تبين لنا حكم الماء المستعمل في طهارة واجبة أو مستحبة.
فما حكم الماء فيما لو كانت الطهارة غير مشروعة كالغسلة الرابعة في الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الاغتسال ونحوها؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
• فقيل: إن أراد بها ابتداء الوضوء؛ أي: زاد بعد فراغه من الوضوء الأول، صار الماء مستعملاً، وإن أراد الزيادة على الوضوء الأول، ففيها قولان:
فقيل:
يصير الماء مستعملاً؛ لأن الزيادة في معنى الوضوء على الوضوء.
وقيل:
لا يصير مستعملاً؛ لأنه من باب التعدي.
وهذا مذهب الحنفية[1].
• وقيل: ما استعمل في طهارة غير مشروعة كالغسلة الرابعة:
- طهور غير مستعمل.
وهو مذهب الشافعية [2]، والحنابلة [3]، واختاره بعض المالكية[4].
- وقيل: طهور مكروه.
وهو قول في مذهب المالكية [5].
دليل من قال: يصبح الماء مستعملاً:
قالوا:
إن الغسلة الرابعة في معنى الوضوء، فتكون مؤثرة في طهوريته.
دليل من قال: الماء طهور غير مستعمل:
قالوا:
إن الماء المستعمل في الغسلة الرابعة لم يرتفع بها حدث، ولم تقع على وجه القربة، بحيث تكون مؤثرة في طهارة المحل، فغاية ما هناك ماء طهور لاقى بدنًا طاهرًا، وهذا لا يخرجه عن طهوريته.
دليل من قال: طهور مكروه:
تعليلهم بوجود الخلاف في طهوريته، فما دام أن هناك خلافًا في طهورية هذا الماء، فنكره التطهر به خروجًا من الخلاف.
وقد سبق لك الجواب عن اعتبار الخلاف دليلاً على الكراهة، وأنه قول ضعيف جدًّا، وليس الخلاف من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والخلاف إن كان له حظ من النظر بحيث تكون له أدلة معتبرة، فحينئذٍ يكون له اعتبار من أجل الأدلة الثابتة، وإن لم يكن له أدلة معتبرة، فلا حظ له ولا اعتبار، ومع ذلك فليس التعليل بالخلاف حجة شرعية؛ وإنما العبرة بالدليل الشرعي.
-------------------------
انظر بدائع الصنائع (1/69)، حاشية ابن عابدين (1/199).
قال النووي في المجموع (1/211): "واتفقوا على أن المستعمل في الغسلة الرابعة ليس بماء مستعمل؛ لأنها ليست بنفل".
الإنصاف (1/37)، كشاف القناع (1/33)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (1/34، 35).
حاشية الدسوقي (1/42)، الخرشي (1/75)، مواهب الجليل (1/70).
حاشية الدسوقي (1/42).