اختلف العلماء القائلون بنقض الوضوء من مس الذكر:
•• هل ينتقض وضوء الملموس ذكره، أو أن الحكم يختص باللامس فقط؟ ••
• فقيل: إن كان الملموس بالغًا، ووجد لذة من ذلك، أو وُجد منه قصد بأن مالتْ نفسه بأن يلمسه غيره، فلمَسَه، انتقض وضوءه.
وهو مذهب المالكية.
• وقيل: لا ينتقض وضوءه.
وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة.
• دليل من قال بنقض الوضوء إن وجد منه قصد أو لذة:
جعل المالكية هذه المسألة من باب لمس الأجنبي، فإذا لمس الرجل أجنبيًّا بلذة، انتقض وضوءه، ومثله الملموس إن وُجد منه لذة.
وسوف يأتي بحثها في مسألة مستقلة ونذكر أدلتهم التفصيلية - إن شاء الله تعالى.
• دليل من قال: لا ينتقض وضوء الملموس:
- الدليل الأول:
الإجماع على عدم وجوب الوضوء على الملموس.
قال المجد ابن تيمية -نقلاً من (الإنصاف)-:
لا أعلم فيه خلافًا - يعني: في عدم وجوب الوضوء على الملموس. اهـ
ونقلُ الإجماع غير دقيق؛ لما علمت من مذهب المالكية، واختاره كثير من الخرسانيين من الشافعية من القول بالنقض، والله أعلم.
- الدليل الثاني:
قالوا: إن الأحاديث الواردة جاءت في اللامس، لا في الملموس، فلا نتعدى النص، ولو كان النقض يَسري إلى الملموس لأُمر بالوضوء كما أمر اللامس، فلما لم يؤمر علمنا أنه لم ينتقض وضوءه.
وهذا القول مع كونه يتفق مع النص، إلا أنه لا يتفق مع العلة التي ذكروها في نقض اللامس.
فإنهم قد عللوا النقض بكونه مظنة لخروج الخارج، خاصة إذا كان ذلك عن شهوة، فالعلة موجودة في الملموس إذا انتشر ذكره بسبب لمس غيره، ووجد لذة، فإن المظنة موجودة، فكان لزامًا عليهم أن يطردوا العلة، وفي هذا بيان أن العلة التي استنبطوها لم تكن هي العلة الحقيقية في وجوب الوضوء من مس الذكر.
وإذا رجحنا أن الأمر تعبدي:
وقفنا عند ظاهر النص، وأوجبنا الوضوء على من لمس ذكره فقط، سواء كان ذلك عن شهوة أم كان من غير شهوة، دون من لمس ذكر غيره ودون الملموس، والله أعلم.
• فرع: في مس المرأة شفري فرجها:
اختلف العلماء في مس المرأة شفري فرجها: هل ينتقض الوضوء أم لا؟
فقيل: لا ينتقض الوضوء بمس الشفرين.
وهو قول في مذهب المالكية[1]، ومذهب الحنابلة[2].
وقال الشافعية: ينتقض إن مس ملتقى الشفرين على المنفذ[3].
دليل من قال: لا ينقض.
قالوا: إن النقض علق بمس الفرج، والفرج هو مخرج الحدث، لا ما قاربه.
قلت:
إن كانت اللغة تساعدهم قبل ذلك اعتمادًا على الحقيقة اللغوية، وإلا فإن حافتي الفرج المتصلة به حُكمها حكم الفرج، ومثلها حافة الدبر المستديرة.
وكأنهم يشترطون إدخال اليد في الفرج حتى ينقض، وهذا ما صرح به المالكية، وقد جاء في (اللسان): الفرج: اسم لجميع سوءات الرجال والنساء والفتيان، وما حواليها كله فرج[4] اهـ. فجعل ما حوالي الفرج منه.
ولو اعتبرنا مخرج الحدث للزم أن نعتبر من الذكر مخرج البول فقط؛ لأنه هو الفرج.
جاء في (اللسان): الفرج: الثغر المخوف، وجمعه فروج، سمي فرجًا؛ لأنه غير مسدود؛ أي: ينفرج على الجوف[5]، والله أعلم.
-----------------------------------
تقدم لنا تحرير الأقوال في مذهب مالك - رحمه الله - في مسألة مس المرأة فرجها، وقدمنا فيه أربعة أقوال، ومن هذه الأقوال القول بنقض الوضوء بشرط أن تلطف، والإلطاف: أن تُدخِل المرأة يدها بين شفري فرجها، وعليه فلا ينقض مجرد مس الشفرين، والله أعلم؛ انظر المراجع في مسألة مس المرأة فرجها، فقد عزونا الأقوال في مذهب مالك إلى كتب المالكية المعتمدة، والله أعلم.
قال في كشاف القناع (1/ 128): "ولا ينقض مس امرأة شفريها، وهما إسكتاها؛ لأن الفرج هو مخرج الحدث، وهو ما بينهما دونهما".
والظاهر أن الشفرين غير الإسكتين، جاء في اللسان (4/ 419): يقال لناحيتي فرج المرأة: الإسكتان، ولطرفيهما: الشفران. وجاء في نهاية المحتاج (1/ 119): الشفران هما اللحمان المحيطان بالفرج إحاطة الشفة بالفم.
قال النووي في المجموع (2/ 44): قال أصحابنا: لا ينقض مس الأنثيين وشعر العانة من الرجل والمرأة، ولا موضع الشعر، ولا ما بين القبل والدبر، ولا ما بين الأليين، وإنما ينقض نفس الذكر وحلقة الدبر وملتقى شفري المرأة، فإن مست ما وراء الشفر لم ينقض بلا خلاف، صرح به إمام الحرمين والبغوي وآخرون. اهـ
وقال الأنصاري في شرح البهجة (1/ 139): قوله : (ملتقى المنفذ) قال م ر (الشمس ابن الرملي) في حاشية شرح الروض: المراد بقبل المرأة الشفران على المنفذ من أولهما إلى آخرهما؛ أي: بطنًا وظهرًا، لا ما هو على المنفذ منهما كما وهم فيه جماعة من المتأخرين. وقال ولده في شرح العباب: المراد بملتقى الشفرين طرف الإسكتين المنضمتين على المنفذ، ولا يشترط مسهما؛ بل مسهما أو مس أحديهما من باطنها أو ظاهرها بخلاف موضع ختانها؛ لأنه لا يسمى فرجًا.اهـ وقال ع ش (ابن حجر الهيتمي في شرح العباب): والإسكتان ناحيتا الفرج، والشفران طرفاهما، قاله الأزهري ع ش أيضًا. وعبارة المجموع: ملتقى شفري المرأة، وظاهرُها كغيرها: أن الناقض هو القدر المماس من كل من الشفرين للآخر عند الانطباق فقط، وبهامش حاشية الشرح بخط عالم ما نصه: المتعمِّد النظرَ لما يلتقي، وهو تماس أحد الحرفين مع الآخر فليتأمل، وعبارة التحفة: والناقض من قبل الآدمي ملتقى شفريه المحيطين بالمنفذ إحاطة الشفتين بالفم دون ما عدا ذلك.اهـ وهو موافق لما بالهامش المذكور. وعبارة م ر في شرح المنهاج: والمراد بحلقة الدبر: ملتقى المنفذ دون ما وراءه. قال ع ش: مقتضى تقييده بالملتقى عدم النقض بما يظهر عند الاسترخاء؛ لأنه ليس من الملتقى؛ بل زائد عليه؛ لأنه ليس محل الالتقاء. ا هـ، فيفيد أن الملتقى هو محل الالتقاء فقط، قال ع ش أيضًا: وهو مخالف لما مر عن شرح العباب، والحق أن العبارة محتملة، فيرجع لما في شرح العباب. اهـ
اللسان (2/ 342).
المرجع السابق نفس الصفحة.