📌 المدخلُ إلى المسألةِ:
من جحدَ وجوبَ الصلاةِ:
فهو مرتدٌّ وإن صلى؛ لإنكارِهِ ما هو معلومٌ من الدينِ بالضرورةِ، وهذا باتفاقِ المسلمينَ إلا أن يكونَ مثلُهُ يجهلُ، كحديثِ عهدٍ بإسلامٍ، أو نشأَ بباديةٍ بعيدةٍ من المسلمينَ فيُعَرَّفُ، فإن أصرَّ كفرَ [1].
قال ابنُ رشدٍ الجدُّ:
«من جحدَ فرضَ الصلاةِ فهو كافرٌ بإجماعٍ» [2].
وقال ابنُ جُزَيٍّ:
«إن جحدَ وجوبَها فهو كافرٌ بإجماعٍ» [3].
وحكاهُ من الشافعيةِ الماورديُّ في «الحاوي»، والنوويُّ في «المجموعِ» وابنُ قدامةَ في «المغني»، وغيرُهم [4].
وأما إذا تركَها تهاوناً وكسلاً:
وهذا مذهبُ المالكيةِ، والشافعيةِ، وروايةٌ عن أحمدَ [5].
ونسبَ المازريُّ القولَ بعدمِ تكفيرِهِ إلى الجمهورِ [6].
وهذا مذهبُ الحنفيةِ [7].
وبهِ قال جماعةٌ من السلفِ والخلفِ.
قال المروزيُّ:
«هذا مذهبُ جمهورِ أصحابِ الحديثِ» [8].
وقال ابنُ تيميةَ:
«وهو المشهورُ المأثورُ عن جمهورِ السلفِ من الصحابةِ والتابعينَ» [9].
وقال بهِ من أهلِ الحديثِ:
نافعٌ، وأيوبُ السختيانيُّ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وابنُ المباركِ، وإسحاقُ، وأبو داودَ الطيالسيُّ، وعليُّ بنُ المدينيِّ، وأبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ، وزهيرُ بنُ حربٍ، والإمامُ أحمدُ [10]، حتى قال ابنُ رجبٍ:
«كثيرٌ من علماءِ أهلِ الحديثِ يرى تكفيرَ تاركِ الصلاةِ، وحكاهُ إسحاقُ بنُ راهويهِ إجماعاً منهم، حتى إنهُ جعلَ قولَ من قال: لا يكفرُ بتركِ هذهِ الأركانِ مع الإقرارِ بها من أقوالِ المرجئةِ» [11].
واختارَهُ من الفقهاءِ:
ابنُ حبيبٍ من المالكيةِ [12]، وهو وجهٌ في مذهبِ الشافعيةِ، والمشهورُ عند الحنابلةِ [13].
روى المروزيُّ في كتابِهِ «الصلاةِ»، قال: حدثنا أحمدُ بنُ عبدةَ، قال: سمعتُ يعمرَ بنَ بشرٍ أبا عمرَ، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ المباركِ -رضيَ اللهُ عنهُ-، قال: «من أخَّرَ صلاةً حتى يفوتَ وقتُها متعمداً من غيرِ عذرٍ كفرَ».
وحدثنا أحمدُ بنُ سيارٍ، قال: سمعتُ عليَّ بنَ الحسنِ بنِ شقيقٍ، يقولُ: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ المباركِ يقولُ: «من قال: إني لا أصلي المكتوبةَ اليومَ فهو أكفرُ من الحمارِ» [14].
وقال المروزيُّ أيضاً:
«سمعتُ إسحاقَ يقولُ: قد صحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّ تاركَ الصلاةِ كافرٌ، وكذلك كان رأيُ أهلِ العلمِ من لدنِ النبيِّ ﷺ إلى يومِنا هذا، أنَّ تاركَ الصلاةِ عمداً من غيرِ عذرٍ حتى يذهبَ وقتُها كافرٌ» [15].
وقال الإمامُ أحمدُ: «لا يكفرُ أحدٌ بذنبٍ إلا تاركَ الصلاةِ عمداً» [16].
وسوف نعرضُ لأدلةِ كفرِهِ، وأما أدلةُ قتلِهِ، فلها مبحثٍ مستقلٍّ.
ما رواهُ مالكٌ في «الموطأِ»، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ، عن ابنِ محيريزٍ، أنَّ رجلاً من بني كنانةَ يُدْعَى المخدجيَّ سمعَ رجلاً بالشامِ يُكْنَى أبا محمدٍ، يقولُ: إنَّ الوترَ واجبٌ، فقال المخدجيُّ: فَرُحْتُ إلى عبادةَ بنِ الصامتِ فاعترضتُ لهُ، وهو رائحٌ إلى المسجدِ، فأخبرتُهُ بالذي قال أبو محمدٍ.
فقال عبادةُ:كذبَ أبو محمدٍ، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «خمسُ صلواتٍ كتبَهنَّ اللهُ عزَّ وجلَّ على العبادِ، فمن جاءَ بهنَّ، لم يُضَيِّعْ منهنَّ شيئاً استخفافاً بحقِّهنَّ، كان لهُ عند اللهِ عهدٌ أن يدخلَهُ الجنةَ. ومن لم يَأْتِ بهنَّ، فليس لهُ عند اللهِ عهدٌ، إن شاءَ عذبَهُ، وإن شاءَ أدخلَهُ الجنةَ».
[حسنٌ بمجموعِ طرقِهِ] [17].
أنَّ النبيَّ ﷺ جعلَ تاركَ الصلاةِ تحتَ المشيئةِ، ولو كان كافراً لم يكن كذلك.
بأنَّ التخريجَ للحديثِ قد أبانَ ضعفَ طرقِهِ.
وإنما قد يذهبُ الباحثُ إلى تحسينِهِ بالمجموعِ، ومع ذلك فالحديثُ ليس فيهِ حجةٌ صريحةٌ يُعَارَضُ بها الأحاديثُ الصحيحةُ الصريحةُ، فاللفظُ المجملُ بقولِهِ: «ومن لم يَأْتِ بهنَّ …» قد جاءَ مُفَسَّراً في كثيرٍ من طرقِ الحديثِ، بلفظِ: «… ومن أتى بهنَّ وقد انتقصَ من حقِّهنَّ …».
وقد قال العلماءُ:
طريقةُ الراسخينَ في العلمِ أن يُحْمَلَ اللفظُ المجملُ على الْمُفَسَّرِ، وبهذا حملَهُ المروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ»، وابنُ تيميةَ في «مجموعِ الفتاوى»، وغيرُهما من أهلِ العلمِ [18].
فالْمُفَسَّرُ يدلُّ على أنَّ الحديثَ ليس في تركِ الصلاةِ بالكليةِ، وإنما الحديثُ في تضييعِ بعضِ حقوقِ الصلاةِ الواجبةِ؛ لأنَّ الحقوقَ المستحبةَ لا يُتَوَعَّدُ على تركِها، والحقوقَ التي تبطلُ الصلاةَ تجعلُ المصليَ وكأنهُ لم يُصَلِّ، فَـحُمِلَ على الحقوقِ الواجبةِ والتي لا تبطلُ الصلاةُ بتضييعِها.
قال المروزيُّ:
«قولُهُ: «لم يَأْتِ بهنَّ» إنما يقعُ معناهُ، على أنهُ لم يَأْتِ بهنَّ على الكمالِ، إنما أتى بهنَّ ناقصاتٍ من حقوقِهنَّ، نقصاناً لا يبطلُهنَّ … ثم ذكرَ الرواياتِ الْمُفَسِّرَةَ …» [19].
وأدخلَ فيهِ ابنُ تيميةَ أيضاً من تركَ بعضَ الصلواتِ دونَ بعضٍ [20].
ما رواهُ ابنُ ماجهْ، حدثنا عليُّ بنُ محمدٍ، حدثنا أبو معاويةَ، عن أبي مالكٍ الأشجعيِّ، عن ربعيِّ بنِ حراشٍ، عن حذيفةَ بنِ اليمانِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وشيُ الثوبِ، حتى لا يُدْرَى ما صيامٌ، ولا صلاةٌ، ولا نسكٌ، ولا صدقةٌ، وليُسْرَى على كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ في ليلةٍ، فلا يبقى في الأرضِ منهُ آيةٌ، وتبقى طوائفُ من الناسِ، الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ، يقولونَ: أدركنا آباءَنا على هذه الكلمةِ، لا إلهَ إلا اللهُ، فنحن نقولُها».
فقال لهُ صلةُ: ما تغني عنهم: لا إلهَ إلا اللهُ، وهم لا يدرونَ ما صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نسكٌ، ولا صدقةٌ؟ فأعرضَ عنهُ حذيفةُ، ثم رَدَّها عليهِ ثلاثاً، كلُّ ذلك يعرضُ عنهُ حذيفةُ، ثم أقبلَ عليهِ في الثالثةِ، فقال: «يا صلةُ، تنجيهم من النارِ» ثلاثاً.
[صحيحٌ موقوفاً ويدخلُ في حكمِ المرفوعِ] [21].
أنَّ هذا نصٌّ من حذيفةَ -رضيَ اللهُ عنهُ- على أنَّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ، بل هو مسلمٌ ناجٍ من الخلودِ في النارِ يومَ القيامةِ.
بأنَّ هذا الحديثَ ليس في مسألةِ النزاعِ، فهذا الحديثُ في مسألةِ العذرِ بالجهلِ، وهل يُشْتَرَطُ للتكليفِ العلمُ؟
فإنَّ من كانت هذهِ حالُهُ لو جحدَ وجوبَ الصلاةِ لم يكفرْ، وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ من جحدَ الصلاةَ أو تركَها جهلاً بحكمِها، ومثلُهُ يجهلُ كحديثِ عهدٍ بالإسلامِ، أو نشأَ في باديةٍ بعيدةٍ عن العلمِ، فإنهُ لا يكفرُ بذلك، وهذه المسألةُ محلُّ إجماعٍ بين العلماءِ.
فأين هذا من رجلٍ يعلمُ أنها ركنٌ من أركانِ الإسلامِ، وهو يعيشُ في حاضرةِ الإسلامِ، ويؤمنُ بالوعيدِ الواردِ على تركِها، ثم لا يصلي؟ كيف يُقَاسُ هذا على ذاك؟
فهذا قياسٌ باطلٌ، وما حكمُ هذا إلا حكمُ المستحاضةِ التي تركتِ الصلاةَ والصيامَ لاعتقادِها أنها ممنوعةٌ منهما من أجلِ الدمِ جهلاً منها، فلم يُكَلِّفْهَا الرسولُ ﷺ بفعلِ الصلاةِ قبلَ العلمِ.
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ حفصِ بنِ ميسرةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، «…..إذا كان يومُ القيامةِ أذَّنَ مؤذنٌ لتتبعْ كلُّ أمةٍ ما كانت تعبدُ، فلا يبقى أحدٌ كان يعبدُ غيرَ اللهِ سبحانَهُ من الأصنامِ والأنصابِ إلا يتساقطونَ في النارِ، حتى إذا لم يَبْقَ إلا من كان يعبدُ اللهَ من بَرٍّ وفاجرٍ وغُبَّرِ أهلِ الكتابِ، فيُدْعَى اليهودُ، فيُقَالُ لهم: ما كنتم تعبدونَ؟ قالوا: كنا نعبدُ عزيراً ابنَ اللهِ، فيُقَالُ: كذبتم، ما اتخذَ اللهُ من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فماذا تبغونَ؟ قالوا: عطشنا يا ربَّنا، فاسقنا، فيُشَارُ إليهم ألا تَرِدُونَ؟ فيُحْشَرُونَ إلى النارِ كأنها سرابٌ، يحطمُ بعضُها بعضاً، فيتساقطونَ في النارِ، ثم يُدْعَى النصارى، فيُقَالُ لهم: ما كنتم تعبدونَ؟ قالوا: كنا نعبدُ المسيحَ ابنَ اللهِ، فيُقَالُ لهم: كذبتم ما اتخذَ اللهُ من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فيُقَالُ لهم: ماذا تبغونَ؟ فيقولونَ: عطشنا يا ربَّنا، فاسقنا، قال: فيُشَارُ إليهم ألا تَرِدُونَ؟ فيُحْشَرُونَ إلى جهنمَ كأنها سرابٌ يحطمُ بعضُها بعضاً، فيتساقطونَ في النارِ، حتى إذا لم يَبْقَ إلا من كان يعبدُ اللهَ تعالى من بَرٍّ وفاجرٍ، أتاهم ربُّ العالمينَ سبحانَهُ وتعالى في أدنى صورةٍ من التي رأوهُ فيها قال: فما تنتظرونَ؟ تتبعُ كلُّ أمةٍ ما كانت تعبدُ، قالوا: يا ربَّنا، فارقنا الناسَ في الدنيا أفقرَ ما كنا إليهم، ولم نصاحبْهم، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولونَ: نعوذُ باللهِ منكَ لا نشركُ باللهِ شيئاً مرتينِ أو ثلاثاً، حتى إنَّ بعضَهم ليكادُ أن ينقلبَ، فيقولُ: هل بينكم وبينهُ آيةٌ فتعرفونَهُ بها؟ فيقولونَ: نعم، فيكشفُ عن ساقٍ فلا يبقى من كان يسجدُ للهِ من تلقاءِ نفسِهِ إلا أذنَ اللهُ لهُ بالسجودِ، ولا يبقى من كان يسجدُ اتقاءً ورياءً إلا جعلَ اللهُ ظهرَهُ طبقةً واحدةً، كلما أرادَ أن يسجدَ خَرَّ على قفاهُ، ثم يرفعونَ رؤوسَهم وقد تحولَ في صورتِهِ التي رأوهُ فيها أولَ مرةٍ، فقال: أنا ربُّكم، فيقولونَ: أنتَ ربُّنا، ثم يُضْرَبُ الجسرُ على جهنمَ، وتحلُّ الشفاعةُ، ويقولونَ: اللهمَّ سلمْ، سلمْ. قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، وما الجسرُ؟ قال: دحضٌ مزلةٌ، فيهِ خطاطيفُ وكلاليبُ وحسكٌ تكونُ بنجدٍ فيها شويكةٌ يُقَالُ لها السعدانُ، فيمرُّ المؤمنونَ كطرفِ العينِ، وكالبرقِ، وكالريحِ، وكالطيرِ، وكأجاويدِ الخيلِ والركابِ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مُرْسَلٌ، ومكدوسٌ في نارِ جهنمَ، حتى إذا خلصَ المؤمنونَ من النارِ، فوالذي نفسي بيدِهِ، ما منكم من أحدٍ بأشدَّ مناشدةً للهِ في استقصاءِ الحقِّ من المؤمنينَ للهِ يومَ القيامةِ لإخوانِهم الذين في النارِ، يقولونَ: ربَّنا كانوا يصومونَ معنا ويصلونَ ويحجونَ، فيُقَالُ لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرمُ صورُهم على النارِ، فيخرجونَ خلقاً كثيراً قد أخذتِ النارُ إلى نصفِ ساقيهِ، وإلى ركبتيهِ، ثم يقولونَ: ربَّنا ما بقيَ فيها أحدٌ ممن أمرتنا بهِ، فيقولُ: ارجعوا فمن وجدتم في قلبِهِ مثقالَ دينارٍ من خيرٍ فأخرجوهُ، فيخرجونَ خلقاً كثيراً، ثم يقولونَ: ربَّنا لم نذرْ فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقولُ: ارجعوا فمن وجدتم في قلبِهِ مثقالَ نصفِ دينارٍ من خيرٍ فأخرجوهُ، فيخرجونَ خلقاً كثيراً، ثم يقولونَ: ربَّنا لم نذرْ فيها ممن أمرتنا أحداً، ثم يقولُ: ارجعوا فمن وجدتم في قلبِهِ مثقالَ ذرةٍ من خيرٍ فأخرجوهُ، فيخرجونَ خلقاً كثيراً ثم يقولونَ: ربَّنا لم نذرْ فيها خيراً».
وكان أبو سعيدٍ الخدريُّ يقولُ:
إن لم تصدقوني بهذا الحديثِ فاقرءوا إن شئتم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 40].
«فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: شفعتِ الملائكةُ، وشفعَ النبيونَ، وشفعَ المؤمنونَ، ولم يبقَ إلا أرحمُ الراحمينَ، فيقبضُ قبضةً من النارِ، فيخرجُ منها قوماً لم يعملوا خيراً قطُّ قد عادوا حُمَماً، فيلقيهم في نهرٍ في أفواهِ الجنةِ يُقَالُ لهُ: نهرُ الحياةِ، فيخرجونَ كما تخرجُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ألا ترونَها تكونُ إلى الحجرِ، أو إلى الشجرِ، ما يكونُ إلى الشمسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ، وما يكونُ منها إلى الظلِّ يكونُ أبيضَ؟ ….» الحديث [22].
أنَّ الحديثَ كما شَفَّعَ اللهُ المؤمنينَ في إخوانِهم المصلينَ، والصائمينَ في المرةِ الأولى، فأخرجَهم من النارِ بالعلامةِ التي تكونُ في وجوهِهم حتى لم يبقَ في النارِ إلا أناسٌ ليس في قلوبِهم مثقالُ ذرةٍ من خيرٍ، فيخرجُ اللهُ بشفاعتِهِ أقواماً لم يعملوا خيراً قطُّ، ولو كانوا من جملةِ المصلينَ لما صحَّ نفيُ عملِ الخيرِ عنهم.
أنَّ حديثَ الشفاعةِ جاءَ من مسندِ جمعٍ من الصحابةِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، ولم يقلْ أحدٌ منهم هذه الجملةَ: «لم يعملوا خيراً قطُّ»، منهم:
أبو هريرةَ، وأنسٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرانُ بنُ حصينٍ، وأبو بكرٍ، وجابرٌ، وابنُ عباسٍ، وأبو بكرةَ، وأبو موسى، وابنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عمروٍ، وحذيفةُ.
ولم تَأْتِ هذه الزيادةُ إلا من حديث: أبي سعيدٍ الخدريِّ.
ولم يروِها عنهُ إلا عطاءُ بنُ يسارٍ، تفردَ بها زيدُ بنُ أسلمَ عنهُ.
وقد رواهُ ثمانيةٌ من أصحابِ أبي سعيدٍ، كـيحيى بنِ عمارةَ، وروايتُهُ في «الصحيحينِ»، وأبي صالحٍ السمانِ، وروايتُهُ في «الصحيحينِ»، وعطاءِ بنِ يزيدَ الليثيِّ، وروايتُهُ في «الصحيحينِ»، وسليمانَ العتوريِّ، وعقبةَ بنِ عبدِ الغافرِ، وأبي المتوكلِ، وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وعطيةَ بنِ سعدٍ، وروايتُهم في «المسندِ»، كلُّ هؤلاءِ رووهُ عن أبي سعيدٍ، ولم يذكرْ أحدٌ منهم ما ذكرَهُ عطاءُ بنُ يسارٍ.
فأخشى ألا تكونَ هذهِ الزيادةُ محفوظةً من الحديثِ، وقد روى الحديثَ أبو هريرةَ في حضورِ أبي سعيدٍ، ولم ينكرْ أبو سعيدٍ اختلافاً على روايةِ أبي هريرةَ إلا ما كان في قولِهِ: «لكَ مثلُهُ».
فقال أبو سعيدٍ:
أشهدُ أني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «ولكَ عشرةُ أمثالِهِ».
ولفظُ حديثِ أبي هريرةَ في «صحيح البخاري»:
«حتى إذا أرادَ اللهُ رحمةَ من أرادَ من أهلِ النارِ؛ أمرَ الملائكةَ أن يُخْرِجُوا من كان يعبدُ اللهَ، فيخرجونَهم، ويعرفونَهم بآثارِ السجودِ، وحَرَّمَ اللهُ على النارِ، أن تأكلَ أثرَ السجودِ، فيخرجونَ من النارِ، فكلُّ ابنِ آدمَ تأكلُهُ النارُ إلا أثرَ السجودِ، فيخرجونَ من النارِ قد امتحشوا، فَيُصَبَّ عليهم ماءُ الحياةِ، فينبتونَ كما تنبتُ الحِبَّةُ في حميلِ السيلِ، ثم يفرغُ اللهُ من القضاءِ بين العبادِ …» [23].
فقولُهُ: «حتى إذا أرادَ اللهُ رحمةَ من أرادَ من أهلِ النارِ» إشارةٌ إلى أنَّ هؤلاءِ خرجوا بالرحمةِ، وليس بالشفاعةِ، وأهلُ القبضةِ لم يخرجوا بالشفاعةِ أيضاً، وهذا يعني أنَّ خروجَهم إنما كان بالرحمةِ.
وقولُهُ: «ويعرفونَهم بآثارِ السجودِ» إشارةٌ إلى أنهم من المصلينَ.
وقولُهُ: «فيخرجونَ من النارِ قد امتحشوا، فَيُصَبَّ عليهم ماءُ الحياةِ، فينبتونَ كما تنبتُ الحِبَّةُ في حميلِ السيلِ …» فالذين خرجوا بالرحمةِ في حديثِ أبي هريرةَ هم الذين خرجوا بالقبضةِ في حديثِ أبي سعيدٍ، ووصفهم بأنهم لم يعملوا خيراً قطُّ.
وقولُهُ: «ثم يفرغُ اللهُ من القضاءِ بين العبادِ» إشارةٌ إلى أنَّ هؤلاءِ هم آخرُ من يخرجُ من النارِ [24].
وفي حديثِ أنسٍ الطويلِ في الشفاعةِ من طريقِ عمروِ بنِ أبي عمروٍ، عنهُ، وفيهِ:
«وفرغَ اللهُ من حسابِ الناسِ، وأدخلَ من بقيَ من أمتي النارَ مع أهلِ النارِ، فيقولُ أهلُ النارِ: ما أغنى عنكم أنكم تعبدونَ اللهَ عزَّ وجلَّ، لا تشركونَ بهِ شيئاً، فيقولُ الجبارُ عزَّ وجلَّ: فبعزتي لأعتقنَّهم من النارِ، فيرسلُ إليهم، فيخرجونَ وقد امتحشوا، فيدخلونَ في نهرِ الحياةِ، فينبتونَ فيهِ كما تنبتُ الحبةُ في غثاءِ السيلِ، ويكتبُ بين أعينِهم هؤلاءِ عتقاءُ اللهِ عزَّ وجلَّ، فيذهبُ بهم، فيدخلونَ الجنةَ، فيقولُ لهم أهلُ الجنةِ: هؤلاءِ الجهنميونَ، فيقولُ الجبارُ: بل هؤلاءِ عتقاءُ الجبارِ عزَّ وجلَّ» [25].
فهؤلاءِ عتقاءُ الجبارِ، هم الذين قِيلَ فيهم في حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ: «لم يعملوا خيراً قطُّ».
وهم الذين قِيلَ فيهم في حديثِ أبي هريرةَ: «فيعرفونَ بآثارِ السجودِ».
وهم الذين قِيلَ فيهم في حديثِ أنسٍ: «ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدونَ اللهَ عزَّ وجلَّ، لا تشركونَ بهِ شيئاً».
والذي يجمعُ هؤلاءِ:
أنهم لم يخرجوا بالشفاعةِ، وأنَّ خروجَهم بعدَ احتراقِهم حتى صاروا حُمَماً، فـيُؤْتَى بهم إلى نهرِ الحياةِ، فيُصَبُّ عليهم، فينبتونَ كما تنبتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ.
أنَّ من استدلَّ بهذا الحديثِ على عدمِ كفرِ تاركِ الصلاةِ لا يأخذُ بظاهرِ الحديثِ.
فالحديثُ ظاهرُهُ بأنَّ هؤلاءِ ليس فيهم خيرٌ البتةَ، لقولِهِ: «لم يعملوا خيراً قطُّ» فلفظُ: «خيراً» نكرةٌ في سياقِ النفيِ فيدخلُ فيهِ نفيُ كلِّ خيرٍ، ومن ذلك نطقُهم بشهادةِ التوحيدِ.
ويؤيدُهُ: بأنَّ اللهَ تدرجَ في الإذنِ بإخراجِ من كان في قلبِهِ مثقالُ دينارٍ من خيرٍ، ثم ما زالَ يأذنُ بإخراجِ من هو دون ذلك، حتى أذنَ في آخرِ الأمرِ بإخراجِ من كان في قلبِهِ مثقالُ ذرةٍ من خيرٍ، حتى قال المؤمنونَ: ربَّنا لم نذرْ فيها خيراً، فهذا دليلٌ على أنهم ليس فيهم مطلقُ الخيريةِ، بما في ذلك إقرارُهم للهِ بالوحدانيةِ، وإلا لكان هذا من الخيرِ الذي عملوهُ، وقد قِيلَ ذلك.
فإن قالوا: هذا النصُّ ليس على عمومِهِ، فلابدَّ للنجاةِ من النارِ أن يكونوا موحدينَ، ولا يكونونَ موحدينَ إلا بالإقرارِ بالوحدانيةِ، ولا يكفي مجردُ قولِ اللسانِ، وإلا لدخلَ في ذلك المنافقونَ، فلا بدَّ أن يكونَ مع قولِ اللسانِ عملٌ بالقلبِ يصحُّ بهِ الإيمانُ، فهذا العمومُ مخصوصٌ بنصوصٍ أخرى تشترطُ عملَ القلبِ لصحةِ الإيمانِ، والنجاةِ من النارِ.
فيُقَالُ لهم: ونحن أيضاً خصصنا هذا العمومَ بنصوصٍ أخرى تشترطُ الصلاةَ لصحةِ الإيمانِ، وتُصَرِّحُ بأنَّ غيرَ المصلي مشركٌ كافرٌ، لا حَظَّ لهُ في الإسلامِ، ولا سبيلَ لهُ في النجاةِ، فاتفقَ الجميعُ بأنَّ عمومَ الحديثِ غيرُ مرادٍ.
حَمْلُ النفيِ في قولِهِ: «لم يعملوا خيراً قطُّ» على نفيِ الخيرِ الْمُسَبِّبِ للنجاةِ من النارِ، وليس النفيَ لمطلقِ الخيرِ، وهو أسلوبٌ عربيٌّ، قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ [هود: 46]، ولا يُقْصَدُ بذلك نفيُ النسبِ عنهُ، وتقولُ: لستَ بولدي، ولا تريدُ من ذلك نفيَ النسبِ.
وقال ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمنٌ، ولا يسرقُ السارقُ حين يسرقُ، وهو مؤمنٌ» [26].
قال أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ:
«…. فإن قال قائلٌ: كيف يجوزُ أن يُقَالَ: ليس بمؤمنٍ، واسمُ الإيمانِ غيرُ زائلٍ عنهُ؟
قِيلَ: هذا كلامُ العربِ المستفيضُ عندنا غيرُ المستنكرِ في إزالةِ العملِ عن عاملِهِ إذا عملَهُ على غيرِ حقيقةٍ، ألا ترى أنهم يقولونَ للصانعِ إذا كان ليس بِمُحْكِمٍ لعملِهِ: ما صنعتَ شيئاً، ولا عملتَ عملاً، وإنما وقعَ معناهُ هاهنا على نفيِ التجويدِ، لا على الصنعةِ نفسِها، فهو عندهم عاملٌ بالاسمِ، وغيرُ عاملٍ في الإتقانِ، حتى تكلموا بهِ فيما هو أكثرُ من هذا» [27].
وقال ابنُ خزيمةَ:
«هذه اللفظةُ: «لم يعملوا خيراً قطُّ» من الجنسِ الذي يقولُ العربُ: يُنْفَى الاسمُ عن الشيءِ، لنقصِهِ عن الكمالِ والتمامِ، فمعنى هذهِ اللفظةِ على هذا الأصلِ: «لم يعملوا خيراً قطُّ» على التمامِ والكمالِ، لا على ما أُوجِبَ عليهِ، وأُمِرَ بهِ» [28].
ويؤيدُ ذلك: أحاديثُ صحيحةٌ جمعتْ بين القولِ بأنهُ لم يعملْ خيراً قطُّ، مع إثباتِ عملِ الجوارحِ.
فروى مسلمٌ:
من حديثِ أبي سعيدٍ، في قصةِ الرجلِ الذي قتلَ تسعةً وتسعينَ نفساً، فأشارَ عليهِ رجلٌ عالمٌ بالخروجِ من أرضِهِ تلكَ؛ لأنها أرضُ سوءٍ، ثم أمرَهُ أن ينطلقَ إلى أرضِ كذا وكذا، فإنَّ فيها قوماً صالحينَ ليعبدَ اللهَ معهم، فخرجَ حتى إذا انتصفَ في الطريقِ أدركَهُ الموتُ، فاختصمتْ فيهِ ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذابِ، فقالت ملائكةُ الرحمةِ: جاءَ تائباً مقبلاً بقلبِهِ إلى اللهِ، وقالت ملائكةُ العذابِ: إنهُ لم يعملْ خيراً قطُّ …. الحديث [29].
فهذا الرجلُ خرجَ تائباً مهاجراً، وهو من عملِ الجوارحِ، ومع ذلك قالت فيهِ ملائكةُ العذابِ: «لم يعملْ خيراً قطُّ».
وروى أحمدُ والنسائيُّ وغيرُهما من طريقِ ابنِ عجلانَ، عن زيدِ ابنِ أسلمَ، عن أبي صالحٍ، عن أبو هريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: «إنَّ رجلاً لم يعملْ خيراً قطُّ، وكان يداينُ الناسَ، فيقولُ لرسولِهِ: خذْ ما تيسرَ، واتركْ ما عسرَ وتجاوزْ، لعلَّ اللهَ تعالى أن يتجاوزَ عنا ….» [30].
[وإسنادُهُ حسنٌ إن كانت كلمةُ (لم يعملْ خيراً قطُّ) محفوظةً].
فهنا في الحديثِ قال: «لم يعملْ خيراً قطُّ» مع تجاوزِهِ عن المعسرِ احتساباً، وهو من عملِ الجوارحِ.
أنَّ حديثَ أبي سعيدٍ ذكرَ هلاكَ المشركينَ من اليهودِ والنصارى، ويبقى في الموقفِ فريقانِ: مؤمنونَ، ومنافقونَ كانوا يسجدونَ رياءً، ونصُّ الحديثِ: «فيكشفُ عن ساقٍ فلا يبقى من كان يسجدُ للهِ من تلقاءِ نفسِهِ إلا أذنَ اللهُ لهُ بالسجودِ، ولا يبقى من كان يسجدُ اتقاءً ورياءً إلا جعلَ اللهُ ظهرَهُ طبقةً واحدةً، كلما أرادَ أن يسجدَ خَرَّ على قفاهُ».
فكانتِ القسمةُ فريقينِ: مؤمنينَ ومنافقينَ.
وكانتِ النجاةُ حالاً لمن لم يكتبِ اللهُ لهم دخولَ النارِ، أو مآلاً لمن كتبَ اللهُ لهم دخولَ النارِ وخرجوا منها إما بالشفاعةِ أو بالرحمةِ، وكلُّ هؤلاءِ قد سجدوا للهِ في ذلك الموقفِ، ووصفهمُ الحديثُ: بأنهم كانوا في الدنيا يسجدونَ للهِ من تلقاءِ أنفسِهم.
وأما المنافقونَ فلا نجاةَ لهم من النارِ البتةَ، ولن تنالَهم الشفاعةُ ولا الرحمةُ، فدلَّ حديثُ أبي سعيدٍ أنَّ المشفَّعينَ والمرحومينَ هم من أهلِ السجودِ، وصارَ النفيُ عنهم: «لم يعملوا خيراً قطُّ» ليس على عمومِهِ، واللهُ أعلمُ.
لو صحَّ حملُ حديثِ أبي سعيدٍ: «لم يعملوا خيراً قطُّ» على مطلقِ عملِ الجوارحِ، وأنهُ لم يكن معهم إلا التوحيدُ، فـيُحْمَلُ ذلك على غيرِ أمةِ محمدٍ ﷺ، فإنَّ شريعتَنا قد جاءَ فيها أحاديثُ صحيحةٌ، صريحةُ الدلالةِ على كفرِ تاركِ الصلاةِ وشركِهِ، ولم يكن ذلك في شريعةِ مَنْ قبلنا.
وفي حديثِ أنسٍ ما يشيرُ إلى ذلك:
فقد روى أحمدُ وغيرُهُ من طريقِ يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الهادِ، عن عمروِ بنِ أبي عمروٍ، عن أنسٍ مرفوعاً، وفيهِ: «وفرغَ اللهُ من حسابِ الناسِ، وأدخلَ من بقيَ من أمتي النارَ مع أهلِ النارِ، فيقولُ أهلُ النارِ: ما أغنى عنكم أنكم تعبدونَ اللهَ عزَّ وجلَّ، لا تشركونَ بهِ شيئاً، فيقولُ الجبارُ عزَّ وجلَّ: فبعزتي لأعتقنَّهم من النارِ، فيرسلُ إليهم، فيخرجونَ وقد امتحشوا، فيدخلونَ في نهرِ الحياةِ، فينبتونَ فيهِ كما تنبتُ الْحِبَّةُ في غثاءِ السيلِ …» [31].
فإما أن يكونَ هؤلاءِ:
هم أهلُ القبضةِ في حديثِ أبي سعيدٍ، وقد أثبتَ لهم العبادةَ ونفيَ الشركِ.
وإما أن يكونَ أهلُ القبضةِ:
بعدَهم، فلا يكونونَ من أمةِ محمدٍ ﷺ؛ لأنَّ الحديثَ ذكرَ دخولَ ما بقيَ من أمةِ محمدٍ النارَ، وخروجَهم منها، وإذا خرجوا منها كان أهلُ القبضةِ من غيرِ أمةِ محمدٍ ﷺ، فلا يكونُ فيهِ حجةٌ على أنَّ تركَ الصلاةِ ليس كفراً في شريعتِنا، واللهُ أعلمُ.
وقد استدلوا بأدلةٍ عامةٍ ليست نصّاً في محلِّ النزاعِ، نذكرُ منها:
قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48].
بأنَّ معنى قولِهِ سبحانَهُ: ﴿ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أي: يغفرُ ما هو أقلُّ من ذلك، وليس معنى الآيةِ: يغفرُ ما سوى ذلك، بدليلِ أنَّ من سَبَّ اللهَ، أو سَبَّ رسولَهُ ﷺ، أو جحدَ وجوبَ الصلاةِ، أو الزكاةِ، أو الحجِّ، أو جحدَ ما هو معلومٌ من الدينِ بالضرورةِ فإنَّ ذنبَهُ ليس مغفوراً، ولا يُعْتَبَرُ من الشركِ.
فإن سُلِّمَ معنى: ﴿ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أي ما سوى ذلك، فإنَّ الجوابَ أن يُقَالَ: إنَّ الآيةَ من العامِّ المخصوصِ بالنصوصِ الأخرى التي تدلُّ على أنَّ الكفرَ المُخْرِجَ من الملةِ بمنزلةِ الشركِ في عدمِ المغفرةِ، وقد جمعَ النبيُّ ﷺ لـتاركِ الصلاةِ الكفرَ والشركَ، في قولِهِ: «بين الرجلِ وبين الشركِ والكفرِ تركُ الصلاةِ»، وسيأتي تخريجُهُ إن شاءَ اللهُ تعالى في أدلةِ القولِ الثاني.
ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ معاذِ بنِ هشامٍ، قال: حدثني أبي، عن قتادةَ، قال: حدثنا أنسُ بنِ مالكٍ أنَّ النبيَّ ﷺ، ومعاذٌ رديفُهُ على الرحلِ، قال: «يا معاذُ ابنَ جبلٍ، قال: لبيكَ يا رسولَ اللهِ وسعديكَ، قال: يا معاذُ، قال: لبيكَ يا رسولَ اللهِ وسعديكَ ثلاثاً، قال: ما من أحدٍ يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ، صدقاً من قلبِهِ، إلا حَرَّمَهُ اللهُ على النارِ، قال يا رسولَ اللهِ: أفلا أخبرُ بهِ الناسَ فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا»، وأخبرَ بها معاذٌ عند موتِهِ تأثماً [32].
ومنها ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ الزهريِّ، عن محمودِ بنِ الربيعِ، عن عتبانَ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ، قال: غدا عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: «لن يوافيَ عبدٌ يومَ القيامةِ يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ، يبتغي بهِ وجهَ اللهِ، إلا حَرَّمَ اللهُ عليهِ النارَ»، واللفظُ لـلبخاريِّ [33].
أما الجوابُ عن حديثِ معاذٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-:
فإنهُ ذكرَ الشهادتينِ بقيدِ الصدقِ من القلبِ، ومن كان صادقَ القلبِ بالشهادتينِ فلابدَّ أن يمنعَهُ ذلك من تركِ الصلاةِ؛ إذ ما من شخصٍ يقولُ ذلك صادقاً من قلبِهِ، ويُخْلِصُ إلا حَمَلَهُ صدقُهُ وإخلاصُهُ على فعلِ الصلاةِ؛ فمن كان صادقاً في ابتغاءِ وجهِ اللهِ فلابدَّ أن يفعلَ ما يوصلُهُ إلى ذلك، ويتجنبَ ما يحولُهُ بينهُ وبينَهُ، وأعظمُ شيءٍ هو الصلاةُ.
قال اللهُ تعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 32].
وأما الجوابُ عن حديثِ عتبانَ فمن وجوهٍ:.
أنَّ الحديثَ قيَّدَ النجاةَ بأن يقولَ: لا إلهَ إلا اللهُ يبتغي بذلك وجهَ اللهِ، فمن ابتغى بتوحيدِهِ وجهَ اللهِ هل يمكنُ أن يصرَّ على تركِ الصلاةِ، وهي ركنٌ من أركانِ الإسلامِ؟
قال شيخُنا ابنُ عثيمينَ:
«واستدلوا بأحاديثَ مقيدةٍ بما لا يمكنُ لمن اتصفَ بهِ أن يدعَ الصلاةَ، مثلَ قولِهِ ﷺ: (إنَّ اللهَ حَرَّمَ على النارِ من قال: لا إلهَ إلا اللهُ يبتغي بذلك وجهَ اللهِ) فإنَّ قولَهُ: (يبتغي بذلك وجهَ اللهِ) تمنعُ منعاً بَاتّاً أن يدعَ الإنسانُ الصلاةَ؛ لأنَّ من قال: لا إلهَ إلا اللهُ يبتغي بذلك وجهَ اللهِ، فلا بدَّ أن يعملَ عملاً لما يبتغيهِ، وهو وجهُ اللهِ، وأعظمُ عملٍ يحصلُ بهِ رضا اللهِ عزَّ وجلَّ هو الصلاةُ، فهذا الحديثُ ليس فيهِ دليلٌ على أنَّ تاركَ الصلاةِ لا يكفرُ؛ لأنهُ مقيَّدٌ بقيدٍ يمتنعُ معهُ غايةَ الامتناعِ أن يدعَ الإنسانُ الصلاةَ» [34].
لأنَّ من قالها يبتغي بذلك وجهَ اللهِ فإنهُ سيقومُ بمقتضاها، ويعملُ بما تقتضيهِ هذه الكلمةُ العظيمةُ من أداءِ الواجبِ وتركِ المحرمِ.
ظاهرُ حديثِ عتبانَ أنَّ من قال: لا إلهَ إلا اللهُ يبتغي بذلك وجهَ اللهِ أنهُ يُحَرَّمُ على النارِ، ولو لم يشهدْ للنبيِّ ﷺ بالرسالةِ، فهل تقولونَ بظاهرِ الحديثِ؟
فإن قالوا: لا تنفعُ الشهادةُ للهِ بالتوحيدِ إلا بالشهادةِ للنبيِّ ﷺ بالرسالةِ.
قِيلَ: الحديثُ لم يذكرْ ذلك.
فإن قالوا: أخذنا ذلك من نصوصٍ أخرى.
قلنا: ونحن أخذنا ذلك من نصوصٍ أخرى أنَّ تاركَ الصلاةِ كافرٌ، لا حَظَّ لهُ في الإسلامِ.
حديثُ عتبانَ -رضيَ اللهُ عنهُ- لهُ إطلاقٌ غيرُ مقصودٍ بالإجماعِ، وهو أنَّ من قال: لا إلهَ إلا اللهُ حُرِّمَ على النارِ فلا يضرُّ مع التوحيدِ معصيةٌ، وإن تركَ الصلاةَ والصيامَ والزكاةَ والحجَّ وسائرَ الفرائضِ، وهذا خلافُ ما عليهِ أهلُ السنةِ والجماعةِ.
أو يُقَالُ: إنَّ حديثَ: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ على النارِ من قال لا إلهَ إلا اللهُ يبتغي بذلك وجهَ اللهِ».
أنهُ يُشْتَرَطُ في كلِّ أحاديثِ الوعدِ ألا يقومَ بهِ مانعٌ.
ومثلُ حديثِ عتبانَ حديثُ أنسٍ وابنِ عباسٍ: «عينانِ لا تمسُّهما النارُ: عينٌ بكتْ من خشيةِ اللهِ وعينٌ باتتْ تكلأُ المسلمينَ في سبيلِ اللهِ» [35].
فهل يُسْتَدَلُّ بهذا الحديثِ على أنَّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ؛ لأنَّ اللهَ وعدَ العينَ التي بكتْ من خشيتِهِ ألا تمسَّها النارُ، أو أنَّ كلَّ أحاديثِ الوعدِ لا تتحققُ إلا بوجودِ شروطِها، وانتفاءِ موانعِها، ومن الموانعِ تركُ الصلاةِ؟
ما رواهُ الترمذيُّ، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ قال: أخبرنا عبدُ اللهِ، عن ليثِ بنِ سعدٍ قال: حدثني عامرُ بنُ يحيى، عن أبي عبدِ الرحمنِ المعافريِّ ثم الحبليِّ، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمروِ بنِ العاصِ، يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ:
«إنَّ اللهَ سيُخَلِّصُ رجلاً من أمتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ، فَيَنْشُرُ عليهِ تسعةً وتسعينَ سِجِلّاً كلُّ سِجِلٍّ مثلُ مَدِّ البصرِ، ثم يقولُ: أتنكرُ من هذا شيئاً؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافظونَ؟ فيقولُ: لا يا ربِّ، فيقولُ: أفلكَ عذرٌ؟ فيقولُ: لا يا ربِّ، فيقولُ: بلى إنَّ لكَ عندنا حسنةً، فإنهُ لا ظلمَ عليكَ اليومَ، فتخرجُ بطاقةٌ فيها: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولُ: احضرْ وزنَكَ، فيقولُ: يا ربِّ ما هذه البطاقةُ مع هذهِ السجلاتِ، فقال: إنكَ لا تُظْلَمُ، قال: فتوضعُ السجلاتُ في كفةٍ، والبطاقةُ في كفةٍ، فطاشتِ السجلاتُ وَثَقُلَتِ البطاقةُ، فلا يَثْقُلُ مع اسمِ اللهِ شيءٌ».
قال الترمذيُّ:
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ [36].
[صحيحٌ] [37].
أنَّ الحديثَ لم يذكرْ في البطاقةِ غيرَ الشهادةِ، ولو كان فيها غيرُها؛ لقال: ثم تخرجُ لهُ صحائفُ حسناتِهِ، فترجحُ سيئاتُهُ، وقد ذكرَ الرسولُ ﷺ أنَّ هذا الرجلَ من أمتِهِ، فهذا دليلٌ على أنَّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ في هذهِ الشريعةِ.
نجاتُهُ بالبطاقةِ لا يعني أنهُ لا يوجدُ لهُ عملٌ آخرُ، فالحديثُ منطوقُهُ أنَّ البطاقةَ هي التي كانت قادرةً على ترجيحِ الميزانِ، مقابلَ السجلاتِ، ولم تتعرضْ للأعمالِ الأخرى، لا في نفيٍ ولا إثباتٍ، فالحديثُ دليلٌ على عظمِ التوحيدِ، والسلامةِ من الشركِ.
فالقولُ بأنهُ: ليس لهُ إلا حسنةٌ واحدةٌ:
لفظةُ «واحدةٌ» لفظةٌ شاذةٌ، لم يذكرْها إلا الطالقانيُّ، ولهُ غرائبُ عن ابنِ المباركِ، وهذا منها.
وقد روى الحديثَ ابنُ أبي مريمَ، ويحيى بنُ بكيرٍ، وأبو صالحٍ كاتبُ الليثِ ثلاثتُهم رووهُ عن الليثِ، بلفظِ: «إنَّ لكَ عندنا حسناتٍ»، وقد كشفتُ عن ذلك من خلالِ التخريجِ.
وعلى فرضِ أن يكونَ المحفوظُ في الحديثِ: (إنَّ لكَ عندنا حسنةً) فإنَّ الحسنةَ تُطْلَقُ ويُرَادُ بها الحسناتُ، قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [البقرة: 201]. وقال تعالى: ﴿ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ [الأعراف: 156].
ظاهرُ الحديثِ أنَّ صاحبَ البطاقةِ نجا بالشهادةِ، ولم يَنْجُ بالشفاعةِ، بمعنى أنهُ لم يدخلِ النارَ أصلاً، وهذا يعني أنهُ لم يقعْ منهُ أيُّ كفرٍ أو شركٍ، سواءٌ أكان أصغَرَ أم أكبرَ.
وحديثُ: «بين الرجلِ وبين الشركِ والكفرِ تركُ الصلاةِ» نَصَّ على أنَّ تركَ الصلاةِ من الكفرِ والشركِ، وهذا يعني أنهُ قد أقامَ صلاتَهُ، واللهُ أعلمُ.
في حديثِ أبي هريرةَ في «الصحيحينِ»: «حتى إذا أرادَ اللهُ رحمةَ من أرادَ من أهلِ النارِ، أمرَ اللهُ الملائكةَ: أن يخرجوا من كان يعبدُ اللهَ، فيخرجونَهم ويعرفونَهم بآثارِ السجودِ … فيخرجونَ من النارِ، قد امتحشوا فيُصَبُّ عليهم ماءُ الحياةِ …. ثم يفرغُ اللهُ من القضاءِ بين العبادِ».
فإذا كان آخرُ من يخرجُ من النارِ يعرفونَ بآثارِ السجودِ، لقولِهِ بعد إخراجِهم: (ثم يفرغُ اللهُ من القضاءِ بين العبادِ)، فكيف يكونُ حالُ من لم يدخلِ النارَ أصلاً كصاحبِ البطاقةِ؟ هل يمكنُ أن يكونَ ممن لا يعرفُ الصلاةِ؟
صاحبُ البطاقةِ إما أن يكونَ:
قد أتى بالقولِ المجرَّدِ من غيرِ صدقٍ وإخلاصٍ، أو يقينٍ، وهذا باطلٌ اتفاقاً.
وإما أن يكونَ:
قد أتى بالنطقِ مقترناً بأعمالِ القلبِ من إخلاصٍ ويقينٍ وصدقٍ، وهذا شرطٌ بالاتفاقِ.
فيكونُ الجوابُ عن حديثِ البطاقةِ كالجوابِ عن حديثِ: «من قال: لا إلهَ إلا اللهُ يبتغي بذلك وجهَ اللهِ فقد حَرَّمَهُ اللهُ على النارِ» وقد سبقَ الجوابُ عنهُ، فيكونُ هذا الظاهرُ مقيَّداً بما لا يمكنُ معهُ تركُ الصلاةِ.
معلومٌ أنَّ كلَّ موحِّدٍ، لهُ مثلُ هذهِ البطاقةِ، وكثيرٌ منهم يدخلُ النارَ بذنوبِهِ، ولكنَّ السرَّ الذي ثَقَّلَ بطاقةَ ذلك الرجلِ، وطاشتْ لأجلِهِ السجلاتُ، ولم يحصلْ ذلك لغيرِهِ من أربابِ البطاقاتِ؛ هو قوةُ تصديقِهِ ويقينِهِ بها، ومعرفتِهِ الحقيقيةِ لما تضمنتْهُ من النفيِ والإثباتِ، ومعرفةِ حقيقةِ الإلهيةِ المنفيةِ عن غيرِ اللهِ المختصةِ بهِ، التي يستحيلُ ثبوتُها لغيرِهِ، فهل يُتَصَوَّرُ أن يبلغَ اليقينُ في قلبِهِ لهذهِ الشهادةِ بمثلِ تلك المنزلةِ دونَ أن يكونَ لهُ عملٌ ظاهرٌ، خاصةً في أعظمِ العباداتِ، وهي الصلاةُ؟
ما رواهُ أحمدُ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: أخبرنا صدقةُ بنُ موسى، قال: حدثنا أبو عمرانَ الجونيُّ، عن يزيدَ بنِ بابنوسَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «الدواوينُ عند اللهِ عزَّ وجلَّ ثلاثةٌ: ديوانٌ لا يعبأُ اللهُ بهِ شيئاً، وديوانٌ لا يتركُ اللهُ منهُ شيئاً، وديوانٌ لا يغفرُهُ اللهُ، فأما الديوانُ الذي لا يغفرُهُ اللهُ: فالشركُ باللهِ، قال اللهِ عزَّ وجلَّ ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ﴾، وأما الديوانُ الذي لا يعبأُ اللهُ بهِ شيئاً: فظلمُ العبدِ نفسَهُ فيما بينهُ وبين ربِّهِ من صومِ يومٍ تركَهُ، أو صلاةٍ تركَها، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يغفرُ ذلك ويتجاوزُ إن شاءَ، وأما الديوانُ الذي لا يتركُ اللهُ منهُ شيئاً: فظلمُ العبادِ بعضُهم بعضاً، القصاصُ لا محالةَ» [38].
[ضعيفٌ] [39].
أولاً: الحديثُ ضعيفٌ، وفيهِ اختلافٌ في لفظِهِ، ولا حجةَ في الضعيفِ.
ثانياً: لو صحَّ فالحديثُ يتكلمُ عن تركِهِ لصيامِ يومٍ، أو صلاةِ يومٍ لقولِهِ: «من صومِ يومٍ تركَهُ، أو صلاةٍ تركَها» ولا يتحدثُ عن تركِ الصيامِ والصلاةِ بالكليةِ.
فالحديثُ حجةٌ على من قال: لا يكفرُ بتركِ صلاةٍ واحدةٍ، وهي مسألةٌ خلافيةٌ سيأتي بحثُها إن شاءَ اللهُ تعالى.
الإجماعُ العمليُّ على عدمِ كفرِ تاركِ الصلاةِ.
قال ابنُ قدامةَ:
«ولأنَّ ذلك إجماعُ المسلمينَ؛ فإنا لا نعلمُ في عصرٍ من الأعصارِ أحداً من تاركي الصلاةِ تُرِكَ تغسيلُهُ، والصلاةُ عليهِ، ودفنُهُ في مقابرِ المسلمينَ، ولا مَنَعَ ورثتُهُ ميراثَهُ، ولا منعَ هو ميراثَ مورِّثِهِ، ولا فُرِّقَ بين زوجينِ لتركِ الصلاةِ من أحدهما؛ مع كثرةِ تاركي الصلاةِ، ولو كان كافراً لثبتتْ هذه الأحكامُ كلُّها، ولا نعلمُ بين المسلمينَ خلافاً في أنَّ تاركَ الصلاةِ يجبُ عليهِ قضاؤُها، ولو كان مرتدّاً لم يجبْ عليهِ قضاءُ صلاةٍ ولا صيامٍ» [40].
أنَّ هناك فرقاً بين قولِنا: تاركُ الصلاةِ كافرٌ على سبيلِ العمومِ، وبين الحكمِ على معينٍ بكفرِهِ، وتطبيقِ أحكامِ الردةِ عليهِ، من وجوبِ قتلِهِ، وتطليقِ زوجِهِ، وغيرها من الأحكامِ.
فتركُ الصلاةِ من حيثُ هو فعلٌ: كُفْرٌ.
فيصحُّ أن يُقَالَ: تركُ الصلاةِ كفرٌ.
وأما تطبيقُ أحكامِ الردةِ على فاعلٍ معينٍ، من وجوبِ قتلِهِ، وتطليقِ زوجِهِ، وغيرها من الأحكامِ:
فهذا يحتاجُ إلى تفصيلٍ:.
فإن كان ذلك قبلَ أن تُقَامَ الحجةُ على تاركِ الصلاةِ فهو مسلمٌ ظاهراً وباطناً؛ لقولِهِ تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 15].
قال ابنُ تيميةَ:
«ولا يكفرُ الشخصُ المعينُ حتى تقومَ عليهِ الحجةُ كما تقدمَ كمن جحدَ وجوبَ الصلاةِ، والزكاةِ، واستحلَّ الخمرَ؛ والزنا، وتأولَ؛ فإنَّ ظهورَ تلك الأحكامِ بين المسلمينَ أعظمُ من ظهورِ هذهِ، فإذا كان المتأولُ المخطئُ في تلك لا يُحْكَمُ بكفرِهِ إلا بعدَ البيانِ لهُ، واستتابتِهِ -كما فعلَ الصحابةُ في الطائفةِ الذين استحلوا الخمرَ- ففي غيرِ ذلك أَوْلَى وأحرى…» [41].
فإذا كانت إقامةُ الحجةِ شرطاً في كفرِ من جحدَ الصلاةَ كانت شرطاً في كفرِ من تركَها تهاوناً وكسلاً من بابِ أَوْلَى.
فإذا قامتْ عليهِ الحجةُ، سواءٌ أكان ذلك عن طريقِ عالِمٍ أقامَ الحجةَ عليهِ، أم كان المجتمعُ الذي يعيشُ فيهِ، يختارُ علماؤُهُ تكفيرَ تاركِ الصلاةِ، واستفاضَ هذا العلمُ بين الناسِ حتى لا يُتَصَوَّرَ الجهلُ بمثلِ هذا الحكمِ.
فإذا قامتْ عليهِ الحجةُ:
أيكفرُ ظاهراً وباطناً بمجردِ إقامةِ الحجةِ؟
أم يكونُ مسلماً في الظاهرِ، وكافراً فيما بينهُ وبين ربِّهِ، فإن مات على حالِهِ لقيَ ربَّهُ كافراً، وإن عاشَ بين المسلمينَ عُومِلَ معاملةَ المسلمِ، وجرتْ عليهِ أحكامُ الإسلامِ الظاهرةُ، من التوارثِ وعدمِ تطليقِ زوجِهِ منهُ، ودفنِهِ في مقابرِ المسلمينَ ونحوِ ذلك، كما يُعَامَلُ المنافقُ في الدنيا حتى يحكمَ حاكمٌ شرعيٌّ بردتِهِ؟
احتمالانِ:
أقواهما عندي: أنهُ مسلمٌ ظاهراً كافرٌ في الباطنِ.
وبهِ نعرفُ الجوابَ عن قولِ ابنِ قدامةَ:
«لا نعلمُ في عصرٍ من الأعصارِ أحداً من تاركي الصلاةِ تُرِكَ تغسيلُهُ، والصلاةُ عليهِ، ودفنُهُ في مقابرِ المسلمينَ، ولا مَنَعَ ورثتُهُ ميراثَهُ، ولا منعَ هو ميراثَ مورِّثِهِ، ولا فُرِّقَ بين زوجينِ لتركِ الصلاةِ من أحدهما؛ مع كثرةِ تاركي الصلاةِ، ولو كان كافراً لثبتتْ هذه الأحكامُ كلُّها» [42].
فهذا الإجماعُ العمليُّ المانعُ منهُ -واللهُ أعلمُ-:
أنهُ لم يَحْكُمْ بكفرِهِ حاكمٌ شرعيٌّ، وجريانُ أحكامِ الإسلامِ الظاهرةِ لا تمنعُ أن يكونَ كافراً في الباطنِ، كالمنافقِ فإنهُ تجري عليهِ أحكامُ الإسلامِ الظاهرةُ، وإن كان يلاقي ربَّهُ كافراً.
ولأنَّ إهدارَ الدمِ، وإباحةَ المالِ، والتفريقَ بين الزوجينِ، والمنعَ من الدفنِ في مقابرِ المسلمينَ ليست لآحادِ الناسِ خاصةً إذا كان ذلك فيما يتنازعُ العلماءُ في كفرِهِ.
وبهذا نعرفُ لماذا كان الصحابةُ حين مات بعضُ المنافقينَ ممن لا يشكونَ في نفاقِهِ، وبعضُهم نزلَ القرآنُ بنفاقِهِ -كَابْنِ أُبَيٍّ وأمثالِهِ- لما مات هؤلاءِ ورثهم ورثتُهم المسلمونَ، ولم يمنعوا ميراثَهم [43].
يقولُ ابنُ تيميةَ عليهِ رحمةُ اللهِ:
«إنَّ كثيراً من الفقهاءِ يظنُّ أنَّ من قِيلَ: هو كافرٌ فإنهُ يجبُ أن تجريَ عليهِ أحكامُ المرتدِّ ردةً ظاهرةً، فلا يَرِثُ، ولا يُورَثُ، ولا يُنَاكَحُ حتى أجروا هذهِ الأحكامَ على من كفَّروهُ بالتأويلِ من أهلِ البدعِ، وليس الأمرُ كذلك؛ فإنهُ قد ثبتَ أنَّ الناسَ كانوا ثلاثةَ أصنافٍ: مؤمنٌ، وكافرٌ مُظْهِرٌ للكفرِ، ومنافقٌ مُظْهِرٌ للإسلامِ مُبْطِنٌ للكفرِ، وكان في المنافقينَ من يعلمُهُ الناسُ بعلاماتٍ ودلالاتٍ، بل من لا يشكونَ في نفاقِهِ، ومن نزلَ القرآنُ ببيانِ نفاقِهِ -كَابْنِ أُبَيٍّ وأمثالِهِ- ومع هذا فلما مات هؤلاءِ ورثهم ورثتُهم المسلمونَ، وكان إذا مات لهم ميتٌ آتَوْهُمْ ميراثَهُ، وكانت تُعْصَمُ دماؤُهم حتى تقومَ السنةُ الشرعيةُ على أحدهم بما يوجبُ عقوبتَهُ …. » [44].
فقولُهُ: (حتى تقومَ السنةُ الشرعيةُ على أحدهم بما يوجبُ عقوبتَهُ):
فماذا يقصدُ ابنُ تيميةَ من قولِهِ حتى تقومَ السنةُ الشرعيةُ على أحدهم بما يوجبُ عقوبتَهُ؟
الظاهرُ أنهُ يقصدُ بها الطريقةَ الشرعيةَ التي توجبُ عقوبتَهُ، وذلك لا يكونُ إلا للحاكمِ الشرعيِّ(القاضي)، فإذا حكمَ قاضٍ شرعيٌّ بردتِهِ، ترتبتْ عليهِ أحكامُ الردةِ، واللهُ أعلمُ.
أنَّ كثيراً من الناسِ يصلي أحياناً، ويتركُ الصلاةَ أحياناً، ومثلُ هذا في كفرِهِ نزاعٌ بين الفقهاءِ سيأتي بحثُهُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
قال ابنُ تيميةَ:
«فإنَّ كثيراً من الناسِ؛ بل أكثرَهم في كثيرٍ من الأمصارِ لا يكونونَ محافظينَ على الصلواتِ الخمسِ، ولا هم تاركوها بالجملةِ، بل يصلونَ أحياناً ويدعونَ أحياناً، فهؤلاءِ فيهم إيمانٌ ونفاقٌ وتجري عليهم أحكامُ الإسلامِ الظاهرةُ في المواريثِ ونحوِها من الأحكامِ؛ فإنَّ هذه الأحكامَ إذا جرتْ على المنافقِ المحضِ – كَابْنِ أُبَيٍّ وأمثالِهِ من المنافقينَ – فلأنْ تجريَ على هؤلاءِ أَوْلَى وأحرى…. » [45].
قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: 11].
منطوقُ الآيةِ:
يشترطُ في إثباتِ الأخوةِ التوبةَ من الشركِ، وذلك بالإقرارِ بالشهادتينِ، وإقامةِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ.
ومفهومُ الآيةِ:
أنهُ إذا انتفى أحدُ هذهِ الشروطِ انتفتِ الأخوةُ، والأخوةُ لا تنتفي إلا إذا خرجَ الإنسانُ من الدينِ، أما فعلُ الكبائرِ فلا تنتفي بهِ الأخوةُ، ومنهُ الكفرُ الأصغرُ، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا… إلى قولِهِ تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ [الحجرات: 9، 10].
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ….. ﴾ الآية، [البقرة: 178].
فأثبتَ لهُ الإخوةَ مع وجودِ القتلِ، مع أنَّ قتالَ المسلمِ لأخيهِ سماهُ الشارعُ كفراً، في قولِهِ ﷺ: «سبابُ المسلمِ فسوقٌ وقتالُهُ كفرٌ» [46].
بأنَّ الاستدلالَ بانتفاءِ الأخوةِ بانتفاءِ أحدِ الشروطِ الثلاثةِ استدلالٌ بالمفهومِ، والاحتجاجُ بالمفهومِ فيهِ خلافٌ، فهل تقولونَ بانتفاءِ الأخوةِ عن رجلٍ تابَ من الشركِ، وأقامَ الصلاةَ، ولم يُزَكِّ؟
فأكثرُ القائلينَ بكفرِ تاركِ الصلاةِ لا يأخذونَ بمفهومِ الآيةِ في حقِّ تاركِ الزكاةِ.
وإذا أصبحَ حكمُ المفهومِ معارَضاً من دليلٍ آخرَ، ولو في بعضِ أفرادِهِ كان هذا دليلاً على ضعفِ الاحتجاجِ بالمفهومِ في هذا الدليلِ فقد ذكرَ النبيُّ ﷺ عقوبةَ مانعِ زكاةِ الذهبِ والفضةِ، يومَ القيامةِ، ومع ذلك قال فيهِ: «ثم يرى سبيلَهُ إما إلى الجنةِ وإما إلى النارِ» [47].
ولو كان كافراً لم يكن لهُ سبيلٌ إلى الجنةِ، والتفريقُ بين الصلاةِ والزكاةِ، مع أنَّ الآيةَ جمعتْ بينهما تفريقٌ ضعيفٌ.
ما رواهُ مسلمٌ من طريقِ ابنِ جريجٍ، قال: أخبرني أبو الزبيرِ، أنهُ سمعَ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «بين الرجلِ وبين الشركِ والكفرِ تركُ الصلاةِ».
ورواهُ مسلمٌ من طريقِ الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ [48].
تأوَّلَ القائلونَ بأنَّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ حديثَ جابرٍ إلى تأويلاتٍ لا يساعدُ عليها اللفظُ.
ولو فُتِحَ بابُ التأويلِ للنصوصِ لأدى ذلك إلى تعطيلِها، والأصلُ عدمُ التأويلِ إلا أن يمنعَ من إرادةِ ظاهرِ الحديثِ مانعٌ يجعلُ التأويلَ متعيناً بشرطِ أن يكونَ لهُ وجهٌ من اللغةِ، ومن تأويلاتِهم للحديثِ:
التأويلُ الأولُ: أنَّ المرادَ بأنهُ يستحقُّ بتركِ الصلاةِ عقوبةَ الكافرِ، وهي القتلُ.
لا يُعْرَفُ من النصوصِ الشرعيةِ أن جاءَ التعبيرُ عن القتلِ بلفظِ (الكفرِ) حتى يمكنَ حملُ الكفرِ عليهِ، كما أنَّ القتلَ ليس عقوبةً مختصةً بالكافرِ حتى يُحْمَلَ عليهِ الحديثُ، فقد يَحْرُمُ قتلُ الكافرِ كالذميِّ والمعاهَدِ، والمستأمِنِ، ويجبُ قتلُ المسلمِ كما لو ارتكبَ ما يوجبُ قتلَهُ، ولا يُقَالُ: كَفَرَ، كما لو قَتَلَ معصوماً عمداً، أو زنى وهو محصنٌ، أو سعى في الأرضِ فساداً ثم قُدِرَ عليهِ قبلَ أن يتوبَ إلى غيرِ ذلك من الذنوبِ.
التأويلُ الثاني: أنهُ محمولٌ على الجاحدِ، واستدلوا بأنَّ التركَ يأتي بمعنى الجحودِ بقولِهِ تعالى: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 37]. ولم يَكُ يوسفُ قد تلبسَ بكفرٍ ثم تركَهُ، وإنما عَبَّرَ بالتركِ عن الجحودِ والإنكارِ.
بأنَّ التركَ في اللغةِ: يُطْلَقُ على مفارقةِ الشيءِ، يُقَالُ: تركَ المنزلَ إذا فارقَهُ، وتركَ طعامَهُ وشرابَهُ إذا رفضَهُ واجتنبَهُ، وعليهِ يُحْمَلُ معنى قولِ يوسفَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ.
ومنهُ قولُهُ تعالى: ﴿ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ [الدخان: 24]. أي: فارِقْهُ كما هو.
كما يُطْلَقُ التركُ على التخليةِ، يُقَالُ: تَرَكَ الشيءَ إذا خَلَّاهُ، قال تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: 2]. أي: يُخَلَّوْا.
وقال تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [الدخان:25] ثم اُسْتُعِيرَ التركُ للإسقاطِ، فيُقَالُ: تركَ حقَّهُ: إذا أسقطَهُ، وتركَ ركعةً من الصلاةِ: أي أسقطها.
أنَّ الحكمَ مُعَلَّقٌ على التركِ، فمن علَّقَهُ على الجحودِ فقد خالفَ النصَّ مرتينِ، مرةً حين ألغى الوصفَ الذي رتبَ عليهِ الحكمَ، ومرةً أخرى حين علقَ الحكمَ على وصفٍ لا وجودَ لهُ في النصِّ، فالرسولُ ﷺ يقولُ: «فمن تركَها فقد كفرَ»، فلا يجوزُ أن يُقَالُ: إنَّ المعنى: من جحدَها فقد كفرَ.
لو كان الحكمُ مُعَلَّقاً بالجحودِ لم يكن لاختصاصِ الصلاةِ بهذا الحكمِ أيُّ معنىً، فكلُّ من جحدَ حكماً معلوماً من الدينِ بالضرورةِ فإنهُ يكفرُ بذلك، حتى ولو فعلَهُ، كالزكاةِ، والصيامِ، والحجِّ، والجهادِ، وغيرها من أحكامِ الشريعةِ الْمُجْمَعِ عليها.
التأويلُ الثالثُ: أنَّ حديثَ جابرٍ محمولٌ على الْمُسْتَحِلِّ.
ولا يساعدُ لفظُ الحديثِ على هذا التحريفِ، فالحديثُ يقولُ: من تركَها، وهم يقولونَ: من استحلَّ تركَها، فهذا من تقويلِ النبيِّ ﷺ ما لم يقلْهُ، ولو كان الحديثُ محمولاً على المستحلِّ لما كان لتخصيصِ الصلاةِ أيُّ معنىً، فكلُّ من استحلَّ ما هو حرامٌ مُجْمَعٌ على تحريمِهِ فهو كافرٌ ما لم يكن مثلُهُ يجهلُ.
التأويلُ الرابعُ: حملُ حديثِ جابرٍ على الكفرِ الأصغرِ الذي لا يخرجُ من الملةِ، أو أنهُ قد يؤولُ بهِ إلى الكفرِ، أو أنَّ فعلَهُ فعلُ الكفارِ.
أنَّ الرسولَ ﷺ جعلَ الصلاةَ حَدّاً فاصلاً بين الكفرِ والشركِ وبين الإسلامِ، والمتحادَّانِ لا يجتمعانِ؛ لانفصالِ بعضِهما عن بعضٍ.
إذا وردَ الكفرُ أو الشركُ مُعَرَّفاً بألْ:
حُمِلَ على الأكبرِ المُخْرِجِ من الملةِ؛ لأنهُ يقتضي إثباتَ حقيقةِ الكفرِ من كلِّ وجهٍ، وعليهِ يُحْمَلُ حديثُ: «بين الرجلِ وبين الشركِ والكفرِ تركُ الصلاةِ».
وأما إذا وردَ مُنَكَّراً، أو بصيغةِ الفعلِ كلفظِ «كَفَرَ أو أَشْرَكَ»:
احتملَ الأكبرَ، واحتملَ الأصغرَ الذي يُرَادُ بهِ التهديدُ والزجرُ.
كالحديثِ الذي رواهُ مسلمٌ من طريقِ الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «اثنتانِ في الناسِ هما بهم كفرٌ: الطعنُ في النسبِ والنياحةُ على الميتِ» [49].
فقولُهُ: «كُفْرٌ» وردَ مُنَكَّراً، فـيُحْمَلُ على الأصغرِ.
عطفُ الشركِ على الكفرِ فيهِ تأكيدٌ قويٌّ أنَّ المقصودَ بهِ هو الأكبرُ.
ولا يُسْتَشْكَلُ إطلاقُ الشركِ على الكفرِ، قال تعالى ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾ [الكهف: 35: 38].
فأطلقَ الشركَ على الكفرِ، ووجهُهُ أنَّ الشركَ يدخلُ في عمومِ الكفرِ، وهو شعبةٌ من شعبِ الكفرِ، وقد يُطْلَقُ الكفرُ على الشركِ، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:80].
وهذا من أقوى الأدلةِ على كفرِ تاركِ الصلاةِ، ولعلَّ هذا الحديثَ هو أقوى ما في البابِ، ولا يملكُ معهُ الباحثُ إلا بالتسليمِ بهِ، والحكمِ بمقتضاهُ.
ما رواهُ أحمدُ، قال: حدثنا عليُّ بنُ الحسنِ يعني ابنَ شقيقٍ، حدثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ بريدةَ، عن أبيهِ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاةُ، فمن تركَها فقد كفرَ» [50].
[تفردَ بهِ حسينُ بنُ واقدٍ عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ، وقد تُكُلِّمَ في روايتِهِ أحمدُ] [51].
ولفظُ «كَفَرَ» صيغةٌ فعليةٌ، ليست صريحةً في الكفرِ الأكبرِ كحديثِ جابرٍ.
روى مسلمٌ من طريقِ الحسنِ، عن ضبةَ بنِ محصنٍ، عن أمِّ سلمةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «ستكونُ أمراءُ فتعرفونَ وتنكرونَ، فمن عرفَ برئَ، ومن أنكرَ سلمَ، ولكن من رضيَ وتابعَ، قالوا: أفلا نقاتلُهم؟ قال: لا، ما صَلُّوا» [52].
وروى مسلمٌ من طريقِ رزيقِ بنِ حيانَ، عن مسلمِ بنِ قرظةَ، عن عوفِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال:
«خيارُ أئمتِكم الذين تحبونَهم ويحبونَكم، ويصلونَ عليكم وتصلونَ عليهم، وشرارُ أئمتِكم الذين تبغضونَهم ويبغضونَكم، وتلعنونَهم ويلعنونَكم، قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، أفلا ننابذُهم بالسيفِ؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاةَ، وإذا رأيتم من ولاتِكم شيئاً تكرهونَهُ، فاكرهوا عملَهُ، ولا تنزعوا يداً من طاعةٍ» [53].
وروى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ بسرِ بنِ سعيدٍ، عن جنادةَ بنِ أبي أميةَ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، قال:
«بايعنا على السمعِ والطاعةِ، في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنا، وعُسْرِنا ويُسْرِنا وأَثَرَةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمرَ أهلَهُ، إلا أن تَرَوْا كفراً بَوَاحاً، عندكم من اللهِ فيهِ برهانٌ» [54].
ففي حديثِ أمِّ سلمةَ وعوفٍ دليلٌ على منابذةِ الولاةِ وقتالِهم بالسيفِ إذا لم يقيموا الصلاةَ.
وفي حديثِ عبادةَ لا تجوزُ منازعةُ الولاةِ وقتالُهم إلا إذا أتوا كفراً صريحاً، عندنا فيهِ من اللهِ برهانٌ.
فدلَّ هذا على أنَّ تركَ الصلاةِ من الكفرِ البواحِ الذي فيهِ من اللهِ برهانٌ، وإلا لما جازَ منازعتُهم لتركِهم الصلاةَ، وأيُّ منازعةٍ أشدُّ من قتالِهم؟
بأنَّ الحديثَ في قتالِ أئمةِ الجَوْرِ الذين لا يصلونَ، وليس في قتلِ المقدورِ عليهِ منهم، وهناك فرقٌ، فليس كلُّ من جازَ قتالُهُ جازَ قتلُهُ، فـتاركُ الصلاةِ إن كان ممتنعاً عن أداءِ الصلاةِ جازَ قتالُهُ، كما يجوزُ قتالُ مانعِ الزكاةِ إذا امتنعَ عن أدائِها، فإذا قُدِرَ عليهِ عزرناهُ حتى يصليَ، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الحجرات: 9]. فأمرنا بقتالِ البغاةِ حتى يرجعوا عن القتلِ، فإذا قُدِرَ عليهم أُجْبِرُوا على ما وجبَ عليهم من الكفِّ عن الاقتتالِ.
ما رواهُ أحمدُ، قال: حدثنا أبو عبدِ الرحمنِ (هو عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ المقرئُ)، حدثنا سعيدٌ (هو ابنُ أبي أيوبَ)، حدثني كعبُ بنُ علقمةَ، عن عيسى بنِ هلالٍ الصدفيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ، عن النبيِّ ﷺ أنهُ: ذكرَ الصلاةَ يوماً فقال: «من حافظَ عليها كانت لهُ نوراً، وبرهاناً، ونجاةً يومَ القيامةِ، ومن لم يحافظْ عليها لم يكن لهُ نورٌ، ولا برهانٌ، ولا نجاةٌ، وكان يومَ القيامةِ مع قارونَ، وفرعونَ، وهامانَ، وأُبَيِّ بنِ خلفٍ» [55].
[انفردَ بهِ عيسى بنُ هلالٍ الصدفيُّ، وليس بالمشهورِ] [56].
الاستدلالُ بالإجماعِ على كفرِ تاركِ الصلاةِ.
والذين حكوا الإجماعَ: منهم من حكاهُ عن الصحابةِ:
فقد روى الترمذيُّ من طريقِ بشرِ بنِ المفضلِ، عن الجريريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ العقيليِّ، قال: «كان أصحابُ محمدٍ ﷺ لا يَرَوْنَ شيئاً من الأعمالِ تركُهُ كفرٌ غيرَ الصلاةِ» [57].
[رجالُهُ ثقاتٌ، واخْتُلِفَ في لفظِهِ ودلالتِهِ] [58].
وتخصيصُ الصلاةِ دونَ سائرِ الواجباتِ الشرعيةِ يبطلُ التأويلَ بأنَّ المقصودَ بهِ الكفرُ الأصغرُ الموجبُ للفسقِ.
أنَّ إسماعيلَ بنَ عليةَ، وهو أثبتُ الناسِ في الجريريِّ، وأرواهم عنهُ، رواهُ بلفظِ: ما علمنا شيئاً من الأعمالِ قِيلَ تركُهُ كفرٌ إلا الصلاةَ.
فهذا هو الأقربُ أن يكونَ محفوظاً من لفظِهِ، ولم ينسبْهُ للصحابةِ، وإنما نسبَهُ لعلمِهِ، وكونُهُ قِيلَ: إنَّ تركَ الصلاةِ كفرٌ لا ينازعُ في ذلك أحدٌ.
أنَّ الإمامَ أحمدَ رحمهُ اللهُ، وهو من أعلمِ الأئمةِ بالآثارِ، وأكثرِهم عنايةً بها خاصةً آثارَ الصحابةِ والتابعينَ، وهو ممن نُقِلَ عنهُ كفرُ تاركِ الصلاةِ -في إحدى الروايتينِ عنهُ- لم يحتجَّ ولو مرةً واحدةً على كفرِهِ بالإجماعِ.
ولو كان إجماعُ الصحابةِ محفوظاً لما غابَ مثلُ هذا عن علمِ الإمامِ أحمدَ، وعن الاحتجاجِ بهِ للمسألةِ، وأنَّ الإمامَ مالكاً والزهريَّ والشافعيَّ ومكحولاً، أعلمُ وأفقهُ بالسننِ والآثارِ من عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، وإن كان عبدُ اللهِ بنِ شقيقٍ متقدماً عليهم.
فلو كان هناك إجماعٌ قطعيٌّ لما غابَ مثلُ ذلك عن هؤلاءِ الأئمةِ، ولما ساغَ لهم خلافُهُ.
الآثارُ الصحيحةُ عن بعضِ الصحابةِ في كفرِ تاركِ الصلاةِ رُوِيَتْ عن ابنِ مسعودٍ، وعمرَ -رضيَ اللهُ عنهما-، ولا يُعْلَمُ لهما مخالفٌ من الصحابةِ، فقد يكونُ عبدُ اللهِ بنِ شقيقٍ حين رأى عدمَ وجودِ مخالفٍ لهما من الصحابةِ حكاهُ إجماعاً عنهم.
وهذا على افتراضِ أن تكونَ حكايةُ الإجماعِ ثابتةً عن عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، فإنَّ هذا هو معناهُ، وهذا يُسَلَّمُ من حيثُ الاحتجاجُ بكفرِ تاركِ الصلاةِ، فإنَّ الصحابيَّ إذا كفَّرَ تاركَ الصلاةِ، وقال هذا بمجمعٍ من الصحابةِ، ولم يُنْكَرْ، ولم يُنْقَلْ خلافٌ فإنهُ حجةٌ، ولكن من حيثُ دلالتُهُ على الإجماعِ القطعيِّ فغيرُ مُسَلَّمٍ، وإنما يُطْلَقُ عليهِ في الأصولِ الإجماعُ السكوتيُّ، وهو إجماعٌ ظنيٌّ، وفي الاحتجاجِ بهِ نزاعٌ.
والأصحُّ أنهُ حجةٌ، ولكن من خالفَهُ لا يكونُ بمنزلةِ من خالفَ الإجماعَ القطعيَّ، فإنَّ مخالفةَ الإجماعِ القطعيِّ يُزْرِي بالعالمِ، كيف إذا كان هذا العالمُ من أئمةِ هذا الدينِ، كـالزهريِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، ومكحولٍ، وروايةٍ عن أحمدَ، وغيرِهم؟
أيكونُ للصحابةِ إجماعٌ، ثم يخفى على علمِ هؤلاءِ؟
ولسنا نعصمُهم من الخطأِ، ولكن نستبعدُ عليهم مجتمعينَ أن يكونَ ثَمَّ إجماعٌ للصحابةِ في هذه المسألةِ، ثم لا يبلغَ هؤلاءِ.
ولهذا كانت عبارةُ المروزيِّ أدقَّ من حكايةِ ابنِ شقيقٍ وأفقهَ.
قال المروزيُّ بعدَ أن ذكرَ الأحاديثَ الدالةَ على كفرِ تاركِ الصلاةِ، وآثارَ الصحابةِ، قال:
«ذكرنا الأخبارَ المرويةَ عن النبيِّ ﷺ في إكفارِ تاركِها، وإخراجِهِ إياهُ من الملةِ … ثم جاءنا عن الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهم- مثلُ ذلك، ولم يجئْنا عن أحدٍ منهم خلافُ ذلك، ثم اختلفَ أهلُ العلمِ بعدَ ذلك …» [59].
هذا النصُّ عن المروزيِّ في غايةِ الإتقانِ، وصياغةٌ فقهيةٌ محكمةٌ، انتقلَ فيها من النصوصِ المرفوعةِ إلى آثارِ الصحابةِ، إلى دلالةِ هذهِ الآثارِ، إلى وقوعِ الخلافِ بعدَ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهم-، والنصوصُ المرفوعةُ وآثارُ الصحابةِ كافيةٌ في الاحتجاجِ.
ولسنا بحاجةٍ إلى حكايةِ إجماعٍ قطعيٍّ في المسألةِ، والخلافُ من لدنِ التابعينَ إلى يومِنا هذا، وهو يُحْكَى.
اعترضَ بعضُ المعاصرينَ بأنَّ ابنَ شقيقٍ قد روى عن جمعٍ قليلٍ من الصحابةِ، فلا تصحُّ منهُ دعوى الإجماعِ عن كلِّهم.
ورُدَّ هذا:
«بأنَّ عبدَ اللهِ بنَ شقيقٍ حاكٍ للإجماعِ، لا راوٍ عن الصحابةِ، وحاكي الإجماعِ لا يلزمُ أن يكونَ مدركاً لجميعِ من نُقِلَ عنهم الإجماعُ، فهذا محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ، وابنُ عبدِ البرِّ، والنوويُّ، وابنُ تيميةَ، وابنُ القيمِ وغيرُهم ينقلونَ إجماعَ الصحابةِ في مواضعَ كثيرةٍ، ولم يقلْ أحدٌ من العلماءِ: إنهم لم يسمعوا من الصحابةِ، فدعواهم مردودةٌ» [60].
وساقَ الحسنُ البصريُّ بلاغاً عن الصحابةِ بكفرِ تاركِ الصلاةِ، والبلاغُ مقطوعٌ:
روى أبو بكرٍ الخلالُ في «السنةِ» من طريقِ محمدِ بنِ جعفرٍ، قال: حدثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: «بلغني أنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ كانوا يقولونَ: بين العبدِ وبين أن يشركَ، فيكفرَ أن يدعَ الصلاةَ من غيرِ عذرٍ» [61].
[ضعيفٌ؛ لأنهُ بلاغٌ] [62].
ومنهم من أطلقَ الإجماعَ، ولم ينسبْهُ للصحابةِ.
فقد نقلَ الإجماعَ من التابعينَ: أيوبُ بنُ أبي تميمةَ السختيانيُّ.
روى المروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ»، قال: حدثنا محمدُ بنِ يحيى، قال: حدثنا أبو النعمانِ، قال: حدثنا حمادُ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: «تركُ الصلاةِ كفرٌ لا يُخْتَلَفُ فيهِ» [63].
[صحيحٌ] [64].
بأنَّ الزهريَّ خالفَهُ، والزهريُّ من التابعينَ، وخلافُهُ معتبرٌ، فلا يصحُّ حكايةُ الإجماعِ، ولكن يُؤْخَذُ منهُ أنَّ أيوبَ يقولُ بكفرِ تاركِ الصلاةِ، كما يقولُهُ نافعٌ وسعيدُ بنُ جبيرٍ، والحسنُ البصريُّ، وخالفهم الزهريُّ حيثُ قال بفسقِهِ.
فقد روى المروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» من طريقِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، أنهُ سُئِلَ عن الرجلِ، يتركُ الصلاةَ.
قال:
«إن كان إنما تركَها أنهُ ابتدعَ ديناً غيرَ دينِ الإسلامِ قُتِلَ، وإن كان إنما هو فاسقٌ ضُرِبَ ضرباً مُبَرِّحاً وسُجِنَ» [65].
والاحتجاجُ بالإجماعِ لا يكفي أن يوجدَ من ينقلُهُ لنا حتى يكونَ محفوظاً من الخرقِ.
فهذا الحديثُ قد يكونُ رجالُهُ عدولاً، ومتصلَ الإسنادِ، ومع ذلك يسقطُ الاحتجاجُ بهِ؛ لعدمِ سلامتِهِ من الشذوذِ.
فكذا الإجماعُ لا بدَّ من سلامتِهِ من الخرقِ، فإذا وُجِدَ مخالفٌ، ولو كان واحداً بطلَ الاحتجاجُ بهِ.
وممن حكى الإجماعَ إسحاقُ بنُ راهويهِ، قال:
«قد صحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّ تاركَ الصلاةِ عمداً كافرٌ، وكذلك كان رأيُ أهلِ العلمِ من لدنِ النبيِّ ﷺ إلى يومِنا هذا، أنَّ تاركَ الصلاةِ عمداً من غيرِ عذرٍ حتى يذهبَ وقتُها كافرٌ» [66].
قولُ إسحاقَ: إنَّ الإجماعَ من لدنِ النبيِّ ﷺ إلى عصرِ إسحاقَ غيرُ صحيحٍ، فالخلافُ في التابعينَ معلومٌ، وبعدَ التابعينَ مشهورٌ، فإما: أن تكونَ عبارةُ الإمامِ إسحاقَ لم تُحَرَّرْ.
أو يكونَ لها معنىً آخرُ.
فـالإمامُ أبو حنيفةَ، ومالكٌ والشافعيُّ، والزهريُّ ومكحولٌ، وروايةٌ عن أحمدَ لا يقولونَ بكفرِ تاركِ الصلاةِ، فيَبْعُدُ على فقيهٍ بمنزلةِ الإمامِ إسحاقَ ألا يكونَ قد أحاطَ علمُهُ بهذهِ الأقوالِ، فتعينَ تأويلُ كلامِهِ، أو حملُهُ على كلامٍ لهُ آخرَ، نقلَهُ ابنُ عبدِ البرِّ في «التمهيدِ»، وبهِ يزولُ الإشكالُ، جاءَ في «التمهيدِ»:
«قال إسحاقُ بنُ راهويهِ: كان رأيُ أهلِ العلمِ من لدنِ النبيِّ ﷺ إلى زمانِنا هذا: أنَّ تاركَ الصلاةِ عمداً من غيرِ عذرٍ حتى يذهبَ وقتُها كافرٌ، إذا أبى من قضائِها، وقال: لا أصليها» [67].
فهو يتحدثُ عن الممتنعِ، وليس مجردَ التاركِ، والممتنعُ نقلَ الإجماعَ على كفرِهِ ابنُ تيميةَ، قال ابنُ تيميةَ:
«متى امتنعَ الرجلُ من الصلاةِ حتى يُقْتَلَ لم يكن في الباطنِ مُقِرّاً بوجوبِها، ولا ملتزماً بفعلِها، وهذا كافرٌ باتفاقِ المسلمينَ» [68].
وقال أيضاً:
«يمتنعُ في الفطرةِ أن يكونَ الرجلُ يعتقدُ أنَّ اللهَ فرضَها عليهِ، وأن يعاقبَهُ على تركِها، ويصبرَ على القتلِ، ولا يسجدَ للهِ سجدةً، من غيرِ عذرٍ لهُ في ذلك، هذا لا يفعلُهُ بشرٌ قطُّ، بل ولا يُضْرَبُ أحدٌ ممن يُقِرُّ بوجوبِ الصلاةِ، إلا صَلَّى، لا ينتهي الأمرُ بهِ إلى القتلِ، وسببُ ذلك أنَّ القتلَ ضررٌ عظيمٌ، لا يصبرُ عليهِ الإنسانُ، إلا لأمرٍ عظيمٍ، مثلَ لزومِهِ لدينٍ، يعتقدُ أنهُ إن فارقَهُ هلكَ، فيصبرُ عليهِ حتى يُقْتَلَ، وسواءٌ أكان الدينُ حَقّاً أم باطلاً، أما مع اعتقادِهِ أنَّ الفعلَ يجبُ عليهِ باطناً وظاهراً، فلا يكونُ فعلُ الصلاةِ أصعبَ عليهِ من احتمالِ القتلِ قطُّ» [69].
كما أنَّ الإجماعَ على كفرِ تاركِ الصلاةِ لا يتفقُ عليهِ حتى أولئكَ الذين يقولونَ بكفرِ تاركِ الصلاةِ فقد اختلفوا في كفرِ من تركَ صلاةً واحدةً حتى خرجَ وقتُها، فهناك من يقولُ:
لا يكفرُ حتى يتركَ الصلاةَ بالكليةِ.
وهناك من يشترطُ تركَ أكثرَ من صلاةٍ.
فكيف يُحْتَجُّ بإجماعٍ يخالفُهُ بعضُ من يقولُ بكفرِ تاركِ الصلاةِ، أليست هذهِ المخالفةُ دليلاً على عدمِ صحةِ الإجماعِ المحكيِّ من الإمامِ إسحاقَ؟
وردتْ آثارٌ من بعضِ الصحابةِ تدلُّ على كفرِ تاركِ الصلاةِ، بعضُها صريحُ الدلالةِ، وبعضُها غيرُ صريحٍ، وبعضُها ضعيفٌ، من ذلك:.
ما رواهُ عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ قال: لما طُعِنَ عمرُ احتملتُهُ أنا ونفرٌ من الأنصارِ، حتى أدخلناهُ منزلَهُ فلم يزلْ في غشيةٍ واحدةٍ حتى أسفرَ، فقال رجلٌ: إنكم لن تفزعوهُ بشيءٍ إلا بـالصلاةِ. قال: فقلنا: الصلاةَ يا أميرَ المؤمنينَ. قال: ففتحَ عينيهِ، ثم قال: أصلى الناسُ؟ قلنا: نعم. قال: «أما إنهُ لا حَظَّ في الإسلامِ لأحدٍ تركَ الصلاةَ»، فصلى وجرحُهُ يثعبُ دماً [70].
[صحيحٌ] [71].
بأنَّ الحظَّ هو النصيبُ، فيكونُ المعنى: لا نصيبَ لهُ في الإسلامِ، وهذا يعني خروجَهُ من الإسلامِ.
بأنَّ أثرَ عمرَ يحتملُ معنيينِ، أحدهما ما تقدمَ.
والثاني: أنهُ لا كبيرَ حَظٍّ لهُ، كما قِيلَ: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، أرادَ مستكملَ الإيمانِ، ولا يجوزُ اعتقادُ خروجِ الإيمانِ منهُ كلِّهِ؛ إذ لو خرجَ الإيمانُ منهُ كلُّهُ لكان إن مات في نفسِ فعلِ الزنا أو نفسِ السرقةِ كان كافراً.
ومنهُ قولُهُ: «من غشنا فليس منا»، ومن ذلك قولُهُ: «لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ»، و«لا إيمانَ لمن لا أمانةَ لهُ» [72].
إذا احتملَ كلامُ عمرَ معنيينِ، فإن اعتبرناهُ من المجملِ: فإنهُ يتضحُ المرادُ بما جاءَ مرفوعاً: «بين الرجلِ وبين الكفرِ والشركِ تركُ الصلاةِ».
وحملُ معنى كلامِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- على موافقةِ المعنى المرفوعِ أَوْلَى من تعطيلِهِ بدعوى أنهُ مجملٌ يحتملُ أحدَ معنيينِ، فيتعينُ المعنى الأولُ، وهو نفيُ النصيبِ، وليس نفيَ الكمالِ، واللهُ أعلمُ.
من الآثارِ ما رواهُ محمدُ بنُ نصرٍ، قال: حدثنا إسحاقُ، أخبرنا وكيعٌ، عن القاسمِ والحسنِ بنِ سعدٍ، قالا: قِيلَ لـابنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: إنَّ اللهَ تعالى يكثرُ ذكرَ الصلاةِ في القرآنِ: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾ [المعارج: 23]، ﴿ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المعارج: 34].
قال عبدُ اللهِ: «ذلك على مواقيتِها». قالوا: ما كنا نرى يا أبا عبدِ الرحمنِ إلا على تركِها؟ قال: «تركُها الكفرُ» [73].
[صحيحٌ، وهذا إسنادٌ منقطعٌ] [74].
وروى عبدُ اللهِ بنِ أحمدَ في كتابِ «السنةِ» من طريقِ سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زرِّ بنِ حبيشٍ، عن عبدِ اللهِ، قال:
«من لم يُصَلِّ فلا دينَ لهُ» [75].
[حسنٌ] [76].
والأثرُ الأولُ أصرحُ في الدلالةِ؛ لأنهُ جعلَهُ في مقابلِ ما لا يُخْتَلَفُ في فسقِهِ، وهو تأخيرُ الصلاةِ عن وقتِها.
قال ابنُ تيميةَ في «شرحِ العمدةِ»:
«ويدلُّ على ذلك أنَّ عمرَ وابنَ مسعودٍ وغيرَهما من السلفِ جعلوا تركَ الصلاةِ كفراً، وتأخيرَها عن وقتِها إثماً ومعصيةً، وفسروا بذلك قولَهُ تعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 5]، وقولَهُ سبحانَهُ تعالى: ﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾ ….» [77].
ومنها ما رواهُ أبو بكرٍ الخلالُ، حدثنا أبو عبدِ اللهِ، قال: حدثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: حدثنا ابنُ جابرٍ، حدثني عبدُ اللهِ بنِ أبي زكريا، أنَّ أمَّ الدرداءِ حدثتْهُ، أنها سمعت أبا الدرداءِ يقولُ:
«لا إيمانَ لمن لا صلاةَ لهُ، ولا صلاةَ لمن لا وضوءَ لهُ» [78].
[إسنادُهُ صحيحٌ] [79].
إلا أنَّ نفيَ الإيمانِ تارةً يُرَادُ بهِ نفيُ الإيمانِ الكاملِ، كالحديثِ الذي رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ قتادةَ، عن أنسٍ مرفوعاً: «لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيهِ ما يحبُّ لنفسِهِ» [80].
وتارةً يُرَادُ بهِ نفيُ الصحةِ، كحديثِ «لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ».
وقد يُقَالُ: إنَّ هذا من قبيلِ المجملِ، ويُسْتَعَانُ بالنصوصِ المرفوعةِ لترجيحِ أحدِ المعنيينِ، وحديثُ جابرٍ نصٌّ في أنَّ تاركَ الصلاةِ كافرٌ، فيتعينُ أنَّ النفيَ متجهٌ للصحةِ، وليس للكمالِ، واللهُ أعلمُ.
ورُوِيَ كفرُهُ عن عليٍّ وابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهما- [81]، ولا يصحُّ منها شيءٌ.
ظاهرُ الأدلةِ تدلُّ على كفرِ تاركِ الصلاةِ.
وهي مسألةٌ خلافيةٌ. والخلافُ فيها من الخلافِ القويِّ.
ولا ينبغي بل لا يسوغُ أن يُتَّهَمَ من قال بكفرِهِ بأنهُ يتشبهُ بمذهبِ الخوارجِ، كما لا يسوغُ أن يُرْمَى من قال بعدمِ كفرِهِ بأنهُ متأثرٌ بمذهبِ الإرجاءِ إلا أن يُصَرِّحَ بأنَّ عدمَ كفرِهِ راجعٌ لكونِ الصلاةِ عملاً، والعملُ لا دَخْلَ لهُ في مسمى الإيمانِ.
أما إذا كان لا يرى الأدلةَ كافيةً لتكفيرِهِ:
فلا يسوغُ أن يُتَّهَمَ ببدعةِ الإرجاءِ، وكنتُ أتشوَّفُ أن يفضيَ البحثُ إلى عدمِ كفرِهِ، ومن لا يحبُّ ذلك؟ إلا أنَّ الأحكامَ الشرعيةَ لا تخضعُ لرغباتِنا، وما تميلُ إليهِ نفوسُنا.
فأرى أنَّ القولَ بكفرِهِ هو ظاهرُ النصوصِ، ومن قال بهِ فهو سالمٌ من التأويلِ المتكلفِ.
وكما قلتُ: الخلافُ ليس من قبيلِ الخلافِ الضعيفِ، ولهذا جرى بين المذاهبِ الإسلاميةِ، من لدنِ التابعينَ إلى يومِنا هذا، واللهُ أعلمُ.
وانظر قولَ أيوبَ في كتابِ «تعظيمِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (2/925).
وانظر قولَ أبي داودَ الطيالسيِّ وابنِ المباركِ وإسحاقَ وأبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ، وزهيرِ بنِ حربٍ في كتابِ «تعظيمِ الصلاةِ» (2/929، 926)، وكتابِ: «الصلاةِ وحكمِ تاركِها» (ص: 53-54).
فأما روايةُ المخدجيِّ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ:
فرواها يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، ورواهُ عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ جماعةٌ من الرواةِ، منهم:.
الراوي الأولُ: مالكٌ كما في «الموطأِ»، ومن طريقِ مالكٍ أخرجَهُ أبو داودَ (1420)، والنسائيُّ في «المجتبى» (461)، وفي «الكبرى» (318)، والمروزيُّ في «مختصرِ قيامِ الليلِ» ص (271)، وفي «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (1030)، والطحاويُّ في «مشكلِ الآثارِ» (3167) والشاشيُّ في «مسندِهِ» (1286)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (2/8، 466)، (10/217)، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ، عن ابنِ محيريزٍ، عن رجلٍ من كنانةَ يُدْعَى المخدجيَّ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ مرفوعاً.
والمخدجيُّ فيهِ جهالةٌ، لم يَرْوِ عنهُ إلا ابنُ محيريزٍ، ولم يوثقْهُ أحدٌ إلا ابنُ حبانَ، وقد رواهُ مالكٌ بلفظِ: «(خمسُ صلواتٍ كتبَهنَّ اللهُ عزَّ وجلَّ على العبادِ، فمن جاءَ بهنَّ، لم يُضَيِّعْ منهنَّ شيئاً استخفافاً بحقِّهنَّ، كان لهُ عند اللهِ عهدٌ أن يدخلَهُ الجنةَ. ومن لم يَأْتِ بهنَّ، فليس لهُ عند اللهِ عهدٌ. إن شاءَ عذبَهُ، وإن شاءَ أدخلَهُ الجنةَ)».
فظاهرُ هذا اللفظِ (فمن جاءَ بهنَّ …. ومن لم يَأْتِ بهنَّ) أي تركَهنَّ.
الراوي الثاني: يزيدُ بنُ هارونَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ:.
واخْتُلِفَ على يزيدَ بنِ هارونَ في لفظِهِ، وفي إسنادِهِ:.
فرواهُ أحمدُ (5/315)، والدارميُّ (1577)،
ومحمدُ بنُ يحيى (الذهليُّ) كما في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (1029)، ثلاثتُهم عن يزيدَ بنِ هارونَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ بهِ، بلفظِ مالكٍ مجملاً (من أتى بهنَّ لم يُضَيِّعْ منهنَّ شيئاً استخفافاً بحقِّهنَّ كان لهُ عند اللهِ عهدٌ أن يدخلَهُ الجنةَ، ومن لم يَأْتِ بهنَّ ….).
ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (6852).
والشاشيُّ في «مسندِهِ» (1281) عن عيسى بنِ أحمدَ العسقلانيِّ، كلاهما عن يزيدَ بنِ هارونَ بهِ، بلفظِ: (ومن أنقصَهنَّ من حقِّهنَّ شيئاً جاءَ، وليس لهُ عند اللهِ عهدٌ، إن شاءَ عذبَهُ …..). الحديث.
وهذا اللفظُ مغايرٌ لما رواهُ أحمدُ والدارميُّ والذهليُّ؛ لأنَّ لفظَ: (ومن أنقصَهنَّ …) يدلُّ على عدمِ التركِ بالكليةِ، بخلافِ لفظِ أحمدَ ومن معهُ، (ومن لم يَأْتِ بهنَّ ….).
كما قد اخْتُلِفَ على يزيدَ بنِ هارونَ في إسنادِهِ، فرواهُ أحمدُ والدارميُّ، وابنُ أبي شيبةَ، والشاشيُّ عن العسقلانيِّ، كلُّهم عن يزيدَ بنِ هارونَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حيانَ، عن ابنِ محيريزٍ، عن المخدجيِّ، عن عبادةَ.
ورواهُ الشاشيُّ في «مسندِهِ» (1282) عن العسقلانيِّ،
ورواهُ أيضاً (1287) حدثنا أبو محمدِ بنُ القاسمِ بنِ الحسنِ الصائغُ،
ورواهُ ابنُ حبانَ (1731) من طريقِ أحمدَ بنِ سنانٍ القطانِ، ثلاثتُهم عن يزيدَ بنِ هارونَ، عن محمدِ بنِ عمروٍ، عن محمدِ بنِ يحيى بهِ، باستبدالِ يحيى بنِ سعيدٍ بـمحمدِ بنِ عمروٍ، وقد رواهُ الشاشيُّ باللفظِ المجملِ، وابنُ حبانَ باللفظِ المفصلِ: (ومن جاءَ بهنَّ، وقد انتقصَ من حقِّهنَّ شيئاً فليس لهُ عند اللهِ عهدٌ …).
الراوي الثالثُ: يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ:.
رواهُ أحمدُ (5/319) عن يحيى بنِ سعيدٍ القطانِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ بهِ، بلفظِ: (….من أتى بهنَّ لم يُضَيِّعْ منهنَّ شيئاً جاءَ، ولهُ عهدٌ عند اللهِ أن يدخلَهُ الجنةَ، ومن ضيَّعَهنَّ استخفافاً …). والتضييعُ يشملُ التركَ بالكليةِ، ويشملُ الانتقاصَ منهنَّ.
الراوي الرابعُ: معمرٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ.
رواهُ الطبرانيُّ في «مسندِ الشاميينَ» (2181) من طريقِ عبدِ الرزاقِ عن معمرٍ وسفيانَ، كلاهما عن يحيى بنِ سعيدٍ بهِ، باللفظِ المجملِ.
وهو في «مصنفِ عبدِ الرزاقِ» (4575) عن معمرٍ أو ابنِ عيينةَ. ولعلَّ الصوابَ في (أو) أنها (وابنِ عيينةَ) كما في «مسندِ الشاميينَ» لـالطبرانيِّ، خاصةً أنَّ روايةَ ابنِ عيينةَ قد رواها جماعةٌ عنهُ من غيرِ طريقِ عبدِ الرزاقِ كما سيأتي إن شاءَ اللهُ تخريجُها.
الراوي الخامسُ: سفيانُ بنُ عيينةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ.
رواهُ الحميديُّ في «مسندِهِ» (392)، ومن طريقِهِ ابنُ عبدِ البرِّ في «التمهيدِ» (23/291).
ومحمدُ بنُ أبي عمرَ العدنيُّ كما في «مسندِ الشاميينَ» لـالطبرانيِّ (2182).
وعبدُ الرزاقِ كما في «مسندِ الشاميينَ» لـالطبرانيِّ (2181).
ومحمدُ بنُ منصورٍ الجوازُ، وابنُ المقرئِ كما في «طبقاتِ المحدثينَ بأصبهانَ» (1118) خمستُهم رووهُ عن سفيانَ، حدثنا يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ بهِ، بنحوِ لفظِ مالكٍ مجملاً: (من أتى بهنَّ لم ينتقصْ من حقِّهنَّ شيئاً للقادرينَ كان حَقّاً على اللهِ عزَّ وجلَّ أن يدخلَهُ الجنةَ، ومن لم يَأْتِ بهنَّ فليس لهُ عند اللهِ عهدٌ إن شاءَ غفرَ لهُ، وإن شاءَ عذبَهُ …) بلفظٍ مجملٍ بنحوِ روايةِ مالكٍ، ومن وافقَهُ.
إلا أنَّ الحميديَّ قال في «مسندِهِ»: (عن ابنِ محيريزٍ أنَّ المخدجيَّ قال لـعبادةَ)، بينما روايةُ الحميديِّ في «التمهيدِ»، وروايةُ البقيةِ رووهُ عن ابنِ محيريزٍ عن المخدجيِّ.
الراوي السادسُ: الليثُ بنُ سعدٍ.
رواهُ الطحاويُّ في «مشكلِ الآثارِ» (3168) من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ صالحٍ، قال: حدثني الليثُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ بهِ، بذكرِ المخدجيِّ، ولم يذكرْ لفظَهُ، وإنما أحالَ على لفظِ مالكٍ.
ورواهُ البيهقيُّ في «شعبِ الإيمانِ» (2564) من طريقِ يحيى بنِ بكيرٍ، حدثنا الليثُ بهِ، وذكرَ اللفظَ: (ومن لم يَأْتِ بهنَّ فليس لهُ عند اللهِ عهدٌ …).
الراوي السابعُ: حمادُ بنُ سلمةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ.
رواهُ البيهقيُّ في «السننِ» (1/361) من طريقِ أبي عمروٍ الضريرِ، حدثنا حمادٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ، عن ابنِ محيريزٍ، عن رجلٍ من كنانةَ، عن عبادةَ (والرجلُ الذي من كنانةَ هو المخدجيُّ). بلفظٍ محتملٍ: (ومن لم يوافِ بهنَّ استخفافاً بحقِّهنَّ …). فقولُهُ: (لم يوافِ) يحتملُ لم يوافِ بهنَّ كاملاتٍ، ويحتملُ لم يوافِ بهنَّ بالجملةِ، بمعنى لم يَأْتِ بهنَّ.
الراوي الثامنُ: هشيمٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ.
رواهُ هشيمٌ، كما في «صحيحِ ابنِ حبانَ» (1732)، قال: أخبرنا يحيى بنِ سعيدٍ، أخبرنا محمدُ بنِ يحيى، عن ابنِ محيريزٍ، قال: جاءَ رجلٌ إلى عبادةَ بنِ الصامتِ بهِ، وذكرَ لفظَهُ مفصلاً: (ومن جاءَ بهنَّ، وقد انتقصَهنَّ استخفافاً بحقِّهنَّ…).
والرجلُ المبهمُ في هذا الإسنادِ هو المخدجيُّ.
هذا فيما يتعلقُ بطريقِ يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ رحمهُ اللهُ، ونلحظُ فيهِ ما يأتي.
الأولُ: الاختلافُ في إسنادِهِ، فرواهُ مالكٌ، ويزيدُ بنُ هارونَ، وابنُ القطانِ، وابنُ عيينةَ، ومعمرٌ، وحمادٌ، والليثُ عن يحيى بنِ سعيدٍ بذكرِ المخدجيِّ.
وخالفهم هشيمٌ، فرواهُ عن يحيى بنِ سعيدٍ، دونَ ذكرِ المخدجيِّ، ولا شكَّ في شذوذِها.
الثاني: أنَّ الحديثَ رُوِيَ عن يحيى بنِ سعيدٍ مجملاً، ومفصلاً، فرواهُ مالكٌ، والقطانُ وابنُ عيينةَ، ومعمرٌ، وحمادٌ، والليثُ بلفظٍ مجملٍ: (ومن لم يَأْتِ بهنَّ).
ورواهُ هشيمٌ بلفظٍ مفصلٍ بالانتقاصِ منهنَّ، وقد رواهُ غيرُ يحيى بنِ سعيدٍ بلفظِ الانتقاصِ، فهو محفوظٌ، منهم:.
الأولُ: عبدُ ربهِ بنُ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ يحيى.
رواهُ ابنُ ماجهْ (1401) وابنُ حبانَ (2417) من طريقِ ابنِ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن عبدِ ربهِ ابنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ، عن ابنِ محيريزٍ، عن المخدجيِّ بهِ، بلفظِ: (ومن جاءَ بهنَّ قد انتقصَ منهنَّ شيئاً استخفافاً بحقِّهنَّ ….).
ورواهُ الطبرانيُّ في «مسندِ الشاميينَ» (2183) من طريقِ عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ المجيدِ الحنفيِّ، حدثنا شعبةُ بهِ، بلفظِ: (ومن لم يجئْ بهنَّ يومَ القيامةِ استخفافاً بحقِّهنَّ …).
الثاني: سعدُ بنُ سعيدٍ أخو يحيى بنِ سعيدٍ (صدوقٌ سيِّئُ الحفظِ)، عن محمدِ بنِ يحيى.
رواهُ الطبرانيُّ في «مسندِ الشاميينَ» (2184) من طريقِ عمروِ بنِ عليٍّ المقدميِّ، عن سعدِ بنِ سعيدٍ أخي يحيى، عن محمدِ بنِ يحيى بهِ بذكرِ المخدجيِّ، وباللفظِ المفصلِ: (ومن أتى بهنَّ وقد انتقصَ منهنَّ شيئاً استخفافاً بحقِّهنَّ كان أمرُهُ إلى اللهِ إن شاءَ عذبَهُ، وإن شاءَ عفا عنهُ).
الثالثُ: نافعُ بنُ أبي نعيمٍ (صدوقٌ)، عن محمدِ بنِ يحيى.
أخرجَهُ الطبرانيُّ في «مسندِ الشاميينَ» (2186) من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ الفهميِّ (ثقةٌ).
وابنُ المقرئِ في «معجمِهِ» (1272) من طريقِ خالدِ بنِ مخلدٍ الكوفيِّ (فيهِ ضعفٌ يسيرٌ) كلاهما عن نافعِ بنِ أبي نعيمٍ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ بهِ، بذكرِ المخدجيِّ، ولفظُ الطبرانيِّ لفظٌ مفصلٌ: (ومن أتى بهنَّ وقد انتقصَ منهنَّ شيئاً استخفافاً بحقِّهنَّ …).
ولفظُ ابنُ المقرئِ لفظٌ مجملٌ: (ومن لم يَأْتِ بهنَّ لم يكن لهُ عند اللهِ عهدٌ …). كما أنَّ شيخَ ابنِ المقرئِ أبا محمدٍ قاسمَ بنَ عبيدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ مخلدٍ، قاضي حصنِ منصورٍ (فيهِ جهالةٌ).
ورواهُ ابنُ أبي عاصمٍ في «السنةِ» (967) من طريقِ محمدِ بنِ خالدِ بنِ عثمةَ، عن نافعِ بنِ أبي نعيمٍ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ، عن ابنِ محيريزٍ، عن أبي رفيعٍ، عن عبادةَ، باللفظِ المجملِ.
وأبو رفيعٍ: هو المخدجيُّ، كناهُ بذلك المزيُّ في «تهذيبِ الكمالِ».
الرابعُ: ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ يحيى.
رواهُ أحمدُ (5/322) من طريقِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ، حدثنا محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ بهِ، بلفظٍ مفصلٍ: (ومن لقيَهُ وقد انتقصَ منهنَّ شيئاً استخفافاً بحقِّهنَّ ….). وقد صَرَّحَ ابنُ إسحاقَ بالتحديثِ، والراوي عنهُ إبراهيمُ بنِ سعدٍ لهُ عنايةٌ خاصةٌ بألفاظِ ابنِ إسحاقَ.
فهؤلاءِ أربعةُ طرقٍ تُصُرِّحَ فيها بالتفصيلِ، وأنَّ الوعدَ خاصٌّ لمن انتقصَ من هذه الصلواتِ، لا لمن تركَها بالكليةِ، واللهُ أعلمُ.
وكلُّ هذه الطرقِ تتفقُ على ذكرِ المخدجيِّ في إسنادِهِ:.
واخْتُلِفَ على محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ بذكرِ المخدجيِّ:.
فرواهُ يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريُّ، وعبدُ ربهِ بنِ سعيدٍ، وسعدُ بنِ سعيدٍ، ونافعُ بنِ أبي نعيمٍ، ومحمدُ بنِ إسحاقَ، رووهُ عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ، عن ابنِ محيريزٍ، عن المخدجيِّ، عن عبادةَ.
وخالفهم كلٌّ من:.
سعدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عجرةَ كما في «التاريخِ الكبيرِ» لـالبخاريِّ معلقاً (1/387).
وعمروِ بنِ يحيى المازنيِّ، كما في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (1031)، و«شرحِ معاني الآثارِ» لـالطحاويِّ (1031).
ومحمدِ بنِ عجلانَ كما في «شرحِ معاني الآثارِ» لـالطحاويِّ (3172).
وزيدِ بنِ أسلمَ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ في «العللِ» (239) من طريقِ أبي صالحٍ، عن الليثِ، عن هشامِ بنِ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ.
وعقيلِ بنِ خالدٍ رواهُ الطبرانيُّ في «مسندِ الشاميينَ» (2187) من طريقِ محمدِ بنِ عزيزٍ الأيليِّ، حدثنا سلامةُ بنِ روحٍ، عن عقيلِ بنِ خالدٍ، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، فالأيليُّ فيهِ لينٌ، وتكلموا في صحةِ سماعِهِ من ابنِ عمِّهِ سلامةَ بنِ روحٍ، وسلامةُ نفسُهُ ضعيفٌ، وتكلموا في صحةِ سماعِهِ من عمِّهِ عقيلٍ.
أربعتُهم (عمروُ بنِ يحيى وابنُ عجلانَ، وزيدُ بنِ أسلمَ، وعقيلٌ) رووهُ عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ، عن ابنِ محيريزٍ، عن عبادةَ دونَ ذكرِ المخدجيِّ.
وروايةُ يحيى بنِ سعيدٍ ومن تابعَهُ هي المحفوظةُ للأسبابِ التاليةِ:.
الأولُ: عقيلٌ لم يصحَّ الطريقُ إليهِ.
الثاني: أنَّ ابنَ عجلانَ رواهُ مرةً بإسقاطِ المخدجيِّ كما سبقَ، ورواهُ أخرى بذكرِ المخدجيِّ رواهُ الطبرانيُّ في «مسندِ الشاميينَ» من طريقِ ابنِ عيينةَ، عن ابنِ عجلانَ ويحيى بنِ سعيدٍ، كلاهما عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ عن عبدِ اللهِ بنِ محيريزٍ، عن المخدجيِّ، عن عبادةَ.
وهذا الطريقُ أَوْلَى أن يكونَ هو المحفوظَ عن ابنِ عجلانَ؛ لموافقتِهِ الجماعةَ..
الثالثُ: أنَّ سعدَ بنِ إسحاقَ أيضاً رواهُ مرةً بإسقاطِ المخدجيِّ كما سبقَ، ورواهُ أخرى بإثباتِهِ، فقد رواهُ محمدُ بنِ نصرٍ المروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (1032)، والطبرانيُّ في «مسندِ الشاميينَ» (2185) من طريقِ سعدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عجرةَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ، عن ابنِ محيريزٍ، عن المخدجيِّ، عن عبادةَ.
ومحمدُ بنِ إبراهيمَ هو التيميُّ الثقةُ.
وقد تُوبِعَ محمدُ بنِ يحيى، تابعَهُ إبراهيمُ بنِ أبي عبلةَ:.
أخرجَهُ الطبرانيُّ في «مسندِ الشاميينَ» (2188) من طريقِ يحيى بنِ أبي الخصيبِ، حدثنا هانئُ ابنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عبلةَ، عن عمِّهِ إبراهيمَ بنِ أبي عبلةَ، حدثني ابنِ محيريزٍ، عن المخدجيِّ، قال: تنازعتُ أنا وأبو محمدٍ رجلٌ من الأنصارِ في الوترِ … وذكرَ الحديثَ باللفظِ المفصلِ، وفيهِ: (…. ومن لقيَهُ قد انتقصَ شيئاً منهنَّ استخفافاً بحقِّهنَّ …).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ إلا أنهُ صالحٌ في المتابعاتِ، فيهِ هانئُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عبلةَ ذكرهُ ابنُ حبانَ في «الثقاتِ»، وقال: يغربُ، ولم يوثقْهُ أحدٌ غيرُهُ.
وهذا الإسنادُ في كلِّ طرقِهِ السابقةِ فيها المخدجيُّ، وهو رجلٌ مجهولٌ، فإن قِيلَ: إدخالُ مالكٍ لهذا الحديثِ في «الموطأِ» ألا يُعْتَبَرُ بمنزلةِ التوثيقِ لهُ؟ فالجوابُ أنَّ ذلك ممكنٌ لو كان المخدجيُّ مدنياً، أما وهو من الشامِ فلا يُعْتَبَرُ تخريجُهُ معرفةً لهُ، ولذلك لما سُئِلَ عنهُ، قال مالكٌ: «المخدجيُّ لقبٌ، وليس بنسبٍ».
وخالفَهُ الليثُ، فقال في روايتِهِ: «أنَّ رجلاً من بني كنانةَ ثم من بني مخدجٍ» فجعلَ ذلك من النسبِ، قال عياضٌ في «المشارقِ» (1/404): «قال مالكٌ: هو لقبٌ لهُ، وقال غيرُهُ: هو نسبٌ، وبنو مخدجٍ بطنٌ من كنانةَ».
وانظر كتابَ «فضلِ الرحيمِ الودودِ تخريجِ سننِ أبي داودَ» (5/230).
وأما روايةُ عبدِ اللهِ الصنابحيِّ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ:.
فرواها زيدُ بنِ أسلمَ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ:.
رواهُ أحمدُ (5/317) حدثنا حسينُ بنِ محمدٍ،
وأبو داودَ (425)، والمروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (1034) والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/366) من طريقِ يزيدَ بنِ هارونَ.
والطبرانيُّ في «الأوسطِ» (4658، 9315) والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (2/215)، من طريقِ آدمَ بنِ أبي إياسٍ، ثلاثتُهم عن محمدِ بنِ مطرفٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن الصنابحيِّ، قال: زعمَ أبو محمدٍ أنَّ الوترَ واجبٌ، فقال عبادةُ بنِ الصامتِ: كذبَ أبو محمدٍ، وفيهِ: (… من أحسنَ وضوءَهنَّ وصلاهنَّ لوقتِهنَّ، فأتمَّ ركوعَهنَّ وسجودَهنَّ وخشوعَهنَّ كان لهُ عند اللهِ عهدٌ أن يغفرَ لهُ، ومن لم يفعلْ فليس لهُ عند اللهِ عهدٌ ….).
هكذا رواهُ محمدُ بنِ مطرفٍ، وخالفَهُ هشامُ بنِ سعدٍ كما في «العللِ» لـابنِ أبي حاتمٍ (239) فرواهُ عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ، عن ابنِ محيريزٍ، عن عبادةَ ….).
فرجعَ حديثُ زيدِ بنِ أسلمَ إلى حديثِ ابنِ محيريزٍ، وقد رجَّحَ أبو حاتمٍ في «العللِ» روايةَ هشامِ بنِ سعدٍ، أولاً؛ لأنَّ هشامَ بنِ سعدٍ من أثبتِ الناسِ في زيدِ بنِ أسلمَ، ولأنَّ الحديثَ مشهورٌ من طريقِ ابنِ محيريزٍ، وغريبٌ من حديثِ الصنابحيِّ.
جاءَ في «العللِ» لـابنِ أبي حاتمٍ (239): «وسألتُ أبي عن حديثٍ رواهُ أبو غسانَ محمدُ بنِ مطرفٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ (سقطَ من إسنادِهِ الصنابحيُّ)، عن عبادةَ، عن النبيِّ ﷺ … وذكرَ الحديثَ، قال أبي: سمعتُ هذا الحديثَ عن عبادةَ منذُ حينٍ، وكنتُ أنكرُهُ، ولم أفهمْ عورتَهُ حتى رأيتُهُ الآنَ. أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الرحمنِ بنِ أبي حاتمٍ، قال: حدثنا أبي؛ قال: حدثنا أبو صالحٍ، عن الليثِ، عن هشامِ بنِ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبانَ، عن ابنِ محيريزٍ، عن عبادةَ، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ … فعلمتُ أنَّ الصحيحَ هذا، وأنَّ محمداً بنَ مطرفٍ لم يضبطْ هذا الحديثَ، وكان محمدُ بنِ مطرفٍ ثقةً».
وقد اعتمدَ ابنُ عبدِ البرِّ على طريقِ الصنابحيِّ في تصحيحِ الحديثِ، وقد علمتَ أنَّ إسنادَها شاذٌّ، واللهُ أعلمُ.
وأما روايةُ أبي إدريسَ الخولانيِّ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ:.
فرواها أبو داودَ الطيالسيُّ ط هجرَ (574)، قال: قال: حدثنا زمعةُ، عن الزهريِّ، عن أبي إدريسَ الخولانيِّ، قال: كنتُ في مجلسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ فيهم عبادةُ بنِ الصامتِ فذكروا الوترَ فقال بعضُهم: واجبٌ وقال بعضُهم: سنةٌ فقال عبادةُ بنِ الصامتِ: أما أنا فأشهدُ أني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: وفيهِ: (….إني قد فرضتُ على أمتِكَ خمسَ صلواتٍ من وافى بهنَّ على وضوئِهنَّ ومواقيتِهنَّ وركوعِهنَّ وسجودِهنَّ فإنَّ لهُ عندي بهنَّ عهداً أن أُدْخِلَهُ بهنَّ الجنةَ، ومن لقيني قد انتقصَ من ذلك شيئاً أو كلمةً شبهَها فليس لهُ عندي عهدٌ إن شئتُ عذبتُهُ وإن شئتُ رحمتُهُ).
ومن طريقِ زمعةَ أخرجَهُ المروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (1054)، والبزارُ (2724)، وأبو نعيمٍ في «الحليةِ» (5/126).
قال أبو نعيمٍ (5/127): «غريبٌ من حديثِ الزهريِّ، لم يَرْوِهِ عنهُ بهذا اللفظِ إلا زمعةُ، وإنما يُعْرَفُ من حديثِ ابنِ محيريزٍ، عن المخدجيِّ، عن عبادةَ».
وزمعةُ ضعيفٌ، وقد تفردَ بهذا الحديثِ عن الزهريِّ.
وأما روايةُ الوليدِ بنِ عبادةَ بنِ الصامتِ، عن عبادةَ:.
فرواها المروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (1053)، قال: حدثنا محمدُ بنِ يحيى، قال: حدثنا أبو نعيمٍ، قال: حدثنا النعمانُ نسبَهُ أبو نعيمٍ في غيرِ هذا الحديثِ، فقال ابنُ داودَ بنِ محمدِ بنِ عبادةَ بنِ الصامتِ عن عبادةَ بنِ الوليدِ، عن أبيهِ الوليدِ بنِ عبادةَ، أنهُ امترى رجلانِ من الأنصارِ فقال أحدهما: الوترُ بعدَ العشاءِ بمنزلةِ الفريضةِ، وقال الآخرُ: هو سنةٌ فلقينا عبادةَ فذكرنا لهُ الذي امترينا فيهِ فقال: أشهدُ لسمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «افترضَ اللهُ خمسَ صلواتٍ على خلقِهِ من أداهنَّ كما افترضَ عليهِ، لم ينتقصْ من حقِّهنَّ شيئاً استخفافاً بهِ لقيَ اللهَ، ولهُ عندهُ عهدٌ يدخلُهُ بهِ الجنةَ، ومن انتقصَ من حقِّهنَّ شيئاً استخفافاً لقيَ اللهَ، ولا عهدَ لهُ، إن شاءَ عذبَهُ، وإن شاءَ غفرَ لهُ، ولكنها سنةٌ لا ينبغي تركُها».
وفي إسنادِهِ النعمانُ بنُ داودَ، تفردَ بالروايةِ عنهُ أبو نعيمٍ، ولم يُعْرَفْ بغيرِ هذا الحديثِ، ولم يُوَثَّقْ، ففيهِ جهالةٌ.
وأما روايةُ إسحاقَ بنِ يحيى ابنُ أخي عبادةَ بنِ الصامتِ، عن عبادةَ:.
فرواها البزارُ في «مسندِهِ» (2690)، قال: حدثنا خالدُ بنِ يوسفَ بنِ خالدٍ، قال: حدثني أبي، قال: أخبرنا موسى بنُ عقبةَ، عن إسحاقَ بنِ يحيى ابنُ أخي عبادةَ بنِ الصامتِ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ -رضيَ اللهُ عنهُ- قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: من صلى المكتوبةَ فأداها، وصلاها لوقتِها لقيَ اللهَ تعالى ولهُ عهدٌ ألا يعذبَهُ، ومن لم يُقِمِ المكتوبةَ ولم يصلِّها لوقتِها لقيَ اللهَ، ولا عهدَ لهُ إن شاءَ عذبَهُ، وإن شاءَ رحمَهُ.
وهذا الإسنادُ ضعيفٌ جداً، فيهِ يوسفُ بنُ خالدٍ السمتيُّ متروكٌ، ورُمِيَ بالوضعِ، وابنُهُ خالدُ بنِ يوسفَ ضعيفٌ، وإسحاقُ بنِ يحيى بنِ الوليدِ بنِ عبادةَ بنِ الصامتِ ضعيفٌ، وروايتُهُ عن عبادةَ مرسلةٌ.
وأما روايةُ المطلبِ بنِ عبدِ اللهِ، عن عبادةَ:.
فرواها الشاشيُّ في «مسندِهِ» (1265) من طريقِ يعقوبَ القاريِّ، عن عمروٍ، عن المطلبِ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: خمسُ صلواتٍ كتبَهنَّ اللهُ عزَّ وجلَّ على العبادِ فمن أتى بهنَّ قد حفظَ حقَّهنَّ فإنَّ لهُ عند اللهِ عهداً أن يدخلَهُ الجنةَ ومن أتى بهنَّ قد أضاعَ شيئاً من حقِّهنَّ استخفافاً فإنهُ لم يكن لهُ عند اللهِ تعالى عهدٌ إن شاءَ عذبَهُ وإن شاءَ رحمَهُ.
والمطلبُ لم يدركْ عبادةَ، انظر «جامعَ التحصيلِ» (281).
هذه هي طرقُ حديثِ عبادةَ، وكلُّها ضعيفةٌ، ومنها ما هو شاذٌّ لا يصلحُ للاعتبارِ كطريقِ أبي إدريسَ الخولانيِّ، ومنها ما هو شديدُ الضعفِ، كطريقِ إسحاقَ بنِ يحيى ابنُ أخي عبادةَ بنِ الصامتِ، ويبقى ثلاثةُ طرقٍ، طريقُ المخدجيِّ، والوليدِ بنِ عبادةَ، والمطلبِ بنِ عبدِ اللهِ فيها ضعفٌ يسيرٌ، أرجو أن يقويَ بعضُها بعضاً، فيكونُ الحديثُ حسناً بمجموعِ طرقِهِ، واللهُ أعلمُ.
وللحديثِ شواهدُ لا يصحُّ منها شيءٌ، وحديثُ عبادةَ على ضعفِ طرقِهِ هو أصحُّ ما وردَ في البابِ، وقد تركتُ تخريجَها اقتصاراً، واللهُ أعلمُ.
«فأما من كان مُصِرّاً على تركِها لا يصلي قطُّ، ويموتُ على هذا الإصرارِ والتركِ، فهذا لا يكونُ مسلماً، لكن أكثرُ الناسِ يصلونَ تارةً، ويتركونَها تارةً، فهؤلاءِ ليسوا يحافظونَ عليها، وهؤلاءِ تحتَ الوعيدِ، وهم الذين جاءَ فيهم الحديثُ الذي في السننِ، حديثُ عبادةَ بنِ الصامتِ أنهُ قال: (خمسُ صلواتٍ كتبَهنَّ اللهُ على العبادِ في اليومِ والليلةِ من حافظَ عليهنَّ كان لهُ عهدٌ عند اللهِ أن يدخلَهُ الجنةَ، ومن لم يحافظْ عليهنَّ لم يكن لهُ عهدٌ عند اللهِ، إن شاءَ عذبَهُ وإن شاءَ غفرَ لهُ ….)، فالمحافظُ عليها الذي يصليها في مواقيتِها كما أمرَ اللهُ تعالى، والذي يؤخرُها أحياناً عن وقتِها، أو يتركُ واجباتِها، فهذا تحتَ مشيئةِ اللهِ تعالى».
والحديثُ مدارُهُ على أبي مالكٍ (سعدِ بنِ طارقٍ الأشجعيِّ)، عن ربعيِّ بنِ حراشٍ، عن حذيفةَ، واخْتُلِفَ فيهِ على أبي مالكٍ، وقد رواهُ عنهُ جماعةٌ:.
فرواهُ محمدُ بنِ فضيلٍ، وأبو عوانةَ، وخلفُ بنُ خليفةَ، عن أبي مالكٍ موقوفاً.
ورواهُ أبو معاويةَ، مرةً مرفوعاً، ومرةً موقوفاً، وأبو معاويةَ ثقةٌ في الأعمشِ وقد يهمُ في حديثِ غيرِهِ، فلو لم يُخْتَلَفْ عليهِ لكانت مخالفتُهُ للأكثرِ تجعلُ روايتَهُ شاذةً، فكيف، وقد اخْتُلِفَ عليهِ فيهِ؟ فالمحفوظُ أنهُ موقوفٌ، وقد رجَّحَ البزارُ وقفَهُ كما سيأتي النقلُ عنهُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
هذا من حيثُ الإجمالِ، وإليكَ تخريجَ الحديثِ مفصلاً.
فالحديثُ رواهُ أبو معاويةَ الضريرُ، عن أبي مالكٍ، واخْتُلِفَ على أبي معاويةَ:.
فرواهُ عليُّ بنِ محمدٍ كما في «سننِ ابنِ ماجهْ» (4049).
ومحمدُ بنِ عبدِ الجبارِ كما في «مستدركِ الحاكمِ» (4/473)، كلاهما عن أبي معاويةَ، عن أبي مالكٍ بهِ، مرفوعاً، بذكرِ (حتى لا يُدْرَى ما صيامٌ ولا صلاةٌ …).
وخالفهما أبو كريبٍ محمدُ بنُ العلاءِ فرواهُ عن أبي معاويةَ بهِ، بلفظِ: (حتى لا يُدْرَى ما صيامٌ، ولا صدقةٌ، ولا نسكٌ)، ولم يذكرِ الصلاةَ.
أخرجَهُ الحاكمُ في «المستدركِ» (4/520) وعنهُ البيهقيُّ في «الشعبِ» (1870)، أخبرني أبو بكرٍ محمدُ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ الحفيدُ، حدثنا جدي، ثنا أبو كريبٍ بهِ.
وفي إسنادِهِ شيخُ الحاكمِ، أبو بكرٍ الحفيدُ، ذكرهُ أبو أحمدَ الحاكمُ في «تاريخِ نيسابورَ»، وقال: كان مُحَدِّثَ أصحابِ الرأيِ، كثيرَ الرحلةِ، والسماعِ، والطلبِ، لولا مجونٌ كان فيهِ، وبعضُ الناسِ يجرحُهُ، فيتوهمُ أنهُ في الروايةِ، وليس بذلك. اهـ وانظر «تكملةَ الإكمالِ» (2/266).
وجدُّهُ عباسُ بنِ حمزةَ، قال عنهُ الذهبيُّ: كان من علماءِ الحديثِ، ووصفهُ ابنُ عساكرَ بأنهُ رحلَ في طلبِ الحديثِ، وكلُّ هذا الكلامِ لا يبلغُ درجةَ التوثيقِ، إلا أنهُ صالحٌ للاعتبارِ.
ورواهُ البزارُ مختصراً جداً (2838) عن أبي كريبٍ، بهِ.
وخالفهما نعيمُ بنُ حمادٍ في «الفتنِ» (1663)، فقال: حدثنا أبو معاويةَ بهِ، موقوفاً، ولم يذكرْ (الصلاةَ)، وفيهِ: (حتى لا يُدْرَى ما صيامٌ، ولا صدقةٌ، ولا نسكٌ).
هذا ما يخصُّ الاختلافَ على أبي معاويةَ، وقد اخْتُلِفَ عليهِ في رفعِهِ ووقفِهِ، كما اخْتُلِفَ عليهِ في ذكرِ (الصلاةِ).
ورواهُ محمدُ بنِ فضيلٍ في كتابِهِ «الدعاءِ» (15) وعنهُ الضبيُّ في «الدعاءِ» (15)، والحاكمُ في «المستدركِ» (4/550)، حدثنا أبو مالكٍ الأشجعيُّ بهِ، موقوفاً بذكرِ الصلاةِ.
ورواهُ خلفُ بنُ خليفةَ كما في «تاريخِ بغدادَ» (1/400) عن أبي مالكٍ الأشجعيِّ موقوفاً. وجاءَ ذكرُ الصلاةِ في سؤالِ السائلِ، وليس في حديثِ حذيفةَ، ومثلُهُ لهُ حكمُ الرفعِ؛ لأنهُ إخبارٌ عن المغيباتِ.
ورواهُ أبو عوانةَ (الوضاحُ بنُ عبدِ اللهِ اليشكريُّ)، عن أبي مالكٍ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ:.
فرواهُ أبو كاملٍ فضيلُ بنُ حسينٍ الجحدريُّ عن أبي عوانةَ موقوفاً. رواهُ البزارُ في «مسندِهِ» (2839) وقال: بنحوِهِ، يعني نحوِ روايةِ أبي كريبٍ.
ورواهُ مسددٌ في «مسندِهِ» كما في «مصباحِ الزجاجةِ» (4/194) عن أبي عوانةَ مرفوعاً.
وقد صححَهُ الحاكمُ، وقال البوصيريُّ في «مصباحِ الزجاجةِ» (4/194): «هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُهُ ثقاتٌ».
وقال في «إتحافِ الخيرةِ» (8/65): «رواهُ مسددٌ، ورواتُهُ ثقاتٌ».
وقال الحافظُ في «الفتحِ» (13/16): «أخرجَهُ ابنُ ماجهْ بسندٍ قويٍّ».
وقال البزارُ: «هذا الحديثُ قد رواهُ جماعةٌ، عن أبي مالكٍ، عن ربعيٍّ، عن حذيفةَ، موقوفاً، ولا نعلمُ أحداً أسندَهُ إلا أبا كريبٍ، عن أبي معاويةَ». اهـ
فالحديثُ رواهُ مسلمٌ وابنُ مندهْ في «الإيمانِ» (818) من طريقِ حفصِ بنِ ميسرةَ،
ورواهُ أحمدُ (3/94)، والمروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (276)، من طريقِ معمرٍ، وهو في «مصنفِ عبدِ الرزاقِ» (20857)،
والحديثُ في «تفسيرِ عبدِ الرزاقِ» (587)، و«سننِ النسائيِّ» (5010) و«سننِ الترمذيِّ» (2598) و«سننِ ابنِ ماجهْ» (60)، و«السنةِ» لـعبدِ اللهِ بنِ أحمدَ (794) بلفظٍ مختصرٍ ليس فيها موضعُ الشاهدِ.
ورواهُ أبو عوانةَ وابنُ أبي عاصمٍ في «السنةِ» (635)، وابنُ خزيمةَ في «التوحيدِ» (464) والحاكمُ (4/582)، والمروزيُّ في «الصلاةِ» (277)، وابنُ مندهْ في «الإيمانِ» (816) والدارقطنيُّ في «الرؤيةِ» (2)، من طريقِ هشامِ بنِ سعدٍ، ورواهُ مسلمٌ وأحالَ إلى لفظِ ميسرةَ، وقال: وقد زادَ ونقصَ شيئاً.
وهو في «السنةِ» لـعبدِ اللهِ بنِ أحمدَ (429) مختصراً.
ثلاثتُهم (حفصٌ، ومعمرٌ، وهشامُ بنِ سعدٍ) عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ بهِ بذكرِ (لم يعملوا خيراً قطُّ).
ورواهُ البخاريُّ في «صحيحِهِ» (4581) من طريقِ حفصِ بنِ ميسرةَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ بهِ، وهو نفسُ طريقِ مسلمٍ وليس فيهِ: (لم يعملوا خيراً قطُّ) إلا أنَّ البخاريَّ قد يكونُ اختصرَ بعضَ جملِهِ، وإن كانت روايتُهُ لهُ تُعْتَبَرُ مطولةً.
ورواهُ البخاريُّ أيضاً (7439) من طريقِ سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ بتمامِهِ، وليس فيهِ جملةُ (لم يعملوا خيراً قطُّ)، ولفظُهُ: (…. فيقولُ الجبارُ: بقيتْ شفاعتي، فيقبضُ قبضةً من النارِ، فيخرجُ أقواماً قد امتحشوا، فيلقونَ في نهرٍ بأفواهِ الجنةِ، يُقَالُ لهُ: ماءُ الحياةِ، فينبتونَ في حافتيهِ كما تنبتُ الحبةُ في حميلِ السيلِ، قد رأيتموها إلى جانبِ الصخرةِ، وإلى جانبِ الشجرةِ، فما كان إلى الشمسِ منها كان أخضرَ، وما كان منها إلى الظلِّ كان أبيضَ، فيخرجونَ كأنهم اللؤلؤُ، فيُجْعَلُ في رقابِهم الخواتيمُ، فيدخلونَ الجنةَ، فيقولُ أهلُ الجنةِ: هؤلاءِ عتقاءُ الرحمنِ، أدخلهم الجنةَ بغيرِ عملٍ عملوهُ، ولا خيرٍ قدموهُ، فيُقَالُ لهم: لكم ما رأيتم ومثلُهُ معهُ). وأكتفي بـالبخاريِّ عن غيرِهِ.
وهذه الروايةُ مع أنها من طريقِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ، وهو نفسُ طريقِ مسلمٍ، إلا أنَّ فيها اختلافاً على زيدِ بنِ أسلمَ:.
فحديثُ مسلمٍ لفظُ: (لم يعملوا خيراً قطُّ) منسوبٌ إلى النبيِّ ﷺ.
وأما روايةُ البخاريِّ فالقولُ منسوبٌ إلى أهلِ الجنةِ، فمع تفردِ زيدِ بنِ أسلمَ عن عطاءِ بنِ يسارٍ فقد اخْتُلِفَ عليهِ في هذهِ الزيادةِ، فتارةً ينسبُها إلى النبيِّ ﷺ، وتارةً ينسبُها إلى أهلِ الجنةِ، وهو نوعٌ من الاختلافِ على الراوي.
وقد أخرجَ مسلمٌ هذا الطريقَ (183) لكنهُ لم يَسُقْ لفظَهُ، وأحالَ على حديثِ حفصِ بنِ ميسرةَ، وكذلك أخرجَهُ ابنُ حبانَ في «صحيحِهِ» (7377).
ورواهُ أحمدُ (3/16) وابنُ أبي عاصمٍ في «السنةِ» (458، 634)، وابنُ خزيمةَ في «التوحيدِ» (309) والدارقطنيُّ في «الرؤيةِ» (7) من طريقِ عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، حدثنا زيدِ بنِ أسلمَ بهِ مطولاً، إلا الدارقطنيَّ فقد اختصرَهُ، وفيهِ: (…. فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: انظروا من كان في قلبِهِ زنةُ دينارٍ من إيمانٍ فأخرجوهُ، قال: فيخرجونَ، قال: ثم يقولُ: من كان في قلبِهِ زنةُ قيراطٍ من إيمانٍ فأخرجوهُ، قال: فيخرجونَ، قال: ثم يقولُ: من كان في قلبِهِ مثقالُ حبةِ خردلٍ من إيمانٍ فأخرجوهُ، قال: فيخرجونَ، قال: ثم يقولُ أبو سعيدٍ: بيني وبينكم كتابُ اللهِ. قال عبدُ الرحمنِ: وأظنُّهُ يعني قولَهُ: ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47] قال: فيخرجونَ من النارِ فيطرحونَ في نهرٍ يُقَالُ لهُ: نهرُ الحيوانِ، فينبتونَ كما تنبتُ الحبُّ في حميلِ السيلِ، ألا ترونَ ما يكونُ من النبتِ إلى الشمسِ يكونُ أخضرَ، وما يكونُ إلى الظلِّ يكونُ أصفرَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ كأنكَ كنتَ قد رعيتَ الغنمَ؟ قال: أجلْ قد رعيتُ الغنمَ).
وليس فيهِ: (لم يعملوا خيراً قطُّ) وعبدُ الرحمنِ بنِ إسحاقَ روى لهُ أصحابُ السننِ، وأخرجَ لهُ مسلمٌ في المتابعاتِ، وهو صالحُ الحديثِ.
ورواهُ البخاريُّ (6549)، ومسلمٌ (2829) من طريقِ مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ مختصراً، بذكرِ تكليمِ الرحمنِ لأهلِ الجنانِ بإحلالِ رضوانِهِ عليهم، فلا يسخطُ عليهم بعدَهُ أبداً، أسألُ اللهَ الكريمَ من فضلِهِ.
هذا ما يخصُّ طريقَ زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ.
وقد رُوِيَ الحديثُ من غيرِ طريقِ عطاءِ بنِ يسارٍ، وليس فيهِ موضعُ الشاهدِ، من ذلك:.
الطريقُ الأولُ: يحيى بنِ عمارةَ، عن أبي سعيدٍ:.
رواهُ البخاريُّ (22، 6560)، ومسلمٌ (304-184) وأكتفي بـ«الصحيحينِ» عن غيرِهما، ولفظُهُ: (إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، يقولُ اللهُ: من كان في قلبِهِ مثقالُ حبةٍ من خردلٍ من إيمانٍ فأخرجوهُ، فيخرجونَ قد امتحشوا وعادوا حمماً، فيلقونَ في نهرِ الحياةِ، فينبتونَ كما تنبتُ الحبةُ في حميلِ السيلِ – أو قال: حميةِ السيلِ – وقال النبيُّ ﷺ: ألم تروا أنها تنبتُ صفراءَ ملتويةً).
الطريقُ الثاني: أبو نضرةَ، عن أبي سعيدٍ،.
رواهُ أحمدُ (3/11، 78)، ومسلمٌ (306-185)، وأبو يعلى الموصليُّ (1370)، والحسينُ المروزيُّ في «زياداتِهِ على الزهدِ» لـابنِ المباركِ (1269)، وعبدُ بنُ حميدٍ كما في «المنتخبِ» (868)، والدارميُّ (2817) وأبو عوانةَ في «مستخرجِهِ» (456)، والآجريُّ في «الشريعةِ» (801)، والبيهقيُّ في «الاعتقادِ» (ص: 196) من طريقِ أبي مسلمةَ (سعيدِ بنِ زيدٍ)، عن أبي سعيدٍ بلفظِ: (أما أهلُ النارِ الذين هم أهلُها، فإنهم لا يموتونَ فيها ولا يحيونَ، ولكن ناسٌ أصابتهم النارُ بذنوبِهم – أو قال بخطاياهم – فأماتهم إماتةً حتى إذا كانوا فحماً، أُذِنَ بالشفاعةِ، فجيءَ بهم ضبائرَ ضبائرَ، فبُثُّوا على أنهارِ الجنةِ، ثم قِيلَ: يا أهلَ الجنةِ، أفيضوا عليهم، فينبتونَ نباتَ الحبةِ تكونُ في حميلِ السيلِ، فقال رجلٌ من القومِ: كأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد كان بالباديةِ).
ورواهُ أحمدُ (5/3) والمروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (300)، وعبدُ بنُ حميدٍ كما في «المنتخبِ» (865)، وأبو عوانةَ في «مستخرجِهِ» (458)، من طريقِ سليمانَ التيميِّ.
ورواهُ أحمدُ (3/25، 26) وأبو يعلى في «مسندِهِ» (1253)، والنسائيُّ في «الكبرى» (11264)، من طريقِ عثمانَ بنِ غياثٍ مطولاً،
ورواهُ أحمدُ (3/95) وأبو يعلى في «مسندِهِ» (1255) من طريقِ عوفٍ، خمستُهم عن أبي نضرةَ بهِ، وليس فيهِ (لم يعملوا خيراً قطُّ).
ورواهُ أحمدُ (3/20) وعبدُ بنُ حميدٍ كما في «المنتخبِ» (863) عن يزيدَ بنِ هارونَ
وابنُ خزيمةَ في «التوحيدِ» (436، 437) من طريقِ سالمِ بنِ نوحٍ، وعبدِ الوهابِ الثقفيِّ، فرقهما، ثلاثتُهم عن الجريريِّ، عن أبي نضرةَ.
وابنُ هارونَ ممن روى عن الجريريِّ بعدَ اختلاطِهِ، لكن الثقفيَّ وابنَ نوحٍ رويا عنهُ قبلَ اختلاطِهِ، واقتصرَ اللفظُ على ذكرِ إخراجِ أهلِ النارِ بعدَ موتِهم في النارِ وصيرورتِهم إلى فحمٍ، ثم إعادةِ إنباتِهم على نهرِ الجنةِ كما تنبتُ الحبةُ في حميلِ السيلِ. ولم يذكرْ (لم يعملوا خيراً قطُّ).
الطريقُ الثالثُ: عطاءُ بنِ يزيدَ الليثيُّ، عن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ.
أخرجَهُ البخاريُّ (6573)، ومسلمٌ (299) من طريقِ ابنِ شهابٍ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ الليثيِّ بهِ. وقد ذكروهُ مطولاً، وليس فيهِ: (لم يعملوا خيراً قطُّ).
الطريقُ الرابعُ: أبو صالحٍ، عن أبي سعيدٍ.
أخرجَهُ البخاريُّ (4730) من طريقِ حفصِ بنِ غياثٍ
ومسلمٌ (2849) من طريقِ أبي معاويةَ، كلاهما عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ بهِ مختصراً، بذكرِ ذبحِ الموتِ على هيئةِ كبشٍ، وأكتفي بـ«الصحيحينِ» عن غيرِهما.
ورواهُ إسحاقُ بنِ راهويهِ (1423)، وعبدُ بنُ حميدٍ كما في «المنتخبِ» (920)، وابنُ أبي عاصمٍ في «السنةِ» (452)، والآجريُّ في «الشريعةِ» (601)، وأبو يعلى الموصليُّ في «مسندِهِ» (1006)، وابنُ ماجهْ (179)، وابنُ مندهْ في «الإيمانِ» (810)، والدارقطنيُّ في «الرؤيةِ» (11)، من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ إدريسَ، عن الأعمشِ بهِ، في ذكرِ رؤيةِ الخلقِ للمولى عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ.
وكذا رواهُ أبو بكرِ بنِ عياشٍ عن الأعمشِ، كما في «مسندِ أحمدَ» (3/16).
ورواهُ جماعةٌ عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، واعتبرَ البخاريُّ كما في «العللِ الكبيرِ» لـالترمذيِّ (622، 623) أنَّ هذا هو الصحيحُ من حديثِ الأعمشِ، ولم يَرَ حديثَ ابنِ إدريسَ محفوظاً، واللهُ أعلمُ.
وتبعَهُ الترمذيُّ (7/270)، قال: «حديثُ ابنِ إدريسَ عن الأعمشِ غيرُ محفوظٍ، وحديثُ أبي صالحٍ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أصحُّ، وهكذا رواهُ سهيلُ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ». قال الدارقطنيُّ في «العللِ» (13/275): «يشبهُ أن يكونا صحيحينِ». اهـ
الطريقُ الخامسُ: سليمانُ العتوريُّ، وكان يتيماً في حجرِ أبي سعيدٍ، عن أبي سعيدٍ.
أخرجَهُ أحمدُ (3/11) والحسينُ المروزيُّ في «زياداتِهِ على الزهدِ» لـابنِ المباركِ (1268) والطبريُّ في «تفسيرِهِ» (18/235) والخلالُ في «السنةِ» (1589)، وأبو عوانةَ في «مستخرجِهِ» (430)، وابنُ خزيمةَ في «التوحيدِ» (2493) عن ابنِ عليةَ.
وابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (34181) وابنُ ماجهْ (4280)، وابنُ أبي زمانينَ في «أصولِ السنةِ» (103) عن عبدِ الأعلى بنِ عبدِ الأعلى، كلاهما (ابنُ عليةَ وعبدُ الأعلى) عن محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثني عبدِ اللهِ بنِ المغيرةِ بنِ معيقيبٍ، عن سليمانَ بنِ عمروٍ العتوريِّ أحدِ بني ليثٍ وكان يتيماً في حجرِ أبي سعيدٍ، عن أبي سعيدٍ.
وسندُهُ حسنٌ، وابنُ إسحاقَ قد صَرَّحَ بالتحديثِ.
وخالفهما أحمدُ بنِ خالدٍ الوهبيُّ كما في «المستدركِ» لـالحاكمِ (4/578) فرواهُ عن محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثني عبدُ اللهِ بنِ المغيرةِ بنِ معيقيبٍ، عن سليمانَ بنِ عمروٍ العتوريِّ، حدثني ليثٌ وكان في حجرِ أبي سعيدٍ.
وهذا وهمٌ من الوهبيِّ، والعتوريُّ أحدُ بني ليثٍ، وهو الذي كان في حجرِ أبي سعيدٍ.
وليس في هذا الطريقِ موضعُ الشاهدِ: (لم يعملوا خيراً قطُّ) وإنما ذكرَ بعد شفاعةِ المؤمنينَ والملائكةِ (ثم يتحننُ اللهُ برحمتِهِ على من فيها، فما يتركُ فيها عبداً في قلبِهِ مثقالُ حبةٍ من إيمانٍ إلا أخرجَهُ منها).
الطريقُ السادسُ: عقبةُ بنِ عبدِ الغافرِ، عن أبي سعيدٍ.
أخرجَهُ ابنُ أبي عاصمٍ (852)، وأبو نعيمٍ في «الحليةِ» (2/262) من طريقِ خليدِ بنِ دعلجٍ، عن قتادةَ، عن عقبةَ بنِ عبدِ الغافرِ بهِ، وليس فيهِ موضعُ الشاهدِ، وخليدٌ ضعيفٌ، والمعروفُ من حديثِ قتادةَ أنهُ يرويهِ عن أنسٍ.
الطريقُ السابعُ: أبو المتوكلِ، عن أبي سعيدٍ، رواهُ أحمدُ (3/48).
الطريقُ الثامنُ: جابرُ بنِ عبدِ اللهِ عن أبي سعيدٍ.
رواهُ أحمدُ (3/77) حدثنا يحيى بنِ إسحاقَ.
ورواهُ أيضاً (3/90) حدثنا موسى، كلاهما (يحيى وموسى) عن ابنِ لهيعةَ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عن أبي سعيدٍ.
وأخرجَهُ أحمدُ (3/90) من طريقِ ابنِ جريجٍ، أخبرني أبو الزبيرِ، عن أبي سعيدٍ، ليس فيهِ جابرُ بنِ عبدِ اللهِ.
الطريقُ التاسعُ: عطيةُ بنِ سعدٍ، عن أبي سعيدٍ.
أخرجَهُ عبدُ بنُ حميدٍ (905) من طريقِ عيسى بنِ موسى، عن عطيةَ بهِ، بلفظِ: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يخرجُ قوماً من النارِ بعدَ ما لا يبقى منهم إلا الوجوهُ، فيدخلُهم الجنةَ.
فهؤلاءِ ثمانيةٌ رووهُ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، منهم يحيى بنِ عمارةَ، وروايتُهُ في «الصحيحينِ»، وأبو نضرةَ في «مسلمٍ»، وعطاءُ بنِ يزيدَ الليثيِّ في «الصحيحينِ»، وأبو صالحٍ السمانِ في «الصحيحينِ» مختصراً، وسليمانُ العتوريُّ، وعقبةُ بنِ عبدِ الغافرِ، وأبو المتوكلِ في «المسندِ»، وجابرُ بنِ عبدِ اللهِ، وعطيةُ بنِ سعدٍ، لم يذكرْ أحدٌ منهم ما ذكرَهُ عطاءُ بنِ يسارٍ، واللهُ أعلمُ.
كما رُوِيَ حديثُ الشفاعةِ من مسندِ جمعٍ من الصحابةِ، لم يقلْ أحدٌ منهم: لم يعملوا خيراً قطُّ، من ذلك حديثُ أبي هريرةَ، وأنسٍ، وعمرانَ بنِ الحصينِ، وابنِ مسعودٍ، وأبي بكرٍ، وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وابنِ عباسٍ، وأبي بكرةَ، وأبي موسى، وابنِ عمرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمروٍ، وحذيفةَ -رضيَ اللهُ عنهم-.
وقال ابنُ مندهْ في «الإيمانِ» (2/847): «هذا حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ عن ابنِ الهادِ».
والحديثُ في «البخاريِّ» (2078)، و«مسلمٍ» (1562)، من طريقِ الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبي هريرةَ، وليس فيهِ لفظُ: (لم يعملْ خيراً قطُّ).
وقال ابنُ مندهْ في «الإيمانِ» (2/847): «هذا حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ عن ابنِ الهادِ».
وفي إسنادِهِ شبيبُ بنُ بشرٍ، قال النسائيُّ: لا يَعْلَمُ أحداً روى عنهُ غيرَ أبي عاصمٍ. «إكمالُ تهذيبِ الكمالِ» (6/211).
وذكرهُ ابنُ حبانَ في «الثقاتِ»، وقال: يخطئُ كثيراً. فالإسنادُ ضعيفٌ، ولهُ شاهدٌ من حديثِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهما-.
أخرجَهُ الترمذيُّ (1639)، وابنُ أبي عاصمٍ في «الجهادِ» (146) من طريقِ شعيبِ بنِ رزيقٍ أبي شيبةَ، قال: حدثنا عطاءٌ الخراسانيُّ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عن ابنِ عباسٍ.
قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفُهُ إلا من حديثِ شعيبِ بنِ رزيقٍ.
وقال الترمذيُّ في «العللِ الكبيرِ» (495): سألتُ محمداً يعني إسماعيلَ البخاريَّ عن هذا الحديثِ، فقال: شعيبُ بنِ رزيقٍ مقاربُ الحديثِ، ولكنَّ الشأنَ عطاءٌ الخراسانيُّ، ما أعرفُ لـمالكِ بنِ أنسٍ رجلاً يروي عنهُ مالكٌ يستحقُّ أن يُتْرَكَ حديثُهُ غيرَ عطاءٍ الخراسانيِّ.
قال الترمذيُّ: قلتُ لهُ: ما شأنُهُ؟
قال: عامةُ أحاديثِهِ مقلوبةٌ». اهـ
فرواهُ ابنُ المباركِ عن الليثِ، واخْتُلِفَ على ابنِ المباركِ:.
فرواهُ سويدُ بنُ نصرٍ كما في «سننِ الترمذيِّ» (2639)، وهو من أصحابِ ابنِ المباركِ المكثرينَ عنهُ،
وعبدُ الوارثِ بنُ عبيدِ اللهِ كما في «صحيحِ ابنِ حبانَ» (225)، كلاهما روياهُ عن ابنِ المباركِ، عن الليثِ، عن عامرِ بنِ يحيى، عن أبي عبدِ الرحمنِ المعافريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ، بلفظِ:
(إنَّ لكَ عندنا حسنةً).
وهي موافقةٌ لما في «مسندِ عبدِ اللهِ بنِ المباركِ» نفسِهِ (100).
وهذا إسنادٌ رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ.
ورواهُ إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الطالقانيُّ كما في «مسندِ أحمدَ» (2/213) عن ابنِ المباركِ، بهِ، بلفظِ: (إنَّ لكَ عندنا حسنةً واحدةً) ولم يقلْ واحدةً في الحديثِ غيرُ الطالقانيِّ، فهي زيادةٌ شاذةٌ.
وقال عبدُ اللهِ بنُ محمودٍ عن الطالقانيِّ: كتبَ وألَّفَ كتباً لم يتابعْهُ فيها كبيرُ أحدٍ، مثلَ كتابِ الرؤيا والتعبيرِ، وغيرِ ذلك، وروى عن ابنِ المباركِ أحاديثَ غرائبَ. انظر «إكمالَ تهذيبِ الكمالِ» لـمغلطاي (1/177)، و«حاشيةَ تهذيبِ الكمالِ» (2/41).
وفي «التقريبِ»: صدوقٌ يغربُ.
كما أغربَ في قولِهِ: (ولا يثقلُ شيءٌ باسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ) والمحفوظُ في الحديثِ (فلا يثقلُ مع اسمِ اللهِ شيءٌ).
ورواهُ يونسُ بنُ محمدٍ (ثقةٌ)، كما في «مستدركِ الحاكمِ» (1/6). وسندُهُ صحيحٌ.
وسعيدُ بنُ عفيرٍ (ثقةٌ) كما في «المعجمِ الأوسطِ» لـالطبرانيِّ (4725) إلا أنَّ شيخَ الطبرانيِّ عبدَ الرحمنِ بنَ حاتمٍ تكلمَ فيهِ بعضُهم.
كلاهما (يونسُ وسعيدُ بنُ عفيرٍ) روياهُ، عن الليثِ بهِ، بلفظِ: (إنَّ لكَ عندنا حسنةً) بمثلِ روايةِ سويدِ بنِ نصرٍ، عن ابنِ المباركِ.
فهؤلاءِ ثلاثةٌ رووهُ عن الليثِ: يونسُ وسعيدُ بنُ عفيرٍ، وابنُ المباركِ بلفظِ: (إنَّ لكَ عندنا حسنةً).
ورواهُ ابنُ أبي مريمَ (ثقةٌ) كما في «سننِ ابنِ ماجهْ» (4300)، وسندُهُ إليهِ صحيحٌ.
وأبو صالحٍ كاتبُ الليثِ كما في «الدعاءِ» لـالطبرانيِّ (1482)، وفي «المعجمِ الكبيرِ» (13/19)، كلاهما روياهُ عن الليثِ بلفظِ: (إنَّ لكَ عندنا حسناتٍ).
ورواهُ يحيى بنُ بكيرٍ، واخْتُلِفَ عليهِ:.
فرواهُ عبيدُ بنُ شريكٍ (صدوقٌ)، كما في «مستدركِ الحاكمِ» (1/529).
وأحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ ملحانَ، (ثقةٌ) كما في «مستدركِ الحاكمِ» (1/529).
وعمرانُ بنُ موسى بنِ حميدٍ (فيهِ جهالةٌ) كما في «جزءِ البطاقةِ» لـالكنانيِّ (2)، ومن طريقِ الكنانيِّ أخرجَهُ أبو طاهرٍ السلفيُّ في «الأربعينَ البلدانيةِ» (ص: 81)، و«مشيخةِ ابنِ البخاريِّ» لـأحمدَ بنِ محمدٍ الظاهريِّ الحنفيِّ (3/1707)، و«مشيخةِ ابنِ جماعةَ» (1/156)، ثلاثتُهم، (عبيدٌ، وابنُ ملحانَ، وعمرانُ) رووهُ عن يحيى بنِ بكيرٍ، عن الليثِ بهِ، بلفظِ: (إنَّ لكَ عندنا حسناتٍ) وهي موافقةٌ للفظِ أبي صالحٍ، كاتبِ الليثِ.
قال ابنُ الطيبِ عن طريقِ هذا الحديثِ من الكنانيِّ إلى عبدِ اللهِ بنِ عمروِ بنِ العاصِ: هذا حديثٌ جيدُ الإسنادِ، عظيمُ الموقعِ، مسلسلٌ بالمصريينَ، وصحابيُّهُ سكنَ مصرَ مع أبيهِ عمروٍ، وقال السيوطيُّ نحو ذلك، انظر «العاجلةَ في الأحاديثِ المسلسلةِ» (1/56)، «تدريبَ الراوي» (2/948).
ورواهُ يعقوبُ بنُ سفيانَ (إمامٌ) رواهُ اللالكائيُّ في «أصولِ اعتقادِ أهلِ السنةِ» (2204) من طريقِ الحسينِ بنِ محمدِ بنِ عثمانَ، قال: أخبرنا يعقوبُ بنُ سفيانَ، أخبرنا أبو صالحٍ، وابنُ بكيرٍ، قالا: أخبرنا الليثُ بهِ،
فهنا جمعَ يعقوبُ بنُ سفيانَ بين أبي صالحٍ كاتبِ الليثِ ويحيى بنِ بكيرٍ، ولفظُهُ: (إنَّ لكَ عندنا حسناتٍ)، والحسينُ بنِ محمدٍ فيهِ جهالةٌ، لكنهُ قد تُوبِعَ كما سبقَ.
وخالفَ هؤلاءِ عبدُ الرحمنِ بنِ حاتمٍ، أبو زيدٍ المراديُّ المصريُّ (فيهِ ضعفٌ)، كما في «المعجمِ الأوسطِ» لـالطبرانيِّ (4725) رواهُ عن يحيى بنِ بكيرٍ مقروناً بـسعيدِ بنِ عفيرٍ، كلاهما عن الليثِ بهِ، بلفظِ: (إنَّ لكَ عندنا حسنةً) كروايةِ ابنِ المباركِ، ويونسَ بنِ محمدٍ، وابنِ أبي مريمَ عن الليثِ، فإن كان هذا الطريقُ محفوظاً فلعلَّ اللفظَ يكونُ لـسعيدِ بنِ عفيرٍ، فإنَّ جميعَ من رواهُ عن يحيى بنِ بكيرٍ رواهُ بلفظِ: (إنَّ لكَ عندنا حسناتٍ)، ولم أقفْ على اختلافٍ عليهِ إلا في هذا الإسنادِ الضعيفِ، واللهُ أعلمُ.
فالخلاصةُ في طريقِ الليثِ:.
ثلاثةٌ عنهُ رووهُ عن الليثِ بلفظِ: (إنَّ لكَ عندنا حسنةً) ابنُ المباركِ، وسندُهُ صحيحٌ، ويونسُ بنِ محمدٍ، وسندُهُ صحيحٌ، وسعيدُ بنِ عفيرٍ، وسندُهُ ضعيفٌ.
وثلاثةٌ رووهُ عن الليثِ بلفظِ: (إنَّ لكَ عندنا حسناتٍ) ابنُ أبي مريمَ، وهو ثقةٌ، والإسنادُ إليهِ صحيحٌ، ويحيى بنِ بكيرٍ، وهو مصريٌّ، والليثُ مصريٌّ أيضاً، والإسنادُ إليهِ صحيحٌ، وأبو صالحٍ كاتبُ الليثِ، وفي حفظِهِ كلامٌ يسيرٌ.
هذا فيما يتعلقُ بطريقِ الليثِ، وهو أصحُّ إسنادٍ رُوِيَ فيهِ هذا الحديثُ العظيمُ.
وتُوبِعَ الليثُ، تابعَهُ ابنُ لهيعةَ، إلا أنهُ لم يجودْهُ كـالليثِ، وذلك راجعٌ إلى ضعفِ ابنِ لهيعةَ، وهو وإن كان من روايةِ قتيبةَ بنِ سعيدٍ، وهو ممن روى عنهُ قبلَ احتراقِ كتبِهِ، إلا أنَّ ابنَ لهيعةَ ضعيفٌ مطلقاً في الأصحِّ، واللهُ أعلمُ.
فقد رواهُ أحمدُ (2/221) حدثنا قتيبةُ، حدثنا ابنُ لهيعةَ، عن عامرِ بنِ يحيى بهِ، بلفظِ: (تُوضَعُ الموازينُ يومَ القيامةِ فَيُؤْتَى بالرجلِ، فَيُوضَعُ في كفةٍ، فَيُوضَعُ ما أُحْصِيَ عليهِ، فتمايلَ بهِ الميزانُ، قال: فَيُبْعَثُ بهِ إلى النارِ، فإذا أُدْبِرَ بهِ إذا صائحٌ يصيحُ من عندِ الرحمنِ، يقولُ: لا تعجلوا، لا تعجلوا، فإنهُ قد بقيَ لهُ، فَيُؤْتَى ببطاقةٍ فيها: لا إلهَ إلا اللهُ،، فتوضعُ مع الرجلِ في كفةٍ، حتى يميلَ بهِ الميزانُ).
ومن طريقِ قتيبةَ بنِ سعيدٍ رواهُ الترمذيُّ في «السننِ» على إثرِ حديثِ (2639) إلا أنهُ لم يذكرْ لفظَهُ، وإنما قال: بنحوِهِ، أي نحوِ الروايةِ التي قبلَهُ.
وهنا ابنُ لهيعةَ قد ذكرَ أنَّ الرجلَ يُوضَعُ في الميزانِ، وروايةِ الليثِ أنَّ الذي يُوضَعُ هو السجلاتُ، وجاءَ في بعضِ طرقِ الأفريقيِّ أنَّ الرجلَ يُوضَعُ في الميزانِ، فتوافقُ روايةَ ابنِ لهيعةَ، إلا أنَّ الأفريقيَّ قد اخْتُلِفَ عليهِ أيضاً.
فقد أخرجَهُ عبدُ بنُ حميدٍ كما في «المنتخبِ» (339)، والطبرانيُّ في «المعجمِ الكبيرِ» (13/29) ح 61، والخطيبُ في «الموضِّحِ» (2/203) من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ (المقرئِ)
ورواهُ الآجريُّ في «الشريعةِ» (902) من طريقِ إسماعيلَ بنِ عياشٍ، كلاهما عن عبدِ الرحمنِ بنِ زيادٍ الأفريقيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ (أبي عبدِ الرحمنِ المعافريِّ)، عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ مرفوعاً.
ورواهُ الطبريُّ في «التفسيرِ» ط هجرَ (10/71) من طريقِ جعفرِ بنِ عونٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ زيادٍ الأفريقيِّ بهِ، موقوفاً، والوقفُ شاذٌّ، وفيها شذوذٌ آخرُ، وهو أنَّ الرجلَ يُوضَعُ بالميزانِ، وليس ذلك في حديثِ الليثِ، وإنما الذي في حديثِ الليثِ وضعُ السجلاتِ في الميزانِ، واللهُ أعلمُ.
والأفريقيُّ ضعيفٌ، وضعَّفَهُ البوصيريُّ في «إتحافِ الخيرةِ المهرةِ» (1/68، 69).
فقد رواهُ سليمانُ بنُ حربٍ، كما في «شعبِ الإيمانِ» (7069).
وعبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ كما في «شعبِ الإيمانِ» (7070).
وموسى بنُ إسماعيلَ كما في «تفسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ» (6643)،
وأبو نعيمٍ الأصبهانيُّ كما في «تاريخِ أصبهانَ» (1/426) مختصراً. أربعتُهم عن صدقةَ بنِ موسى بهِ، دونَ ذكرِ تركِ الصلاةِ والصيامِ.
ورواهُ يزيدُ بنُ هارونَ، عن صدقةَ، واخْتُلِفَ على يزيدَ:.
فرواهُ أحمدُ (6/240).
ومحمدُ بنِ أبي العوامِ (صدوقٌ) كما في «الفوائدِ المنتقاةِ» لـأبي القاسمِ الأزجيِّ (117).
كلاهما (أحمدُ وابنُ أبي العوامِ) عن يزيدَ بنِ هارونَ، عن صدقةَ بذكرِ تركِ صلاةٍ.
وخالفهم عبدُ اللهِ بنُ روحٍ المدائنيُّ كما في «مستدركِ الحاكمِ» (4/575)، عن يزيدَ بنِ هارونَ دونَ ذكرِها.
ورواهُ أبو بكرٍ أحمدُ الدينوريُّ في «المجالسةِ وجواهرِ العلمِ» (6) حدثنا محمدُ بنِ عبدِ العزيزِ الدينوريُّ، أخبرنا أبو سلمةَ التبوذكيُّ أخبرنا صدقةُ بهِ، وفيهِ: (أما الديوانُ الذي لا يعبأُ اللهُ بهِ فظلمُ الناسِ بينَهم وبينَ اللهِ من صلاةٍ وصيامٍ).
وهذا اللفظُ ليس صريحاً في تركِ الصلاةِ إلا أن يُحْمَلَ على الرواياتِ الأخرى، وهذا الإسنادُ ضعيفٌ أو ضعيفٌ جداً، علتُهُ محمدُ بنِ عبدِ العزيزِ الدينوريُّ، متكلمٌ فيهِ.
وعلى كلِّ حالٍ فالاختلافُ في لفظِهِ ما يزيدُهُ إلا ضعفاً؛ لأنَّ إسنادَهُ من الأصلِ ليس بقائمٍ. ولهُ شواهدُ من حديثِ أنسٍ، وسلمانَ، وأبي هريرةَ، وأثرِ ابنِ عباسٍ، وكلُّها ضعيفةٌ، وبعضُها لا تصلحُ للاعتبارِ، ولم يَرِدْ فيها موضعُ الشاهدِ، فلم يذكرْ أحدٌ منهُ (تركَ الصلاةِ) في حقوقِ اللهِ، لهذا لم أتعرضْ لها بالتخريجِ، واللهُ أعلمُ.
ورواهُ مجاهدٌ عن جابرٍ إلا أنَّ في لفظِهِ بعضَ الاختلافِ،
رواهُ اللالكائيُّ في «شرحِ أصولِ اعتقادِ أهلِ السنةِ والجماعةِ» (1538)، وابنُ بطةَ في «الإبانةِ» (876) من طريقِ الإمامِ أحمدَ،
ورواهُ المروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (893) حدثنا عبيدُ اللهِ بنِ سعدِ بنِ إبراهيمَ، كلاهما (أحمدُ، وعبيدُ اللهِ) عن يعقوبَ بنِ إبراهيمَ، حدثنا أبي، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حدثني أبانُ بنِ صالحٍ، عن مجاهدِ بنِ جبرٍ، أنهُ قال لـجابرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: ما كان يفرقُ بين الكفرِ والإيمانِ عندكم من الأعمالِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ؟ قال: الصلاةُ.
والمشهورُ من لفظِهِ ما رواهُ أبو الزبيرِ، وأبو سفيانَ، عن جابرٍ، وهو مرفوعٌ إلى النبيِّ ﷺ سماعاً، ليس فيها ما يشيرُ إلى رأيِ جابرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، ولا رأيِ الصحابةِ.
وقد أخرجَ البخاريُّ (1570) ومسلمٌ (1216) حديثاً واحداً من روايةِ مجاهدٍ، عن جابرٍ، وقد تُوبِعَ، تابعَهُ عطاءٌ في «صحيحِ البخاريِّ» (1651، 1568، 7230)، و«مسلمٍ» (1216)، وأبو الزبيرِ في «مسلمٍ» (1213).
جاءَ في «جامعِ التحصيلِ» (ص: 273): قال البرديجيُّ: … أحاديثُ مجاهدٍ عن جابرٍ ليس لها ضوءٌ، إنما هي من حديثِ ابنِ إسحاقَ، عن أبانِ بنِ صالحٍ، عن مجاهدٍ، ومن حديثِ ليثِ بنِ أبي سليمٍ عنهُ».
الأولُ: عليُّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، كما في «مسندِ أحمدَ» (5/346)، و«سننِ ابنِ ماجهْ» (1079)، والمروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (896)، و«معجمِ ابنِ المقرئِ» (1026)، وفي «شرحِ أصولِ اعتقادِ أهلِ السنةِ» لـاللالكائيِّ (1520)، والدارقطنيُّ في «السننِ»، ط الرسالةِ (1751)، والحاكمُ في «المستدركِ»، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/366).
الثاني: زيدُ بنُ الحبابِ، كما في «مسندِ أحمدَ» (5/355)، و«السنةِ» لـعبدِ اللهِ بنِ أحمدَ (769)، و«السنةِ» لـالخلالِ (1374)، و«مسندِ البزارِ» (4413)، و«الشريعةِ» لـالآجريِّ (268)، و«شعبِ الإيمانِ» لـالبيهقيِّ (2538)، و«الإبانةِ الكبرى» لـابنِ بطةَ (874)،
الثالثُ: الفضلُ بنُ موسى، كما في «سننِ الترمذيِّ» (2621)، و«المجتبى» من «سننِ النسائيِّ» (63)، وفي «الكبرى» لهُ (326)، و«تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (894)، و«مستدركِ الحاكمِ»، و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (1454).
الرابعُ: يحيى بنُ وضاحٍ، كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (30396)، و«الإيمانِ» لهُ (46).
الخامسُ: عليُّ بنِ الحسينِ بنِ واقدٍ كما في «سننِ الترمذيِّ» (2621).
خمستُهم (عليُّ بنِ الحسنِ، وزيدُ بنُ الحبابِ، والفضلُ بنُ موسى، ويحيى بنُ وضاحٍ وعليُّ بنِ الحسينِ بنِ واقدٍ) عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ بهِ.
وسماعُ عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ من أبيهِ تكلمَ فيهِ الإمامُ أحمدُ.
قال أبو القاسمِ البغويُّ: حدثني محمدُ بنِ عليٍّ الجوزجانيُّ، قال: قلتُ لـأبي عبدِ اللهِ، يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ: سمعَ عبدُ اللهِ من أبيهِ شيئاً؟ قال: ما أدري، عامةُ ما يُرْوَى عن بريدةَ عنهُ، وضعَّفَ حديثَهُ». «التهذيبُ» (5/158).
وقال أحمدُ أيضاً: «روى عبدُ اللهِ، عن أبيهِ أحاديثَ منكرةً».
وقال إبراهيمُ الحربيُّ: عبدُ اللهِ أتمُّ من سليمانَ، ولم يسمعا من أبيهما، وفيما روى عبدُ اللهِ عن أبيهِ أحاديثَ منكرةٌ، وسليمانُ أصحُّ حديثاً.
ووثقَهُ ابنُ معينٍ وأبو حاتمٍ. انظر: «تهذيبَ الكمالِ» (14/331)، نظرَ «تهذيبِ التهذيبِ» (5/158).
والحسينُ بنِ واقدٍ لا بأسَ بهِ إلا أنهُ تُكُلِّمَ في روايتِهِ عن ابنِ بريدةَ.
وقال أحمدُ في «العللِ» (497): «ما أنكرَ حديثَ حسينِ بنِ واقدٍ، وأبي المنيبِ، عن ابنِ بريدةَ». وانظر «العللَ» (1420).
وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
وصححَهُ ابنُ حبانَ، وقال الحاكمُ: «هذا الحديثُ صحيحُ الإسنادِ، لا تُعْرَفُ لهُ علةٌ بوجهٍ من الوجوهِ ….».
وابنُ حبانَ (1467) من طريقِ سلمةَ بنِ شبيبٍ، ثلاثتُهم عن أبي عبدِ الرحمنِ عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ المقرئِ بهِ.
وقد انفردَ بهِ عيسى بنُ هلالٍ الصدفيُّ، وذكرهُ ابنُ حبانَ في «الثقاتِ»، كما ذكرهُ الفسويُّ في «ثقاتِ التابعينَ»، والجرحُ فيهم أقلُّ من غيرِهم، إلا أنَّ صلاحَ الدينِ لا يعني تمامَ الضبطِ، فلم أقفْ على توثيقٍ معتبرٍ لهُ.
وقال ابنُ عبدِ الهادي في «التنقيحِ» (2/614): إسنادُ هذا الحديثِ جيدٌ، ولم يخرجوهُ في السننِ. اهـ
وأحاديثُ عيسى بنِ هلالٍ الصدفيِّ يسيرةٌ، وأكثرُها إن لم يكن كلُّها مما لا يُتَابَعُ عليهِ، ومن منكراتِهِ، ما رواهُ أحمدُ (2/169)، وأبو داودَ (2789) والنسائيُّ (4365)، وابنُ حبانَ (5914)، والحاكمُ (4/223)، من طريقِ عياشِ بنِ عباسٍ، عن عيسى بنِ هلالٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أُمِرْتُ بيومِ الأضحى عيداً جعلَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ لهذهِ الأمةِ». قال الرجلُ: أرأيتَ إن لم أجدْ إلا أضحيةً أنثى أفأضحي بها؟ قال: «لا، ولكن تأخذُ من شعرِكَ وأظفارِكَ وتقصُّ شاربَكَ وتحلقُ عانتَكَ، فتلك تمامُ أضحيتِكَ عند اللهِ عزَّ وجلَّ».
ومنها ما رواهُ أحمدُ من طريقِ ابنِ لهيعةَ.
والبخاريُّ في «الأدبِ المفردِ» (261) من طريقِ حيوةَ بنِ شريحٍ، كلاهما عن دراجٍ أبي السمحِ، عن عيسى بنِ هلالٍ الصدفيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ، مرفوعاً، قال: «إنَّ أرواحَ المؤمنينَ تلتقي على مسيرةِ يومٍ، ما رأى أحدهما صاحبَهُ قطُّ».
ومنها ما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ في «التفسيرِ» (13385)، وابنُ مندهْ في «التوحيدِ» (59)، والحاكمُ (4/3554) من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ عياشٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سليمانَ، عن دراجٍ، عن عيسى بنِ هلالٍ الصدفيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ -رضيَ اللهُ عنهما-، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ «إنَّ الأرضينَ بين كلِّ أرضٍ إلى التي تليها مسيرةُ خمسمائةِ سنةٍ، فالعليا منها على ظهرِ حوتٍ، قد التقى طرفاهُ في سماءٍ، والحوتُ على ظهرِهِ صخرةٌ …» إلخ الحديث.
وزادَ الحاكمُ وحدَهُ بين دراجٍ وعيسى أبا الهيثمِ، وقد يكونُ الحملُ على دراجٍ، أو من دونِهِ، وقد رأى ابنُ كثيرٍ أنَّ هذا موقوفٌ على عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ، وهو مما أخذَهُ من الإسرائيلياتِ، واللهُ أعلمُ.
المهمُّ أنَّ عيسى بنَ هلالٍ لا تطمئنُّ النفسُ إلى توثيقِهِ، ولم يُؤْثَرْ توثيقُهُ عن إمامٍ، والغالبُ على أحاديثِهِ غرائبُ ومنكراتٌ، واللهُ أعلمُ.
الطريقُ الأولُ: بشرُ بنُ المفضلِ، عن الجريريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، بلفظِ: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ لا يَرَوْنَ شيئاً من الأعمالِ تركُهُ كفرٌ غيرَ الصلاةِ.
أخرجَهُ الترمذيُّ (2622)، والمروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (830)، والحاكمُ في «المستدركِ» (1/7)، من طريقِ بشرِ بنِ المفضلِ بهِ.
وبشرُ بنُ المفضلِ ثقةٌ ثبتٌ وشيخُهُ الجريريُّ ثقةٌ، وهما من رجالِ الشيخينِ، إلا أنَّ البخاريَّ لم يخرجْ لـالجريريِّ من روايةِ بشرِ بنِ المفضلِ في «صحيحِهِ» إلا حديثاً واحداً مقروناً بغيرِهِ، وهو حديثُ أبي بكرةَ (2654): ألا أنبئُكم بأكبرِ الكبائرِ …. وقد رواهُ الشيخانِ من طريقِ إسماعيلَ بنِ عليةَ.
وأخرجَ لهُ مسلمٌ حديثاً واحداً أيضاً مقروناً بغيرِهِ، وهو حديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ سمرةَ (913): بينما أنا أرمي بسهمي في حياةِ رسولِ اللهِ إذ انكسفتِ الشمسُ. وقد رواهُ مسلمٌ من طريقِ عبدِ الأعلى بنِ عبدِ الأعلى.
والجريريُّ قد اختلطَ، ولم يُذْكَرْ بشرُ بنُ المفضلِ في جملةِ من روى عنهُ قبلَ الاختلاطِ أو بعدَهُ إلا أنَّ ابنَ الكيالِ قال في «الكواكبِ النيراتِ» (ص: 184): قد روى الشيخانِ لـالجريريِّ من روايةِ بشرِ بنِ المفضلِ ….
ولو كان عندهُ ما يدلُّ على سماعِهِ قبلَ الاختلاطِ أو بعدَهُ لأفصحَ عنهُ، وإنما أرادَ أن يستدلَّ بتخريجِ الشيخينِ لـالجريريِّ من روايةِ بشرِ بنِ المفضلِ على أنهُ سمعَ منهُ قبلَ الاختلاطِ.
وقد علمتَ أنَّ هذا لا يمكنُ الاعتمادُ عليهِ بمجردِهِ.
وهكذا صنعَ محققُ «الاغتباطِ بمن رُمِيَ من الرواةِ بالاختلاطِ» (39)، وانظر «حاشيةَ التقييدِ والإيضاحِ شرحِ مقدمةِ ابنِ الصلاحِ» (ص: 447).
وقد ذكرَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في «هديِ الساري» (ص: 405)، وابنُ رجبٍ في «شرحِ عللِ الترمذيِّ» (2/743) أنَّ بشرَ بنَ المفضلِ ممن روى عنهُ قبلَ الاختلاطِ، وأخشى أن يكونَ الحافظانِ قد اعتمدا على تخريجِ الشيخينِ لـالجريريِّ من روايةِ بشرِ بنِ المفضلِ، وقد علمتَ ما فيها؛ لأني لم أجدْ أحداً سبقَهما إلى الجزمِ بأنهُ قد روى عنهُ قبلَ الاختلاطِ، واللهُ أعلمُ.
وأروى الناسِ عن الجريريِّ إسماعيلُ بنُ عليةَ، وهو ممن اُتُّفِقَ على أنهُ روى عن الجريريِّ قبلَ اختلاطِهِ، وقد رواهُ بلفظٍ لا يُفْهَمُ منهُ الإجماعُ كما سوف أبينُهُ بالطريقِ الثاني إن شاءَ اللهُ تعالى.
الطريقُ الثاني: إسماعيلُ بنُ عليةَ، عن الجريريِّ.
رواهُ الخلالُ في «السنةِ» (1378) بلفظِ: (ما علمنا شيئاً من الأعمالِ قِيلَ تركُهُ كفرٌ إلا الصلاةَ).
قال الآجريُّ: سمعتُ أبا داودَ يقولُ: أرواهم عن الجريريِّ إسماعيلُ بنُ عليةَ، وكلُّ من أدركَ أيوبَ فسماعُهُ من الجريريِّ جيدٌ. انظر «سؤالاتِ أبي عبيدٍ الآجريِّ» (449)، و«تاريخَ بغدادَ» (6/231).
وقال أحمدُ: إليهِ المنتهى في التثبتِ بالبصرةِ. «الجرحُ والتعديلُ» (2/154).
وقال ابنُ المدينيِّ: ما أقولُ إنَّ أحداً أثبتُ في الحديثِ من ابنِ عليةَ. «تهذيبُ التهذيبِ» (1/277).
وقال الهرويُّ جاءني سهلُ بنُ أبي خدويهِ، فقال: أخرجْ لي كتابَ ابنِ عليةَ عن الجريريِّ، فإنَّ أصحابَنا كتبوا إليَّ من البصرةِ أن ليس أحدٌ أثبتَ في الجريريِّ من ابنِ عليةَ. «الجرحُ والتعديلُ» (2/154).
الطريقُ الثالثُ: عبدُ الأعلى، عن الجريريِّ.
أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (30446) عنهُ بهِ، بلفظِ: ما كانوا يقولونَ لعملٍ تَرَكَه رجلٌ كفرٌ غيرَ الصلاةِ، فقد كانوا يقولونَ تركُها كفرٌ.
والظاهرُ أنهُ يقصدُ بقولِهِ الصحابةَ، لأنَّ التابعيَّ لا يحتجُّ بقولِ تابعيٍّ مثلِهِ، وهذا اللفظُ ليس صريحاً بالإجماعِ، كما هو لفظُ بشرِ بنِ المفضلِ، وإنما عَبَّرَ بقولِهِ: (كانوا يقولونَ …) ويكفي أن يُؤْثَرَ ذلك عن بعضِهم دونَ مخالفٍ ليقولَ: كانوا يقولونَ ذلك، خاصةً أنَّ المنقولَ عن الصحابةِ في تكفيرِ الصلاةِ ثلاثةٌ أو أربعةٌ، وبعضُهم ليس صريحاً في ذلك.
قال العجليُّ في «الثقاتِ» (1/181): «وعبدُ الأعلى من أصحِّهم سماعاً، سمعَ منهُ قبلَ أن يختلطَ بثماني سنينَ».
وإن كان الترجيحُ من جهةِ المعنى، فعبارةُ ابنِ عبدِ البرِّ هي المناسبةُ؛ لأنهُ يحكي الإجماعَ من عصرِ النبوةِ إلى عصرِ الإمامِ إسحاقَ، لأنَّ الإجماعَ الممتدَّ لا يُقْبَلُ بمجردِ التركِ؛ لأنَّ الخلافَ مشهورٌ. والإمامُ إسحاقُ لا شكَّ أنهُ يرى كفرَ تاركِ الصلاةِ، ولو لم يكن ممتنعاً، وإنما النزاعُ في عبارتِهِ في حكمينِ:.
الأولُ حكايةُ الإجماعِ على كفرِ تاركِ الصلاةِ ولو تركَ صلاةً واحدةً إذا خرجَ وقتُها، وفيها خلافٌ محفوظٌ.
الثانيةُ: دعوى أنَّ الإجماعَ ممتدٌّ من عصرِ النبوةِ إلى عصرِ الإمامِ إسحاقَ، والخلافُ في التابعينَ معروفٌ، وبعدَ التابعينَ مشهورٌ، فليتأملْ.
فرواهُ معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ كما في «مصنفِ عبدِ الرزاقِ»، (581)، و«تعظيمِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (924)، و«شرحِ أصولِ اعتقادِ أهلِ السنةِ والجماعةِ» (1529).
ورواهُ يونسُ كما في «تعظيمِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (923)، و«معجمِ ابنِ الأعرابيِّ» (1941)، و«سننِ الدارقطنيِّ» (870)، و«الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ (58)، عن الزهريِّ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن المسورِ بنِ مخرمةَ، أنهُ دخلَ على عمرَ حين طُعِنَ … وذكرَ نحوَهُ. وأظنُّ أنَّ الطريقينِ محفوظانِ، وأنَّ ابنَ عباسٍ والمسورَ بنِ مخرمةَ ممن دخلَ على عمرَ حين طُعِنَ.
فقد رواهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (580) عن ابنِ جريجٍ، قال: سمعتُ ابنَ أبي مليكةَ يقولُ: دخلَ ابنُ عباسٍ والمسورُ بنِ مخرمةَ على عمرَ حين انصرفَ من الصلاةِ بعدَ ما طُعِنَ، فوجداهُ لم يُصَلِّ الصبحَ، فقالا: الصلاةَ، فقال: نعم، من تركَ الصلاةَ فلا حَظَّ لهُ في الإسلامِ.
ورواهُ وكيعٌ كما في «السنةِ» لـالخلالِ (1381)، و«الإبانةِ» لـابنِ بطةَ (871)، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن المسورِ، أنَّ ابنِ عباسٍ دخلَ على عمرَ، وقال مرةً: دخلتُ مع ابنِ عباسٍ على عمرَ … وذكرَ نحوَهُ، إلا أنَّ المحفوظَ فيهِ أنَّ عروةَ يرويهِ عن سليمانَ بنِ يسارٍ.
فقد رواهُ هشامٌ اخْتُلِفَ عليهِ فيهِ:.
فرواهُ مالكٌ في «الموطأِ» (1/39) ومن طريقِهِ البيهقيُّ في «السننِ الكبرى»، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن المسورِ بنِ مخرمةَ بهِ. دونَ ذكرِ سليمانَ بنِ يسارٍ.
وخالفَ مالكاً جماعةٌ،
فرواهُ الثوريُّ كما في «مصنفِ عبدِ الرزاقِ» (579)، و«السنةِ» لـالخلالِ (1371).
وأبو أسامةَ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (37067)،
وابنُ إسحاقَ كما في «تعظيمِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (927)،
وعبدةُ بنِ سليمانَ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (8388)، «تعظيمِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (925)، و«سننِ الدارقطنيِّ» (1750).
وأبو الزنادِ كما في «شرحِ أصولِ اعتقادِ أهلِ السنةِ والجماعةِ» (1528).
وأبو معاويةَ، كما في «سننِ الدارقطنيِّ» (1511).
وابنُ نميرٍ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (30361)، و«الإيمانِ» لهُ (103).
كلُّهم رووهُ عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن المسورِ بنِ مخرمةَ بزيادةِ سليمانَ بنِ يسارٍ.
قال الدارقطنيُّ: «لم يسمعْهُ عروةُ من المسورِ، وقد خالفَ مالكاً جماعةٌ منهم: سفيانُ الثوريُّ، والليثُ بنِ سعدٍ، وحميدُ بنِ الأسودِ، ومحمدُ بنِ بشرٍ العبديُّ، وعبدُ العزيزِ الدراورديُّ، وحمادُ ابنِ سلمةَ، وغيرُهم، رووهُ عن هشامٍ، عن أبيهِ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن المسورِ، عن عمرَ بهذا، وهو الصوابُ، أدخلوا بين عروةَ وبين المسورِ سليمانَ بنِ يسارٍ، وهو الصوابُ، واللهُ أعلمُ». انظر «الأحاديثَ التي خُولِفَ فيها مالكُ بنُ أنسٍ» (27)، و«العللَ» لـالدارقطنيِّ (227).
ورواهُ ابنُ أبي مليكةَ كما في «تعظيمِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (926)، و«الإبانةِ الكبرى» لـابنِ بطةَ (872)، و«الإيمانِ» لـالعدنيِّ (32)، و«السنةِ» لـالخلالِ (1388)، و«سننِ الدارقطنيِّ» (871) عن المسورِ بنِ مخرمةَ بهِ.
قال الدارقطنيُّ في «العللِ» (2/211): «رواهُ ابنُ أبي مليكةَ عن المسورِ بنِ مخرمةَ، وهو صحيحٌ عنهُ». اهـ
ورواهُ عبدُ الملكِ بنُ عميرٍ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ:.
فرواهُ قرةُ بنُ خالدٍ كما في «تعظيمِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (928) و«الشريعةِ» لـالآجريِّ (272)، والطبرانيُّ في «الأوسطِ» (8181)، و«معجمِ ابنِ الأعرابيِّ» (407)، و«معرفةِ الصحابةِ» لـأبي نعيمٍ (191)، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن جابرِ بنِ سمرةَ، عن المسورِ بنِ مخرمةَ بهِ.
وخالفَهُ شريكٌ كما في «الطبقاتِ الكبرى» لـابنِ سعدٍ (6/442)، و«تعظيمِ الصلاةِ» لـالمروزيِّ (930)، فرواهُ عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن أبي المليحِ الهذليِّ، قال: قال عمرُ: لا إسلامَ لمن لم يُصَلِّ. قال أبو حاتمٍ الرازيُّ في «العللِ» لـابنِهِ (552): «لم يدركْ أبو المليحِ عمرَ».
وقال الدارقطنيُّ في «العللِ» (2/211): «قولُ قرةَ أشبهُ بالصوابِ».
رُوِيَ مرفوعاً من حديثِ أبي هريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، ولا يصحُّ، بل هو ضعيفٌ جداً.
ورُوِيَ موقوفاً من حديثِ عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ- بإسنادٍ ضعيفٍ.
أما حديثُ أبي هريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-:.
فرواهُ الدارقطنيُّ (1553)، والحاكمُ في «المستدركِ» (898)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/81) من طريقِ سليمانَ بنِ داودَ اليماميِّ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ. واليماميُّ متروكٌ.
وأما أثرُ عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ-:.
فرواهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ» (1915) ومن طريقِهِ رواهُ ابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (4/137)، عن الثوريِّ وابنِ عيينةَ، عن أبي حيانَ، عن أبيهِ، عن عليٍّ، قال: لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ.
قال الثوريُّ في حديثِهِ: قِيلَ لـعليٍّ: ومن جارُ المسجدِ؟ قال: من سمعَ النداءَ.
ومن طريقِ سفيانَ أخرجَهُ البيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/81).
ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (3469) حدثنا هشيمٌ.
ورواهُ البيهقيُّ (3/81) من طريقِ زائدةَ.
ورواهُ البيهقيُّ أيضاً (3/249) من طريقِ جعفرِ بنِ عونٍ، ثلاثتُهم عن أبي حيانَ بهِ.
وفي إسنادِهِ سعيدُ بنِ حيانَ، والدُ أبي حيانَ، لا يروي عنهُ إلا ابنُهُ، ولم يوثقْهُ إلا ابنُ حبانَ، والعجليُّ.
قال الذهبيُّ في «الميزانِ» (2/132): لا يكادُ يُعْرَفُ. اهـ
ولم يدركْ علياً -رضيَ اللهُ عنهُ-.
وقال المعلميُّ في «حاشيةِ الفوائدِ المجموعةِ» (ص: 22): «سعيدٌ لا يروي عنهُ إلا ابنُهُ، ولم يوثقْهُ إلا العجليُّ وابنُ حبانَ، وقاعدةُ ابنِ حبانَ معروفةٌ، وقد استقرأتُ كثيراً من توثيقِ العجليِّ، فبانَ لي أنهُ نحوٌ من ابنِ حبانَ».
ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (3470)، وابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (4/136) من طريقِ الحسنِ البصريِّ، عن عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ-، والحسنُ رأى علياً، ولم يسمعْ منهُ.
ورواهُ عبدُ الرزاقِ (1916)، والدارقطنيُّ في «السننِ» (1554)، وابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (4/137)، والبيهقيُّ في «السننِ» (3/81) من طريقِ الحارثِ الأعورِ، عن عليٍّ. والحارثُ ضعيفٌ جداً.
وأما حديثُ: (لا إيمانَ لمن لا أمانةَ لهُ):.
رواهُ أحمدُ (3/135، 154، 210)، والدولابيُّ في «الكنى» (2/154)، والطبرانيُّ في «الأوسطِ» (2627)، من طرقٍ عن أبي هلالٍ الراسبيِّ، عن قتادةَ، عن أنسٍ.
لم يَرْوِهِ عن قتادةَ إلا أبو هلالٍ، وفي حفظِهِ شيءٌ.
ورواهُ حمادُ بنُ سلمةَ، واخْتُلِفَ عليهِ في لفظِهِ:.
فرواهُ أبو يعلى (3445)، وعنهُ أبو حبانَ (194) من طريقِ مؤملِ بنِ إسماعيلَ، عن حمادٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ على الجادةِ، ومؤملٌ سَيِّئُ الحفظِ.
وورواهُ أحمدُ (3/251) عن عفانَ، حدثنا حمادٌ، حدثنا المغيرةُ بنُ زيادٍ الثقفيُّ، عن أنسٍ.
وعفانُ من أثبتِ الناسِ في حمادٍ، فيكونُ هذا هو المعروفَ من حديثِ حمادٍ.
وفيهِ المغيرةُ بنُ زيادٍ الثقفيُّ، لا يُعْرَفُ، انظر ترجمتَهُ في «تعجيلِ المنفعةِ» (1065).
ورواهُ ابنُ عديٍّ (4/394)، والبيهقيُّ (4/163) من طريقِ سنانِ بنِ سعدٍ الكنديِّ، عن أنسٍ. وسنانٌ ضعيفٌ، تركَ حديثَهُ أحمدُ.
وابنُ جابرٍ: هو عبدُ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ (ثقةٌ)، وقد صَرَّحَ الوليدُ بنُ مسلمٍ بالتحديثِ في كلِّ طبقاتِ الإسنادِ.
وأخرجَهُ المروزيُّ أيضاً (935)، والطبرانيُّ في «الكبيرِ» (10/25) رقم 9823، من طريقِ شعبةَ،
وأخرجَهُ المروزيُّ أيضاً (937) من طريقِ الأعمشِ.
وأخرجَهُ الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (9/191) رقم 8942 من طريقِ شيبانَ بنِ عبدِ الرحمنِ أبي معاويةَ.
وأخرجَهُ الطبرانيُّ في «الكبيرِ» (10/25) ح 9824 من طريقِ حمادِ بنِ سلمةَ.
وأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (30397)، ومن طريقِهِ البيهقيُّ في «الشعبِ» (42)، عن شريكٍ، كلُّهم (شعبةُ، والأعمشُ، وشيبانُ، وحمادٌ وشريكٌ) عن عاصمِ بنِ بهدلةَ بهِ.
تفردَ بهِ عاصمُ بنِ بهدلةَ، وهو صدوقٌ لهُ أوهامٌ.
ورواهُ المروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (945) حدثنا أحمدُ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ بكارٍ،
ورواهُ اللالكائيُّ في «شرحِ أصولِ اعتقادِ أهلِ السنةِ والجماعةِ» (1536) من طريقِ أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ القرشيِّ، كلاهما عن الوليدِ بنِ مسلمٍ بهِ.
وقد صَرَّحَ الوليدُ بنِ مسلمٍ بالتحديثِ في كلِّ طبقةِ السندِ.
ومعقلٌ لم يَرْوِ عنهُ إلا محمدُ بنِ أبي إسحاقَ، وذكرهُ ابنُ حبانَ في «الثقاتِ»، ولم يوثقْهُ غيرُهُ، فهو مجهولٌ.
قال عنهُ الذهبيُّ في «ميزانِ الاعتدالِ» (4/147): لا يُعْرَفُ. اهـ
وقال ابنُ حجرٍ: مجهولٌ.
وليس لهُ روايةٌ في الكتبِ الستةِ إلا أثراً رواهُ أبو داودَ في المستحاضةِ عن عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ-.
وأما أثرُ ابنِ عباسٍ فرواهُ المروزيُّ في «تعظيمِ قدرِ الصلاةِ» (939) من طريقِ الحمانيِّ، عن شريكٍ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ موقوفاً: «من تركَ الصلاةَ فقد كفرَ».
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، الحمانيُّ حافظٌ إلا أنهُ اتُّهِمَ في سرقةِ الأحاديثِ، وشريكٌ سيِّئُ الحفظِ، وسماكٌ في روايتِهِ عن عكرمةَ كلامٌ.

