المدخل إلى المسألة:
• يكره النفل المطلق في أوقات النهي.
• الأمر الشرعي في عبادة لا يتناول المكروه منها؛ لأن الأمر ضد النهي، فلو دخل المكروه في الأمر لكان جمعًا بين الضدين.
• أذِن الرسول ﷺ بالصلاة لمن صلى الفجر في رحله ثم جاء إلى المسجد، فدل على أن هناك نفلًا مأذونًا في فعله في أوقات النهي.
• قضى الرسول ﷺ راتبة الظهر بعد صلاة العصر، فدل على أن النهي عن الصلاة في أوقات النهي خاص بنوع من النفل.
• الشارع حكيم، لا يفرق بين المتماثلات، ولا وجه للتفريق بين النوافل إلا أن يقال: إن المأذون فيه هو ما كان له سبب، والممنوع منه هو النفل المطلق.
• العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا تواردت عليه كثرة المخصصات.
اتفقوا على مشروعية تحية المسجد في وقت جواز النافلة.
•• واختلفوا في مشروعيتها في وقت النهي[1] ••
• فقيل: لا يصلي.
وهو مذهب الجمهور، على خلاف بينهم:
- أهو على سبيل التحريم؟
وبه قال الحنفية والحنابلة.
- أم على سبيل الكراهة؟
وبه قال المالكية[2].
• وقال الشافعية:
تجوز تحية المسجد إن دخل المسجد لحاجة في وقت النهي، وكذلك تجوز صلاة النوافل ذوات الأسباب، كصلاة ركعتي الطواف، وسنة الوضوء، وصلاة الكسوف، ونحوها.
وهو رواية عن أحمد، واختارها ابن تيمية[3].
* فإن دخل المسجد لا لحاجة في الدخول، ولكن ليصلي تحية المسجد؟
فللشافعية وجهان:
- أقيسهما: الكراهة.
لما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ، قال: «لا يَتحرَّ أحدُكم فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها»[4].
وهذا تحرَّى بصلاته طلوع الشمس وغروبها، والتحري: التعمد.
- والثاني: يجوز.
لعموم خبر أبي قتادة: «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
ولأن سبب الصلاة الدخول، وقد وجد[5].
• وقيل: لا يجوز النفل المطلق إلا في ركعتي الطواف.
لأنها تابعة لما لا يمنع منه النهي، وقضاء السنن الراتبة بعد العصر؛ لأن حكم النهي فيه أخف، وإعادة جماعة مع إمام الحي إذا أقيمت وهو في المسجد، بعد الفجر والعصر خاصة، للنص الخاص[6].
هذه مجمل الأقوال، فتعال معي إلى ذكر حججها وبراهينها.
• دليل من قال: تجوز تحية المسجد وغيرها من ذوات الأسباب في وقت النهي:
- الدليل الأول:
ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود،
عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناس بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا مع الناس؟» قالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: «فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة»[7].
[صحيح][8].
وجه الاستدلال:
قال ابن خزيمة:
والنبي ﷺ في هذا الخبر قد أمر من صلى الفجر في رحله أن يصلي مع الإمام، وأَعْلَم أن صلاته تكون مع الإمام نافلة، فلو كان النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس نهيًا عامًّا لا نهيًا خاصًّا، لم يجز لمن صلى الفجر في الرحل أن يصلي مع الإمام فيجعلها تطوعًا[9].
وإذا صح أن بعض النوافل مأذونٌ في فعلها في أوقات النهي، وبعضها منهيٌّ عنه، كان لابد أن يكون المأذون فيه يفارق الممنوع منه؛ لأن الشارع حكيم، لا يفرق بين المتماثلات، ولا وجه للتفريق بين النوافلK إلا أن يقال: إن المأذون فيه هو ما كان له سبب، والممنوع منه هو النفل المطلق مما ليس له سبب، والله أعلم.
- الدليل الثاني:
روى البخاري ومسلم من طريق عمرو(يعني ابن الحارث)، عن بكير، عن كريب،
عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ دخل بيتها، فصلى ركعتين بعد العصر، فسألته عنهما، فقال: «يا بنت أبي أمية، سألتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان»[10].
قال ابن خزيمة:
لو كان نهيه -يعني النبي ﷺ- عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس عن جميع التطوع لما جاز أن يقضي ركعتين كان يصليهما بعد الظهر، فيقضيهما بعد العصر...[11].
وقال النووي:
فيه دليل على: أن الصلاة التي لها سبب لا تكره في وقت النهي، وإنما يكره ما لا سبب لها، وهذا الحديث هو عمدة أصحابنا في المسألة، وليس لنا أصح دلالة منه، ودلالته ظاهرة[12].
وأجيب على هذا الدليل بجوابين:
- الجواب الأول:
أنه قد ورد ما يدل على اختصاص النبي ﷺ بقضاء الركعتين:
فقد روى أبو داود في (سننه) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، مولى عائشة،
أنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال[13].
وأجيب:
بأن الحديث ضعيف[14].
وورد النهي عن قضائها إذا فاتت.
فقد روى أحمد، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان،
عن أم سلمة، قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر، ثم دخل بيتي، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها، فقال: قدم علي مال، فشغلني عن الركعتين كنت أركعهما بعد الظهر، فصليتهما الآن. فقلت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتتنا، قال: لا[15].
[قولها: (أفنقضيهما إذا فاتتنا، قال:«لا») تفرد به يزيد بن هارون، فليس محفوظاً][16].
- الجواب الثاني:
بأن الرسول ﷺ قد نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وقد رواه جمع من أصحابه في الصحيحين وفي غيرهما وهي أحاديث متواترة.
ومطلق هذه الأحاديث وعمومها يشمل قضاء راتبة الظهر، وهي أحاديث قولية وعمومها مراد؛ ومتكاثرة، لهذا كانت مقدمة على السنة الفعلية في قضاء النبي ﷺ راتبة الظهر بعد العصر؛ لأن الفعل لا عموم له؛ لاحتمال الخصوصية.
كما أنها أصح من قضاء راتبة الفجر بعد الصبح، فإن الحديث الوارد فيها معلول، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
- ونوقش هذا:
أما معارضة قضاء النبي ﷺ لراتبة الظهر بعد العصر بما يروى عن عائشة فإنه حديث ضعيف كما علمت.
وعلى فرض صحته فإنه محمول على أحد أمرين:
- الأول:
أن مراد عائشة الصلاة التي ليس لها سبب، فليس في كلام عائشة ما يدل على أنه نهى عن قضاء راتبة الظهر بعد العصر، فيكون موافقًا لحديث كريب عن أم سلمة في الصحيحين وفيه: ... ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين؟ فأراك تصليهما ...[17].
- الثاني:
أن يكون مقصود عائشة أن النبي ﷺ كان يداوم على هاتين الركعتين بعد العصر، فهذا هو الذي اختص به ﷺ؛ لثبوت نهي النبي ﷺ أمته عن الصلاة بعد العصر، لا قضاء السنة الراتبة بعد العصر، فإن هذا له ولأمته.
قال ابن قدامة:
وقول عائشة: إنه كان ينهى عنها، معناه -والله أعلم- أنه نهى عنها لغير هذا السبب، وأنه كان يفعلها على الدوام، وينهى عن ذلك»[18].
فقد روى مسلم من طريق محمد بن حرملة، قال: أخبرني أبو سلمة،
أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر، فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما، أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، وكان إذا صلى صلاة أثبتها[19].
وأما معارضة قضاء النبي ﷺ لراتبة الظهر بعد العصر بما يروى عن ذكوان، عن أم سلمة:
فهو حديث شاذ ومنقطع، والضعيف لا يقوى على معارضة الصحيح.
وأما سلوككم سبيل الترجيح بين أحاديث المنع والجواز؛ لكون أحاديث المنع أكثر، ومتواترة، ومن السنن القولية، وعمومها مراد بخلاف الفعل فإنه لا عموم له:
فهذا جيد، لو أنه قد تعذر الجمع بين هذه الأحاديث، فإن من القواعد أنه لا يصار إلى الترجيح إلا عند تعذر الجمع؛ وذلك أن الترجيح يؤدي إلى إعمال أحد الدليلين وإبطال المرجوح مع صحته، بخلاف الجمع فإنه إعمال لجميع الأدلة فكان أولى.
والجمع أن يقال:
إن النهي متوجه للنفل المطلق، والجواز متوجه لذوات الأسباب، ودعوى احتمال أن يكون القضاء مختصًّا بالنبي ﷺ قول ضعيف؛ لأن الخصوصية لا تثبت بالاحتمال، فالأصل التأسي بالنبي ﷺ حتى يأتي دليل صحيح صريح بأن هذا الفعل خاص بالنبي ﷺ، والله أعلم.
- الدليل الثالث:
ما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، عن عبد الله بن باباه،
عن جبير بن مطعم، يبلغ به النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف، لا تمنعُنَّ أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أي ساعة من ليل أو نهار».
[صحيح لغيره][20].
- الدليل الرابع:
ما رواه أحمد، قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا سعد بن سعيد، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي،
عن قيس بن عمرو، قال: رأى النبي ﷺ رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله ﷺ: أصلاة الصبح مرتين؟ فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، قال: فسكت رسول الله ﷺ[21].
[ضعيف][22].
وجه الاستدلال:
الحديث وإن كان ضعيفًا فإن القياس يدل على جواز قضائها، وذلك أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قضى راتبة الظهر بعد صلاة العصر، فلم يمنع وقت النهي من قضاء فائتة الظهر، وإذا صح ذلك في راتبة الظهر، كانت راتبة الفجر أولى بالقضاء منها، لسببين:
- أحدهما:
محافظة النبي ﷺ على ركعتي الفجر حضرًا وسفرًا، بخلاف راتبة الظهر، فإنها تسقط بالسفر، فكانت أولى بالقضاء.
- الثاني:
إذا صح قضاء راتبة الظهر بعد خروج وقتها ودخول العصر فَلَأَنْ يصح قضاء راتبة الفجر قبل خروج وقت الصبح من باب أولى، ذلك أن الفجر لا يخرج وقتها إلا بعد طلوع الشمس.
- الدليل الخامس:
(ح-1123) ما رواه البخاري حدثنا أبو نعيم، وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا همام، عن قتادة،
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة فَلْيُصَلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}» [طه: 14].
قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: (وأقم الصلاة للذكرى).
ورواه مسلم من طريق هداب بن خالد، حدثنا همام به، بلفظ:
«من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». قال قتادة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}[23].
ورواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، والمثنى بن سعيد، عن قتادة به، بلفظ:
«من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها». هذا لفظ سعيد.
ولفظ المثنى:
«إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}» [طه: 14][24].
فدل حديث أنس على جواز قضاء الفائتة في وقت النهي.
فهذه الأدلة إما أن نقصرها على سببها الخاص، فنقول:
دل الدليل على جواز قضاء الفائتة لحديث أنس، وعلى جواز إعادة الجماعة في وقت النهي لحديث يزيد ابن الأسود، وعلى جواز ركعتي الطواف لحديث جبير بن مطعم، وعلى جواز قضاء السنن الراتبة لحديث أم سلمة، وأما غيرها من ذوات الأسباب فلم يرد دليل خاص يدل على جوازها حتى نخرجها من عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي.
وهذه نزعة ظاهرية، وإن قال بذلك بعض الحنابلة.
وإما أن نقول:
هذه الأحاديث دليل على جواز غيرها من ذوات الأسباب؛ لأن الشارع لا يفرق بين المتماثلات، وأن النهي العام عن الصلوات في أوقات النهي خاص في النفل المطلق، والجواز خاص بما له سبب.
وهذا هو الراجح، والله أعلم.
• حجة من قال: لا يتطوع في أوقات النهي، ومنها تحية المسجد:
استدل الجمهور بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وإطلاقها يشمل تحية المسجد وغيرها من ذوات الأسباب، من ذلك:
- الدليل الأول:
ما رواه مسلم من طريق موسى بن علي، عن أبيه، قال:
سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب)[25].
الدليل الثاني:
روى البخاري من طريق صالح بن كيسان.
ومسلم من طريق يونس بن يزيد، كلاهما عن ابن شهاب، أخبرني عطاء بن يزيد الليثي،
أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». هذا لفظ البخاري[26].
وروى البخاري ومسلم في صحيحهما من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي العالية،
عن ابن عباس، قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر: (أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب). هذا لفظ البخاري.
ورواه البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا العالية، عن ابن عباس، قال: حدثني ناس بهذا[27].
ورواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة به.
وأراد البخاري من هذا الطريق تصريح قتادة بالسماع، ورواية شعبة له، فإنه لا يحمل عن قتادة إلا ما صرح به بالسماع.
وروى البخاري من طريق عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم،
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس)[28].
ورواه مسلم بهذا اللفظ من طريق الأعرج عن أبي هريرة[29].
فقوله في حديث أبي سعيد: «لا صلاة بعد الصبح»:
لفظ: «صلاة» نكرة في سياق النفي فتعم كل صلاة، سواء أكانت نفلًا مطلقًا أم كانت من ذوات الأسباب.
وقوله في حديث عمر رضي الله عنه: (نهى عن الصلاة ...) فإن (أل) في الصلاة للعموم، فيدل بعمومه على ما دل عليه عموم حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
- الدليل الثالث:
ما رواه مسلم من طريق شداد بن عبد الله، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة،
عن عمرو بن عبسة السلمي، فذكر قصة إسلامه من حديث طويل، وفيه: ... فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة، قال: «صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صَلِّ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنها حينئذٍ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار ....»الحديث[30].
وقد اشتمل حديث عمرو بن عبسة على أوقات النهي الخمسة.
- الدليل الرابع:
(ح-1129) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع،
عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتحرى أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها»[31].
ورواه البخاري من طريق عبدة، عن هشام، عن عروة، عن ابن عمر، بلفظ: «إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان، -أو: الشيطان-»، لا أدري أي ذلك قال هشام[32].
ورواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر، كلاهما عن هشام به، بلفظ: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بقرني الشيطان»[33].
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث:
أن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات مطلق، فلا تصح الصلاة بعد صلاة الصبح ولا بعد صلاة العصر، ولا عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، ولا عند غروبها حتى تغيب، ولا عند قائم الظهيرة، لقوله: «لا صلاة» فـلفظ: «صلاة» نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة، ومنها ذوات الأسباب.
ونوقش هذا الاستدلال:
أن أحاديث النهي عن الصلوات في أوقات النهي عامة، لا صلاة بعد العصر ولا صلاة بعد الصبح، وأحاديث جواز ركعتي الطواف، وقضاء السنن الراتبة، وقضاء الفائتة، وإعادة الجماعة، وتحية المسجد أحاديث في صلوات مخصوصة، والخاص مقدم على العام.
وناقش الجمهور هذا الاستدلال:
فقالوا: إن بين هذه الأحاديث عمومًّا وخصوصًّا من وجه:
فالنهي عن الصلوات في أوقات النهي:
عام في الصلوات، خاص في الوقت.
وأحاديث الجواز:
عامة في الوقت، خاصة في الصلاة.
فحديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)
عام في الوقت، خاص في تحية المسجد.
وحديث: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)
فقوله: (إذا ذكرها): عام في الوقت، خاص بالفائتة المفروضة.
وحديث: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى في أية ساعة شاء)
فهو عام في الوقت، خاص في ركعتي الطواف.
فكان كل واحد منهما عامًّا من وجه، وخاصًّا من وجه آخر.
وقولكم: الخاص مقدم على العام هذا لا خلاف فيه، ولكن أي الخاصين يقدم، ويخصص به عموم الآخر؟
فالجمهور قالوا:
عموم الوقت في قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد) يُخَصُّ منه أوقات النهي؛ لأن الخاص مقدم على العام، وكذا قالوا في بقية الأحاديث.
والشافعية عكسوا، فقالوا:
عموم النهي عن الصلوات في قوله: (لا صلاة بعد العصر) يُخَصَّ منه تحية المسجد؛ لأن الخاص مقدم على العام.
فتبين:
أن تخصيص أحدهما بالآخر ليس بأولى من العكس، فيطلب مرجح لأحدهما من خارجهما؛ لأن القاعدة المقررة في الأصول: أن النصين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من وجه، فإن الموقف منهما كالموقف عندما تتعارض الأدلة في الظاهر، فيجب طلب مرجح من خارجهما، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر
فقال الجمهور:
المرجح عندنا، أن أحاديث النهي عن الصلوات في أوقات النهي تَحْضُر الصلاة، وأحاديث تحية المسجد وركعتي الطواف وغيرها من ذوات الأسباب تبيح الصلاة.
ومن طرق الترجيح التي عليها أكثر أهل الأصول:
تقديم ما يفيد المنع على ما يفيد الإباحة، حتى صاغ بعض الفقهاء القاعدة التي تقول: إذا اجتمع المبيح والحاضر قدم جانب الحضر.
جواب الشافعية ومن يرى مذهبهم:
أما الجواب عن تقديم المبيح على الحاضر، فقالوا:
إن التعارض ليس في كلها بين مبيح وحاضر، فقد يكون التعارض بين حاضر وحاضر:
- فالنهي عن الصلاة في أوقات محدودة:
معارض بالنهي عن الجلوس في المسجد قبل أن يصلي ركعتين.
- وفي قضاء الفوائت:
يكون التعارض ليس بين مبيح ومانع، فيقدم المانع، وإنما التعارض بين أمرين: أحدهما موجب ملزم، والآخر مانع حاضر، فيقدم الموجب الملزم على المانع الحاضر؛ لأن فيه احتياطًا للعبادة وإبراءً الذمة.
ولهذا لم يتفق الجمهور مع الحنفية على هذه المسألة ممن منع الصلاة في أوقات النهي.
وأما وجه ترجيح الشافعية تخصيص عموم (لا صلاة بعد العصر ...) وأمثاله بخصوص الأمر بتحية المسجد، وركعتي الطواف، وغيرها من ذوات الأسباب فقدموا ثلاثة أسباب للترجيح، منها:
-المرجح الأول:
أن العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا تواردت عليه كثرة المخصصات؛ لأن العام المحفوظ دلالته على العموم أقوى، من العام إذا تواردت عليه المخصصات.
قال محمد الأمين الشنقيطي:
وهذا رأي جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي[34].
قال البيضاوي في (نهاية السول):
«العام الباقي على عمومه راجح على العام المخصص؛ للاختلاف في حجيته»[35].
وقال الطوفي في (شرح مختصر الروضة):
يرجح العام الباقي على عمومه على العام المخصوص»[36].
فالعام في النهي عن جميع الصلوات في أوقات النهي خُصَّ منه ما يلي:
1- قضاء الفوائت.
فالفرائض قد خصت من عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي؛ لأن الفرائض مطلوب أن يصليها في أي وقت، ولا نهي عنها؛ لقوله: «فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك».
وهذا الحكم لا يختلف فيه الحنابلة والمالكية مع الشافعية، وإنما يخالف فيه الحنفية فقط، فيقدمون النهي عن الصلاة في أوقات النهي على قضاء الفوائت، وهو قول في غاية الضعف؛ ولو كانت مراعاة أوقات النهي مقدمة على مراعاة الفرائض لما صحت العصر الحاضرة وقت اصفرار الشمس؛ لدخول وقت النهي، والحنفية يصححون الصلاة في هذا الوقت، فدل على أن مراعاة الفرائض مقدم على مراعاة أوقات النهي، من غير فرق بين أداء وقضاء.
2- إعادة الصلاة مع الجماعة إذا أقيمت الصلاة، وهو في المسجد.
فالنص ورد في صلاة الصبح، ومع ذلك أمر الرسول ﷺ الرجلين بالصلاة مع الجماعة مع أنهما صليا في رحالهما، وقد دخل وقت النهي في حقهما، وجعل النبي ﷺ سبحتهما نافلة.
وسبق ذكره في معرض الأدلة، وهو نص في مورد النزاع، وحديث صحيح، لا سبيل لرده، ولا يصح حمل الحديث على أنه واقعة عين؛ لأنه أعطاهما حكمًا عامًّا، فقال لهما عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلِّها معه، فإنها له نافلة».
ولا سبيل في إدخال هذا النص في القول: (بينهما عموم وخصوص من وجه)،
فإن هذا يقال: لو كان الحديث سنَّة قوليةً، أما والحديث سنة فعلية، وقعت في وقت النهي، وأمرهما النبي ﷺ بالصلاة بعد صلاة الصبح مع كونها نافلة في حقهما، فوجب التسليم لهذا النص.
ولا معنى لتخصيص الحكم في الصلاة المعادة فقط، مع حكم النبي ﷺ بأن الصلاة المعادة نافلة إلا القول: بأن النوافل منها ما يجوز في وقت النهي، ومنها ما لا يجوز، فالجائز من النافلة هو ما كان له سبب، والممنوع من النافلة: هو المطلق مما لا سبب له.
3- مما يؤيد إخراج تحية المسجد من عموم النهي:
أن النبي ﷺ أمر بها حال الخطبة، والنهي عن الصلاة في وقت الخطبة أشد نهيًا منها في أوقات النهي؛ لأن السامع منهي عن النفل المطلق بإجماع، ومنها عن الصلاة على الجنازة، وعن الطواف بالبيت، بل ومنهي عن كل ما يشغله عن الاستماع، ولو كان من قبيل إنكار المنكر، فدل على أن النهي هنا أوكد وأضيق منه بعد الفجر، فإذا أمر بتحية المسجد وقت الخطبة، ففعلها في سائر أوقات النهي من باب أولى[37].
وقل مثل ذلك في سائر أحاديث الجواز.
فهذه المخصصات أضعفت العموم الوارد في أحاديث النهي، كحديث: «لا صلاة بعد العصر .. ولا صلاة بعد الصبح» ونحوها.
بينما العموم في حديث: «فليصلها إذا ذكرها»، وعموم حديث: «إذا دخل أحدكم المسجد» فلم يدخله تخصيص.
والعام الذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص.
- المرجح الثاني:
أن المنهي عنه هو تحري الصلاة في أوقات النهي لحديث ابن عمر: «لا يَتَحَرَّ أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها». متفق عليه
وتحري الصلاة هو ألا يكون له قصد إلا الصلاة في هذا الوقت، وهذا لا يصدق إلا على النفل المطلق، وأما ذوات الأسباب، فإنها صليت تبعًا لأسبابها، ولم يقصد المصلي الصلاة، فالطواف ليس ممنوعًا في وقت النهي، فإذا طاف صلى ركعتين تبعًا للطواف، فالقصد كان متوجهًا للطواف، وليس للصلاة، وإذا دخل المسجد في وقت النهي فصلى ركعتين فالقصد كان متوجهًا لدخول المسجد، ودخول المسجد ليس داخلًا في وقت النهي.
وقل مثل ذلك في بقية ذوات الأسباب، والله أعلم.
- المرجح الثالث:
أن القائلين بمنع النفل مطلقًا قد أخذوا بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وتركوا بعض الأدلة الدالة على جواز ذوات الأسباب.
بخلاف القائلين بمنع النفل المطلق، وجواز النفل من ذوات الأسباب، فقد أخذوا بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي وحملوها على النفل المطلق، وأخذوا بأحاديث الجواز، وحملوها على ذوات الأسباب، وإعمال جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها، والجمع بين الأدلة المتعارضة هو المتعين، ولا سبيل للترجيح إلا إذا تعذر الجمع، ولم يتعذر هنا.
الراجح:
هذه المسألة من مسائل الخلاف القوية، والأدلة فيها متجاذبة، وإن كانت الكفة تميل قليلًا إلى مذهب الشافعية، إلا أن مذهب الجمهور غير مدفوع من النظر، وإن كان الخلاف في بعض المسائل أضعف من بعض.
فالقول بمنع قضاء الفوائت في وقت النهي:
قول ضعيف جدًّا.
والقول بمنع تحية المسجد وقت الخطبة:
قول ضعيف، وقد وافق الحنابلة الشافعية في القول بالجواز. وسوف أفردها بالبحث.
والصلاة على الجنازة بعد العصر والصبح:
أخف من الصلاة عليها وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، أوحين يقوم قائم الظهيرة.
ذلك أن الأوقات الثلاثة يسيرة جدًّا، والنهي فيها معلل بعلل تقشعر منها الأبدان، فالنهي عن الصلاة حين تطلع الشمس أو حين تغرب معلل بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، وحديث النهي عن الصلاة حين يقوم قائم الظهيرة معلل بأن جهنم تسجَّر حينئذٍ، بينما النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر لم يُنَصَّ على علة النهي، وإن كان له حكمة بلا شك، فيكون النهي فيهما أخف من غيرهما، وقد يكون النهي عنهما من باب سد الذرائع حتى لا يتهاون الناس في الصلاة فيتمادون إلى تحري الصلاة عند اصفرار الشمس، أو عند شروقها وغروبها.
ولهذا جاء في مسائل أبي داود:
سئل أحمد عن الصلاة على الجنازة عند غروب الشمس فقال:
إذا تدلَّت الشمس للغروب فلا يصلَّى عليها.
قيل لأحمد: الشمس على الحيطان مصفرة.
قال: يصلَّى عليها ما لم تدلَّ للغروب[38].
ولأن هناك فرقًا بين هذه الأوقات الثلاثة وبين النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر:
فالأوقات الضيقة:
ابتداء الوقت وانتهاؤه معلوم من قبل الشارع ، وليس من فعل المكلف.
والنهي عن الصلاة بعد العصر:
ابتداؤه معلق بفعل الصلاة، فكان المكلف هو من يحدد ابتداء وقت النهي، فالتنفل إذا دخل العصر جائز ما لم يصلِّ العصر، وكذلك يقال في الصبح على الصحيح مما يجعل الشأن في الصلاة فيه أخف، والله أعلم.
---------------------------------------
وقت النهي عند جماهير العلماء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: وقت موسع، وهذا يختص في وقتين: الأول بعد صلاة العصر، حتى تغرب الشمس.
والثاني: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.
القسم الثاني: ثلاثة أوقات مضيقة لقصرها، والنهي فيها أشد:
الأول: حين تطلع الشمس حتى ترتفع قيد رمح،
الثاني: حين استواء الشمس في وسط السماء ويعرف ذلك بوقوف الظل عن التناقص حتى تميل أدنى ميل، فيدخل وقت الظهر.
الثالث: حين تميل الشمس للغروب حتى تغرب، فهذه خمسة أوقات لا يتطوع فيها المسلم نفلًا
مطلقًا، في قول جماهير العلماء.
وهناك وقت سادس الخلاف فيه أقوى من الخلاف في الأوقات الخمسة: وهو إذا طلع الفجر فلا يتطوع بغير ركعتي الفجر، والحديث الوارد في النهي معلول.
هذه أوقات النهي، ولم يتفق العلماء فيها إلا على وقتين: النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها. وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى الخلاف بين الفقهاء في أوقات النهي في موضعها إن شاء الله تعالى، أسأل الله وحده العون والتوفيق، ولكن أحببت هنا أن أضع التصور الذهني في أوقات النهي عند بحث تحية المسجد في أوقات النهي، والله الموفق.
الحنفية يطلقون الكراهة، ويقصدون بها كراهة التحريم تبعًا لاصطلاح خاص بهم: أن ما ثبت النهي عنه نهيًا جازمًا بدليل ظني، فهو مكروه كراهة تحريم، وما نهي عنه نهيًا جازمًا بدليل قطعي فهو المحرم، فالفارق عندهم بين الحرام والمكروه تحريمًا: أن الحرام ثابت بدليل قطعي، والمكروه ثابت بدليل ظني، فكان نسبة المكروه إلى الحرام كنسبة الواجب إلى الفرض، وإن كان حكمهما واحدًا، وهو تفريق اصطلاحي انظر فتح القدير لابن الهمام (10/4).
والتحريم عند الحنفية لا يعني عدم الصحة، فلو شرع في النافلة جازت مع عدم الحل، لأنه بالشروع وجبت عليه عندهم، جاء في الدر المختار (1/374): «وكره نفل قصدًا ولو تحية مسجد» قال ابن عابدين تعليقًا في حاشيته (1/374): «والكراهة هنا تحريمية أيضًا كما صرح به في الحلية، ولذا عبر في الخانية والخلاصة بعدم الجواز، والمراد: عدم الحل، لا عدم الصحة كما لا يخفى».
وقال في مراقي الفلاح (والأوقات الثلاثة -يعني أوقات النهي-يكره فيها النافلة كراهة تحريم، ولو كان لها سبب، كالمنذور، وركعتي الطواف، وركعتي الوضوء، وتحية المسجد ...».
وانظر: بدائع الصنائع (1/297)، البحر الرائق (1/265)، تبيين الحقائق (1/86)، تحفة الفقهاء (1/107)، بداية المجتهد (1/110)، منح الجليل (1/191)، شرح زروق على الرسالة (1/275، 276)، شرح التلقين (2/809)، حاشية الدسوقي (1/314)، شرح الخرشي (2/5)، المجموع (4/168، 170)، المهذب (1/175)، نهاية المطلب (2/339)، الإقناع (1/158)، شرح منتهى الإرادات (1/258)، كشاف القناع (1/453)، مطالب أولي النهى (1/594)، الفروع (2/413)، حاشية الروض المربع (2/251).
المجموع شرح المهذب (4/52)، طرح التثريب (3/190)، الحاوي الكبير (2/274)، روضة الطالبين (1/193)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (23/191).
صحيح البخاري (585)، وصحيح مسلم (289-828).
روضة الطالبين (1/193)، كفاية الأخيار (ص: 128)، تحفة المحتاج (1/443)، البيان للعمراني (2/356)، فتح العزيز (3/110، 111)، المجموع (4/168)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (1/161)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/160)، الكافي لابن قدامة (1/240)، المغني لابن قدامة (2/90).
المغني (2/90)، المحرر (1/86)، الفروع (2/413، 414).
الحديث مداره على يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، وجابر وأبوه صحابيان، وقد رواه عن يعلى بن عطاء جماعة كثيرة.
فرواه أبو عوانة كما في مسند أحمد (4/161)، والمعجم الكبير للطبراني (22/234).
وشعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي (1343)، ومسند أحمد (4/161)، وسنن الدارمي (1407)، وسنن أبي داود (575، 576)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (1/363)، وسنن الدارقطني (1533).
والثوري كما في مصنف عبد الرزاق (3934)، ومسند أحمد (4/161)، وسنن أبي داود (614)، والسنن الكبرى للنسائي (1258)، وصحيح ابن خزيمة (1638)، وصحيح ابن حبان (1564)، وسنن الدارقطني (1533).
وهشام بن حسان كما في مصنف عبد الرزاق (3934)، ومسند أحمد (4/161)، وصحيح ابن خزيمة (1638)، والمعجم الكبير للطبراني (22/232) ح: 609، وسنن الدارقطني (1533).
وهشيم بن بشير كما في مصنف ابن أبي شيبة (6642)، ومسند أحمد (4/160)، وسنن الترمذي (219)، والنسائي في المجتبى (858)، وفي الكبرى (933)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (1462)، وصحيح ابن خزيمة (1279، 1638)، وصحيح ابن حبان (1565، 2395)، وسنن الدارقطني (1532)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/427).
وشريك كما في مسند أحمد (4/161)، وصحيح ابن خزيمة (1638)، وسنن الدارقطني (1533)،
وحماد بن سلمة كما في المعجم الكبير للطبراني (22/233) رقم: 612، كلهم رووه عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه.
قال الترمذي: حديث يزيد بن الأسود حسن صحيح.
وصححه ابن خزيمة، وابن حبان فأخرجاه في صحيحيهما، وصححه الحاكم، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي كما في الأحكام الوسطى (1/283)، وابن الملقن في البدر المنير (4/412).
قال الحافظ في التلخيص: قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول.
قال البيهقي: «وإنما قال ذلك -والله أعلم- لأن يزيد بن الأسود ليس له رَاوٍ غير ابنه جابر بن يزيد، ولا لجابر بن يزيد رَاوٍ غير يعلى بن عطاء، وكان يحيى بن معين وجماعة من الأئمة يوثقون يعلى بن عطاء، وهذا الحديث له شواهد قد تقدم ذكرها، فالاحتجاج به وبشواهده:
صحيح، والله أعلم».
قلت: يعلى من رجال مسلم، وأما جابر بن يزيد فقال المزي في تهذيب الكمال (4/465): له صحبة، فإن صح فكفى بها تزكية، وإن لم يصح فقد وثقه النسائي وابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق.
وقال أحمد كما في علل الحديث: لم يسمع هشيم هذِه الكلمة من يعلى بن عطاء -يعني: أن النبي صلى بهم الغداة فانحرف.
وقال مرة: رواه هشيم وسمعه من يعلى، ولكنه لم يسمع منه: انحرف فكان هشيم إذا قيل له: انحرف؛ قال: نعم، ولم أسمعه. اهـ =
صحيح ابن خزيمة (2/262).
المرجع السابق.
صحيح البخاري (1233)، وصحيح مسلم (834).
صحيح ابن خزيمة (2/260، 263).
شرح النووي على صحيح مسلم (6/121).
سنن أبي داود (1280).
اختلف فيه على ذكوان، مولى عائشة،
فرواه ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، بلفظ: كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال.
وهذا اللفظ ليس محفوظًا، ولا أدري من أين الوهم، هل هو من محمد بن عمرو بن عطاء، أو من تلميذه ابن إسحاق.
وقد رواه الأزرق بن قيس، عن ذكوان مولى عائشة، عن عائشة، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ صلَّى في بيتها ركعتين بعد العصر، فقلت: يا رسول الله ما هاتان الركعتان؟ فقال: كنت أصليهما بعد الظهر فجاءني مال فشغلني فصليتهما الآن،
فقد رواه حجاج بن منهال (ثقة) كما في المعجم الكبير للطبراني (23/248) ح 501.
وهدبة بن خالد (ثقة) كما في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (3084)،
وأبو الوليد الطيالسي (ثقة) كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (1/302).
وسليمان بن حرب (ثقة) كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/683)،
وعبد الملك بن إبراهيم الجدي (صدوق)، كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/642)، خمستهم (حجاج، وهدبة، وسليمان، والطيالسي، وعبد الملك) كلهم رووه عن حماد بن سلمة (صدوق، وإذا روى عن حميد وثابت فهو ثقة)، عن الأزرق بن قيس (ثقة)، عن ذكوان (ثقة)، عن عائشة، عن أم سلمة.
هذا هو المحفوظ من رواية ذكوان، وهو موافق لما رواه كريب مولى ابن عباس، عن أم سلمة، وروايته في صحيح البخاري (1233)، وصحيح مسلم (834).
مسند أحمد (6/293).
الحديث أعل بعلتين:
إحداهما: الاختلاف في سماع ذكوان من أم سلمة.
العلة الثانية: الاختلاف على حماد بن سلمة في زيادة هذا الحرف.
فرواه أحمد (6/293)، وأبو يعلى (7028)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/306)، وابن حبان (2653) عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة، فأسقط (عائشة) من الإسناد، وزاد هذا الحرف فيه، (أفنقضيهما ...). وهي زيادة شاذة، لم يقل أحد هذا الحرف غير يزيد بن هارون.
ورواه حجاج بن منهال، وهدبة بن خالد، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي، وعبد الملك بن إبراهيم الجدي خمستهم رووه عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن عائشة، عن أم سلمة، وليس فيه حرف (أفنقضيهما إذا فاتتنا، قال: لا). وهذا هو المحفوظ من الحديث، وقد سبق تخريجه في الحديث السابق، وانظر: (ح-641).
صحيح البخاري (4370)، وصحيح مسلم (834).
المغني (2/89).
صحيح مسلم (298-835).
هذا إسناد حسن من أجل أبي الزبير، ولكنه قد توبع، والحديث مداره على عبد الله بن باباه، ويقال: ابن بابيه، ويقال: ابن بابي، عن جبير بن مطعم، ويرويه عن عبد الله بن باباه: أبو الزبير المكي، وعبد الله بن أبي نجيح.
أما رواية أبي الزبير، فقد اختلف عليه:
فقيل: عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم.
وهذا هو المعروف من رواية أبي الزبير، رواه عن أبي الزبير كل من ابن عيينة، وابن جريج، وعمرو بن الحارث.
وقيل: عن أبي الزبير، عن جابر.
وقيل: عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبيه.
وقيل: عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله بن عباس.
وله شاهد من حديث ابن عمر، ومن حديث عبد الرحمن بن سابط.
إذا تصورت وجوه الاختلاف في الجملة، فانتقل معي من الإجمال إلى التفصيل:
الطريق الأول: عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم.
رواه سفيان بن عيينة كما في مسند أحمد (4/80)، والحميدي (571)، وابن أبي شيبة في المصنف (36442)، وسنن الدارمي (1967)، وسنن ابن ماجه (1254)، وسنن أبي داود (1894)، وسنن الترمذي (868)، والنسائي في المجتبى (585، 2924)، وفي الكبرى (1574، 3932)، ومسند أبي يعلى (7396، 7415)، وصحيح ابن خزيمة (1280، 2747)، وصحيح ابن حبان (1552، 1554)، وسنن الدارقطني (1566)، ومستدرك الحاكم (1643).
وابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (9004)، ومسند الإمام أحمد (4/80، 84)، وصحيح ابن خزيمة (1280).
وعمرو بن الحارث كما في أخبار مكة للفاكهي (488)، والمعجم الكبير للطبراني (2/142) رقم: 1601، وصحيح ابن حبان (1553)، ثلاثتهم (سفيان، وابن جريج، وعمرو بن الحارث) عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم.
قال ابن جريج، في رواية عبد الرزاق، وأحمد،
وسفيان بن عيينة في رواية ابن ماجه: «عبد الله بن بابيه».
ولم ينفرد به أبو الزبير، بل تابعه عبد الله بن أبي نجيح:
فقد أخرجه أحمد (4/82) من طريق إبراهيم بن سعد،
ورواه أحمد أيضًا (4/83)، والطبراني في الكبير (2/142) ح 1602، عن محمد بن عبيد،
ورواه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (2/206) من طريق زهير،
ورواه البزار في مسنده (3452) من طريق جرير.
ورواه البزار (3452)، والبيهقي في السنن الكبرى (5/178) من طريق يعلى بن عبيد، خمستهم (إبراهيم بن سعد، ومحمد بن عبيد، ويعلى بن عبيد، وزهير بن معاوية) عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن عبد الله بن باباه به.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات إلا ابن إسحاق، فإنه صدوق، وقد صرح بالتحديث.
فيكون الحديث بمجموع طريقي أبي الزبير وابن أبي نجيح صحيحًا.
قال الترمذي: حديث جبير حديث حسن صحيح. وقد رواه عبد الله بن أبي نجيح، عن عبد الله بن باباه أيضًا.
وعبد الله بن أبي نجيح ثقة، وثقه يحيى بن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وأحمد، انظر: الجرح
والتعديل (5/203)، تهذيب الكمال (16/217)، تهذيب التهذيب (2/444).
وهذا هو المعروف من حديث أبي الزبير.
الطريق الثاني: عن أبي الزبير، عن جابر.
رواه عن أبي الزبير راويان: أيوب، ومعقل بن عبيد الله:
أما رواية أيوب: فقد اختلف عليه فيها، والراجح فيها عن أبي الزبير، عن النبي ﷺ مرسلًا:
فقد رواه عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، واختلف على عبد الوهاب:
فرواه الدارقطني في سننه (1569) من طريق حفص بن عمرو الربالي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أبي الزبير، وأظنه عن جابر. فلم يجزم.
ورواه محمد بن المثنى كما في كشف الأستار عن زوائد البزار (1111)، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، فجعله جزمًا من مسند جابر رضي الله عنه.
قال البزار: هكذا حدثناه أبو موسى (محمد بن المثنى) في سنة ثمانٍ وأربعين في دار بني عمير، ثم إنه حدَّث به مرة أخرى، فقال: حدثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي الزبير، ولم يقل عن جابر، وهو الصواب، من حديث أيوب، وإنما كان سبقه لسانه عندنا، إنما يعرف، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم».
قال الدارقطني في العلل (13/433): «اختلف عن أيوب؛
فرواه سفيان بن وكيع، عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ.
ورواه محمد بن المثنى، عن الثقفي، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن النبي ﷺ، مرسلًا.
والصحيح من حديث أيوب المرسل».
وكون الصحيح من حديث أيوب الإرسال، هذا مقيد في الاختلاف على أيوب، وأما الصحيح من رواية غيره فالوصل من مسند جبير بن مطعم.
وأما رواية معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير:
فرواها الدارقطني في سننه (1568)، قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن سعيد الرهاوي، حدثنا أبو عوانة أحمد بن أبي معشر، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر.
وشيخ الدارقطني ترجمه الخطيب في تاريخه (7/270)، وقال: روى عنه محمد بن المظفر، والدارقطني، وابن شاهين، وإسماعيل بن سعيد بن سويد، وغيرهم. اهـ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ففيه جهالة.
وأحمد بن أبي معشر، لعله أبو عروبة الحراني الحسين بن محمد بن أبي معشر السلمي الجزري فهو حراني وشيخه حراني. انظر تراجم رجال الدارقطني (ص: 124)، قال عنه ابن عدي في الكامل (1/237): كان عارفًا بالحديث والرجال، شفاني حين سألته عن قوم من رواتهم، فذكرت ذلك في ذكر أساميهم. اهـ
وعبد الرحمن بن عمرو الحراني، قال فيه أبو زرعة: شيخ كما في الجرح والتعديل (5/267)، ووثقه الطبراني كما في المعجم الصغير (1134)، وذكره ابن حبان في الثقات (8/380)، فالإسناد ضعيف.
قال الحافظ في التلخيص الحبير ط العلمية (1/ 481): «رواه الدارقطني من وجهين آخرين عن نافع بن جبير عن أبيه، ومن طريقين آخرين عن جابر، وهو معلول، فإن المحفوظ عن أبي الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير لا عن جابر».
الطريق الثالث: عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبيه.
رواه الدارقطني في سننه (1567) من طريق بهلول بن حسان، عن الجراح بن منهال، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبيه.
والجراح مجروح، قال أبو حاتم الرازي والنسائي والدارقطني: متروك، زاد أبو حاتم: ذاهب الحديث، لا يكتب حديثه.
وبهلول بن حسان لم أقف على كلام عنه إلا ما قاله حفيده بهلول بن إسحاق: كان جدي البهلول بن حسان قد طلب الأخبار واللغة والشعر وأيام الناس وعلوم العرب، فعلم من ذلك شيئًا كثيرًا، وروى منه رواية واسعة، ثم طلب الحديث والفقه والتفسير والسير، وأكثر من ذلك، ثم تزهد إلى أن مات بالأنبار في سنة أربعٍ ومائتين. انظر تاريخ بغداد (7/108)، والطبقات السنية في تراجم الحنفية (578).
ولا يلزم من سعة الرواية الثقة والضبط، بل إن اشتغاله بالعلوم الأخرى كالفقه والتفسير والسير لا يكاد يجتمع مع قوة الضبط وأين الرجل الذي يجمع الله له الحديث على طريقة رسم المحدثين والتفقه على طريقة الفقهاء، إلا أن يكون ذلك لأفراد كالإمام مالك وأحمد، وأما غيرهم فهيهات هيهات، ولذلك لا يؤثر فقه عن أئمة من أئمة الدنيا في الحديث كشعبة، وابن معين والقطان وأضرابهم، فالله المستعان.
ورواه الدارقطني من طريق عطاء، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن أبيه، ولا يصح منها شيء.
فقد رواه الدارقطني في السنن (1572) من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، حدثني عطاء، حدثني نافع بن جبير، أنه سمع جبيرًا يقول ... وذكر الحديث.
وعبد الوهاب بن مجاهد: قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد والدارقطني: ليس بشيء، ضعيف.
وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث.
كما رواه الدارقطني في السنن (1570) من طريق يحيى بن عبد الله بن الضحاك، حدثنا عمر بن قيس، عن عكرمة بن خالدٍ، عن نافع بن جبير به، وعمر بن قيس متروك، ويحيى بن عبد الله ضعيف.
كما رواه البزار في مسنده البحر الزخار (3450)، والطبراني (2/134) ح 1567والدارقطني
في سننه (1573) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير به، وإسماعيل بن مسلم ضعيف.
الطريق الرابع: عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله بن عباس.
رواه الطبراني في المعجم الأوسط (6335) من طريق محمد بن مسلم المكي، حدثنا ثمامة بن عبيدة، عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: يا بني عبد مناف، إن وليتم من أمر الدنيا فلا تمنعُنَّ أحدًا يطوف بالبيت، أو يصلي، أي حين كان.
لم يَروْ هذا الحديث عن علي بن عبد الله بن عباس إلا أبو الزبير، تفرد به ثمامة بن عبيدة
ومن طريق محمد بن مسلم المكي أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (2/243).
قال أبو نعيم: تفرد به ثمامة عن أبي الزبير.
وثمامة بن عَبِيدة السلمي كذبه ابن المديني كما في اللسان (2/400)، وقد خولف في الإسناد، فثقات أصحاب أبي الزبير جعلوه من مسند جبير بن مطعم.
وقد جاء حديث ابن عباس من غير طريق أبي الزبير،
فروي عن مجاهد، عن ابن عباس.
وروي عن عطاء بن أبي رباح، فقيل: عن عطاء، عن ابن عباس.
وقيل: عن عطاء، عن النبي ﷺ مرسلًا.
أما رواية مجاهد، عن ابن عباس:
فرواه الدارقطني في السنن (1575) من طريق ابن الوليد العدني: حدثنا رجاء أبو سعيد، حدثنا مجاهد عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ قال: يا بني عبد المطلب أو: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا يطوف بالبيت ويصلي، فإنه لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، إلا بمكة عند هذا البيت، يطوفون ويصلون.
قال الأرنؤوط في تحقيقه لسنن الدارقطني (2/303): «في أصولنا الخطية: ابن الوليد العدني، وفي إتحاف المهرة (8/12)، وتنقيح التحقيق (1/483): أبو الوليد العدني، وما أثبتناه هو الصواب، وهو عبد الله بن الوليد العدني، فهو من هذه الطبقة، ثم هو وشيخه رجاء مكيان، والله أعلم».
فإن كان عبد الله بن الوليد فهو صدوق، ويكنى أبا محمد، وإن كان أبا الوليد العدني فهو مجهول، وقد قال الشيخ الضياء كما في تنقيح التحقيق (2/373): «أبو الوليد العدني لم أَرَ له ذكرًا في الكنى لأبي أحمد الحاكم». اهـ
وعلى كل حال فالإسناد ضعيف، تفرد به عن مجاهد رجاء بن الحارث أبو سعيد: قال البخاري: حديثه ليس بالقائم، وكذا قال العقيلي، وذكر له حديثًا، وقال: لا يتابع عليه، وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه ليس بمحفوظ.
وضعفه ابن معين في رواية، وفي رواية أخرى: قال: ليس به بأس.
قال الحافظ في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (1/ 109): «هذا لو صح لكان صريحًا في المسألة، إلا أن رجاء ضعيف، وقد خولف عن مجاهد».
وأما طريق عطاء بن أبي رباح:
فرواه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (387) عن أبي نعيم الفضل بن دكين.
وأخرجه الفاكهي (489) من طريق الفضل بن موسى المروزي، كلاهما حدثنا طلحة بن عمرو المكي، عن عطاء، عن ابن عباس.
وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف طلحة بن عمرو.
ورواه محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، واختلف عليه فيه:
فرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/186)، قال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم بن يزيد بن مَرْدَانُبَة عن عطاء، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: يا بني عبد مناف إن وليتم هذا الأمر؛ فلا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار.
ومحمد بن خزيمة: هو أبو عمرو، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث.
وقال ابن يونس: قدم مصر ... وكان ثقة.
وقال مسلمة بن قاسم: بصري ثقة. كما في الثقات لابن قُطْلُوْبَغَا (8/267).
وخالف عبد الله بن أحمد بن حنبل محمد بن خزيمة كما في المعجم الكبير للطبراني (11/159) ح 11359، قال: حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب: حدثنا حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم الصائغ: حدثني عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: يا بني عبد مناف، إن وليتم هذا الأمر بعدي، فلا تمنعُنَّ أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار.
فذكر فيه عبد الله بن أحمد بن حنبل إبراهيم بن ميمون الصائغ مكان ابن مردانبة، وهو المحفوظ فإن الصائغ أكثر مروياته عن عطاء بن أبي رباح، وقفت له على ستة عشر حديثًا عن عطاء بن أبي رباح، قال فيه أحمد: ما أقرب حديثه، ووثقه ابن معين، واستشهد به البخاري، وقال النسائي: ثقة، وفي موضع آخر: قال: لا بأس به، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وفي التقريب: صدوق.
ورواية عبد الله بن أحمد أرجح من رواية محمد بن خزيمة بن راشد البصري، فعبد الله بن أحمد أضبط وأحفظ من محمد بن خزيمة، وإبراهيم بن ميمون الصائغ معروف بالرواية عن عطاء، وحسان بن إبراهيم مذكور في تلاميذ إبراهيم الصائغ، بخلاف ابن مردانبة فلم أقف له على رواية عن عطاء إلا هذه الرواية عند الطحاوي، كما لم أقف على رواية لحسان بن إبراهيم عن ابن مردانبة إلا ما كان من هذه الرواية، وفيها هذه المخالفة، فتبين أن رواية عبد الله بن أحمد أرجح، وكان يمكن الذهاب لتصحيح الحديث من رواية الصائغ، عن عطاء، عن ابن عباس
لولا أن ابن جريج قد خالف إبراهيم الصائغ، فرواه عن عطاء، عن النبي ﷺ مرسلًا، وابن جريج صاحب عطاء، وهو أوثق من الصائغ.
فقد رواه عبد الرزاق في المصنف (9003)،
وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد (صدوق يخطئ)
ومسلم بن خالد الزنجي (صدوق كثير الأوهام) كما في الأم (1/131)، والمعرفة للبيهقي (3/432) ثلاثتهم ، عن ابن جريج، عن عطاء، عن النبي ﷺ.
وخالف الثلاثة سليم بن مسلم الخشاب، فرواه الطبراني في المعجم الأوسط (497) من طريقه، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، إن وليتم هذا الأمر، فلا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أن يصلي أي ساعة شاء، من ليل أو نهار.
وهو في المعجم الصغير (55).
والخشاب رجل متروك، قال أبو القاسم الطبراني: ... لم يروه عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس؛ إلا سليم بن مسلم. اهـ
وله شاهد من حديث ابن عمر:
أخرجه الطبراني في الأوسط (5566)، وفي الكبير (12/410) ح 13511، عن محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا عمران بن محمد، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: يا بني عبد مناف لا أعرفنكم ما منعتم أحدًا يطوف بالبيت أن يصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار.
قال الطبراني: لا يُروى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
قلت: لم يروه إلا الطبراني، وهو محل لذكر الغرائب.
وفي إسناده عمران بن محمد بن أبي ليلى لم يوثقه أحد إلا ابن حبان، ففيه جهالة.
وأبوه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سَيِّئُ الحفظ.
وشيخه عبد الكريم لم ينسب، فيحتمل أنه الجزري، وهو ثقة، ويحتمل أنه ابن أبي المخارق، وهو ضعيف، فالحديث لا يصح من مسند ابن عمر رضي الله عنهما.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 229): «رواه الطبراني في الأوسط من رواية عبد الكريم عن مجاهد، فإن كان هو الجزري فهو ثقة، وإن كان ابن أبي المخارق، فهو ضعيف، والله أعلم».
الشاهد الثاني: عبد الرحمن بن سابط.
رواه مسدد في مسنده (1200)، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، ثنا الحسن بن يزيد أبو يونس، هو القوي، قال: سمعت عبد الرحمن بن سابط يقول: لما خرج رسول الله ﷺ إلى المدينة يمشي ثم التفت إلى البيت فقال: والله ما أعلم بيتًا وضعه الله تعالى في الأرض أحب إلي
منك، ولا بلدة أحب إلي منك، وما خرجت عنك رغبة، ولكن أخرجني الذين كفروا، ثم نادى يا بني عبد مناف، لا يحل لعبد أن يمنع عبدًا يطوف بهذا البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار.
ورواته ثقات إلا أنه مرسل، ابن سابط لم يدرك النبي ﷺ.
هذا ما وقفت عليه من طرق الحديث، وأصحها طريق عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم، وقد صححه الترمذي كما نقلت لك سابقًا، وقال البيهقي كما في السنن الكبرى (2/ 647): «أقام ابن عيينة إسناده، ومن خالفه في إسناده لا يقاومه، فرواية ابن عيينة أولى أن تكون محفوظة والله أعلم».
وقال في المعرفة (3/432): هذا إسناد موصول، وقد أكده الشافعي برواية عطاء، وإن كانت مرسلة. اهـ
وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم.
وقال الحاكم: على شرط مسلم. قلت: عبد الله بن باباه وإن سمع من جبير بن مطعم إلا أن مسلمًا لم يخرج روايته عن جبير بن مطعم.
وقال ابن الملقن كما في البدر المنير (3/ 279): «هذا الحديث صحيح رواه الأئمة: الشافعي وأحمد في «مسنديهما» وأصحاب السنن الأربعة من حديث جبير بن مطعم رضى الله عنه بالأسانيد الصحيحة»، والله أعلم.
المسند (5/447).
سبق تخريجه، انظر: المجلد الرابع (ح-630).
صحيح البخاري (597).
صحيح مسلم (684).
صحيح مسلم (831).
صحيح البخاري (586)، وصحيح مسلم (827).
البخاري (581)، ومسلم (826).
البخاري (588).
مسلم (825).
صحيح مسلم (294-832).
صحيح البخاري (585)، وصحيح مسلم (289-828).
صحيح البخاري (3273).
صحيح مسلم (290-828).
مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر (ص: 384).
نهاية السول في شرح منهاج الأصول (ص: 385)، وانظر التحبير شرح التحرير (8/1477).
شرح مختصر الروضة (3/715).
انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (23/193).
مسائل أحمد رواية أبي داود (1033).