هل يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة؟[جديد]

📌 المدخل إلى المسألة:

لا يوجدُ دليلٌ صحيحٌ على وجوبِ الطهارةِ لـسجودِ التلاوةِ، والأصلُ عدمُ الوجوبِ.
وجوبُ الطهارةِ لـسجودِ التلاوةِ مرتبٌ على صحةِ إطلاقِ اسمِ الصلاةِ عليهِ، ولم يَصِحَّ في النصوصِ إطلاقُ الصلاةِ على ما دونَ الركعةِ.
إطلاقُ السجدةِ على الركعةِ، كحديثِ: «من أدركَ سجدةً من الصلاةِ فقد أدركَ الصلاةَ» دليلٌ على ركنيةِ السجودِ في الصلاةِ، لا على أنَّ السجودَ يستحقُّ مسمى الصلاةِ على وجهِ الاستقلالِ.
أطلقَ الشارعُ على الفاتحةِ اسمَ الصلاةِ في حديثِ «قسمتُ الصلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفينِ» رواهُ مسلمٌ، وإنما قسمَ الفاتحةَ، ولا تُسَمَّى الفاتحةُ صلاةً على وجهِ الاستقلالِ، فكذلك السجودُ.
نُقِلَ الإجماعُ على اشتراطِ الطهارةِ لـسجودِ التلاوةِ، إلا أنَّ من نَقَلَ الخلافَ مقدَّمٌ على من نقلَ الإجماعَ؛ لأنَّ ناقلَ الإجماعِ نافٍ للخلافِ، وهذا مُثْبِتٌ، والمثبتُ مقدمٌ على النافي.
التشابهُ في الهيئةِ بين سجودِ السهوِ والتلاوةِ لا يستلزمُ التطابقَ في الحكمِ، لأنَّ سجودَ السهوِ سجودُ جبرانٍ نتيجةَ خللٍ عرضَ للصلاةِ، فلو تعمدَ سببَهُ بطلتْ صلاتُهُ، ومرتبطٌ بالصلاةِ ارتباطَ المسببِ بالسببِ بخلافِ سجودِ التلاوةِ.

 سجودُ التلاوةِ إن وقعَ داخلَ الصلاةِ دخلتْ شروطُهُ مع شروطِ الصلاةِ.

فإذا استقلَّ سجودُ التلاوةِ عن الصلاةِ.
فهل يكونُ السجودُ وحدَهُ صلاةً، بحيث يُشْتَرَطُ لهُ ما يُشْتَرَطُ للصلاةِ؟
أم أنَّ السجودَ وحدَهُ لا يُعَدُّ صلاةً، كما لا تُعَدُّ قراءةُ الفاتحةِ، والقيامُ مستقلاً، والجلوسُ مستقلاً صلاةً؟

في ذلك خلافٌ بين أهلِ العلمِ:

فقيلَ: سجودُ التلاوةِ صلاةٌ، فكلُّ ما يُشْتَرَطُ للصلاةِ يُشْتَرَطُ لهُ.

وهو مذهبُ الأئمةِ الأربعةِ.

حتى قال النوويُّ في «الروضةِ»:
«بلا خلافٍ»[1].

واعتبرَ ابنُ رشدٍ الخلافَ من الخلافِ الشاذِّ.

ويترتبُ على هذا القولِ: اشتراطُ الطهارةِ من الحدثِ بالماءِ، ولا يجوزُ أداؤُها بالتيممِ إلا عند فقدِهِ، كما يُشْتَرَطُ لها الطهارةُ من الخبثِ في البدنِ، والثوبِ، والبقعةِ، ويُشْتَرَطُ سترُ العورةِ، واستقبالُ القبلةِ.

كما يُشْتَرَطُ الكفُّ عن كلِّ ما يفسدُ الصلاةَ من قولٍ، أو فعلٍ.

قال النوويُّ:
«أما شروطُهُ: فيفتقرُ إلى شروطِ الصلاةِ، كطهارةِ الحدثِ، والنجسِ، وسترِ العورةِ، واستقبالِ القبلةِ، وغيرها، بلا خلافٍ»[2].

وقال في «بدايةِ المجتهدِ»:
«اتفقَ المسلمونَ على أنَّ الطهارةَ شرطٌ من شروطِ الصلاةِ … ولم يختلفوا أنَّ ذلك شرطٌ في جميعِ الصلواتِ إلا في صلاةِ الجنازةِ، وفي السجودِ -أعني سجودَ التلاوةِ- فإنَّ فيهِ خلافاً شاذّاً»[3].

وقيلَ: ليس بصلاةٍ، والطهارةُ لهُ مستحبةٌ، فـيجوزُ سجودُهُ على غيرِ وضوءٍ، وإلى غيرِ القبلةِ، ومع نجاسةِ الثوبِ، وكشفِ العورةِ، إلى غيرِ ذلك من الأحكامِ التي تترتبُ على القولِ بأنهُ لا يُعَدُّ صلاةً.

وهو أحدُ القولينِ عن ابنِ عمرَ.

وبه قال الشعبيُّ، ويُرْوَى عن ابنِ المسيبِ.

وهو ظاهرُ كلامِ محمدِ بنِ الحسنِ من الحنفيةِ، ونصَّ عليهِ القدوريُّ في «التجريدِ»، وصاحبُ «الطرازِ» من المالكيةِ، واختارَهُ ابنُ حزمٍ، ورجحَهُ ابنُ تيميةَ وابنُ القيمِ[4].

قال ابنُ القيمِ:
وهذا قولُ كثيرٍ من السلفِ، حكاهُ عنهم ابنُ بطَّالٍ في «شرحِ البخاريِّ»[5].

وقال ابنُ القاسمِ:
نهى مالكٌ عن قراءةِ آيةِ السجدةِ على غيرِ وضوءٍ، وفي أوقاتِ النهيِ.

قال ابنُ القاسمِ:
والذي أرى أنهُ لا شيءَ عليهِ[6].

دليلُ من قال: يُشْتَرَطُ لسجودِ التلاوةِ ما يُشْتَرَطُ للصلاةِ:
الدليلُ الأولُ:

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾ [الحج: 77].

فأمرَ بالسجودِ، ومطلقُهُ يشملُ السجودَ في الصلاةِ، والسجودَ خارجَهُ، والسجودُ في الصلاةِ يُشْتَرَطُ لهُ الطهارةُ بلا خلافٍ، فكذلك سجودُ التلاوةِ.

وأُجِيبَ:

بأنَّ الأمرَ بالركوعِ والسجودِ أمرٌ بالصلاةِ، وإنما عَبَّرَ بالركوعِ والسجودِ عن الصلاةِ؛ لأنهما من أعظمِ أركانِها، وهي تدلُّ على أنَّ الصلاةَ لا تقومُ إلا بالركوعِ والسجودِ، وهكذا في كلِّ جزءٍ عُبِّرَ بهِ عن الكلِّ فهو دليلٌ على ركنيةِ ذلك الجزءِ، كإطلاقِ الرقبةِ على العبدِ في قولِهِ تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ [النساء: 92]، فلا يُقْصَدُ بها تحريرُ الرقبةِ وحدَها دونَ سائرِ الجسدِ، وإنما عُبِّرَ بالرقبةِ؛ لأنَّ حياةَ العبدِ لا تستقلُّ دونَ هذا العضوِ، بخلافِ اليدِ، والقدمِ.

والدليلُ على أنَّ السجودَ المرادَ بهِ داخلَ الصلاةِ:
أنهُ قُرِنَ بالأمرِ بالركوعِ، وقد اتفقَ العلماءُ على أنَّ الركوعَ لا يكونُ قربةً إلا إذا تُقُرِّبَ بهِ داخلَ الصلاةِ، فلا يُتَقَرَّبُ بالركوعِ خارجَ الصلاةِ، وقد جاءَ إطلاقُ السجدةِ على الركعةِ في قولِهِ ﷺ: «من أدركَ سجدةً من الصلاةِ فقد أدركَ الصلاةَ»، والمرادُ: من أدركَ ركعةً، فدلَّ على أنَّ هذا من المطلقِ الذي أُرِيدَ بهِ خاصٌّ، وهو: الصلاةُ.

الدليلُ الثاني:

إطلاقُ السجودِ على الصلاةِ دليلٌ على أنهُ صلاةٌ.

روى البخاريُّ من طريقِ عبيدِ اللهِ، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- قال: صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ سجدتينِ قبلَ الظهرِ، وسجدتينِ بعدَ الظهرِ، وسجدتينِ بعدَ المغربِ، وسجدتينِ بعدَ العشاءِ وسجدتينِ بعدَ الجمعةِ، فأما المغربُ والعشاءُ – زادَ مسلمٌ والجمعةُ – ففي بيتِهِ[7].

وفي البابِ حديثُ حفصةَ في «البخاريِّ»[8].

وإذا كان السجودُ صلاةً، لم يُقْبَلْ بغيرِ طهورٍ.

لما رواهُ مسلمٌ في «صحيحِهِ» من طريقِ أبي عوانةَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن مصعبِ بنِ سعدٍ، قال: دخلَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ على ابنِ عامرٍ يعودُهُ، وهو مريضٌ، فقال: ألا تدعو اللهَ لي يا ابنَ عمرَ، قال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «لا تُقْبَلُ صلاةٌ بغيرِ طهورٍ، ولا صدقةٌ من غلولٍ»، وكنتُ على البصرةِ[9].

ويُجابُ عن هذا الاستدلالِ:

الجوابُ الأولُ:

كلُّ ما كان جواباً عن الدليلِ الأولِ فهو جوابٌ عن هذا الدليلِ، فإطلاقُ السجودِ على الصلاةِ دليلٌ على ركنيتِهِ في الصلاةِ، لا على أنهُ يستحقُّ مسمى الصلاةِ على وجهِ الاستقلالِ، كما أطلقَ الشارعُ على الفاتحةِ اسمَ الصلاةِ في حديثِ أبي هريرةَ، في قولِهِ: «قسمتُ الصلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفينِ» رواهُ مسلمٌ. وإنما قسمَ الفاتحةَ، ولا تُسَمَّى الفاتحةُ صلاةً على وجهِ الاستقلالِ.

الجوابُ الثاني:

قال ابنُ حزمٍ في «المحلى»:
«لا يكونُ بعضُ الصلاةِ صلاةً إلا إذا تمت كما أُمِرَ بها المصلي، ولو أنَّ امرءاً كبَّرَ وركعَ، ثم قطعَ عمداً لما قال أحدٌ من أهلِ الإسلامِ: إنهُ صلى شيئاً، بل يقولونَ كلُّهم: إنهُ لم يصلِّ، فلو أتمَّها ركعةً في الوترِ، أو ركعتينِ في الجمعةِ والصبحِ والسفرِ والتطوعِ لكان قد صلى بلا خلافٍ، ثم نقولُ لهم: إنَّ القيامَ بعضُ الصلاةِ، والتكبيرَ بعضُ الصلاةِ وقراءةَ أمِّ القرآنِ بعضُ الصلاةِ فيلزمُكم على هذا ألا تجيزوا لأحدٍ أن يقومَ، ولا أن يكبرَ، ولا أن يقرأَ أمَّ القرآنِ، ولا يجلسَ، ولا يسلمَ إلا على وضوءٍ، فهذا ما لا يقولونَهُ، فبطلَ احتجاجُهم. وباللهِ تعالى التوفيقُ»[10].

الجوابُ الثالثُ:

إطلاقُ اسمِ السجودِ على سجودِ الصلاةِ، والشكرِ، والتلاوةِ، وسجودِ التحيةِ كما في شريعةِ يعقوبَ من قبيلِ الاشتراكِ اللفظيِّ، وحقائقُها مختلفةٌ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﴾ [الأحزاب: 56]، فجمعتِ الآيةُ بين صلاةِ اللهِ، وصلاةِ الملائكةِ، وهما مختلفتانِ حقيقةً، وإن اشتركتا في اللفظِ، وكالاشتراطِ في إطلاقِ لفظِ القرءِ على الطهرِ والحيضِ، وحقيقتُهما متضادةٌ، وكإطلاقِ الزكاةِ على زكاةِ النفسِ، والمالِ، وهكذا، فهل تُشْتَرَطُ الطهارةُ إذا أردنا أن نصليَ على النبيِّ ﷺ؛ لأنهُ شملَهُ اسمُ الصلاةِ؟

الدليلُ الثالثُ:

أنَّ سجودَ التلاوةِ عبادةٌ يُفْتَتَحُ بالتكبيرِ، ويُخْتَتَمُ بالتسليمِ، فيصدقُ عليهِ مسمى الصلاةِ،

لما رواهُ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عقيلٍ، عن محمدِ بنِ الحنفيةِ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ مرفوعاً: «مفتاحُ الصلاةِ الطهورُ، وتحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ»[11].

[تفردَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عقيلٍ وهو ضعيفٌ عند أكثرِ أهلِ العلمِ، ومن حسَّنَهُ اعتبرَ أنَّ متنَهُ مستقيمٌ، وجاءَ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ إلا أنهُ ضعيفٌ جداً].

وأُجِيبَ عن هذا بجوابينِ:

الجوابُ الأولُ:

قال ابنُ تيميةَ:
«وسجودُ القرآنِ لا يُشْرَعُ فيهِ تحريمٌ ولا تحليلٌ، هذا هو السنةُ المعروفةُ عن النبيِّ ﷺ، وعليهِ عامةُ السلفِ، وهو المنصوصُ عن الأئمةِ المشهورينَ»[12].

• فإن كان المقصودُ بنفيِ التحريمِ تكبيرةً للتحريمِ زيادةً على تكبيرةِ الهويِّ، بحيث يكبرُ تكبيرتينِ: الأولى: للإحرامِ. والثانيةَ: للهويِّ كما يراهُ الشافعيةُ، فهذا صحيحٌ.

• وإن كان المنفيُّ مطلقَ التكبيرِ للهويِّ:
فأكثرُ السلفِ يَرَوْنَ التكبيرَ للهويِّ، ولو كان خارجَ الصلاةِ.

وقال ابنُ القيمِ:
«أئمةُ الحديثِ والفقهِ ليس فيهم أحدٌ قطُّ نَقَلَ عن النبيِّ ﷺ، ولا عن أحدٍ من أصحابِهِ أنهُ سلَّمَ منهُ، وقد أنكرَ أحمدُ السلامَ منهُ، قال الخطَّابيُّ: وكان أحمدُ لا يعرفُ التسليمَ في هذا.

وقال الحسنُ البصريُّ: ليس في السجودِ تسليمٌ.

ويُذْكَرُ نحوهُ عن إبراهيمَ النخعيِّ.

وكذلك المنصوصُ عن الشافعيِّ أنهُ لا يُسَلِّمُ فيهِ»[13].

ولم يتعرضْ ابنُ القيمِ لنفيِ التكبيرِ، ووجَّهَ كلامَهُ لنفيِ التسليمِ.

وسجودُ التلاوةِ إن كان داخلَ الصلاةِ:
فإنهُ يكبرُ للهويِّ والرفعِ في قولِ الأئمةِ الأربعةِ، وليس لهُ تسليمٌ مستقلٌّ، كسجودِ السهوِ.

وإن كان خارجَ الصلاةِ:
فالتسليمُ واردٌ عن ابنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، وعن أبي قلابةَ، وابنِ سيرينَ، وأبي الأحوصِ، وإحدى الروايتينِ عن الإمامِ أحمدَ، وإحدى الروايتينِ عن الإمامِ الشافعيِّ.

فقد روى حربٌ الكرمانيُّ في مسائلِهِ، حدثنا إسحاقُ، أخبرنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، قال: كنتُ أمشي مع أبي عبدِ الرحمنِ السلميِّ نحو الفراتِ، فقرأَ سجدةً، فأومأَ بها، ثم سلَّمَ تسليمةً، ثم قال: هكذا رأيتُ ابنَ مسعودٍ يفعلُهُ.

[حسنٌ][14].

وكلُّ شيءٍ يُخرجُ منهُ بتسليمٍ فإنهُ يلجُ فيهِ بتكبيرٍ، ولأنَّ الخلافَ في نفيِ التسليمِ أكثرُ من الخلافِ في نفيِ التكبيرِ.

وجاءَ عن أحمدَ أكثرُ من روايةٍ في التسليمِ، والمعتمدُ في مذهبِهِ أنَّ التسليمَ ركنٌ، قال المرداويُّ في «الإنصافِ»:
«نصَّ عليهِ، وعليهِ أكثرُ الأصحابِ»[15].

وروى حربٌ الكرمانيُّ في مسائلِهِ، قلتُ لـأحمدَ: الرجلُ يقرأُ القرآنَ، فيسجدُ، أيُسَلِّمُ؟ قال: نعم. قلتُ: تسليمةً خفيَّةً عن يمينِهِ؟ قال: نعم.

وقيلَ: لـأحمدَ: أيتشهدُ إذا قرأَ السجدةَ؟ قال: لا، ويسلمُ[16].

ونقلَ الأثرمُ عنهُ: يسلمُ، ولا يتشهدُ.

ونقلَ المروذيُّ في «بدائعِ الفوائدِ» عن أحمدَ: أنهُ كان يعجبُهُ أن يُسَلِّمَ فيها.

ونقلَ عبدُ اللهِ: إذا رفعَ رأسَهُ من السجودِ، إن شاءَ سلَّمَ، فإن لم يفعلْ فلا بأسَ.

وسألهُ الكوسجُ: هل يكبرُ إذا سجدَ، أو يسلمُ إذا رفعَ رأسَهُ؟

قال: يكبرُ إذا سجدَ، أما التسليمُ، لا أدري ما هو.

قال إسحاقُ:
«بل يكبرُ إذا سجدَ، ويرفعُ رأسَهُ بالتكبيرِ، ثم يقولُ عن يمينِهِ: السلامُ عليكم»[17].

ونصَّ أحمدُ في هذهِ الروايةِ على التكبيرِ، ونفى علمَهُ بالتسليمِ.

وهذهِ هي الروايةُ الوحيدةُ التي نُقِلَ فيها عن الإمامِ أحمدَ عدمُ علمِهِ بالتسليمِ.

والمنصوصُ عن مالكٍ نفيُ التسليمِ، وفي التكبيرِ لهُ قولانِ، آخرُهما القولُ بهِ.

قال ابنُ القاسمِ كما في «المدونةِ»:
«إذا قرأَها، وهو في غيرِ صلاةٍ، فكان يُضَعِّفُ التكبيرَ قبلَ السجودِ وبعدَ السجودِ، ثم قال: أرى أن يكبرَ … وكان لا يرى السلامَ بعدَها»[18].

والمنصوصُ عن الشافعيِّ في السلامِ قولانِ:

أحدهما: يسلمُ، نقلَهُ المزنيُّ عنهُ، وأبو الطيبِ الطبريُّ في التعليقةِ الكبرى في الفروعِ، وهو المعتمدُ في مذهبِ الشافعيةِ[19].

والثاني: لا يسلمُ، نقلَ ذلك البويطيُّ عن الشافعيِّ في مختصرِهِ[20].

وعلى القولِ بنفيِ التسليمِ؛ فلأنَّ المقصودَ السجودُ، فلا يُفْعَلُ غيرُ المقصودِ.

وقد روى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، قال: حدثنا هشيمٌ، عن خالدٍ، عن أبي قلابةَ وابنِ سيرينَ: أنهما كانا إذا قرآ السجدةَ سلَّما[21].

[صحيحٌ][22].

وروى عبدُ الرزاقِ عن الثوريِّ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: كان يقرأُ بنا، ونحن متوجهونَ إلى بني سليمٍ إلى غيرِ القبلةِ، فيمرُّ بالسجدةِ فيومئُ إيماءً، ثم يسلمُ[23].

[حسنٌ وسماعُ الثوريِّ من عطاءٍ قديمٌ باتفاقِ أهلِ الجرحِ][24].

وروى حربٌ الكرمانيُّ في مسائلِهِ، حدثنا إسحاقُ، حدثنا وكيعٌ، حدثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن أبي الأحوصِ، أنهُ قرأَ سجدةً، فسجدَ فيها، ثم سلمَ.

[صحيحٌ][25].

وروى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، حدثنا ابنُ عليةَ، عن ابنِ عونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ، قال: كان أبي إذا قرأَ السجدةَ، قال: اللهُ أكبرُ، ثم سجدَ[26].

[عبدُ اللهِ بنُ مسلمِ بنِ يسارٍ فيهِ جهالةٌ][27].

وقال ابنُ المنذرِ:
اختلفَ أهلُ العلمِ فيمن قرأَ سجدةً من سجودِ القرآنِ، فقالت طائفةٌ: يكبرُ إذا سجدَ ، كذلك قال ابنُ سيرينَ، وأبو قلابةَ، والنخعيُّ، والحسنُ، ومسلمُ بنُ يسارٍ، وأبو عبدِ الرحمنِ السلميُّ، وبهِ قال الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرأيِ وكان النخعيُّ، والحسنُ البصريُّ، وأبو عبدِ الرحمنِ السلميُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرأيِ يقولونَ: «يرفعُ رأسَهُ من السجدةِ ويكبرُ»[28].

ولم يتعرضْ ابنُ المنذرِ للتسليمِ.

وستأتي المسألةُ إن شاءَ اللهُ تعالى في مبحثٍ مستقلٍّ.

وقد أردتُ من هذا النقلِ أن يقفَ الباحثُ على أنَّ التكبيرَ والتسليمَ في سجودِ التلاوةِ فيهِ خلافٌ عن السلفِ، وأما بيانُ الراجحِ فيهِ فسيأتي البحثُ عنهُ بشكلٍ مستقلٍّ، ويُنْظَرُ في حجةِ الأقوالِ، واللهُ أعلمُ.

الجوابُ الثاني:

قال ابنُ القيمِ:
«قياسُهُ على الصلاةِ ممتنعٌ لوجهينِ:

أحدهما: أنَّ الفارقَ بينهُ وبينَ الصلاةِ أظهرُ وأكثرُ من الجامعِ؛ إذ لا قراءةَ فيهِ، ولا ركوعَ، ولا فرضاً، ولا سنةً ثابتةً بالتسليمِ، ويجوزُ أن يكونَ القارئُ خلفَ الإمامِ فيهِ، ولا مصافةَ فيهِ، وليس إلحاقُ محلِّ النزاعِ بصورةِ الاتفاقِ أَوْلَى من إلحاقِهِ بصورةِ الافتراقِ.

الثاني: أنَّ هذا القياسَ إنما ينفعُ -لو كان صحيحاً- إذا لم يكن الشيءُ المقيسُ قد فُعِلَ على عهدِ النبيِّ ﷺ، ثم تقعُ الحادثةُ، فيحتاجُ المجتهدُ أن يلحقَها بما وقعَ على عهدِهِ ﷺ من الحوادثِ أو شملَها نصُّهُ، وأما مع سجودِهِ وسجودِ أصحابِهِ، وإطلاقِ الإذنِ في ذلك من غيرِ تقييدٍ بوضوءٍ، فيمتنعُ التقييدُ بهِ»[29].

الدليلُ الرابعُ:

قال ابنُ عبدِ البرِّ:
إجماعٌ من الفقهاءِ أنهُ لا يسجدُ أحدٌ سجدةَ تلاوةٍ إلا على طهارةٍ»[30].

وحكى الإجماعَ كلٌّ من القاضي عياضٍ، والنوويِّ، وابنِ قدامةَ[31].

ويُجابُ:

قال الزركشيُّ:
من نَقَلَ الخلافَ مقدَّمٌ على من نَقَلَ الإجماعَ لمزيدِ الاطلاعِ[32].

وقال ابنُ تيميةَ:
«وإذا نقلَ عالمٌ الإجماعَ ونقلَ آخرُ النزاعَ … فليس لقائلٍ أن يقولَ: نقلٌ لخلافٍ لم يثبتْ، فإنهُ مقابَلٌ بأن يُقالَ: ولا يثبتُ نقلُ الإجماعِ، بل ناقلُ الإجماعِ نافٍ للخلافِ، وهذا مُثْبِتٌ، والمثبتُ مقدَّمٌ على النافي.

وإذا قيلَ: يجوزُ في ناقلِ النزاعِ أن يكونَ قد غلطَ فيما أثبتَهُ من الخلافِ: إما لضعفِ الإسنادِ، أو لعدمِ الدلالةِ، قيلَ لهُ: ونافي النزاعِ غلطُهُ أجوزُ، فإنهُ قد يكونُ في المسألةِ أقوالٌ لم تبلغْهُ، أو بلغتْهُ وظنَّ ضعفَ إسنادِها وكانت صحيحةً عند غيرِهِ، أو ظنَّ عدمَ الدلالةِ، وكانت دالةً، فكلُّ ما يجوزُ على المثبتِ من الغلطِ يجوزُ على النافي مع زيادةِ عدمِ العلمِ بالخلافِ»[33].

وما أكثرَ المسائلَ التي نُقِلَ فيها الإجماعُ والخلافُ فيها محفوظٌ، مما حدا بـالشوكانيِّ أن يقولَ: «وأما دعوى الإجماعِ فهي من الدعاوى التي لا يهابُها طالبُ الحقِّ، ولا تحولُ بينهُ وبينَ مرادِهِ منهُ»[34].

نعم، نقلُ الإجماعِ في المسألةِ مع اتفاقِ الأئمةِ الأربعةِ عليهِ يجعلُ طالبَ العلمِ لا يستعجلُ في مخالفتِهِ، وأن يقلِّبَ النظرَ في هذا الإجماعِ من جهةِ أمورٍ منها:

أولاً: ينظرُ في النقلةِ، والثقةِ في نقلِهم، وأن يكونَ من العلماءِ الذين لهم وزنُهم العلميُّ، وسعةُ إطلاعِهم على الخلافِ الفقهيِّ، ولا أظنُّ في فقهاءِ المذاهبِ أوسعَ نقلاً للخلافِ من ابنِ عبدِ البرِّ والنوويِّ وابنِ قدامةَ.

ثانياً: أن يدققَ النظرَ في الكثرةِ في نقلِ الإجماعِ، فربما قلَّدَ الناقلونَ للإجماعِ بعضُهم بعضاً، فلا تدلُّ الكثرةُ على شيءٍ، فربما نقلَ الإجماعَ ابنُ المنذرِ، أو ابنُ حزمٍ، وكان الباقي صدىً لهذا النقلِ، بدليلِ أنكَ تجدُ ابنَ قدامةَ أو النوويَّ أو غيرَهما يحكونَ الإجماعَ في موضعٍ غيرِ منسوبٍ، وفي موضعٍ آخرَ ينسبونَهُ لـابنِ المنذرِ، فيكونُ الواقعُ أنَّ الناقلَ للإجماعِ ابنُ المنذرِ، وابنُ المنذرِ لهُ منهجٌ واسعٌ في حكايةِ الإجماعِ.

ثالثاً: التحققُ من الإجماعِ، هل أرادَ بهِ من حكاهُ الإجماعَ المطلقَ، أم أرادَ بهِ إجماعَ أصحابِهِ من أهلِ المذهبِ؟
فبعضُ الفقهاءِ يطلقُ الإجماعَ ويريدُ بهِ إجماعَ أصحابِهِ، لا إجماعَ أهلِ العلمِ، وهذا الاحتمالُ مستبعدٌ في هذهِ المسألةِ.

رابعاً: النظرُ في الخلافِ، أكان سابقاً لحكايةِ الإجماعِ، أم كان حادثاً بعدَ نقلِ الإجماعِ، فإذا انعقدَ الإجماعُ لم يُلْتَفَتْ إلى الخلافِ الحادثِ بعدَهُ، وإذا اختلفَ الصدرُ الأولُ لم يكن اتفاقُ من بعدِهم ملغياً لخلافِهم؛ لأنَّ الأقوالَ لا تموتُ بموتِ أصحابِها، بل إذا تفردَ المتأخرونَ بقولٍ لم يُعْرَفْ عن أصحابِ القرونِ المفضلةِ لم يُقْبَلْ منهم؛ لأنَّ اللهَ أكملَ دينَهُ في حياةِ النبيِّ ﷺ، وما لم يكن قولاً في العصورِ المفضلةِ فليس من دينِ اللهِ سبحانهُ وتعالى إلا أن تكونَ المسألةُ نازلةً.

فإذا راعينا هذهِ الملحوظاتِ مع حكايةِ الإجماعِ المنقولةِ وجدنا أنَّ الخلافَ محفوظٌ في عصرِ الصحابةِ، وفي عصرِ التابعينَ، وأشارَ لهُ البخاريُّ في «صحيحِهِ»، فهذا الأمرُ يقدحُ في صحةِ حكايةِ الإجماعِ، فالإجماعُ إنما يكونُ حجةً إذا توفرَ شرطُهُ بأن يكونَ محفوظاً من الخرقِ، وأما مجردُ حكايتِهِ فلا تغني شيئاً.

الدليلُ الخامسُ:

ما رواهُ البيهقيُّ، قال: أخبرنا أبو سعيدٍ شريكُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ الحسنِ المهرجانيُّ، ثنا أبو سهلٍ بشرُ بنِ أحمدَ، ثنا داودُ بنِ الحسينِ البيهقيُّ، ثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، ثنا الليثُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنهُ قال: لا يسجدُ الرجلُ إلا وهو طاهرٌ، ولا يقرأُ إلا وهو طاهرٌ ولا يصلي على الجنازةِ إلا وهو طاهرٌ[35].

[رجالُهُ ثقاتٌ إلا أنهُ مُعَلٌّ، لم يروِهِ عن الليثِ إلا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، تفردَ بهِ عنهُ داودُ بنُ الحسينِ][36].

الدليلُ السادسُ:

القياسُ على سجودِ السهوِ.

قال ابنُ قدامةَ:
«ولأنهُ سجودٌ، فـيُشْتَرَطُ لهُ ذلك -يعني من الطهارةِ ونحوِها- كسجودِ السهوِ»[37].

ويُجابُ:

بأنَّ التشابهَ في الهيئةِ بين سجودِ السهوِ والتلاوةِ لا يستلزمُ التطابقَ في الحكمِ؛ لأنَّ العلةَ في سجودِ السهوِ خللٌ يعرضُ للصلاةِ بسببِ نقصٍ، أو زيادةٍ: يقيناً أو شكّاً، ويُشْتَرَطُ لصحتِهِ وقوعُهُ سهواً، فلو تعمدَ سببَهُ بطلتْ صلاتُهُ، فهو سجودُ جبرانٍ وترغيمٌ للشيطانِ، مرتبطٌ بالصلاةِ ارتباطَ المسببِ بسببِهِ.

والعلةُ في سجودِ التلاوةِ:
هي قراءةُ آيةِ السجدةِ أو الاستماعُ إليها، داخلَ الصلاةِ أو خارجَها، فسببُهُ مشروعٌ، وهو تلاوةُ كتابِ اللهِ، وهو سجودُ رفعةٍ وكمالٍ وخضوعٍ واستسلامٍ، فافترقا.

الدليلُ السابعُ:

ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن أبانَ العطارِ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن عثمانَ، قال: تومئُ برأسِها إيماءً، يعني الحائضَ[38].

[سبقَ تخريجُهُ في الأقوالِ].

ولو كان السجودُ لا يحتاجُ إلى طهارةٍ، لأمرَها بالسجودِ كما تسجدُ المرأةُ الطاهرُ من الحيضِ.

دليلُ من قال: لا يُشْتَرَطُ لسجودِ التلاوةِ ما يُشْتَرَطُ للصلاةِ:
الدليلُ الأولُ:

لا يوجدُ دليلٌ صحيحٌ على اشتراطِ الطهارةِ، أو على استقبالِ القبلةِ، أو سترِ العورةِ لـسجودِ التلاوةِ، والأصلُ عدمُ الوجوبِ حتى يثبتَ ذلك بدليلٍ صحيحٍ، أو إجماعٍ، أو قولِ صحابيٍّ لا مخالفَ لهُ.

الدليلُ الثاني:

ما رواهُ البخاريُّ، من طريقِ أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-، أنَّ النبيَّ ﷺ سجدَ بالنجمِ، وسجدَ معهُ المسلمونَ والمشركونَ والجنُّ والإنسُ[39].

وجهُ الاستدلالِ:

المسلمونَ الذين سجدوا معهُ ﷺ لم يُنْقَلْ أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَهم بالطهارةِ، ولا سألَهم، هل كنتم متطهِّرينَ أم لا؟ ولو كانت الطهارةُ شرطاً فيهِ للزمَ أحدُ الأمرينِ:

إما أن يتقدمَ أمرُهُ لهم بالطهارةِ، وإما أن يسألَهم بعدَ السُّجودِ ليُبَيِّنَ لهم الاشتراطَ، ولم يُنْقَلْ واحدٌ منهما.

فإن قيلَ: فلعلَّ الوضوءَ تأخرتْ مشروعيتُهُ عن ذلك -وهذا جوابُ بعضِ المُوجِبِينَ-.

قيلَ: الطهارةُ شُرِعَتْ للصلاةِ معها، ولم يصلِّ قطُّ إلا بطهارةٍ، أتاهُ جبريلُ فعلَّمَهُ الطهارةَ والصلاةَ[40].

ويُناقَشُ:

بأنَّ هذا كان بمكةَ، وهو حجةٌ لمن قال: تسقطُ الطهارةُ إذا خافَ فوتَ العبادةِ، ولم يكن حينَها قد شُرِعَ التيممُ؛ لأنَّ التيممَ شُرِعَ بالمدينةِ، فالمحدثُ لو تراخى حتى يتطهرَ فاتَ السجودُ، فكان عليهِ أن يسجدَ حتى ولو كان محدثاً أَوْلَى من تفويتِ السجودِ؛ لأنَّ الغايةَ لا تُتْرَكُ للعجزِ عن وسيلتِها. وهذا الجوابُ على افتراضِ أن تكونَ الطهارةُ قد شُرِعَتْ، وهناك احتمالٌ كبيرٌ أن يكونَ فرضُ الطهارةِ لم يُشْرَعْ بعدُ، لأنَّ هذهِ أولُ سورةٍ أُنْزِلَتْ فيها سجدةٌ، ونزلتْ بعدَ حادثةِ المعراجِ، والتي شُرِعَ فيها الصلواتُ الخمسُ.

فقد روى البخاريُّ من طريقِ إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسودِ بنِ يزيدَ، عن عبدِ اللهِ -رضيَ اللهُ عنهُ- قال: أولُ سورةٍ أُنْزِلَتْ فيها سجدةٌ ﴿ وَالنَّجْمِ ﴾ قال: فسجدَ رسولُ اللهِ ﷺ، وسجدَ من خلفِهِ إلا رجلاً، رأيتُهُ أخذَ كفّاً من ترابٍ، فسجدَ عليهِ، فرأيتُهُ بعدَ ذلك قُتِلَ كافراً، وهو أميةُ بنُ خلفٍ[41].

وأحاديثُ تعليمِ جبريلَ للنبيِّ ﷺ المواقيتَ من حديثِ ابنِ عباسٍ وجابرٍ ليس فيهما تعليمُ النبيِّ ﷺ للطهارةِ، فقد يكونُ فرضُ الطهارةِ تأخرَ، كما هو الشأنُ في سائرِ التشريعاتِ، فإنها لم تنزلْ دفعةً واحدةً، فإذا كانت الصلاةُ شُرِعَتْ ركعتانِ، ثم أُقِرَّتْ صلاةُ السفرِ وزِيدَ في الحضرِ، فربما تأخرَ فرضُ الطهارةِ.

ويدلُّ لهُ ما رواهُ الطبرانيُّ في «المعجمِ الكبيرِ» من طريقِ يحيى بنِ بكيرٍ قالوا: حدثنا ابنُ لهيعةَ، عن أبي الأسودِ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن المسورِ بنِ مخرمةَ، عن أبيهِ، قال: لما أظهرَ رسولُ اللهِ ﷺ الإسلامَ أسلمَ أهلُ مكةَ كلُّهم – وذلك قبلَ أن تُفْرَضَ الصلاةُ – حتى إن كان ليقرأَ السجدةَ فيسجدونَ، ما يستطيعُ أحدُهم أن يسجدَ من الزحامِ ، حتى قَدِمَ رؤساءُ قريشٍ: الوليدُ بنُ المغيرةِ، وأبو جهلِ بنِ هشامٍ وغيرُهما، وكانوا بالطائفِ في أرضِهم، فقالوا: تدعونَ دينَ آبائِكم؟ فكفروا[42].

[تفردَ بهِ ابنُ لهيعةَ، وهو ضعيفٌ][43].

وإذا كان السجودُ قبلَ فرضِ الصلاةِ، فلا يبعدُ أن يكونَ قبلَ فرضِ الطهارةِ.

واستشكلَ بعضُهم هذا:
بأنَّ سورةَ العلقِ، أولُ السورِ نزولاً، وفيها أيضاً سجدةٌ، فهي سابقةٌ على نزولِ النجمِ.

وأُجِيبَ:

بأنَّ السابقَ من سورةِ العلقِ أولُها، وأما بقيتُها فنزلتْ بعدَ ذلك[44].

والمؤكدُ أنَّ هذهِ الواقعةَ في العهدِ المكيِّ، وأعدادُ المسلمينَ قليلةٌ جداً، وفي وقتِ المعراجِ كان قد هاجرَ طائفةٌ منهم إلى الحبشةِ، والأقلُّ منهم من يستطيعُ أن يظهرَ إسلامَهُ ممن لهُ منعةٌ من قومِهِ، فلو فُرِضَ أنَّ هذهِ الواقعةَ كانت بعدَ تشريعِ الطهارةِ، لم يُمكنِ الجزمُ بأنَّ أحداً من المسلمينَ كان محدثاً، وقد كان الصحابةُ يحرصونَ على الجلوسِ مع النبيِّ ﷺ على طهارةٍ، وقصةُ أبي هريرةَ وحذيفةَ حين حادا عن الجلوسِ مع النبيِّ ﷺ لكونِهما جنباً مشهورةٌ، (والنبيُّ ﷺ تيممَ لردِّ السلامِ، وقال: إني كرهتُ أن أذكرَ اللهَ إلا على طهرٍ)، فلا يبعدُ أن يكونَ المتواجدُ من المسلمينَ على قلتِهم في هذهِ الواقعةِ كان على طهارةٍ، وإذا كان لا سبيلَ إلى القطعِ بأنَّ جميعَهم على طهارةٍ، فلا سبيلَ إلى القطعِ أنَّ بعضَهم كان محدثاً، وأما سجودُ المشركينَ فلا حجةَ فيهِ.

ويُناقَشُ:

هذا الاحتمالُ متوجهٌ لو أنهُ جاءَ في النصوصِ ما يدلُّ على اشتراطِ الطهارةِ لـسجودِ التلاوةِ، فيُساقُ هذا الاحتمالُ دفعاً للتعارضِ، أما إذا كان هذا النصُّ لا يَحْفَظُ ما يعارضُهُ، ولم يثبتْ في النصوصِ ما يدلُّ على وجوبِ الطهارةِ لـسجودِ التلاوةِ فسواءٌ تأخرَ فرضُ الطهارةِ للصلاةِ، أو شُرِعَ معها فليس هناك ارتباطٌ بين وجوبِ الطهارةِ للصلاةِ وبين وجوبِهِ للتلاوةِ، فالعبادتانِ مختلفتانِ، وعلى التنزلِ أنَّ ذلك كان في أولِ التشريعِ فحديثُ ابنِ عمرَ التالي ينقلُهُ عن فعلِ الصحابةِ وحدَهم، وفي حالِ الكثرةِ والازدحامِ في المكانِ مما يدلُّ على أنَّ ذلك كان بالمدينةِ، واللهُ أعلمُ.

الدليلُ الثالثُ:

روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ يحيى، قال: أخبرنا عبيدُ اللهِ قال: حدثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهما-، قال: كان النبيُّ ﷺ يقرأُ علينا السورةَ فيها السجدةُ، فيسجدُ ونسجدُ، حتى ما يجدُ أحدُنا موضعَ جبهتِهِ[45].

ورواهُ البخاريُّ من طريقِ عليِّ بنِ مسهرٍ، قال: أخبرنا عبيدُ اللهِ بهِ، ولفظُهُ: كان النبيُّ ﷺ يقرأُ السجدةَ، ونحن عندَهُ … إلخ[46].

فقولُهُ: (ونحن عندَهُ)، ظاهرُهُ: أنهُ ليس ذلك في الصلاةِ؛ إذ لو كانوا في صلاةٍ لقال: (ونحن معهُ)، وقد نصَّ على ذلك بعضُ الرواةِ.

فرواهُ محمدُ بنُ بشرٍ، عن عبيدِ اللهِ بهِ كما في «صحيحِ مسلمٍ»، ولفظُهُ: (… ربما قرأَ رسولُ اللهِ ﷺ القرآنَ، فيمرُّ بالسجدةِ، فيسجدُ بنا حتى ازدحمنا عندَهُ، حتى ما يجدُ أحدُنا مكاناً ليسجدَ فيهِ في غيرِ صلاةٍ)[47].

تابعَهُ: 
عبدُ اللهِ بنُ نميرٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ بهِ، كما في «مسندِ أحمدَ» و«سننِ أبي داودَ»، وفيهِ: (… يقرأُ علينا السورةَ في غيرِ الصلاةِ فيسجدُ ونسجدُ معهُ…..)[48].

وجهُ الاستدلالِ:

سجودُهم جميعاً ومن البعيدِ جداً أن يكونَ كلُّهم إذ ذاكَ على وضوءٍ، ومعلومٌ أنَّ مجامعَ الناسِ تجمعُ المتوضئَ وغيرَهُ.

الدليلُ الرابعُ:

ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ سفيانَ، عن الزهريِّ، عن محمودِ بنِ الربيعِ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ»[49].

وجهُ الاستدلالِ:

فدلَّ حديثُ عبادةَ مع حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضيَ اللهُ عنهما- السابقِ: (تحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ)، أنَّ ضابطَ الصلاةِ: هو ما افْتُتِحَ بالتكبيرِ، واُخْتُتِمَ بالتسليمِ، وشُرِعَتْ فيهِ قراءةُ الفاتحةِ.

وحديثُ أبي هريرةَ: (كلُّ صلاةٍ لا يُقْرَأُ فيها بفاتحةِ الكتابِ فهي خداجٌ). رواهُ مسلمٌ.

ولفظُ: (كلّ) من ألفاظِ العمومِ، فدلَّ هذا على أنَّ سجودَ التلاوةِ ليس داخلاً في هذا العمومِ؛ لأنهُ لا قراءةَ فيهِ بالإجماعِ، ولا تحريمَ، ولا تسليمَ فيهِ على الصحيحِ.

الدليلُ الخامسُ:

ما رواهُ مسلمٌ، قال رحمهُ اللهُ: حدثني محمدُ بنُ عمروِ بنِ عبادِ ابنِ جبلةَ، حدثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جريجٍ، قال: حدثنا سعيدُ بنِ حويرثٍ، أنهُ سمعَ ابنَ عباسٍ يقولُ: إنَّ النبيَّ قضى حاجتَهُ من الخلاءِ، فَقُرِّبَ إليهِ طعامٌ، فأكلَ، ولم يمسَّ ماءً.

قال: وزادني عمروُ بنُ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ الحويرثِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قيلَ لهُ: إنكَ لم توضأْ، قال: «ما أردتُ صلاةً فأتوضأَ».

وزعمَ عمروٌ، أنهُ سمعَ من سعيدِ بنِ الحويرثِ[50].

ورواهُ عبدُ بنُ حميدٍ كما في «المنتخبِ»، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مليكةَ، عن عمروِ بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ الحويرثِ، عن ابنِ عباسٍ، وفيهِ: «إنما أُمِرْتُمْ بالوضوءِ للصلاةِ»[51].

[سندُهُ صحيحٌ وفيهِ التعبيرُ بالحصرِ بـ (إنما)].

قولُهُ: (إنما أُمِرْتُمْ بالوضوءِ للصلاةِ) المقصودُ أمرُ إيجابٍ، وإلا فالاستحبابُ مُجْمَعٌ عليهِ، والحديثُ دليلٌ على أنَّ الوضوءَ لا يجبُ لغيرِ الصلاةِ، ومنهُ سجودُ التلاوةِ.

وقد استدلَّ بهِ ابنُ تيميةَ على عدمِ وجوبِ الطهارةِ للطوافِ والتلاوةِ، وغفلَ أن يستدلَّ بهِ أيضاً على عدمِ وجوبِ الطهارةِ لمسِّ المصحفِ.

الدليلُ السادسُ:

روى البخاريُّ رحمهُ اللهُ في «صحيحِهِ» معلقاً بصيغةِ الجزمِ، قال أبو عبدِ اللهِ: وكان ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- يسجدُ على غيرِ وضوءٍ[52].

وصلهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، حدثنا محمدُ بنُ بشرٍ قال: حدثنا زكريا بنُ أبي زائدةَ قال: أخبرنا أبو الحسنِ، عن رجلٍ زعمَ أنهُ كنفسِهِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: كان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، ينزلُ عن راحلتِهِ، فيهريقُ الماءَ، ثم يركبُ، فيقرأُ السجدةَ، فيسجدُ، وما توضأَ[53].

وجهُ الاستدلالِ:

قال ابنُ تيميةَ:
«كان ابنُ عمرَ يسجدُ على غيرِ وضوءٍ، ومن المعلومِ أنهُ لو كان النبيُّ ﷺ بيَّنَ لأصحابِهِ أنَّ السجودَ لا يكونُ إلا على وضوءٍ لكان هذا مما يعلمُهُ عامتُهم؛ لأنهم كانوا يسجدونَ معهُ، وكان هذا شائعاً في الصحابةِ، فإذاً لم يُعْرَفْ عن أحدٍ منهم أنهُ أوجبَ الطهارةَ لسجودِ التلاوةِ، وكان ابنُ عمرَ من أعلمِهم وأفقهِهم وأتبعِهم للسنةِ، وقد بقيَ إلى آخرِ الأمرِ، ويسجدُ للتلاوةِ على غيرِ طهارةٍ، كان هذا مما يُبَيِّنُ أنهُ لم يكن معروفاً بينهم أنَّ الطهارةَ واجبةٌ لها، ولو كان هذا مما أوجبَهُ النبيُّ ﷺ لكان ذلك شائعاً بينهم كشياعِ وجوبِ الطهارةِ للصلاةِ وصلاةِ الجنازةِ. وابنُ عمرَ لم يعرفْ أنَّ غيرَهُ من الصحابةِ أوجبَ الطهارةَ فيها، ولكنَّ سجودَها على طهارةٍ أفضلُ باتفاقِ المسلمينَ…». إلخ كلامِهِ رحمهُ اللهُ[54].

ويُجابُ عن ذلك بجوابينِ:

الجوابُ الأولُ:

أنَّ ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ في إسنادِهِ رجلٌ مُبْهَمٌ[55].

الجوابُ الثاني:

لو سلَّمنا أنَّ الأثرَ صحيحٌ عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، فهو قولُ صحابيٍّ فليس بحجةٍ إما مطلقاً، وإما إذا خالفَهُ صحابيٌّ آخرُ، وقد عارضَهُ غيرُهُ، فهذا ابنُ مسعودٍ صحَّ عنهُ أنهُ يرى التسليمَ من سجودِ التلاوةِ، وهذا يدلُّ على أنهُ في حكمِ الصلاةِ، فإذا كان لهُ تحليلٌ، كان لهُ تحريمٌ، فأشبهَ الصلاةَ، وأما سجودُ القراءةِ فلوجودِ عارضٍ يمنعُ من القراءةِ، وهو حالُ السجودِ؛ فإنهُ حالٌ منهيٌّ عن القراءةِ فيهِ، وهناك من العلماءِ من يرى صلاةَ الجنازةِ لا قراءةَ فيها، وهي داخلةٌ في مسمى الصلاةِ، وتُشْتَرَطُ لها الطهارةُ بالإجماعِ إلا خلافاً شاذّاً عن الشعبيِّ، فلا تلازمَ بين القراءةِ ووجوبِ الطهارةِ.

ومن الآثارِ المعارضةِ لـابنِ عمرَ: ما يُرْوَى عن عثمانَ، أنهُ أمرَ الحائضَ أن تومئَ برأسِها، فلولا أنهُ يرى أنها ممنوعةٌ من السجودِ لأمرَها بالسجودِ، كما تسجدُ المرأةُ الطاهرُ، إضافةً إلى ذلك ما يُرْوَى عن ابنِ عمرَ نفسِهِ أنهُ قال: لا يسجدُ إلا وهو طاهرٌ، ولا يصلي الجنازةَ إلا وهو طاهرٌ.

فإن قلتَ: هذا الأثرُ مُعَلٌّ.

قيلَ قد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ بسندٍ صحيحٍ كالشمسِ:

فقد روى عبدُ الرزاقِ عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، قال: كان ابنُ عمرَ يصيحُ عليهم إذا رآهم، يعني القُصَّاصَ يسجدونَ بعدَ الصبحِ.

قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ: وأخبرنيهِ أيوبُ عن نافعٍ[56].

فالإسنادُ الأولُ قد قيلَ فيهِ: إنهُ من أصحِّ الأسانيدِ، فلو كان ابنُ عمرَ لا يعتبرُ السجودَ داخلاً في مسمى الصلاةِ ما أنكرَ عليهم السجودَ في وقتِ النهيِ، فإنكارُهُ دليلٌ على أنهُ يراهُ داخلاً في مسمى الصلاةِ.

فإن قيلَ: لعلَّهُ نهاهم من أجلِ هيئةِ السجودِ، فالنهيُ عن الصلاةِ وقتَ طلوعِ الشمسِ ووقتَ الغروبِ معللٌ بمشابهةِ المشركينَ.

لما رواهُ مسلمٌ من طريقِ عكرمةَ بنِ عمارٍ، حدثنا شدادُ بنِ عبدِ اللهِ أبو عمارٍ ويحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن أبي أمامةَ مرفوعاً: وفيهِ: «… صَلِّ صلاةَ الصبحِ، ثم أقصرْ عن الصلاةِ حتى تطلعَ الشمسُ حتى ترتفعَ، فإنها تطلعُ حين تطلعُ بين قرني شيطانٍ وحينئذٍ يسجدُ لها الكفارُ…» الحديث[57].

فكانت هيئةُ السجودِ في التلاوةِ مشابهةً لهيئةِ سجودِ الكفارِ للشمسِ، وكان النهيُ عن الصلاةِ في ذلك الوقتِ من أجلِ ما في الصلاةِ من السجودِ المشابهِ لسجودِ الكفارِ، لا من أجلِ مطلقِ الصلاةِ.

ويُجابُ عن ذلك بأكثرَ من جوابٍ:

الجوابُ الأولُ:

لو كان النهيُ عن الصلاةِ لما فيها من السجودِ المشابهِ لسجودِ الكفارِ، لما نهى عن صلاةِ الجنازةِ، وليس فيها سجودٌ، فكان النهيُ متوجهاً لمطلقِ الصلاةِ، وليس من أجلِ مطلقِ السجودِ.

الجوابُ الثاني:

أنَّ النصوصَ تنهى عن الصلاةِ بعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ.

فقد روى مسلمٌ من طريقِ يونسَ، أنَّ ابنَ شهابٍ، أخبرهُ، قال: أخبرني عطاءُ بنِ يزيدَ الليثيُّ، أنهُ سمعَ أبا سعيدٍ الخدريَّ، يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «لا صلاةَ بعدَ صلاةِ العصرِ حتى تغربَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعدَ صلاةِ الفجرِ حتى تطلعَ الشمسُ»[58].

ورواهُ البخاريُّ من طريقِ صالحِ بنِ كيسانَ، عن ابنِ شهابٍ بهِ، بلفظِ: (لا صلاةَ بعدَ الصبحِ حتى ترتفعَ الشمسُ)[59].

فالنهيُ متوجهٌ للصلاةِ، وإذا أُطْلِقَتِ الصلاةُ بالنصوصِ فهي محمولةٌ على الحقيقةِ الشرعيةِ، وإذا كان السجودُ لا يُسَمَّى صلاةً شرعاً فليس داخلاً في النهيِ، هذا هو مقتضى القواعدِ.

الجوابُ الثالثُ:

لو اعتبرنا السجودَ صلاةً، لكان السجودُ بسببِ التلاوةِ داخلاً في ذواتِ الأسبابِ، فهو لم يتحرَّ السجودَ في ذلك الوقتِ من أجلِ السجودِ، نعم لو تقصَّدَ أن يقرأَ آيةَ سجدةٍ من أجلِ السجودِ، وقلنا: السجودُ صلاةٌ شرعاً، كان منهياً عن ذلك في ذلك الوقتِ.

فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يتحرى أحدُكم، فيصلي عندَ طلوعِ الشمسِ، ولا عندَ غروبِها»[60].

ورواهُ البخاريُّ من طريقِ عبدةَ، عن هشامٍ بهِ، وفيهِ: «… لا تحيَّنوا بصلاتِكم طلوعَ الشمسِ ولا غروبَها، فإنها تطلعُ بين قرني شيطانٍ، أو الشيطانِ، لا أدري أي ذلك، قال هشامٌ»[61].

ورواهُ مسلمٌ من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ نميرٍ، ومحمدِ بنِ بشرٍ، كلاهما عن هشامٍ بهِ، بلفظِ: «لا تحرَّوا بصلاتِكم طلوعَ الشمسِ، ولا غروبَها، فإنها تطلعُ بقرني الشيطانِ»[62].

فالمنهيُّ عنهُ:
هو تحري الصلاةِ في أوقاتِ النهيِ. 

وتحري الصلاةِ: هو ألا يكونَ لهُ قصدٌ إلا الصلاةُ في هذا الوقتِ، فلم يدخلْ فيهِ الصلواتُ ذواتُ الأسبابِ، فهي مشروعةٌ لأسبابِها. 

وقد ناقشتُ هذهِ المسألةَ عند الكلامِ على تحيةِ المسجدِ في أوقاتِ النهيِ في (المجلدِ السابعِ)، فارجعْ إليهِ بوركتَ.

والخلاصةُ من هذا النقاشِ:

أنَّ المنقولَ عن ابنِ عمرَ من النهيِ عن سجودِ التلاوةِ في أوقاتِ النهيِ دليلٌ على أنهُ يراهُ داخلاً في مسمى الصلاةِ، والسندُ إليهِ أصحُّ من السندِ الذي رُوِيَ عنهُ أنهُ كان يسجدُ على غيرِ وضوءٍ، بل قيلَ عن إسنادِ معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ: إنهُ من أصحِّ الأسانيدِ، والأثرُ الثاني أشهرُ؛ لأنَّ البخاريَّ في «صحيحِهِ» قد ساقَهُ معلقاً عنهُ بصيغةِ الجزمِ، فاشتهرَ الثاني دونَ الأولِ، وعندَ الرجوعِ لمن رواهُ موصولاً نجدُ إسنادَهُ ليس بالقائمِ، فقد انفردَ بهِ زكريا بنُ أبي زائدةَ على اختلافٍ عليهِ، فقد رواهُ عنهُ اثنانِ، والأوثقُ منهما قد رواهُ بزيادةِ رجلٍ مُبْهَمٍ، فالحكمُ لهُ على من خالفَهُ، فلا يصحُّ، وعلى افتراضِ صحةِ الأثرِ فـيُجْمَعُ بينهما بحيث يُحْمَلُ أثرُ ابنِ عمرَ الذي يجيزُ السجودَ بلا طهارةٍ على أولِ التشريعِ بناءً على البراءةِ الأصليةِ، ويُحْمَلُ الأثرُ الثاني على أنهُ ناقلٌ عنها، خاصةً أنَّ الذي رواهُ عنهُ هو سالمٌ، وعن مشاهدةٍ، فهو متأخرٌ، فإذا جمعتَ أثرَ ابنِ مسعودٍ، وأثرَ عثمانَ، وما وافقهما من أثرِ ابنِ عمرَ قُدِّمَ ذلك على ما عارضَها من الأثرِ الآخرِ لـابنِ عمرَ، الذي لا يرى الطهارةَ، خاصةً إذا وقفتَ على ما وردَ من اختلافٍ في إسنادِهِ، واللهُ أعلمُ.

الدليلُ السابعُ:

لم يوجدْ في النصوصِ إطلاقُ الصلاةِ على ما دونَ الركعةِ، فأقلُّ ما صدقَ عليهِ إطلاقُ الصلاةِ في النصوصِ الشرعيةِ، هو ما جاءَ من الإيتارِ بركعةٍ واحدةٍ، على خلافٍ بين الفقهاءِ في حكمِ الوترِ بركعةٍ واحدةٍ، فـالجمهورُ على الجوازِ خلافاً لـالحنفيةِ.

فقد روى البخاريُّ من طريقِ عبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: سألَ رجلٌ النبيَّ ﷺ وهو على المنبرِ، ما ترى في صلاةِ الليلِ؟ قال: «مثنى مثنى ،فإذا خشيَ الصبحَ صلى واحدةً، فأوترتْ لهُ ما صلى»[63].

وجهُ الاستدلالِ:

قولُهُ: (صلى واحدةً) فأطلقَ على الركعةِ الواحدةِ صلاةً، ولم يطلقْ على ما دونَ الركعةِ صلاةً، ومنهُ السجدةُ.

الدليلُ الثامنُ:

قال تعالى: ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ [الأعراف: 120].

وجهُ الاستدلالِ:

أنَّ السحرةَ سجدوا، ولم يكونوا حينَها على طهارةٍ، وشرعُ من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِدْ في شرعِنا ما يخالفُهُ.

ويُناقَشُ:

بأنَّ هذا السجودَ ليس من سجودِ التلاوةِ حتى يمكنَ الاحتجاجُ بهِ، فـسجودُ التلاوةِ: ما كان سببُهُ تلاوةَ آيةٍ من آياتِ السجودِ، وليس منهُ سجودُ السحرةِ، فسجودُ السحرةِ سجودُ خضوعٍ للهِ وتسليمٍ لهُ، والقياسُ عليهِ قياسٌ مع الفارقِ، وعلى نفيِ الفارقِ لا يصحُّ الاستدلالُ بهِ إلا بمقدمتينِ:

الأولى: صحةُ الاحتجاجِ بشرعِ من قبلنا.

الثاني: التسليمُ بأنهُ لم يَرِدْ في شرعِنا ما يخالفُهُ، والمخالفُ ينازعُ في هاتينِ المسألتينِ، واللهُ أعلمُ.

الراجحُ:

بعدَ استعراضِ الأقوالِ أجدني بين قولينِ:
قولٍ: يراهُ الأئمةُ الأربعةُ وأكثرُ السلفِ -حتى حُكِيَ إجماعاً- على أنَّ سجودَ التلاوةِ يُشْتَرَطُ لهُ ما يُشْتَرَطُ للصلاةِ.
 وبينَ قولٍ: يخالفُهُ؛ رُوِيَ عن الشعبيِّ، ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، على اختلافٍ عليهِ.

والآثارُ عن الصحابةِ قليلةٌ وفيها اختلافٌ.
والأثرُ الوحيدُ الصريحُ أنهُ لا يتوضأُ مرويٌّ عن ابنِ عمرَ، ومعارضٌ بآثارٍ أخرى عنهُ، وعن بعضِ الصحابةِ.
فمن جهةِ الأقوالِ:
تكونُ الكفةُ لصالحِ من يقولُ: يُشْتَرَطُ لهُ الطهارةُ.
وأما من جهةِ الأدلةِ:
فأجدُ أنَّ الكفةَ تميلُ إلى القولِ بعدمِ الوجوبِ، فالمسألةُ ليست من المسائلِ الجليةِ، ولا أنها من الخلافِ الضعيفِ.
فالراجحُ سيكونُ بين قولينِ: قويٍّ وأقوى، والقولُ بعدمِ وجوبِ الطهارةِ أقوى

وقد تحريتُ أن أعرضَ الأدلةَ والأقوالَ بقدرِ الإمكانِ بالحيادِ حتى يَتَبَيَّنَ للقارئِ أيُّ القولينِ أقوى، واللهُ أعلمُ.

الحواشي والمراجع

[1] انظر في مذهب الحنفية: «المبسوط» (2/5)، «فتح القدير» (2/ 60)، «تبيين الحقائق» (1/ 208) «بدائع الصنائع» (1/ 186)، «تحفة الفقهاء» (1/ 236)، «مجمع الأنهر» (1/159).

وانظر في مذهب المالكية: «مختصر خليل» (ص: 38)، «المعونة» (ص: 285)، «شرح التلقين» (2/790)، «الشرح الكبير» (1/307)، «تحبير المختصر» (1/378)، «مواهب الجليل» (2/60)، «شرح الزرقاني على خليل» (1/475)، واستثنى المالكية الإحرام والسلام، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل.

وانظر في مذهب الشافعية: «التعليقة» لـالقاضي حسين (2/863)، «المهذب» (1/163)، «نهاية المطلب» (2/231)، «التهذيب» لـالبغوي (2/181)، «المجموع» (4/63)، «فتح العزيز» (4/192)، «روضة الطالبين» (1/321)، «تحفة المحتاج» (2/214)، «نهاية المحتاج» (2/101).

وانظر في مذهب الحنابلة: «الإنصاف» (2/193)، «شرح الزركشي على الخرقي» (1/636)، «المبدع» (2/33)، «الإقناع» (1/155)، «معونة أولي النهى» (2/292)، «كشاف القناع» (1/447)، «شرح منتهى الإرادات» (1/251).

[2] «روضة الطالبين» (1/321).

[3] «بداية المجتهد» (1/47).

[4] سيأتينا عند الكلام على الأدلة بيان ما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما-؛ لأن آثار الصحابة ليست كأقوال غيرهم، فهي تذكر في معرض الأدلة، وإن كان الاحتجاج بها له شروطه الخاصة، كاشتراط ألا يخالف مرفوعًا، ولا يخالفه صحابي آخر.

وأما قول الشعبي: فهو ثابت عنه بسند صحيح.

رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (4325)، قال: حدثنا وكيع، عن زائدة، عن الشعبي قال:
«في الرجل يقرأ ‌السجدة، وهو على غير ‌وضوء، قال: يسجد حيث كان ‌وجهه». ورجاله كلهم ثقات.

وأما ما ورد عن ابن المسيب، فنقل عنه نقلان:

الأول: قال سعيد بن المسيب في الحائض تسمع السجدة أنها تؤمئ برأسها.

رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (2/297)، قال: حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن ‌المسيب قال:
«تومئ ‌برأسها وتقول: اللهم لك سجدت».

وهذه الرواية منتقدة إسنادًا، ودلالة.

أما الإسناد: فهو من رواية قتادة، عن سعيد بن المسيب، وقتادة كثير التدليس عن سعيد، ولم يخرج له البخاري إلا ما كان من طريق شعبة، عن قتادة، وهو لا يحمل إلا ما صرح فيه بالتحديث.

جاء في «تهذيب التهذيب» في ترجمة ‌قتادة (8/ 318):
«قال إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن»:
سمعت علي بن المديني يضعف أحاديث ‌قتادة، عن سعيد بن ‌المسيب تضعيفًا شديدًا، وقال:
أحسب أن أكثرها بين ‌قتادة وسعيد فيها رجال».

وفي «جامع التحصيل» لـالعلائي (ص: 255):
«قال أحمد بن حنبل:
أحاديث ‌قتادة، عن سعيد ابن ‌المسيب، ما أدري كيف هي؟ قد أدخل بينه وبين سعيد نحوًا من عشرة رجال لا يعرفون».

وهل هذا الكلام خاص بما يرويه قتادة عن سعيد من المرفوعات، أو يشمل المقطوع؟ لا أدري، وقد اختلف فيه على قتادة؟

فرواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن المسيب مقطوعًا عليه.

رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (4321)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (5/284) من طريق محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة.

وسأل عبد الله بن أحمد أباه كما في «العلل ومعرفة الرجال» (1/163):
«كان سعيد اختلط. قال: نعم، ثم قال: من ‌سمع ‌منه ‌بالكوفة مثل محمد بن ‌بشر ‌وعبدة فهو جيد».

وانظر: «شرح علل الترمذي» (2/743).

وقال أبو عبيد الآجري كما في «تهذيب الكمال» (24/523):
سألت أبا داود عن سماع محمد بن بشر من سعيد بن أبي عروبة، فقال: هو أحفظ من كان بالكوفة».

خالفه أبان بن يزيد العطار، وهو ثقة، كما في مصنف ابن أبي شيبة (4320)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (5/284)، فرواه عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان، قال:
«تومئ برأسها إيماء».

ولولا ما قيل في رواية قتادة، عن سعيد لاحتمل هذا الاختلاف، هذا من حيث الإسناد.

وأما من حيث الدلالة: فهذا النص ليس صريحًا في المسألة، فقد حمله بعض الفقهاء على أن سعيد بن المسيب لا يشترط الطهارة لـسجود التلاوة، وأنه لا يراه من جملة الصلوات؛ لكونه لم يمنع منه الحائض، ولأن فيه قوله: (اللهم لك سجدت).

وليس صريحًا، فقد يعترض عليه بالقول: إذا كان لا يراه صلاة، فلماذا لا يجعل الحائض تسجد كهيئة سجود الصلاة؟ فالإيماء: إشارة إلى مجرد الخضوع، فكونه تحاشى أن تسجد كما تسجد المرأة الطاهر، فيه إشارة إلى أنه يراه من جملة الصلوات، فأحب لها إظهار الخضوع بالإيماء، فالسجود له حقيقة لغوية، وحقيقة شرعية:

فالحقيقة اللغوية: مطلق الخضوع والتسليم، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ [الانشقاق: 21-22].

فالسجود هنا: ليس هو المقصود به وضع الجبهة بالأرض، بل الخضوع والتسليم، لأنه جعل في مقابل التكذيب، ولأن الكافر لا يمكن أن يخاطب بـسجود التلاوة، ولو سجد لم يقبل منه حتى يؤمن بالله.

فلا تستطيع أن تقول عن أثر ابن المسيب: إنه يرى السجود للحائض، والله أعلم.

بدليل ما رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (4396) حدثنا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، أنه سمع عبد الرحمن الأعرج، يقول: كان أبو هريرة يسجد في ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ﴾، فإذا قرئت، وكان خلف الإمام، فلم يسجد الإمام؛ قال: فيومئ برأسه أبو هريرة. وسنده صحيح.

فلو كان إيماء أبي هريرة برأسه سجودًا ما خالف فيه الإمام، وقد ترك السجود، والعلماء متفقون أن الإمام إذا ترك سجدة التلاوة لا يسجد المأموم، والله أعلم.

القول الثاني: عن سعيد المسيب: صريح أنه يراه من جملة الصلوات.

قال ابن المنذر في «الأوسط» (5/274):
«وكان سعيد بن المسيب ينهى عن سجدة القرآن بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس».

وانظر «الإشراف على مذاهب العلماء» (2/289).

وهذا الأثر عن سعيد بن المسيب ساقه ابن المنذر معلقًا، ولم أقف على إسناده، والله أعلم، لكن ورد مثله مسندًا عن ابن عمر -رضي الله عنه- بسند في غاية الصحة كما سيأتي تخريجه في الأدلة.

وقال النووي في «المجموع» (4/72):
«مذهبنا أنه لا يكره سجود ‌التلاوة في أوقات النهى عن الصلاة … وقالت طائفة: يكره منهم ابن عمر وابن ‌المسيب ومالك -في رواية إسحاق– وأبو ثور -رضي الله عنهم-».

ولا معنى لكراهية السجدة في أوقات النهي إلا إذا اعتبرت السجدة من جملة الصلوات.

وانظر: «مجموع الفتاوى» (21/207، 272).

وقد سئل محمد بن الحسن عن الرجل إذا ضحك في السجدة حتى قهقه، فقال في «الأصل» (1/318):
«يعيد السجدة، ولا يعيد الوضوء. قلت: لم لا يعيد الوضوء إذا قهقه في السجدة؟ قال: لأنها ليست بصلاة، ألا ترى أنه لا قراءة فيها، ولا تشهد».

وقال القدوري الحنفي في «التجريد» (2/646):
«سجدة التلاوة ليست صلاة عندنا».

وجاء في «مواهب الجليل» (1/377):
«الذي جزم به صاحب «الطراز»، أن سجود التلاوة ليس بصلاة، وإنما هو شبيه بالصلاة، كما أن الطواف شبيه بالصلاة وليس بصلاة، وإن أطلق على ذلك صلاة فمن طريق المجاز لا الحقيقة، ثم قال: ألا ترى أن من حلف: لا أصلي في وقت مخصوص، فسجد للتلاوة لا يحنث؟».

[5] حكاه ابن بطال في «شرح البخاري» (3/56) عن ثلاثة من السلف، ابن عمر -رضي الله عنهما-، والشعبي، وظاهر صنيع البخاري من ترجمته، واستدلاله في «الصحيح»، حيث قال (2/41):
«باب سجود المسلمين مع المشركين، والمشرك نجس، ليس له وضوء، وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء».

ثم قال ابن بطال (3/75):
«وذهب فقهاء الأمصار، إلى أنه لا يجوز سجود التلاوة إلا على وضوء، فإن ذهب البخاري إلى الاحتجاج بقول ابن عمر والشعبي: نسجد مع المشركين فلا حجة فيه؛ لأن سجود المشركين لم يكن على وجه العبادة والتعظيم له … إلخ».

فـالأصح أن يقال: حكاه ابن بطال عن جمع من السلف، لأن الثلاثة والأربعة والخمسة لا يقال لهم: كثير من السلف، ولهذا اعتبره ابن رشد من الخلاف الشاذ.

وأما قول ابن تيمية رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (23/165):
«وسجود القرآن لا يشرع فيه تحريم، ولا تحليل، هذا هو السنة المعروفة عن النبي ﷺ، وعليه عامة السلف، وهو المنصوص عن الأئمة المشهورين …. إلخ».

فهذه النسبة ليس في اشتراط الطهارة، وإنما في اشتراط التحريم والتسليم، وإن رتب عليه ابن تيمية بأنه ليس بصلاة، لأن لازم القول ليس بقول، هذا لو قدر أن الأئمة لم ينصوا على اشتراط الطهارة، فكيف وقد نصوا على أنه يشترط له ما يشترط للصلاة، والله أعلم.

[6] جاء في «المدونة» (1/200):
«قلت لـابن القاسم: أرأيت إن قرأها على غير وضوء … أو قرأها في الساعات التي ينهى فيها عن سجودها، هل تحفظ من مالك فيه شيئًا؟

قال: كان مالك ينهى عن هذا، والذي أرى أنه لاشيء عليه».

قوله: كان مالك ينهى عن هذا: نص في النهي عن قراءة الآية حال الحدث، وحال وقت النهي.

وقول ابن القاسم: لا شيء عليه، أي لا شيء عليه في قراءة آية السجدة على غير وضوء، لكنه لم يتعرض للسجود نفيًا، ولا إثباتًا، فهل أراد: أنه إذا قرأ آية السجدة، فلا سجود عليه؛ لفقد الشرط، وهو الطهارة.

أو أراد: أنه إذا قرأ فلا حرج عليه إذا سجد؛ لكونه لا يدخل في مسمى الصلاة؟ لم يتبين لي. فالفرق بين قول ابن القاسم وبين قول إمامه: هو في الإذن في قراءة آية السجدة للمحدث، وأما ما يترتب على القراءة، فهذا ليس واضحًا، وإن كان قد يقال: إنما منع الإمام مالك من القراءة حتى لا يسجد، فيكون إذن ابن القاسم بالقراءة أنه لا مانع من السجود.

وقد نص مالك في «الموطأ» أنه لا يقرأ من سجود القرآن شيئًا بعد الصبح، ولا بعد صلاة العصر، انظر: «الموطأ» رواية يحيى (1/206).

وتعليل المالكية: أنها صلاة، فلا تفعل في أوقات النهي.

وروى ابن القاسم، عن مالك في «المدونة»، أنها يسجدها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس، وهو المذهب عند أصحاب مالك. والتعليل: أنها من السنن المؤكدة، فتفارق النوافل المحضة، فأشبهت صلاة الجنازة.

ومقتضى هذا التعليل: أنها لا تقرأ في وقت النهي على قول مالك.

وعلى قول ابن القاسم: لا شيء عليه في قراءتها في أوقات النهي، ويسجد، لأنها من السنن المؤكدة، فيكون قول ابن القاسم فيما يتعلق بوقت النهي: لا شيء عليه، أي في قراءتها، وفي السجود لها في وقت النهي ما لم تصفر الشمس عصرًا، أو يسفر صبحًا، والله أعلم.

انظر: «مختصر خليل» (ص: 28)، «الرسالة للقيرواني» (ص: 45)، وسوف تأتينا هذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.

[7] «صحيح البخاري» (1172)، و«مسلم» (729).

[8] «صحيح البخاري» (1173).

[9] «مسلم» (224).

[10] «المحلى» (1/ 106).

[11] سبق تخريجه في كتابي «موسوعة أحكام الطهارة»، ط الثالثة، المجلد التاسع (ح-1859).

[12] «مجموع الفتاوى» (23/165).

[13] «تهذيب سنن أبي داود»، ط عطاءات العلم (1/38).

[14] مسائل حرب الكرماني ت الغامدي (386).

ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (4190)، والطبراني في «الكبير» (9/148) ح 8742، من طريق عبد السلام بن حرب، عن عطاء به.

وعبد السلام سمع من عطاء بآخرة، لكن رواه شعبة، عن عطاء، وسماعه قديم، والله أعلم.

[15] «الإنصاف» (2/198).

وقال في «المبدع» (2/38):
«ويسلم، وهو ركن في أصح الروايتين».

وفي «شرح منتهى الإرادات» (1/253):
«يبطل بتركه عمدًا وسهوًا؛ لعموم حديث: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم».

وانظر: «التعليقة الكبرى» لـأبي الطيب الطبري (ص: 773).

[16] مسائل حرب الكرماني (383، 384).

[17] مسائل الكوسج (382)، «المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين» (1/145)، «بدائع الفوائد»، ط دار عطاءات العلم (3/1016).

[18] «المدونة» (1/200).

[19] جاء في «المهذب» (1/164):
«وهل يفتقر إلى السلام؟ فيه قولان: قال في البويطي: لا يسلم كما لا يسلم منه في الصلاة.

وروى المزني عنه أنه قال: يسلم لأنها صلاة تفتقر إلى الإحرام فافتقرت إلى السلام كسائر الصلوات».

[20] جاء في «مختصر البويطي» (ص: 298):
«وليس في سجود القرآن، ولا في سجود الشكر تشهد، ولا سلام».

[21] «المصنف» (4178).

[22] رواه هشيم عن خالد بذكر التسليم.

ورواه ابن علية كما في مصنف ابن أبي شيبة (4186)، عن خالد، عن أبي قلابة وابن سيرين أنها قالا: إذا قرأ الرجل السجدة في غير صلاة، قال: الله أكبر.

ورواه الثقفي عبد الوهاب بن عبد المجيد، كما في مسائل حرب الكرماني (387)، عن خالد الحذاء به، بلفظ: إذا قرأ السجدة كبر، ثم سجد، فإذا رفع رأسه كبر.

قال خالد:
وكل شيء يدخل فيه بتكبير، فلا يخرج منه إلا بتسليم. وسنده صحيح.

ورواه البيهقي في «السنن» (2/460) من طريق ابن عون، عن محمد بن سيرين بذكر التكبير.

ورواه معمر، عن قتادة بذكر التكبير والتسليم، رواه عبد الرزاق في «المصنف» (5930)، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن سيرين وأبي قلابة: كانا إذا قرآ بالسجدة يكبران إذا سجدا، ويسلمان إذا فرغا.

وهذا إسناد صالح في المتابعات، رواية معمر عن قتادة فيها كلام؛ لأن سماعه منه في الصغر.

[23] «المصنف» (5932).

[24] الأثر رواه عن عطاء جماعة، منهم:

• الأول:
الثوري، كما في «مصنف عبد الرزاق» (5932).

• الثاني:
شعبة، كما في مسائل حرب الكرماني ت الغامدي (386).

• الثالث:
الأعمش، كما في مصنف ابن أبي شيبة (4328)، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، قال:
«كان يقرأ السجدة، وهو على غير القبلة، وهو يمشي، فيومئ برأسه، ثم يسلم».

وشعبة والثوري ممن سمع من عطاء قبل تغيره باتفاق أهل الجرح، كما أن الأعمش من أقران عطاء، فروايته عنه قديمة، وهو قليل الرواية عن عطاء.

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (4188)، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن أنه كان يقرأ السجدة وهو يمشي، فيكبر، ويومئ حيث كان وجهه، ويكبر إذا رفع رأسه.

ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (4179) حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب به، أنه كان يسلم يقول: السلام عليكم إذا قرأ السجدة.

وابن فضيل سماعه من عطاء بآخرة.

ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (4190)، والطبراني في «الكبير» (9/148) ح 8742، من طريق عبد السلام بن حرب، عن عطاء به.

وعبد السلام سمع من عطاء بآخرة.

[25] مسائل حرب الكرماني، ت الغامدي (388)، وذكره البيهقي معلقًا (2/460).

[26] «المصنف» (4187).

[27] ورواه حرب الكرماني في مسائله (399)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/460)، والخطيب في «المتفق والمفترق» (802)من طريق معاذ بن معاذ، أبنا ابن عون به.

ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (6/242)، وقال:
يروي عن أبيه.

وذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/165)، وقال:
روى عن أبيه، روى عنه ابن عون، وكهمس، والمبارك بن فضالة، والهيثم بن قيس العائشى. ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.

وكذلك ذكره ابن سعد في «الطبقات الكبرى»، وسكت عنه (7/239).

وذكره ابن حبان في «الثقات» (5/60)، وقال:
أدرك أنس بن مالك، وروى عنه أهل البصرة، ويروى عن أبيه، روى عنه المعتمر بن سليمان.

[28] «الأوسط» (5/277).

[29] «تهذيب سنن أبي داود»، ط عطاءات العلم (1/43).

[30] «الاستذكار» (2/509).

[31] قال ابن قدامة في «المغني» (1/444):
«يشترط للسجود ما يشترط لصلاة النافلة من الطهارتين من الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية، لا نعلم فيه خلافًا».

وقال العراقي في «طرح التثريب» (2/215):
«وحكى النووي الإجماع على اشتراط الطهارة».

وانظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» (2/523)، «الإنصاف» لـالمرداوي (2/193).

[32] «البحر المحيط» (4/62).

[33] «مجموع الفتاوى» (19/271).

[34] «نيل الأوطار» (1/262).

[35] «السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/461).

[36] الأثر رواه عن نافع: اثنان:

• الأول:
الإمام مالك بن أنس.

رواه محمد بن الحسن الشيباني في موطئه (298)، قال: أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه، كان يقول:
«‌لا ‌يسجد الرجل، ولا يقرأ القرآن، إلا وهو ‌طاهر».

وقد تفرد به محمد بن الحسن، ولم يروه غيره من أصحاب مالك، فهو غريب من حديث مالك، ومحمد بن الحسن إمام في الفقه، روى عنه الشافعي، وكان معجبًا بفقهه، ساق الخطيب في تاريخه (2/561) بإسناده إلى الربيع بن سليمان، قال:
«وقف رجل على الشافعي فسأله عن مسألة، فأجابه، فقال له الرجل: يا أبا عبد الله، خالفك الفقهاء؟ فقال له الشافعي: ‌وهل ‌رأيت ‌فقيهًا قط؟ اللَّهم إلا أن تكون رأيت محمد بن الحسن، فإنه كان يملأ العين والقلب، وما رأيت ‌مُبَدَّنًا قط أذكى من محمد بن الحسن».

وقال إبراهيم الحربي:
قلت للإمام أحمد: من أين لك هذه المسائل الدقاق؟ قال: من كتب محمد بن الحسن.

وأما في الحديث فإن محمد بن الحسن قد ضعف، فلا يحتمل تفرده عن الإمام مالك، وأين أصحاب مالك عن هذا الأثر، ولماذا لا يتفرد به عنه إلا محمد بن الحسن مع أن الإمام مالك يفتي بموجبه، فلو كان عنده لاحتج به الإمام مالك، ولرواه سائر رواة «الموطأ» أو أكثرهم.

قال البرقاني:
سألت الدارقطني عن محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة، فقال: قال يحيى بن معين: كذاب، وقال فيه أحمد، يعني: ابن حنبل نحو هذا.

قال أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ:
وعندي لا يستحق الترك. اهـ.

• الثاني:
رواه الليث عن نافع.

لم يروه عن الليث إلا قتيبة بن سعيد، ولا عنه إلا داود بن الحسين البيهقي.

والليث بن سعد المصري مكثر عن نافع، وقد احتج الشيخان برواية قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن نافع، وأخرجا في «الصحيح» جملة من حديثه، وإنما الكلام فيمن دون قتيبة، فهو غريب الإسناد، تفرد به داود بن الحسين البيهقي، عن قتيبة، وتفرد به عن داود: بشر بن أحمد، وتفرد به عن بشر بن أحمد: شريك بن عبد الملك بن الحسن المهرجاني، ولا أدري من أين أتى الخطأ، أهو من داود بن الحسين أم جاء ذلك ممن دونه، وقد اختلف في لفظه، فرواه البيهقي بالإسناد نفسه بلفظين:

أحدهما: هذا اللفظ: (لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، ولا يقرأ إلا وهو طاهر ولا يصلي على الجنازة إلا وهو طاهر)، وهو كما علمت غريب الإسناد، لم يتابع عليه.

والثاني: رواه البيهقي بالإسناد نفسه (1/352)، قال: أخبرنا أبو سعيد شريك بن عبد الملك ابن الحسن الإسفراييني أخبرنا بشر بن أحمد، حدثنا ‌داود ‌بن ‌الحسين البيهقي، حدثنا ‌قتيبة ابن سعيد، حدثنا ‌الليث، عن ‌نافع، عن ابن ‌عمر، أنه قال:
«لا يصلي على الجنازة إلا وهو طاهر».

وهذا اللفظ محفوظ عن مالك.

رواه مالك في «الموطأ» من رواية يحيى بن يحيى (1/230)، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول:
«لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر».

قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (3/51):
«وهو إجماع العلماء والسلف والخلف إلا الشعبي فإنه أجاز الصلاة عليها على غير وضوء، فشذ عن الجميع …».

وأظن أن هذا هو المحفوظ من لفظه، وأن زيادة (لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، ولا يقرأ القرآن إلا وهو طاهر) هذه الزيادة معلولة، حيث لم يتابع عليه، وقراءة القرآن لا يشترط لها الطهارة بالإجماع، فإن حُمِل قوله: (لا يقرأ القرآن إلا وهو طاهر) على وجه الاستحباب، فقد يحمل قوله: (لا يسجد إلا وهو طاهر) على الاستحباب، وهذا مما لا نزاع فيه.

وهو ما ذكره احتمالًا ابن حجر في «التغليق» (2/408)، قال:
«ما رواه البيهقي فقال حدثنا المهرجاني ثنا بشر بن أحمد ثنا داود بن الحسين ثنا قتيبة ثنا الليث عن نافع عن ابن عمر أنه قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر) فيحتمل أن يحمل على الطهارة الكبرى، أو على الاستحباب».

وذكر الحافظ في «الفتح» (2/554): الاختلاف على ابن عمر، فذكر عنه أنه كان يهريق الماء، ثم يركب، فيقرأ السجدة، فيسجد، وما يتوضأ.

ثم قال:
«وأما ما رواه البيهقي بإسناد صحيح، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ‌لا ‌يسجد ‌الرجل ‌إلا ‌وهو ‌طاهر، فيجمع بينهما، بأنه أراد بقوله: طاهر، الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيارـ والأول على الضرورة». والله أعلم.

[37] «المغني» (1/444).

[38] مصنف ابن أبي شيبة (4320)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (5/284).

[39] «صحيح البخاري» (1071).

[40] «تهذيب السنن» (1/40).

قال محقق «السنن»: أحاديث تعليم جبريل مواقيت الصلاة للنبي ﷺ ليس فيها ذكر للطهارة. انظر «البخاري» (521)، و«مسلم» (610)، و«سنن أبي داود» (393، 394، 395)، و«الترمذي» (149، 150)، و«النسائي» (294، 502، 513)، و«أحمد» (11249، 17089)، وغيرها.

[41] «صحيح البخاري» (4863).

[42] «المعجم الكبير» (20/5) ح 2.

[43] رواه يحيى بن بكير كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (20/5) ح 2، والحاكم في «المستدرك» (6075)، و«معرفة الصحابة» لـأبي نعيم (6157)، و«تاريخ دمشق» لـابن عساكر (57/155).

وسعيد بن أبي مريم، كما في «تاريخ ابن معين»، رواية الدوري (212)، و«مستدرك الحاكم» (6075).

وعبد الله بن صالح، كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (20/5) ح 2، و«مستدرك الحاكم» (6075)، وفي «من عاش مائة وعشرين سنة» لـأبي زكريا بن منده (10).

وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف، وهو مخالف لأثر ابن مسعود: أن أول سورة نزلت فيها سجدة هي سورة النجم. وسورة النجم كانت بعد المعراج، أي: بعد فرض الصلوات، والله أعلم.

[44] انظر: «عمدة القارئ» (7/101).

[45] «صحيح البخاري» (1076)، و«صحيح مسلم» (103-575).

[46] «صحيح البخاري» (1026، 1076).

[47] «صحيح مسلم» (104-575).

[48] رواه أحمد (2/142)، و«سنن أبي داود» (1412).

[49] «صحيح البخاري» (756)، و«صحيح مسلم» (34-394).

[50] «صحيح مسلم» (121-374).

[51] «المنتخب من مسند عبد بن حميد» (690).

[52] «صحيح البخاري» (1/364).

[53] «المصنف» (4322).

[54] «مجموع الفتاوى» (21/278).

[55] هذا الإسناد له أكثر من علة:

• العلة الأولى:
من هو أبو الحسن هذا؟

قال ابن بطال كما في «شرح البخاري» له (3/56):
«يعني: عبيد بن الحسن»، وتبعه على هذا الحافظ ابن حجر في «الفتح» (3/56)، وفي «التهذيب» (7/63).

ولم أجد في كتب التراجم من ذكر عبيد بن الحسن من شيوخ زكريا بن أبي زائدة، كما لم أقف على إسناد واحد يروي فيه زكريا بن أبي زائدة عن عبيد بن الحسن، إلا ما جاء في هذا الإسناد، وذكر بكنيته، فلست على يقين من صواب ما ذكره ابن بطال، وتبعه عليه ابن حجر، فلو كان عبيد بن الحسن من شيوخ زكريا بن أبي زائدة لذكروه في شيوخه، أو على الأقل نقف على إسناد واحد يروي عنه غير هذا الأثر الموقوف، والمذكور بالكنية، فهو إسناد غريب.

• العلة الثانية:
إبهام شيخ أبي الحسن، وهذه علة أخرى في الإسناد، وقد ذكر بعض طلبة العلم احتمالًا أن تكون (عن) زائدة، وأن الإسناد: عن أبي الحسن عن رجل زعم أنه كنفسه سعيد بن جبير، فيكون أبو الحسن أراد الثناء على سعيد بن جبير بجعله كنفسه.

وهذا افتراض بعيد، وإنما الراوي يلجأ إلى هذه التزكية إذا كان الشيخ غير معروف، وكان التلميذ أشهر من شيخه حتى إذا جعله كنفسه كان ذلك بمثابة التوثيق له، أما أن تستخدم هذه العبارة مع سعيد بن جبير، أحد الأئمة الأعلام، ثم يجعل التلميذ شيخه كنفسه فهذه أقرب ما تكون تزكية من التلميذ لنفسه لا تقبل منه، وليست معهودة من أهل الحديث، ولم يذكر أحد من أهل التراجم أن عبيد بن الحسن يروي عن سعيد بن جبير، ولم يأت في طريق واحد حذف (عن) من رواية محمد بن بشر، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي الحسن، في كل المصادر التي نقلت هذا الإسناد عن ابن أبي شيبة، ولا يكفي الاعتماد على إمكان الرواية.

وتفرد أبو الحسن بهذا الأثر عن سعيد بن جبير، وهو غير معروف بالرواية عنه، فأين أصحاب سعيد بن جبير، كـعمرو بن دينار، وأيوب، وجعفر بن إياس، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عتيبة، ومسلم بن البطين، وسلمة بن كهيل، وحصين بن عبد الرحمن أين هم عن هذا الأثر، لماذا لم يأت إلا من هذا الطريق الغريب، ومن طريق رجل لا يعرف بالرواية عنه إلا مجرد الإمكان، والرواة عنه لم يصرحوا لنا باسمه.

• العلة الثالثة:
الاختلاف على زكريا بن أبي زائدة،

فرواه محمد بن بشر -ثقة حافظ، قال أبو داود: أحفظ من كان بالكوفة- كما في مصنف ابن أبي شيبة (4322)، قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة قال: أخبرنا أبو الحسن، عن رجل ‌زعم ‌أنه ‌كنفسه، عن سعيد بن جبير قال:
كان عبد الله بن عمر … فذكره.

وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم، قال البخاري:
وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء.

خالفه عبيد الله بن موسى -ثقة كان يتشيع قال الإمام أحمد: روى مناكير، وقد رأيته بمكة فأعرضت عنه، وقد سمعت منه قديمًا- قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن أبي الحسن، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عمر؛ في الرجل يقرأ السجدة وهو غير متوضئ، قال: يسجد.

أخرجه حرب الكرماني في مسائله لـأحمد، ت الغامدي (393).

ومحمد بن بشر مقدم على عبيد الله بن موسى، وأكثر منه رواية عن زكريا بن أبي زائدة، والله أعلم.

وقد ساق بعض المشايخ احتمالًا أن يكون أبو الحسن سمعه من رجل، ثم سمعه من سعيد بن جبير، فلا تعارض.

وهذا الجواب لا يصار إليه بالاحتمال، فلا بد من قرينة تجعل هذا الاحتمال راجحًا، وإلا فالأصل أن مثل هذا الاختلاف في الإسناد علة، فلو أن أبا الحسن قد جمع الطريقين بإسناد واحد، أو صرح بأنه سمعه من رجل، ثم سمعه من سعيد بن جبير، أو أن الراوي نفسه الذي روى الإسناد وفيه مبهم قد رواه من الوجه الثاني، فيقال لعله حدثه على الوجهين، أو صرح إمام من أئمة العلل بمثل هذا الاحتمال فيقبل منه ما لا يقبل من غيره من باب إحسان الظن فقد يكون اطلع على دليل جعله يحمله على ذلك، عرفه وخفي علينا، أما أن يرويه راو بإسناد، ويخالفه من هو أوثق منه فيرويه بإسناد، ثم نجمع بين الإسنادين بهذا الاحتمال، فهذا بعيد جدًّا، ولعل الذي حمل على قبول مثل هذا الاحتمال كون البخاري رواه عن ابن عمر معلقًا بصيغة الجزم، وهذا أراه لا يكفي، وما رواه البخاري بصيغة الجزم أكثره صحيح، ولا يمنع أن يوجد فيها ما يختلف فيه الاجتهاد بين طلاب العلم، والله أعلم.

[56] «المصنف» (5937)، ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن المنذر في «الأوسط» (5/273).

[57] «صحيح مسلم» (294-832).

[58] «صحيح مسلم» (288-827).

[59] «صحيح البخاري» (586).

[60] «صحيح البخاري» (585)، و«صحيح مسلم» (289-828).

[61] «صحيح البخاري» (3273).

[62] «صحيح مسلم» (290-828).

[63] «صحيح البخاري» (472)، و«صحيح مسلم» (145-749).

Share your love

One comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *