في طهارة رطوبة الفرج: ومنه فرج المرأة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية
والصحيح الأول؛ لأن ذلك هو الأصل حتى يقوم دليل على النجاسة.
فهي نجسة تبعًا لذات الحيوان.
فهي طاهرة.
وقد نقل الإجماع على طهارتها ابن عابدين في حاشيته، فقال:
وأما رطوبة الفرج الخارج، فطاهرة اتفاقًا[1].
وقال أيضًا:
«مطلب في رطوبة الفرج، قوله: (الفرج): أي الداخل، أما الخارج فرطوبته طاهرة اتفاقًا[2].
ولأن رطوبة الفرج الظاهرة بمنزلة رطوبة الأنف والفم والعرق الخارج من البدن.
وهو مذهب أبي حنيفة[3]، وقول في مذهب الشافعية، رجحه النووي وغيره[4]، والمشهور من مذهب الحنابلة[5]، رجحه ابن قدامة[6].
اختاره أبو يوسف ومحمد من الحنفية[7]، وقول في مذهب الشافعية[8]، وقول في مذهب الحنابلة[9].
وهو المشهور من مذهب المالكية[10].
اختاره القاضي من الحنابلة[11].
عدم الدليل المقتضي للنجاسة، والأصل في الأشياء الطهارة، ولو كانت رطوبة الفرج نجسة لنقل إلينا تحرز الرسول ﷺ من إصابة الرطوبة لثيابه، ولنقل إلينا غسله ما أصابه منها، ولجاء الأمر من النبي ﷺ لأمته بالتحرز منها، والتطهر منها إذا لحق الثوب شيء من ذلك، فلما لم يأت شيء من هذا علم أن الرطوبة طاهرة.
قال ابن مفلح الصغير:
كانت عائشة تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ، وإنما كان من جماع؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون[12]، وهو يصيب الرطوبة، ولأنه لو حكمنا بنجاستها لحكمنا بنجاسة منيها؛ لكونه يلاقي رطوبته بخروجه منه»[13].
وقال ابن قدامة:
لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته[14].
القول بنجاسة رطوبة فرج المرأة فيه حرج شديد، لأن في التحرز منه مشقة كبيرة، أكثر من المشقة في التحرز من ولوغ الهرة ونحوها، فلو كانت الرطوبة نجسة العين لخفف ذلك من أجل المشقة، فكيف والأدلة على نجاستها ليست صريحة في الباب.
ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني أبو أيوب، قال أخبرني: أبي بن كعب، أنه قال: يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل.
قال: «يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي». ورواه مسلم بنحوه[15].
قال ابن حجر:
قوله: «يغسل ما مس المرأة منه» أي يغسل الرجل العضو الذي مس فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن المراد رطوبة فرجها»[16].
ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قلت: أرأيت إذا جامع فلم يمن؟
قال عثمان: «يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره».
قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ، فسألت عن ذلك عليًا، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب رضي الله عنهم، فأمروه بذلك[17].
قال النووي:
هذان الحديثان (يعني: حديث أبي بن كعب وعثمان) في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل منسوخان كما سبق في باب ما يوجب الغسل.
وأما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فثابت غير منسوخ، وهو ظاهر في الحكم بنجاسة رطوبة الفرج.
الأول: قالوا: إن غسل الذكر من الجماع مستحب، وليس بواجب.
الثاني: قالوا: إن الوضوء، وغسل الذكر عند الإكسال منسوخان بأحاديث إيجاب الغسل[18]، فالحكم الشرعي الأول في أول الإسلام كان في الإيلاج واجبان: الوضوء، وغسل الذكر.
والحكم المتأخر: هو إيجاب غسل البدن، فنسخ الحكم الأول برمته، واستقر الحكم الثاني.
والحقيقة أن كلام النووي عندي أقوى، وعند التأمل ليس فيه نسخ للحكم الأول، بل زيادة عليه.
فمن وجب عليه غسل بدنه كله: فقد غسل في ذلك ذكره ضمنًا من باب أولى، فلم ينسخ الحكم بغسل العضو.
ومن وجب عليه الغسل: دخل في ذلك الوضوء، فالوضوء وغسل الذكر دخلا تبعًا لوجوب الغسل.
لكن لفظ مسلم: «يغسل ما أصابه من المرأة» ولفظ البخاري: «يغسل ما مس المرأةَ منه».
فالمغسول في اللفظ الأول يختلف عن المغسول في اللفظ الثاني، فالمغسول في قوله: «يغسل ما أصابه من المرأة» هو رطوبة فرج المرأة، سواءً على العضو أو على البدن أو عليهما.
والمغسول في لفظ البخاري «يغسل ما مس المرأة منه» هو ذكره؛ لأنه هو الذي مس المرأة منه.
فإن أخذنا بلفظ البخاري، وهو غسل الذكر:
فلم ينسخ؛ لأنه داخل في وجوب غسل البدن.
وإن أخذنا لفظ مسلم «يغسل ما أصابه من المرأة» فهل نسخ هذا الحكم أم لا؟
الأولى -والله أعلم-:
حمل لفظ مسلم على لفظ البخاري، وأن المقصود من اللفظين غسل الذكر، لا سيما أنه ورد في الصحيحين اللفظ الصريح في ذلك، قال: «في الرجل يأتي أهله ثم لا ينزل، قال: يغسل ذكره ويتوضأ».
أن هذه الرطوبة في الفرج، ولا يخلق منها الولد، فأشبهت المذي[19].
قالوا: إنه عرق متولد من مكان النجاسة[20].
قاس رطوبة فرجها على بولها، فإذا كان بول ما يؤكل لحمه طاهرًا -كما قدمنا في مسألة مستقلة- فرطوبة فرجها تأخذ حكمه، إلا المتغذي على النجاسة فهو في حكم الجلالة عنده، والجلالة بولها نجس عندهم، وقد نوقشت في مسألة مستقلة، أو كان ذلك بعد الحيض، فإنه يتنجس بدم الحيض.
لأن حال الجماع مظنة تلوثه بالمذي، فيتنجس لمخالطته النجاسة.
وقال في «شرح صحيح مسلم» (3/198): «فيها ـ يعني رطوبة فرج المرأة ـ خلاف مشهور عندنا وعند غيرنا، والأظهر طهارتها».اهـ وانظر «المجموع» (2/588، 589).
واشترط الدسوقي شرطين للقول بطهارة رطوبة فرج المرأة من مباح الأكل:
ألا يتغذى بالنجاسات، وأن يكون الحيوان ممن لا يحيض.
وقال في «مواهب الجليل» (1/105): يستثنى من رطوبة فرج رطوبة ما بوله طاهر. اهـ

كلام متين جزاك الله خيرا وبارك الله فيك