدليل الثالث:

ما رواه الشافعي، قال: أخبرنا ابن علية، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن زاذان، قال: سأل رجل عليًّا -رضي الله عنه- عن الغسل؟ فقال: «اغتسل كل يوم إن شئت»، فقال: الغسل الذي هو الغسل؟ قال: «يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر»[6].
[صحيح].

دليل من قال: لا يستحب الغسل:

إذا ثبت هذا القول، فإنه يمكن أن يستدل له، بأن النسك قد تولى رسول الله ﷺ بيانه للأمة، مناديًا: «خذوا عني مناسككم» ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اغتسل لعرفة، ولو اغتسل لحفظه الصحابة -رضي الله عنهم-، وترك النبي ﷺ لشيء مع إمكان فعله تشريع للأمة كفعله الشيء، فالترك والفعل كلاهما سنة، فلا يستحب الاغتسال لعرفة من أجل عرفة، أما لو اغتسل لوجود سبب يقتضي ذلك كوجود روائح كريهة في بدنه، فهذا لا مانع منه، فهو سبب آخر لا علاقة له بعرفة.

والراجح:
استحباب الغسل لعرفة، خاصة أنه ثبت عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وهو خليفة راشد، وثبت عن ابن عمر وهو صحابي جليل، فهذا كاف في الاستدلال على مشروعية الاغتسال، وخاصة أن الثابت عن علي -رضي الله عنه- ليس مجرد الفعل الذي قد يدخله احتمال أن يكون هناك سبب يقتضي الغسل من درن ونحوه، وإنما هو نص قولي يذكر فيه الأغسال المستحبة، فذكر منها يوم عرفة.
الحواشي والمراجع
[1] «بدائع الصنائع» (1/35)، و«تبيين الحقائق» (1/18)، و«فتح القدير» (1/65)، و«البحر الرائق» (1/66)، و«الفتاوى الهندية» (1/16)، و«كفاية الطالب» (1/676)، و«شرح الزرقاني» (2/474)، و«مواهب الجليل» (3/104)، و«الثمر الداني شرح رسالة القيرواني» (ص: 371)، و«الأم» (2/146)، و«المجموع» (2/234)، و«مغني المحتاج» (1/479)، و«إعانة الطالبين» (2/308)، و«الفروع» (1/203)، و«كشاف القناع» (1/151)، و«مطالب أولي النهى» (1/177).
[2] قال في كتاب «الإنصاف» (1/250):
«واختار الشيخ تقي الدين: عدم استحباب الغسل للوقوف بعرفة»…. هكذا جاء في كتاب «الإنصاف»، والموجود في كتاب «مجموع الفتاوى» (26/132): «والاغتسال لعرفة قد روي فيه حديث عن النبي ﷺ، وروي عن ابن عمر وغيره، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال: غسل الإحرام، والغسل عند دخول مكة، والغسل يوم عرفة، وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار، وللطواف والمبيت بمزدلفة فلا أصل له عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه، ولا استحبه جمهور الأئمة: لا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد، وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه …. إلخ كلامه رحمه الله». فهذا الكلام يشعر بأن ابن تيمية يرى استحباب الغسل لعرفة، وأنه منسوب إلى الصحابة -رضي الله عنهم-، وأن البدعة هي في الاغتسال لغير عرفة: كرمي الجمار والمبيت بمزدلفة، والله أعلم. كما أن ابن مفلح -رحمه الله-، وهو من تلاميذ ابن تيمية -رحمه الله-، ذكره في «الفروع» (1/203): غسل عرفة وطواف زيارة ووداع ومبيت بمزدلفة ورمي جمار، ثم قال: «وخالف شيخنا -يعني ابن تيمية– في الثلاثة» يعني في الأخيرة منها: وهي الاغتسال لرمي الجمار والمبيت والطواف. وهذا يعني أنه يرى مشروعيته لعرفة، والله أعلم.
[3] «المسند» (4/78).
[4] سبق تخريجه.
[5] «الموطأ» (1/322).
[6] سبق تخريجه.

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*