📌 المدخل إلى المسألة:
إذا جاء الرجل يصلي فلم يجد فرجة في الصف، فهل له أن يجذب أحدًا من الصف؛ ليصلي معه؟
اختلف العلماء في هذه المسألة:
يحرم جذبه، وهو قول شاذ منسوب لـ ابن عقيل من الحنابلة[1].
وقيل:
يكره الجذب، وهو ظاهر مذهب المالكية، والحنابلة، واختاره البويطي وأبو الطيب الطبري من الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية، وبه قال إسحاق والأوزاعي على خلاف بينهم أين يقف:
فقيل: يقف خلف الصف، وهذا مذهب المالكية، والبويطي والطبري، وابن تيمية[2].
وقال الحنابلة: يقف عن يمين الإمام، إن أمكنه، ولو بتخطي الصفوف، فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه بكلام، أو نحنحة أو إشارة، ويلزمه أن يتبعه، ويكره جذبه نصًّا، ولو كان عبده أو ابنه[3].
وقيل:
له أن يجذب من يصلي معه، وهو مذهب الحنفية، والصحيح من مذهب الشافعية، ونسبه ابن عقيل لأصحابه من الحنابلة، وصححه ابن قدامة، على خلاف بينهم في حكم الجذب:
فقيل: يباح، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن قدامة وبعض الحنابلة[4].
وقيل: يستحب الجذب، وهو الصحيح من مذهب الشافعية[5].
فصار الخلاف في الجذب يرجع إلى أربعة أقوال:
1. التحريم، وهو قول ابن عقيل من الحنابلة.
2. والكراهة، وهو مذهب المالكية والحنابلة.
3. والجواز، وهو مذهب الحنفية، وبعض الحنابلة.
4. والاستحباب، وهو مذهب الشافعية.
أن الجذب يتضمن جملة من المحاذير، منها:
المحذور الأول: أن في ذلك جناية على الصف؛ لأنه يؤدي إلى الإخلال به؛ لأن جميع الصف سوف يتحرك من أجل سد الفرجة التي حدثت.
الحركة بالنسبة لآحاد المصلين حركة يسيرة جدًّا، فلو كانت لغير حاجة لكانت مباحة، فكيف إذا كانت هذه الحركة للخروج من الخلاف في بطلان صلاة المنفرد خلف الصف.
فيه إحداث صف ثاني قبل إتمام الصف الذي قبله، وهو خلاف السنة.
نعم السنة أن يتم الصف الأول فالأول، ولا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هذه السنة قد عارضها الخروج من الخلاف في بطلان صلاة الفذ، وقد أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – من صلى وحده أن يعيد الصلاة، ولم يسأله، أوجد فرجة في الصف أم لم يجد؟ وترك السؤال في مقام الاحتمال يدل على عموم الحكم، فمن ادعى أن الرجل صلى وحده مع وجود فرجة في الصف فعليه الدليل.
ولهذا لو دخل الرجلان للصلاة معًا، وكان الصف الأخير ليس فيه ما يسع إلا مكانًا واحدًا، استحب للاثنين أن يصليا معًا، ولو بقي الصف الأول ليس تامًا؛ لأن مراعاة الواجبات أولى من تحصيل السنن.
أن في ذلك اعتداءً على المصلي، وذلك بنقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول، وقد لا يرغب المصلي المجذوب بإيثار المتأخر.
الوجه الأول: وصفه بالاعتداء لا يصدق إلا لو كان ذلك على سبيل الإكراه، فإذا كان المأموم لا يمانع من ذلك فلا وجه لهذا الوصف.
الوجه الثاني: إذا ترك المصلي المكان الفاضل حسًا لينفع أخاه، فهو في الحقيقة لم يتركه حكمًا؛ وربما كان فعله خيرًا من فعل ذلك الذي بقي في الصف؛ لأنه من ترك الشيء للعذر، فكأنه لم يتركه؛ لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «إن في المدينة لأقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كتب لهم»، قالوا: وهم في المدينة يا رسول الله، قال: «وهم في المدينة، حبسهم العذر»، فله أجر المكان الفاضل، وله زيادة على ذلك أجر تعاونه مع أخيه للخروج من الخلاف في بطلان صلاته.
جذب المصلي فيه تشويش على المجذوب، فقد يجذبه على حين غفلة منه، فيفسد عليه صلاته، وربما تكلم.
بأنه يمكنه أن ينبه من يقوم معه بكلام، أو نحنحة أو إشارة ولا يحتاج إلى جذبه على غفلة منه، ومن قال بالجذب لم يقصد التعبد بالجذب كوسيلة متعينة لطلب المصافة.
أن ذلك خلاف السنة، فإذا سقطت المصافة عن المرأة الفذة خلف صف الرجال كما في حديث أنس: «صففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا»[6]، فإذا كان لها أن تصلي وحدها في الصف مع الجماعة إذا لم تجد من يصافها، فكذلك يقاس عليها الرجل إذا لم يجد فرجة في الصف، فله أن يصلى وحده، فالعجز الشرعي كالعجز الحسي.
هناك فرق بين المرأة التي لا تجد معها امرأة أخرى تصافها، فكان الخيار إما أن تصلي وحدها، وإما أن تدع صلاة الجماعة، بخلاف الرجل الذي لا يجد فرجة في الصف، فهذا يجد من يتطوع، ويتأخر معه، ويصافه، من أجل الخروج من خلاف العلماء في بطلان صلاة المنفرد خلف الصف، والله أعلم.
ويمكنه أن يقف عن يمين الإمام، فقد صلى أبو بكر إلى جانب النبي – صلى الله عليه وسلم – في مرض موته، والصف خلفهما، فإذا كانت الحاجة إلى التبليغ تجوِّز الصلاة بجانب الإمام فالحاجة إلى الخروج من الخلاف في بطلان صلاة الفذ أولى؛ لأن المبلغ يمكنه أن يبلغ، وهو خلف النبي – صلى الله عليه وسلم -، بل إن التبليغ، وهو خلف النبي – صلى الله عليه وسلم – أسهل على المبلغ، خاصة إذا كان الإمام يصلي، وهو قاعد، فإن رؤية الإمام المتقدم أسهل على المبلغ من رؤية الإمام وهو جالس بجانبه.
وإذا صلى الفذ بجانب الإمام فصلاته صحيحة بالاتفاق، وكون الإنسان يصلي، والأمة كلها متفقة على صحة صلاته خير من أن يفعل فعلًا يختلف المسلمون في صحة صلاته. والصلاة لا تقبل المخاطرة، وهي أعظم أركان الإسلام العملية. والله أعلم.
هذه المحاذير إذا قالها من لا يرى وجوب الاصطفاف فهو متسق مع قوله، أما أن يقولها من يرى وجوب المصافة، ويبطل الصلاة إذا صلى الفذ مع قدرته على الاصطفاف، ويُحَرِّم على الفذ الصلاة خلف الصف مع وجود فرجة في الصف، فهذا هو الغريب، فكيف نسقط الواجب من أجل مراعاة: إما سنة انفراد الإمام، وإما كراهة جذب المأموم، والسنة والكراهة لا تزاحم الواجب والمحرم.
والرجل إذا جاء، ووجد الصف مكتملًا ليس له إلا واحد من ثلاثة أمور:
1. الصلاة فذًّا خلف الصف: إما بنية الجماعة، وإما بنية الانفراد.
2. الصلاة بجانب الإمام.
3. طلب المصافة من الصف.
وليس له خيار رابع.
فالصلاة خلف الصف فذًّا بنية الانفراد، سيحرمه من الصلاة جماعة، وهو مخالف لحديث أنس حيث صلت المرأة فذَّةً بنية الجماعة.
والصلاة فذًّا بنية الجماعة بدعوى أنه عاجز عن الاصطفاف، والواجبات تسقط بالعجز.
الأمر الأول: أن حديث وابصة مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فلم يسأله النبي – صلى الله عليه وسلم – أوجد فرجة في الصف أم لا؟، وافتراض أن الصف في حال وابصة كان فيه فرجة لا يمكن أخذه من حديث وابصة.
الأمر الثاني: المخالف لا يسلم بأن اكتمال الصف يجعل المصلي عاجزًا عن الاصطفاف، إلا أن يكون عاجزًا عن الصلاة بجانب الإمام، ولم يجبه أحد من الصف حين طلب المصافة، فحينئذ يكون حكمه حكم المرأة الفذة التي لا تجد من يصافها، وأما قبل ذلك فلا يتحقق العجز.
والدليل على جواز صلاته بجانب الإمام دليلان:
أحدهما: الإجماع على أنه لو صلى كذلك صحت صلاته، بخلاف ما لو صلى فذًّا خلف الصف فالعلماء مختلفون في صحة صلاته.
الثاني: صلاة أبي بكر بجانب النبي – صلى الله عليه وسلم – في مرض موته كما في حديث عائشة في الصحيحين، سواء أكان النبي – صلى الله عليه وسلم – هو الإمام أم كان الإمام أبا بكر.
صلاة أبي بكر بجانب الإمام ضرورة؛ لأن أبا بكر ليس له مكان في الصف، ولا يمكنه أن يتأخر إلى آخر الصفوف وهو في صلاة.
قد وقعت مثل هذه الحالة من قبل كما في حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري، حيث ذهب النبي – صلى الله عليه وسلم – ليصلح بين بني عوف، فحانت الصلاة، فتقدم أبو بكر، فصلى بالناس، وحضر النبي – صلى الله عليه وسلم -، وهم في الصلاة، فتراجع أبو بكر القهقرى حتى قام في الصف[7].
وفي مرض موته هَمَّ أبو بكر بالتراجع ولم يمنعه من ذلك دعوى أنه لا يجد مكانًا في الصف، وإنما الذي منعه النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث أشار إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يمكث مكانه. ففي البخاري: «لما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: قم مكانك»[8].
ما الدليل على أنه يطلب المصافة من الصف؟
حديث وابصة؛ لأنه لما طلب منه الإعادة، وقلنا: إنه مطلق يشمل ما إذا وجد فرجة في الصف أو لم يجد؛ لأن الحديث لا يقيده إلا نص مثله، فلم يكن له بد من أحد الخيارين المتبقين: إما الصلاة بجانب الإمام، وإما طلب المصافة من الصف.
ولأنه لو حضر اثنان، وفي الصف فرجة، فأيهما أفضل: وقوفهما جميعًا، أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح ابن تيمية الاصطفاف مع بقاء الفرجة؛ لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب، فإذا كان ذلك مقدمًا في الابتداء، فليكن مقدمًا لو كان الداخل فذًّا، وأمكنه طلب المصافة من الصف.
كونه لا يصلي فذًّا فذلك من أجل الخروج من الخلاف في بطلان صلاته.
وكونه يجذب رجلًا من الصف؛ فمن أجل الخروج من كراهة الصلاة فذًّا، وليحقق الاصطفاف على القول بأنه سنة، وليس بواجب في أحد قولي العلماء.
ومن قال من الفقهاء كـ الشافعية: يجذب أحدًا من الصف، فليس المقصود التعبد بالجذب كوسيلة لطلب المصافة، وإنما المقصود التوصل إلى الاصطفاف بطلب المصافة، سواء أكان ذلك بجذب أحد من الصف، أو تنبيهه بالكلام أو بالإشارة، أو بأي وسيلة تؤدي إلى الغرض المقصود دون أن يؤدي ذلك إلى التشويش على المأموم، وبهذا نعرف أن من رد الجذب بحجة التشويش، أن هذا التعليل مدفوع.
الاصطفاف إذا كان يتعلق بانتقال الشخص من الصف إلى الصف الذي يليه كان حكمه حكم الحركة في الصلاة لحاجة، وهي مباحة، فيكون الاصطفاف مباحًا، ولماذا لا يكون الفعل مستحبًا إذًا؛ لأن فيه تحصيلًا لمستحب؟
يمكن أن يقولوا: الاستحباب يتعلق بفعل الشخص نفسه، لا بفعل غيره، فإذا توقف الاستحباب على طلب الاصطفاف من الصف المكتمل لم نقدر على القول باستحباب الاصطفاف، ولم نمنعه، وهو يتوقف على حركة مباحة، فكان الحكم الجواز، وهو مقتضى قياس قول أبي حنيفة بأن كل مكلف لا يكون قادرًا بنفسه على القيام بالواجب فإنه يسقط عنه، ولا عبرة بالقدرة عن طريق غيره، فالمرء لا يكلف بقدرة غيره، فيسقط أبو حنيفة صلاة الجماعة عن الأعمى إذا كان لا يقدر بنفسه للوصول إلى المسجد، ولو كان له قائد، ويسقط الحج عن الأعمى للعلة نفسها.
الراجحُ: أن المنفردَ إذا جاءَ، والصفُّ مكتملٌ، فله أحدُ أمرينِ:
إما الصلاةُ بجانبِ الإمامِ إن أمكنَ، وهذا خيرُ الأمرينِ؛ لوجودِ الدلالةِ عليه من السنةِ.
أو طلبُ المصافةِ من الصفِّ.
فإن امتنَعَ المأمومُ من التأخرِ، ولم يمكنْه الصلاةُ بجانبِ الإمامِ، فقد تحققَ العجزُ، فسقطَ، وصارَ شأنُه كـالمرأةِ خلفَ الرجالِ، ولا يتحققُ العجزُ بمجردِ اكتمالِ الصفِّ، خاصةً أن حديثَ وابصةَ مطلقٌ، ليس فيه قيدُ وجودِ فرجةٍ في الصفِّ، وكذلك القولُ في حديثِ عليِّ بنِ شيبانَ، واللهُ أعلمُ.
وقال الدردير في الشرح الكبير (1/334): «وجاز صلاة منفرد خلف صف إن تعسر عليه الدخول فيه، وإلا كره، ويحصل له فضل الجماعة مطلقًا. ولا يجذب المنفرد خلف الصف أحدًا من الصف ولا يطيعه المجذوب، وهو: أي كل من الجذب والإطاعة خطأ منهما، أي: مكروه».
وقال أبو الطيب الطبري في التعليقة الكبرى (ص: 1389): «وقال أبو بكر بن المنذر: من الناس من قال: يجذب رجلًا من الصف، ويقفان ويصليان.
وحكى هذا الشيخ أبو حامد عن مذهبنا، وليس بشيء».
وانظر: المدونة (1/194)، التهذيب في اختصار المدونة (1/275)، الجامع لابن يونس (2/655)، التلقين (1/51)، المعونة (1/256)، عيون المسائل (ص: 138)، جامع الأمهات (ص: 112)، عقد الجواهر الثمينة (1/144)، التوضيح لخليل (1/489)، الشامل في فقه الإمام مالك (1/125)، شرح التلقين (2/874)، شرح الزرقاني على خليل (2/30)، شرح الخرشي (2/33)، مختصر البويطي وفيه خطأ أحال المعنى (ص: 267)، فتح العزيز (4/341)، المجموع (4/297)، روضة الطالبين (1/360)، معونة أولي النهى (2/395)، المغني (2/159)، المستدرك على مجموع الفتاوى (3/121)، مختصر الفتاوى المصرية، ط: الركائز (1/143)، الإنصاف (2/288).
