البيع والشراء في المسجد
المساجد سوق من أسواق الآخرة بنيت لإقامة ذكر الله، وسوق البيع والشراء هو سوق من أسواق الدنيا.
روى مسلم في «صحيحه» من طريق أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد.
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا»[1].
وورد النهي عن البيع بخصوصه -وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى قريبًا-، ومعلوم أن المساجد لم تبن لتكون سوقًا يروج فيها التجار سلعهم.
وقد روى مسلم في «صحيحه» من طريق عبد الرحمن بن مهران مولى أبي هريرة.
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها»[2].
فجعل المساجد في مقابل الأسواق في الحب والبغض، وإنما كانت المساجد أحب الأماكن إلى الله؛ لأنها أماكن أسست لتقوى الله وطاعته، وكانت الأسواق أبغض البلاد إلى الله لما فيها من الغش والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة.
وإذا كان البيع في المسجد دخله سمسار منع بالاتفاق؛ لأنه يكون المسجد، والذي هو أحب الأماكن إلى الله في صورة السوق التي هي أبغض الأماكن إلى الله.
قال في «مواهب الجليل»:
«وأما البيع بالسمسار فيه – يعني في المسجد- فممنوع باتفاق..» [3].
وكذلك اشتد نهي الفقهاء إذا كان البيع في المسجد مع حضور السلعة، لأن ذلك يحول المسجد إلى سوق للبيع والشراء وتبادل البضائع، ولم تبن المساجد لهذا.
قال الكاساني في «بدائع الصنائع»:
«والمراد من البيع والشراء: هو كلام الإيجاب والقبول من غير نقل الأمتعة إلى المسجد؛ لأن ذلك ممنوع عنه لأجل المسجد؛ لما فيه من اتخاذ المسجد متجرًا»[4].
وقال الإمام مالك:
«لا أحب لأحد أن يظهر سلعته في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلًا بثوب عليه، أو بسلعة تقدمت رؤيته لها، فيوجب بيعها، فلا بأس»[5].
فما حكم الإيجاب والقبول في المسجد بدون حضور السلعة، وبدون أن يكون هناك سمسار؟
اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
اختاره بعض التابعين[10].
وهو قول ضعيف في مذهب الشافعية[11]، واختيار ابن حزم[12].
ما رواه أحمد من طريق ابن عجلان، ثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة، وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة»[13].
[تفرد به عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده] [14].
وقد قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله كلامًا نحو هذا.
قال في «الشرح الممتع»:
«مراده بالشراء هنا القبول؛ لأنه قد يوجب البائع البيع، فيقول: بعت عليك هذا بعشرة، وبعد ذلك يقول المؤذن: الله أكبر، فيقول الثاني: قبلت، فالذي وقع بعد النداء هو الشراء، وإلا من المعلوم أنه لا بيع إلا بشراء، ولا شراء إلا ببيع، لكن قد يقع القبول بعد النداء، والإيجاب قبل النداء، فنقول: إن البيع لا يصح»[15].
والذي حمل النهي على الكراهة: أن الحديث قد تضمن النهي عن إنشاد الشعر في المسجد، وقد صح الإذن فيه[16]، ولهذا حمل النهي على التنزيه، والإذن فيه لبيان الجواز، أو المرخص فيه الشعر المحمود كالذي في الزهد ومكارم الأخلاق، والمنهي عنه خلافه[17].
ما رواه الترمذي من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، أخبرنا يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان.
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك»[18].
[ رواه الثوري، عن يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: كان يقال: ولم يرفعه، وهو المحفوظ، ورجح الدارقطني: إرساله] [19].
ما رواه عبد الرزاق، عن محمد بن مسلم، عن عبد ربه بن عبد الله، عن مكحول.
عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «جنبوا مساجدكم مجانينكم، وصبيانكم، ورفع أصواتكم، وسل سيوفكم، وبيعكم، وشراءكم، وإقامة حدودكم، وخصومتكم، وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا مطاهركم على أبوابها»[20].
[ ضعيف جدًا ] [21].
ما رواه ابن ماجه من طريق زيد بن جبيرة الأنصاري، عن داود ابن حصين، عن نافع،
عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله ﷺ قال: «خصال لا تنبغي في المسجد، لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينشر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه أحد، ولا يقتص فيه من حد، ولا يتخذ سوقًا»[22].
[ ضعيف جدًا ] [23].
استدلوا بما رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد…» الحديث [24].
[ سبق تخريجه في أدلة القول الأول].
وإذا ثبت النهي عن البيع في المسجد، فإن الأصل حمل النهي على التحريم، ولا يحمل على الكراهة إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة.
قال الشوكاني:
«وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقة في التحريم، وهو الحق»[25].
قال الصنعاني تعليقًا على حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك…» [26].
قال الصنعاني تعليقًا على هذا:
«فيه دلالة على تحريم البيع والشراء في المساجد، وأنه يجب على من رأى ذلك فيه: أن يقول لكل من البائع والمشتري: لا أربح الله تجارتك، يقول جهرًا زجرًا للفاعل لذلك»[27].
والحديث سبق تخريجه، ولم يصح مرفوعًا، ولو صح لكان ظاهرًا في الدلالة على التحريم؛ لأن الدعاء على المسلم بكساد تجارته لا يباح إلا لمحرم، لما في ذلك من تنفير القلوب، وتوريث العداوة.
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ﴾ [البقرة:275] ولم يأت نهي عن ذلك إلا من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وتفرده بمثل ذلك لا يقبل.
الإيجاب والقبول كلام مباح، مثله مثل أي كلام يدور في المسجد بين رجلين، وإذا كان إنشاد الشعر في المسجد جائزًا، فالإيجاب والقبول مثله، إن لم يكن أحوج منه، ما دام أن ذلك لا يحمل على لغط ورفع أصوات في المسجد، وعرض السلع، وسماسرة تنادي من يشتري، من يزيد..
لو استأجر رجل رجلًا على تعليم الصبيان في المسجد لكان ذلك مباحًا، وعقد الإجارة بيع منفعة.
إذا كان الرسول قد يقضي بين المتخاصمين في المسجد، ولا ينافي ذلك حرمة المسجد، وما بنيت له فكذلك ألفاظ الإيجاب والقبول.
فقد جاء في الصحيحين في قصة المتلاعنين، حيث تلاعنا في المسجد[28]،
وجاء في الصحيحين من حديث كعب أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعهما رسول الله ﷺ، وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، فنادى يا كعبُ، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ: «قم فاقضه»[29].
وجاء في الصحيحين من حديث عائشة، قالت: «لقد رأيت رسول الله ﷺ يومًا على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله يسترني بردائه، أنظر إلى لعبهم»[30].
القول بـالتحريم لم يقل به إلا الحنابلة، ولا أستطيع أن أجزم به، وهو لم يرد إلا في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولست أنكر أن هذا السند من قبيل الحسن لذاته فيما لم يتفرد به من الأحكام، وأما إذا تفرد فإن النفس لا تقبل مثله، والقول بـالكراهة غير بعيد عن الصواب، من أجل المعنى، لا من أجل النص.
وأجد قول مالك رحمه الله أن الإيجاب والقبول في المسجد إذا لم يكن في ذلك رفع أصوات، ولم يكن بحضور السلعة إلى المسجد، ولم يكن في ذلك ما يشغل عن صلاة واجبة، ولم يستغل جمع المسجد في البحث عن مشتر للسلعة، أنه لا بأس به، وأن ذلك من جنس الكلام المباح الذي قد يتكلم به الرجل في المسجد مع أخيه.
قال الإمام مالك:
«لا أحب لأحد أن يظهر سلعته في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلًا بثوب عليه، أو بسلعة تقدمت رؤيته لها، فيوجب بيعها، فلا بأس»[31].
وأبعد من ذلك:
من حرم من أهل عصرنا توزيع النشرات العلمية المشتملة على بعض الأذكار في المساجد، لأنه قد وضع في أسفلها اسم من قام بطبعها من الشركات، والمحلات التجارية، وأن ذلك يدخل في مسمى البيع، لأنه نوع من الدعاية لتلك المحلات، فهذا بعيد كل البعد عن مقصود الشارع من كراهة البيع والشراء في المسجد.
فمراد الشارع -على التسليم بثبوت النهي عن البيع والشراء- ألا يتحول المسجد إلى سوق تعرض فيه السلع، فيتحول من كونه سوقًا للآخرة إلى سوق من أسواق أهل الدنيا، وليس في هذه النشرات ما يصرف الناس عن رسالة المسجد، وكتابة اسم من قام بطباعتها، أو وضع علامته التجارية تابع غير مقصود.
وتابع أسامة بن زيد ابن عجلان، فرواه أحمد (2/212) من طريق ابن المبارك، حدثني أسامة ابن زيد، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن البيع والاشتراء في المسجد».
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وسكت عليه الذهبي.
قال الطبراني في «الأوسط»: «لم يرو هذا الحديث عن يزيد بن خصيفة متصل الإسناد إلا الدراوردي».
قلت: ومع تفرد الدراوردي فقد خالفه الثوري، فرواه عبد الرزاق في «مصنفه» (1725)، والطبراني في «الدعاء» (1332) عن الثوري، عن يزيد بن خصيفة، قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان يقول: كان يقال: إذا أنشد الناشد ضالة، قال: لا ردها الله عليك، فإذا اشترى أو باع في المسجد، قيل: لا أربح الله تجارتك. فلم يرفعه إلى النبي ﷺ. والثوري أحفظ من الدراوردي.
ورجح الدارقطني في «العلل» (10/65) كونه مرسلًا، قال: وهو الصواب.
ورواه عباد بن كثير، عن يزيد بن عبد الله بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبيه، عن جده بنحوه. فجعله من مسند ثوبان، رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (2/103) رقم 1454 وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (153) من طريق محمد بن حمير، عن عباد بن كثير به. والمحفوظ ما قاله الثوري.
والطريق هذا له ثلاث علل:
وقال البوصيري في «إتحاف المهرة»: رواه الطبراني في «الكبير» من رواية مكحول، عن معاذ، ولم يسمع منه. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» (356): هذا منقطع.
فزاد في إسناده بين عبد ربه ومكحول يحيى بن العلاء.
ورواه الطبراني في «مسند الشاميين» (3591) من طريق أحمد بن عبد الرحمن، عن محمد ابن مسلم الطائفي، عن عبد ربه بن عبد الله الشامي، عن مكحول، عن يحيى بن العلاء، عن معاذ بن جبل.
وهنا جعل يحيى بن العلاء بين مكحول ومعاذ بن جبل بدلًا من كونه بين عبد ربه، وبين مكحول، وهذا فيما أظن أنه من عمل يد عبد ربه بن عبد الله الشامي.
قال البيهقي في «السنن» (10/103): وقيل: عن مكحول، عن يحيى بن العلاء، عن معاذ مرفوعًا، وليس بصحيح. اهـ
وقد ذكر المزي في «تهذيب الكمال» (33/357) في ترجمة من اسمه أبو سعيد الشامي، رجلًا روى عن وارد كاتب المغيرة بن شعبة، روى عنه ابن عون، ذكر اختلاف العلماء في اسمه، وذكر منها أن اسمه (عبد ربه) فليتأمل.
كما ذكر المزي من شيوخ محمد بن مسلم بن سوسن رجلًا اسمه (عبد الله بن عبد ربه الشامي)، وهو هذا انظر «تهذيب الكمال» (26/413).
وإذا كان الحديث حديث محمد بن سعيد المصلوب، فقد أخرج الحديث على وجه آخر عن مكحول،
فقد أخرجه ابن ماجه (750) والطبراني في «الكبير» (22/57) رقم: 136 من طريق الحارث ابن نبهان، عن عتبة بن يقظان، عن أبي سعيد، عن مكحول عن واثلة بن الأسقع.
والحارث بن نبهان متروك، وعتبة بن يقظان الراسبي قال فيه النسائي: غير ثقة. وقال الدارقطني: متروك، وفي «التقريب»: ضعيف. وأبو سعيد المصلوب قد عرفت ما فيه. فالحديث موضوع.
والطبراني في «الكبير» (8/132)، وابن عدي في «الكامل» (5/219)، والبيهقي (10/103) من طريق أبي نعيم، عن العلاء بن كثير، عن مكحول، عن أبي الدرداء، وعن واثلة بن الأسقع، وعن أبي أمامة رضي لله عنهم كلهم يقولون: سمعنا رسول الله ﷺ يقول على المنبر: جنبوا مساجدكم… فذكره بنحوه، وليس عندهم محل الشاهد: وهو النهي عن البيع في المسجد.
وهذا إسناد ضعيف جدًا، العلاء بن كثير متروك.
وقد رواه ابن أبي شيبة، عن مكحول مرسلًا بسند حسن، قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (5/527): حدثنا ابن فضيل، عن محمد بن خالد الضبي، عن مكحول، قال: قال رسول الله ﷺ: «جنبوا مساجدكم إقامة حدودكم». وليس فيه موضع الشاهد.
وفي إسناده زيد بن جبيرة، قال فيه النسائي: ليس بثقة.
وقال ابن معين: لا شيء.
وقال البخاري: منكر الحديث. وقال فيه الحافظ: متروك.
