الخلاف في نقض الوضوء من مس المرأة فرجها

اختلف العلماء في مس المرأة فرجها: هل ينقض الوضوء أم لا؟

فقيل: لا ينقض مطلقًا.

وهو مذهب الحنفية[1].

وقيل: ينقض مطلقًا.

وهو مذهب الشافعية[2]، والحنابلة[3].

واختلف النقل عن مالك:

فقيل: عليها الوضوء كالرجل.

قال ابن عبدالبر في «الكافي»: وهو الأشهر[4].

وقيل: لا يجب عنها إلا أن تلطف وتلتذ.
وقيل: لا يجب مطلقًا.

حكاه جماعة بأنه هو المشهور من المذهب[5].

دليل من قال: يجب عليها الوضوء
الدليل الأول

ما رواه أحمد من طريق بقية، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: «من مس ذكره فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ».

[إسناده حسن إن شاء الله تعالى][6].

الدليل الثاني

ما رواه ابن أبي شيبة من طريق مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ: «من مس فرجه فليتوضأ».

[إسناده منقطع، وسبق تخريجه][7].

وجه الاستدلال:

قوله: «من مس فرجه» فكلمة (من) من ألفاظ العموم تشمل الرجل والمرأة، وسوءة المرأة يقال لها: فرج، كما قال – تعالى -: ﴿ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ ﴾[8]، والحديث وإن كان قد اختلف فيه: هل سمع مكحول من عنبسة أم لا؟ إلا أنه شاهد للحديث الأول من حديث عبدالله بن عمرو.

الدليل الثالث

ما رواه الطبراني في «الصغير» من طريق أصبغ بن الفرج، حدثنا عبدالرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبدالملك النوفلي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب، فقد وجب الوضوء»[9].

[سبق تخريجه][10].

وجه الاستدلال:

الحديث علق الوضوء بمس الفرج، ولو علقه بالذَّكَر لقيل: إن الحكم خاص بهذا المسمى، والمرأة ليس لها ذَكر، فحين علقه بمسمى الفرج، فما ثبت لفرج الرجل ثبت لفرج المرأة إلا بدليل، ثم إن كلمة (فرجه) الفرج: اسم جنس مضاف، فيعم كلَّ فرج، وذِكر الذَّكر في حديث بسرة لا يقتضي تخصيص الفرج؛ لأن الذَّكَر بعض أفراده، وذِكر فرد من أفراد المطلق أو العام بحكم يوافق المطلق والعام لا يقتضي تخصيصًا، كما أن من نص على أن الفرج لا يدخل في مسمى الذَّكَر إنما أخذ بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم له.

الدليل الرابع

ما رواه الطحاوي من طريق عبدالله بن المؤمل المخزومي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن بسرة سألت رسول الله ﷺ، فقالت: المرأة تضرب بيدها، فتصيب فرجها؟ قال: «تتوضأ يا بسرة».

[وهذا حديث منكر][11]

الدليل الخامس

ما رواه الدارقطني من طريق عبدالرحمن بن عبدالله بن عمر بن حفص العمري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤون»، قالت عائشة: بأبي وأمي، هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ قال: «إذا مست إحداكن فرجها، فلتتوضأ للصلاة».

قال الدارقطني: عبدالرحمن العمري ضعيف[12].

[قلت: بل الحديث ضعيف جدًّا][13].

الدليل السادس

ما أخرجه البيهقي من طريق أبي موسى الأنصاري، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبدالرحمن بن نمر، قال: سألت الزهري عن مس المرأة فرجها أتتوضأ؟ فقال: أخبرني عبدالله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان بن الحكم، عن بسرة بنت صفوان أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، فليتوضأ»، والمرأة كذلك[14].

[قوله: والمرأة كذلك، من قول الزهري وليس من الحديث المرفوع][15].

دليل من قال: لا ينتقض وضوء المرأة إذا مست فرجها
الدليل الأول

الأصل بقاء الطهارة حتى يوجد دليل صحيح صريح في أن الطهارة قد انتقضت، ولا يوجد دليل هنا؛ لأن جميع الأحاديث التي وردت بمس الفرج لا تخلو من مقال، جاء في «المغني» لـ ابن قدامة: قال المروذي: قيل لـ أبي عبدالله: الجارية إذا مست فرجها أعليها وضوء؟ قال: لم أسمع في هذا بشيء. قلت لـ أبي عبدالله: حديث عبدالله بن عمرو، عن النبي ﷺ: «أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ»؟ فتبسم، وقال: هذا حديث الزبيدي، ليس حديثه بذاك.

وأجيب:

بأن حديث عبدالله بن عمرو الذي أشار الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – إلى ضعفه قد صححه البخاري فيما نقله عنه الترمذي، والإسناد إلى عمرو بن شعيب إسناد صحيح، ويبقى الحكم في عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهو سند حسن عند أكثر المحققين، والله أعلم.

الدليل الثاني

الحديث الوارد في وجوب الوضوء إنما ورد في مس الذكر، ومس المرأة فرجها ليس في معناه؛ لكونه لا يدعو إلى خروج خارج.

وأجيب:

بأن العلة في وجوب الوضوء من مس الذكر ليس كونه مظنة خروج خارج؛ لأن العلة هذه لم ينص عليها الشارع، ولم يتفق في كونها هي العلة، ولو كانت هي العلة لكنا إذا تيقنا بأنه لم يخرج خارج بقيت الطهارة على حالها كما قيل في النوم، والرسول ﷺ علق الحكم على المس، ومن مس ذكره بدون شهوة لم يكن مظنة لخروج شيء من ذكره، ومع ذلك ظاهر النصوص توجب الوضوء؛ لأن الحكم معلق على مطلق المس بدون قيد الشهوة.

الدليل الثالث

قال الرسول ﷺ في حديث طلق بن علي حين سئل عن مس الذكر، هل ينقض الوضوء؟ فقال: «إنما هو بضعة منك»، فإذا كانت العلة في عدم النقض من مس الذكر كونه بضعة من جسم الرجل، فكذلك فرج المرأة بضعة من جسدها، لا يوجب وضوءًا.

وأجيب:

بأن حديث طلق بن علي حديث ضعيف كما بينته في الخلاف في مس الذكر، وقد بينت وجوهًا كثيرة في تقديم حديث بسرة على حديث طلق في المسألة التي قبل هذه.

الراجح من أقوال أهل العلم الذي أميل إليه: أن مس المرأة فرجَها ناقضٌ للوضوء، إما بالنص على النقض من مس الفرج إن صحت الأحاديث بذلك، وإما بالقياس على الرجل؛ لعدم الفارق، والله أعلم.
الحواشي والمراجع

[1] «شرح فتح القدير» (1/ 56)، «تبيين الحقائق» (1/ 12)، «البحر الرائق» (1/ 45).

[2] «الأم» (1/ 19)، «المجموع» (2/ 38)، «الحاوي» (1/ 195)، «مغني المحتاج» (1/ 35،36) «مختصر المزني» (ص:40) «نهاية المحتاج» (1/ 118،119)، «روضة الطالبين» (1/ 75).

[3] «كشاف القناع» (1/ 126)، «الفروع» (1/ 179)، «الإنصاف» (1/ 209)، «شرح الزركشي» (1/ 251).

[4] «الكافي في فقه أهل المدينة» (ص: 12).

[5] ساق ابن رشد في «المقدمات» (1/ 102) عن مالك أربع روايات… (اختصاراً للنص الطويل) … وصرح الصاوي في حاشيته على «الشرح الصغير» (1/ 145) بأن المذهب المالكي أن الوضوء لا ينتقض بمس المرأة فرجها ولو ألطفت.

[6] سبق تخريجه، انظر رقم (1061).

[7] انظر حديث رقم (1059).

[8] الأحزاب: 35.

[9] «المعجم الصغير» (1/ 42).

[10] انظر حديث رقم (1060).

[11] عبدالله بن المؤمل ضعيف… انظر تخريجه كاملاً في حديث رقم (2063).

[12] الحديث ضعيف جدًّا إن لم يكن موضوعًا، والعمري كذَّبه أحمد. وقال النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة: متروك.

[13] تكلمت عليه ضمن الكلام على حديث بسرة، انظر (2060)… وانظر طريقه هذا في «إتحاف المهرة» (22256).

[14] «سنن البيهقي» (1/ 132).

[15] الحديث قد اختلف فيه على الوليد بن مسلم… والله سبحانه وتعالى أعلم.

شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *