حكم التأمين التجاري، والتأمين الاجتماعي

ألْتمِس مِن القارئ أن يُدركَ أنَّ موضوعًا مثل التأمين لا يُمكِن أن يكون البحثُ فيه شافيًا، في مقال قد سُمِح لك فيه بكلماتٍ معدودة لا تتجاوزها؛ لذا ستكون الكلماتُ فيه كالتواقيع.
عقد التأمين مِن العقود المُستحْدَثة:
لا يمكن قياسُ عقْد التأمين على أيِّ عقدٍ من العقود القديمة، وقد حاول بعضُ فقهاء هذا العصر قياسَه على بعضِ العقود، فلم يُوفَّقْ في ذلك.

عقد التأمين عقدُ معاوضة ملزِم يقوم بيْن طرفين:
أحدهما:
المستأمِن، وهو الذي يدفع قسِطَ التأمين للشركة على شكلِ دُفْعة واحدة، أو دُفعات.
ثانيهما:
شركة التأمين، وهي الجِهة التي تدْفَع التعويضَ عندَ حصول الخطَر المُؤمَّن منه.

ويتمُّ الاتِّفاقُ على تحديدِ مِقدار التعويض الذي تدفعه الشركةُ للمستأمن.
والهدفُ مِن العقد بالنسبة للشركة:
هو تحقيقُ الربح.
وأما الهدف بالنسبة للمستأمن:
فهو حصولُ الطُّمأنينة في دخول بعضِ المغامرات التجارية، وإذا حصَل، ووقَع له مكروهٌ فإنَّه سيحصل على ترميمِ آثار الخطر المؤمَّن منه عندَ حصوله.

حكم التأمين:
ولقد تعرَّضَ الفقهاءُ المعاصرون لحُكم التأمين باختلافِ أنواعه، قيامًا بالواجب، وبلاغًا للأمَّة، وكانتْ هذه المسألة محلاًّ للعناية من أكثر مِن محفَل علمي، ومرْكَز بحثي في العالَم الإسلامي.

•• وقد اختلف العلماءُ المعاصرون في حُكم التأمين التجاري على ثلاثةِ أقوال:
• فقيل: لا يجوز.
وهو قولُ أكثر أهل العِلم، وبه أخذ مجلسُ هيئة كبار العلماء في السعودية، وغالب أعضاء المَجْمَع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالَم الإسلامي، وغالب المجمع الفقهي التابع لمنظَّمة المؤتمر الإسلامي.

• وقيل: يجوز التأمينُ التجاري بجميع أنواعه، بشَرْط أن يخلوَ مِن الرِّبا.
وعلى رأسهم: العلامة مصطفى الزَّرْقا، والشيخ عبدالله صيام، والشيخ عبدالوهاب خَلاَّف، والشيخ علي الخفيف، وعبدالرحمن عيسى، ومحمد يوسف، والشيخ محمد أحمد فرَج السنهوري، والشيخ عبدالله بن منيع، وغيرهم.
وصَدَر قرار الهيئة الشرعيَّة لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار بجواز التأمين مُطلقًا التعاوني والتجاري.

والذي أَميل إليه أنَّ عقد التأمين لا يأخذ حُكمًا واحدًا، وإنَّما يمكن تقسيمُ العقد فيه إلى قسمين:
• الأول: ما كان التأمينُ فيه مِن عقود الغَرَر؛ كالتأمين التجاري على السِّلَع والمنشآت.
ومنه: التأمينُ الصحي، وهو عقدٌ قائم على جبْر الأضرار.
فهذا يدخُل في العقود المباحة.

• الثاني: ما كان التأمينُ فيه مِن عقود الرِّبا كالتأمين على الحياة.
ومِن صوره: التأمين الاجتماعي، وهو لا يقوم على جبْر الأضرار، بل يدفع المستَأْمِن دَراهمَ للمؤمِّن، وإذا بلغ سنًّا معيَّنًا دفَع المؤمِّن للمستأمن دراهمَ عوضًا عنها، إمَّا دفعةً واحدة، وإما على شكل رواتب.
وهذا العقد مُحرَّم، ويجتمع فيه رِبا الفضل وربا النسيئة، وهذا ما ذهَب إليه الشيخُ عبدالله بن زيد آل محمود - رحمه الله - ومحمد أحمد فرج السنهوري.

• أدلَّة القائلين بالتحريم ومناقشتها:
إنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن بيْع الغَرَر، وعقد التأمين مشتملٌ على غرر فاحِش، في وجوده، وفي مقدارِه، وفي أجَلِه.

وستتمُّ مناقشة وجود الغَرر في عقْد التأمين مِن وجهين:
- الوجه الأول: عدم التسليم بوجودِ الغرر في عقْد التأمين:
وذلك أنَّ عقد التأمين يقوم بيْن طرفين:
المستأمِن، والمؤمِّن.
والسؤال: هل الغَرَر الموجود في عقْد التأمين هو في حقِّ المستأمِن، أو في حقِّ شركة التأمين، أو في كليهما؟
- فإن قيل: إنَّ الغرر في جانبِ المستأمِن، قلت:
إنَّ الغرر في حقِّ المستأمن يجب أن يكون يسيرًا جدًّا؛ لأنَّ المبلغ الذي سوف يدفعه، هو مبلغ زهيدٌ جدًّا، مقابل إقدامه على المخاطَرة بنفس مطمئنَّة، لو أخذنا مثالاً تأمين الرُّخْصة، لرأينا أنَّ سائق حافلة يحمل معه يوميًّا أربعين طالبًا، أو طالبة، وراتبه بمقدار ألْف رِيال، ومع كثرة الحوادث على الطُّرق، سيتحمَّل مسؤوليةً عظيمة، فيما لو تعرَّض له حادث، وتَلِف مَنْ معه مِن النفوس، فيدفع رِيالاً واحدًا يوميًّا؛ ليقدمَ على القيادة بنفس مطمئنَّة، ويقبل المغامرةَ بقَبول هذه المِهنة بهذا الراتِب اليسير، وهذا المبلغ يدفعُه المستأمِن مقابلَ مشروب غازي واحد، فإنْ لم يتعرَّض للخطر، فالحمد لله، فهذا ما كان يرغَب فيه، وإن تعرَّض للخطَر كان له مَن يحمِل عنه هذه المبالِغَ الهائلة.

- وإنْ قيل: إنَّ الغرر في جانبِ الشركة المؤمِّنة:
فإنَّه مِن المعلوم أنَّ شركات التأمين هي مِن أكثرِ الشركات رِبحًا في السوق، ولو كانتْ قائمةً على الغرَر لوجدتها شركاتٍ خاسرة، فالشركة تتعاقَد مع عددٍ كبير من المؤمَّن لهم، وتتقاضَى مِن كلٍّ منهم مقابلاً، ومن مجموع ما تتقاضاه مِن هؤلاء جميعًا تُعوِّض العددَ القليل، الذين تحترق منازلُهم، فيفي ما تتقاضاه مِن المؤمَّن لهم، بما تدفَعُه مِن التعويض لبعضهم؛ لأنَّها تحسب مقابل التأمين على أساسٍ فنِّيٍّ مُستمَدٍّ مِن قواعدِ الإحصاء، وحساب الاحتمالات، وقانون الكثرة، فالتأمين إذا نظرنا إليه مِن الجانب الآخر، وهو العلاقة ما بيْن الشركة ومجموع المؤمَّن لهم، لا يحمل طابعَ المقامرة، أو الرهان، والشركة إذا حدَّدتْ مقابل التأمين تحديدًا دقيقًا على الأُسُس الفنية الصحيحة، وأحسنتْ إدارة أعمالها، لا تتعرَّض لخَطَر يَزيد عن الخطرِ الذي تتحمَّله الشركاتُ عادةً في أعمال التجارة الأخرى غيرِ أعمال التأمين، فالمؤمَّن لهم، وجميعهم مُعرَّضون لخطر واحد، يتحقَّق في العادة بالنسبة إلى عددٍ قليل منهم، ولا يتحقَّق بالنسبة إلى الغالبية العُظْمى، يتعاونون جميعًا في تعويضِ العدد القليل منهم الذين يتحقَّق الخطر بالنِّسبة إليهم، فلا يتحمَّل هؤلاء الأخيرون الخسارةَ وحْدَهم، وبذلك يكفُل التأمين للجميعِ توزيعَ الخسارة عليهم، فلا يَخْسَر أيٌّ منهم إلا مقابلَ التأمين الذي دفعَه.

ويدلُّ على ذلك:
أنَّه بالرجوع إلى نسبةِ الحوادث التي حصَلَت في المملكة العربية السعودية هذا العام، تجدها قريبةً مِن نسبة الحوادث التي حصلت في العام الماضي، إذا أخَذْنا في الاعتبار الزِّيادة المُطَّردة في عددِ السائقين كلَّ عام، والزيادة في عددِ السيَّارات.
وإذا انتفى الغررُ في حقِّ المستأمِن، وفي حقِّ شركات التأمين انتفَى الغررُ عن مجموع العاقدين.

- الوجه الثاني: التسليم بأنَّ التأمين فيه غررٌ كثير، والأصل فيه التحريم، ولكن أَباحَتْه الحاجة.
والدليل على أنَّ الغرر الكثير تُبيحه الحاجة:
الأول: القياس على الغَرر التابع إذا كان كثيرًا.
فقد أجْمَع العلماءُ على جوازه، وإنْ كان كثيرًا، فلو أنَّ رجلاً باع ألف نخْلة، وفي كلِّ نخلة ثمر لم يَبْدُ صلاحه، جاز دخولُ الثمرة في الصَّفقة، مع أنَّه لا يجوز بيعُ الثمر منفردًا؛ لوجودِ الغرر فيه، ومع أنَّ الغرر كثير وقيمة الثمر في العقد كبيرة جدًّا، ومع ذلك جاز بيعُه؛ لقيام الحاجة إلى جوازه، فكذلك الغرر في التأمين مَقيسٌ عليه وإنْ كان كثيرًا بجامع الحاجة العامَّة، فالناس اليوم في أشدِّ الحاجة إلى التأمين.

الثاني: إذا كان رِبا الفضل تُبيحه الحاجةُ كما في العرايا، فإنَّ الغرر أخفُّ مِن الرِّبا.
فالضَّرر الحاصل بترْك التأمين أكثرُ مِن الضرر الحاصل في الوقوع في الغَرَر، إذا علمْنا أنَّ الشخص قد يُعرِّض تجارته للإفلاس، ويَنتهي به الحالُ إلى دخول السجن، خاصَّة مع كثرةِ الحوادث، والسجن لا يُعطِّل المسجون وحْدَه، بل تتضرَّر أسرتُه ممَّن يقوم على إعالتها، والنَّفَقة عليها، وما تُنفقه الدولةُ على سجناء الحوادث، وما تُسخِّره من إمكانات للقيام على السُّجناء، يفوق بكثيرٍ التعويضات التي تدفعها شركاتُ التأمين للمستأمنين.

يقول ابن تيمية:
ومفسدة الغَرَر أقلُّ مِن الربا، فلذلك رُخِّص فيما تدعو إليه الحاجةُ منه، فإنَّ تحريمه أشدُّ ضررًا مِن كونه غررًا؛ مثل: بيْع العقار جُملة، وإن لم يعلم دواخلَ الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامِل، أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل، أو اللبن، وإن كان قد نُهِي عن بيع الحمل منفردًا، وكذلك اللبن عندَ الأكثرين....إلخ.

وابن تيمية وإن مثَّل لقاعدته في الغرَر التابع، والغرر اليسير؛ لأنَّ ابن تيمية من عادته إذا ساقَ الأمثلة، اختار مِن الأمثلة ما لا نِزاعَ فيه - ولكن العِبرة بالقاعدة التي ساقَها ابنُ تيمية، فإنَّه رُخِّص في الغرر إذا دعَتْ إليه الحاجة، والغرر الذي تُبيحه الحاجةُ أعمُّ من الغرر اليسير، أو التابع، فهذان يُباحان مع قيامِ الحاجة وبدونها.

ويقول ابنُ تيمية أيضًا:
مِن أصول الشرع: أنَّه إذا تعارض المصلحة والمفسدة، قُدِّم أرجحهما، فهو إنَّما نهى عن بيْع الغرر لِمَا فيه مِن المخاطرة التي تضرُّ بأحدهما، وفي المنْع مما يحتاجون إليه مِن البيع ضررٌ أعظمُ مِن ذلك، فلا يمنعهم الضررُ اليسير بوقوعهم في الضررِ الكثير، بل يُدفع أعظمُ الضررين باحتمال أدناهما؛ ولهذا لَمَّا نهاهم عن المزابنة لما فيها من نوع رِبًا، أو مخاطرة، أباحَها لهم في العرايا للحاجة؛ لأنَّ ضررَ المنع مِن ذلك أشدُّ، وكذلك لما حرَّم عليهم الميتةَ لِمَا فيها من خُبث التغذية، أباحَها لهم عندَ الضرورة؛ لأنَّ ضررَ الموت أشدُّ، ونظائره كثيرة...إلخ.

ويقول أيضًا:
وإذا كانتْ مفسدةُ بيع الغرر هي كونَه مظنةَ العداوة والبغضاء، وأكْل الأموال بالباطل، فمعلوم أنَّ هذه المفسدة إذا عارضتْها المصلحةُ الراجحة قُدِّمت عليها، كما أنَّ السباق بالخيل والسهام والإبل لَمَّا كان فيه مصلحةٌ شرعية جاز بالعِوض، وإنْ لم يَجُزْ غيرُه بعوض.اهـ

ويقول الشيخ الصديق الضرير في كتابه القيِّم (الغرر وأثره في العقود):
يشترط لتأثيرِ الغَرر في العقد ألاَّ يكون الناس في حاجة إلى ذلك العقْد، فإنْ كانت هناك حاجةٌ إلى العقد لم يؤثِّر الغرر مهما كانتْ صفة الغرر، وصِفة العقد؛ لأنَّ العقود كلها شُرِعت لحاجة الناس إليها، ومِن مبادئ الشريعة العامَّة المجمع عليها: رفْع الحرَج؛ ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78]، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ منع الناس مِن العقود التي هم في حاجةٍ إليها يجعلهم في حرَج، ولهذا كان مِن عدْل الشارع ورحمته بالناس أنْ أباح لهم العقودَ التي يحتاجون إليها، ولو كان فيها غرَر.اهـ

ولذلك لما قال رسولُ الله ﷺ كما في حديثِ أبي هريرة في الصحيحين: «لا يُختلَى شوكها، ولا يُعضد شجرها - يعني: شجر الحرَم»، قال رجل مِن قريش: إلا الإذْخر، فإنَّما نجعله لبيوتنا، وقبورنا، فقال: «إلا الإذخر».
ولَمَّا نهى الشارِعُ عن اقتناء الكلْب رخَّص في كلْب الحِراسة والصَّيْد والماشية.
فدلَّ على أنَّ الشريعة قد اعتبرتْ حاجةَ الناس في الترخيص لهم، وإنْ كان في ذلك ما يدعو إلى التحريمِ إذا كانتْ حاجة الناس عامَّة.

ويظهر ذلك جليًّا في عقد الجُعالة:
فإنَّ عقد الجُعالة فيه غررٌ واضِح، فإنَّ قول القائل: مَن ردَّ عليَّ بعيري الشارد فله كذا، فالباحِث عنه قد يجده وقد لا يجده، وهو غررٌ في وجودِه، وهو أشدُّ أنواع الغرر، وقد يعمل قليلاً لمدَّة قصيرة ويستحقُّ الجُعل، وقد يعمل كثيرًا ولمدَّة طويلة ومع ذلك لا يجده، ولا يستحقُّ الجُعل، وهذا غرر في أجَله، وهو غررٌ مؤثِّر في بطلان العقْد.

وقد يقول القائِل: مَن وجد سيَّارتي المسروقة فله عُشْرُ قِيمتها.
فهذا جائز، ولو لم يعلم الطرفانِ قيمةَ السيارة، فالغَرر في الجُعالة غرر في حصولِ الشيء، وغرر في مقدارِ العمل، وغرر في أجَلِه، ولم يمنع هذا الغرر جواز هذه المعاملة، لما كانتِ الحاجةُ قائمةً إلى عقد الجعالة، وهي مِن عقود المعاوضات وليستْ مِن عقود التبرُّعات.

والذي يَنبغي للفقيه أن يقِفَ على مقدارِ حاجة السُّوق إلى التأمين.
فإنَّ غالب الفُقهاء إنْ لم يكن كلُّهم، لا يمارسون التجارةَ بمفهومها الواسِع مِن إيراد أو تصدير، فاليوم لا يُمكنك أن تُصدِّر، أو تستورد شيئًا، إلا عن طريقِ التأمين، والتاجِر اليوم يغامر مغامرةً كبيرة وهو يحمل بضاعتَه مِن شتَّى أصقاع الأرض؛ ليأتيَ بها إلى سوقِ بلاده، فحاجةُ السوق إلى هذه المعامَلة، ومقدار الضَّرَر بمنعها، إنَّما يُقدِّره التجَّار المسلِمون، وليس الفقهاءُ المنشغِلون بمسائلِ العلم عن الاطِّلاع على حاجةِ السوق، وربَّما كنتُ في يوم من الأيام وأنا أقرأ عبارةً لابن القيِّم لم تَرُقْ لي، وعندما بحثتُ في التأمين اشتدَّتْ حاجتي إليها للاستدلالِ بأنَّ الفقيه بحاجة إلى تقديرِ التاجر، فهو أعلمُ منه بما يحتاجه السُّوق، وما يتضرَّر منه التجار المسلِمون لو منعوا مِن هذه المعاملة.

يقول ابن القيم:
قول القائل: إنَّ هذا غرر ومجهول، فهذا ليس حظُّ الفقيه، ولا هو مِن شأنه، وإنَّما هذا مِن شأن أهلِ الخبرة بذلك، فإنْ عدُّوه قمارًا أو غررًا فهم أعلمُ بذلك، وإنما حظُّ الفقيه يُحلُّ كذا لأنَّ الله أباحه، ويُحرِّم كذا لأنَّ الله حرَّمه، وقال الله وقال رسوله وقال الصحابة، وأمَّا أن هذا يرى خطرًا، وقمارًا، وغررًا، فليس مِن شأنه، بل أربابه أخبرُ بهذا منه، والمرجِع إليهم فيه، كما يرجع إليهم في كونِ هذا الوصف عيبًا أم لا، وكون هذا البيع مُربِحًا أم لا، وكون هذه السِّلعة نافقة في وقت كذا، وبلد كذا، ونحو ذلك مِن الأوصاف الحسِّيَّة والأمور العُرْفية...إلخ.

وما تَكلَّمتُ مع تاجر إلا وهو يتمنَّى لو جُعِل له مخرجٌ في إباحة التأمين؛ ليدخلَ السوق وهو مطمئن مِن أنَّ الكوارث والتقلبات لن تعصفَ بتجارته، فالتأمين يحفظُ له إمكانية البقاء غنيًّا فيما لو تعرَّض لحادثة من الحوادث، والله أعلم.

ولو عَلِم المشايخُ بمقدار حاجة التجار الملحَّة إلى التأمين، بالقدر الذي أحسُّوه، ولمسوه مِن منفعة التأمين الاجتماعي (التقاعد) لوجدت الدفاع عن التأمين التجاري بقدرِ دِفاعهم عن نظام التقاعُد.
فإذا عرفتَ أنَّ التأمين التجاري ليس فيه رِبًا، كما هو الحال في نِظام التأمين الاجتماعي، ومنافِع التأمين ليس في دفْع الفقر عن التاجر، وإن كان هذا مطلوبًا، وإنما في المحافظةِ على كونه غنيًّا في السوق كما لو لم يتعرَّضْ للجائحة، ويَحمي التأمين أسواقَ المسلمين مِن الكوارث التي تُحاك مِن المتلاعبين والمضاربين، وحمايةُ السوق مِن المقاصد الشرعية - إذا عرفتَ ذلك أدركتَ أنَّ القول بجواز التأمين التجاري هو عينُ الصواب، خاصَّة أنَّ تحريمه مِن باب تحريم الغرر، والغرر أمرٌ نسبي تُبيحه الحاجة.

مناقشة هذا الكلام:
يُسلِّم الشيخ الصديق الضرير بالحاجة إلى التأمين في تعامل الناس في هذا العصر، ولكنَّه يرى أنَّ التأمين التعاوني يقوم بالمهمَّة، وهو مباح، فلا حاجةَ إلى التأمين التجاري.
ويُجاب عن ذلك:
بأنَّ أكثر شرِكات التأمين، والتي تُسمِّي نفسها تعاونية، هي شركات تجارية، وهمُّها هو الرِّبح فقط.

ثم لو سلَّمْنا أن التأمين المسمَّى بالتعاوني الموجود في أسواق المسلمين خالٍ مِن المحذورات الموجودة في التأمين التجاري، فماذا نعمل في بلادٍ ليس فيها تأمينٌ تعاوني، هل نقول: بأنَّ لهم أن يدخلوا في شركات التأمين التجارية للحاجةِ الماسَّة إلى ذلك؟ أو نُحرِّم عليه التأمين التجاري، مع قيامِ الحاجة الملحَّة إلى ذلك؟

مع إنِّي أجزم أنَّ التأمين التعاوني هو إلى الآن قائمٌ كفِكْرة، ولم يوجدْ حتى الآن في أسواق المسلمين كممارسة، وما يُسمَّى بالتأمين التعاوني القائم في السوق لا يختلف في وجهٍ من الوجوه عن التأمين التجاري، بل هو أسوأ، هذا فيما يَتعلَّق بالاستدلال بالغَرَر على تحريمِ التأمين، وهو أقوى دليلٍ للمانعين، وأرجو أنْ أكونَ قد أجبتُ عنه.

• الدليل الثاني للقائلين بتحريم التأمين التجاري:
اشتمال عقْد التأمين على الرِّبا بنوعيه (ربا الفضل وربا النسيئة).
فإنَّ الشركة إذا دفعتْ للمستأمن، أو لورثته، أو للمستفيد، أكثرَ ممَّا دفعَه مِن النقود، فهو رِبا فَضْل، والمؤمِّن يدفع ذلك للمُستأمِن بعدَ مدَّة، فيكون رِبا نَسيئة، وإذا دفعتِ الشركة للمستأمن مثلَ ما دفَعَه لها، يكون رِبا نَسيئة فقط، وكلاهما مُحرَّم بالنص، والإجماع.

ويناقش هذا الكلام:
بأنَّ ما تدفعه الشركة ليس مِن قبيل الصَّرْف، حتى يقال: دراهم بدراهم مع التفاضُل والنسأ، وليس مِن قبيل القرْض الذي جرَّ نفعًا، وإنما عقد التأمين قائمٌ على جبْر الأضرار، فما تدفعه الشركةُ إنما تدفعه مقابلَ عروض تالِفة، لا رِبا بينها وبيْن ما أخذتِ الشركة، فإذا كان المؤمَّنُ عليه سيَّارةً، والقسط دراهم، لم يكن بيْن الدراهم والسيَّارة أيُّ نوع من الربا، فإذا تلفتِ السيارة نظرتْ شركة التأمين إلى قِيمة السيارة، ودفعتْ له قيمتَها، وربَّما اشترتْ له سيارة مثلها، وإذا نقصتِ العين دفعتْ له قِطع الغيار اللازمة، أو قيمتها، وفي التأمين الصحي تدفع له تكاليفَ العلاج مِن كشف، وأدوية، وتحاليل؛ ولذلك لو لم تتلفِ العين لم تتحمَّلِ الشركة الغُرْم.
نعم، يصح هذا دليلاً لو كان التأمينُ مُنصبًّا على الدراهم نفسها، لقيل: دراهم بدارهم مع النسأ، كما هو في التأمين على الحياة.
فتبيَّن بهذا أنَّ مبلغ التأمين الذي تدفعه الشركةُ ليس بدلاً عن الأقساط، بدليل أنَّه لا يُدفَع في أكثرِ حالات التأمين، حيث لا يدفع إلا إذا وقَع الخَطَر، ولو كان عِوضًا عن الأقساط لوجَب دفعُه في كلِّ حال، كما أنَّه لا يدفع إلا بمقدارِ الضرر مِن غيرِ زيادة، فالهدفُ مِن التأمين ليس هو تحقيقَ ربْح للمستأمنين، ولكن الهدف هو الاحتياطُ لأموالهم، والحفاظ عليها، وهذا هو أساسُ التأمين، وما أبعدَ ذلك عن الرِّبا والصَّرْف!

• الدليل الثالث للمانعين:
التأمين نوعٌ مِن القمار.
يقول الشيخ محمد بخيت المطيعي: عقد التأمين عقدٌ فاسِدٌ شرعًا؛ وذلك لأنَّه مُعلَّق على خطر، تارةً يقع، وتارةً لا يقع، فهو قمارٌ معنًى.

مناقشة هذا الدليل:
مع أنَّ الشيخ الصديق محمد الضرير لا يَرَى مشروعيةَ التأمين التجاري، إلا أنَّه لا يُسلِّم بأنَّ في التأمين قمارًا، يقول - وفَّقه الله -:
وأرى أنَّ حقيقة التأمين تختلف عن حقيقةِ القمار شرعًا، وقانونًا، وإنْ كان في كلٍّ منهما غرر، فالقمار... ضرْب من اللهو واللعب، يُقصَد به الحصولُ على المال، عن طريقِ الحظ والمصادَفة، وهو يؤدِّي دائمًا إلى خسارة أحدِ الطرفين، ورِبْح الطرف الآخر... فالذي يؤمِّن على ماله ضدَّ الحريق مثلاً إنَّما يفعل ذلك بغرَض التحصُّن من خَطر محتمل، لا يَقوى على تحمُّله وحْدَه، وهذه المعاني غيرُ موجودة في المقامرة، فإنَّ المقامر لا يتحصَّن من خطر، وإنما يوقع نفسَه في الخطر، وهو عُرضةٌ لأنْ يفقد ماله؛ جريًا وراءَ ربح موهوم، موكول لمجرَّد الحظ.

وعلى هذا، فلستُ أرى ما يُبرِّر قياسَ التأمين على القمار، فالتأمين جِدٌّ، والقمار لعِبٌ، والتأمين يعتمد على أُسس علمية، والقمار يعتمد على الحظ، وفي التأمين ابتعادٌ عن المخاطر، وكفالة للأمان، واحتياط للمستقبل بالنِّسبة للمستأمن، كما فيه ربحٌ محقَّق عادةً بالنسبة للمؤمِّن، وفي القمار خَلْق للمخاطر، وابتعادٌ عن الأمان، وتعرُّض لمتاعبِ المستقبل، فكيف يستويان؟!. اهـ.

• الدليل الرابع للمانعين من التأمين التجاري:
عقْد التأمين التجاري فيه أخْذُ مال الغيْر بلا مقابل، وهذا مُحرَّم لدُخوله في عُموم النَّهي في قوله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 29].
لأنَّ الخطر المؤمَّن عنه إذا لم يقعْ، فإنَّ الأقساط التي دفعها المستأمِن أصبحت حقًّا خالصًا للمؤمِّن بدون مقابل.

ويناقش هذا الدليل:
بأنَّ الضمانَ الذي يلتزمه المؤمِّن بتحمُّل تبعاتِ الأخطار التي تَجْري على مال المستأمِن هذا الضمان، هو شغلٌ لذِمَّته متى وُجِد سببُه، وهذا الالتزام هو الذي دفَع المستأمِن إلى قَبول المغامرة في ماله، سواء في نقْلِه مِن دولة إلى دولة، أو الدخول في صفقاتٍ تجارية، أو تعرُّضه للحوادثِ بسبب مخاطرِ محتملة، فكيف يقال: إنَّ ذلك بدون مقابِل؟!

فمَحْضُ الالتزام فيه منفعةٌ مقصودة، ومصلحةٌ مشروعة، والمنافع تُعتبر مِن الأموال، وقد أجاز الحنفيةُ والحنابلة أخْذَ الربح مقابل الضمان.
حيث أجازوا شركةَ الوجوه، وهي شركةٌ على الذِّمَمِ من غير صنعة ولا مال، حيث يتعاقَد اثنانِ فأكثر بدون رأس مال، على أن يشتريَا نسيئة، ويَبيعا نقدًا، ويقتسمَا الرِّبْح بينهما بنسبة ضمانهما للثمن.
ويتخرَّج على مذهبهم:
أنه لو اشترك وجيهٌ مع آخَر على الضمان والرِّبح مُناصفَةً، ولم يشترِ الثاني، ولم يبعْ شيئًا، فإنه يستحقُّ الربح لمجرَّد الضمان (الذي هو مجرَّد الْتِزام مال في الذِّمَّة) بدون بذْل مال، أو عمل.
وقد جاء في مجلَّة الأحكام العدلية: "استحقاق الرِّبْح في الوجوه إنَّما هو بالضمان".

كما أنَّ حديث الخراج بالضمان دليلٌ قوي جدًّا، على أنَّ الضمان له قيمةٌ مالية.
فالخَراج يُراد به: ما يخرج، ويُحصَّل من غَلَّة العين، وذلك بأن يشتريَ الرجل سلعة، فيستغلَّها زمنًا، ثم يعثُر فيها على عيبٍ فيها، أو يظهر أنَّ السلعة مُستحقَّة لآخر فله ردُّ العين، وأخْذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغلَّه؛ لأنَّ المبيع لو تلِف في يده، لكان في ضمانه، ولم يكن له على البائِع شيء.
والباء في قوله: (بالضمان) سببية؛ أي: الخراج مُستحَقٌّ بسبب الضمان.

وهذا التَّلَف احتمالي، وقد يكون نادرًا، ومع ذلك فالخراجُ له بسبب أنه شَغَل ذِمَّته بالضمان لهذا الخطر الاحتمالي النادر، وهو ضمانٌ مجرَّد ما دام أنَّ السِّلعة قد تبيَّن وهو يردُّها أنَّها لم ينقصْها شيء، ومع ذلك فقد استحقَّ هذا الخراج بمجرَّدِ هذا الضمان، فدلَّ على أنَّ التزام الضمان له قيمةٌ مالية مقصودة، وأنَّه يسوغ بذلُ العِوَض في مقابل تحْصيلِها.

وإذا كان الحالُ كذلك، فكيف يُقال: إنَّ شركة التأمين قد أخذتِ المالَ بلا مقابل، مع قيامها بهذا الضمانِ الواجب عليها؟
وهو ليس ضمانًا مجرَّدًا كما هو الحال في استحقاقِ الخَرَاج مقابلَ الضمان، بل هو ضمانٌ يكفُّ يدَها عن التصرُّفِ في جزء من مالها، يظلُّ حبيسًا لِمَا قد يَجِب عليها مِن تعويضات، ويترتَّب عليها من استحقاقات، وهذا الكفُّ لهذا المقدار مِن المال هو عملٌ منها أيضًا، ولو اشتغلتْ بكلِّ المال لضاعفتْ مِن أرباحها، والله أعلم.

هذه تقريبًا أهمُّ أدلَّةِ القائلين بالتحريم.


• وأمَّا القائل بجواز التأمين:
فإنَّه لا يُطالَب بدليل إيجابي، بل يَكفيه الدليل السلبي، وهو عدمُ وجودِ دليلٍ صحيح صريح يَقتضي التحريم.

وقد أجاب القائلون بالجواز عن جميعِ أدلَّة المانعين، وهذا بحدِّ ذاته كافٍ ليكونَ دليلاً على جوازِ التأمين التجاري، فإنَّ الأصل في المعاملات الحِل، وهذا أقوى دليل للقائلين بالجواز، وهو الدليلُ الذي أراه سالِمًا من المعارضة.
ومحاولات القائلين بالجواز في إيجادِ دليلٍ إيجابي لمعاملة مستحدَثة على غيرِ مثال سابِق لها في المعاملات القديمة، قد يكون فيه بعضُ التكلُّف، وربَّما إذا رأى القارئُ سلامةَ الاعتراضات على أكثرِ الأدلة يعتقد ضَعْفَ القول، وهذا مِن الخطأ؛ لأنَّ المعاملات والعقود والشروط، الأصلُ فيها الحِل، حتى يقوم دليلٌ شرعي صحيح على تحريمها.

وذِكْر جميع أدلَّة القائلين بالجواز يحتاج إلى مساحةٍ أكبرَ مِن هذه المساحة؛ لذا أكتفي بما ذكرت.
وقد بحثتُ التأمين بتوسُّع في كتابي: "موسوعة أحكام المعاملات المالية"، وهو كتابٌ لم يُطبَع بعدُ، أسأل الله - سبحانه وتعالى - أن ييسِّر لي نشرَه في القريب العاجِل، والله الموفِّق [1].

------------------------------------

[1] حرر الشيخ -حفظه الله- هذا البحث قبل صدور الموسوعة.
شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *