موقع الشيخ دبيان الدبيان

(تعقب وجواب) حول: حكم الأخذ من الشعر والظفر للمضحي[جديد]

الردُّ العلميُّ والموضوعيُّ على تعقُّبِ فضيلةِ الشيخِ د. عبدِ الرحمنِ السديسِ


بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

قالَ الشيخُ عبدُ الرحمنِ السديسِ في تغريدةٍ له:

(دعوى ونقضُها)

ذكرَ بعضُ الفضلاءِ:
أنه لا توجدُ عبادةٌ لا تجبُ بـالنيةِ وتجبُ أحكامُها بـالنيةِ.

ويعني: الأضحيةَ بأنها لا تجبُ بـالنيةِ؛ فكيفَ تجبُ أحكامُها بالنيةِ؟! يعني: الإمساكَ عن الشعرِ..

وزعمَ: أن هذا يخالفُ القواعدَ والأصولَ.

ويدفعُ زعمَه: حجُّ التطوعِ والعمرةُ لا تجبُ بـالنيةِ وتجبُ أحكامُها بـالنيةِ. أي: عندَ ميقاتِها المكانيِّ؛ فلا يجوزُ تجاوزُ الميقاتِ بلا إحرامٍ. مع أنها لا تجبُ عليه وله أن يعدِلَ عن رأيِه ويعودَ لبلدِه. والأضحيةُ كذلك لا تجبُ بـالنيةِ وتجبُ أحكامُها عندَ الميقاتِ الزمانيِّ -إذا دخلتِ العشرُ-، وله أن يعدِلَ عن رأيِه ولا يضحيَ.

أرسلَ لي بعضُ الإخوةِ المقطعَ؛ فهذا جوابُه المختصرُ.

ومما ذكرَه مُسْتَنْكِرًا:

«الأحكامُ فرعٌ عن وجوبِ العبادةِ؛ فإذا وجبتِ العبادةُ؛ وجبتْ أحكامُها، هذا من حيثُ القواعدُ».

وهذا ليس بشيءٍ، فصلاةُ التطوعِ وصدقتُه وصومُه؛ ليستْ واجبةً.

وتجبُ أحكامُها -من حيثُ الجملةِ- تبعًا لها، من الطهارةِ وبقيةِ الشروطِ والأركانِ.. وعدمِ المنِّ والأذى في الصدقةِ، وتركِ المفطراتِ في الصومِ، ووجوبُ أحكامِ الحجِّ والعمرةِ أشدُّ.

ويُنْظَرُ للفائدةِ:
الفصلُ النفيسُ الذي ذكرَه ابنُ القيمِ وناقشَ فيه الأمثلةَ ببسطٍ ونفسٍ متينٍ.

فقالَ:
«الفصلُ الثاني: في بيانِ أنه ليس في الشريعةِ شيءٌ على خلافِ القياسِ، وأن ما يُظَنُّ مخالفتُه لـالقياسِ فأحدُ الأمرينِ لازمٌ فيه، ولا بدَّ: إما أن يكونَ القياسُ فاسدًا، أو يكونَ ذلك الحكمُ لم يَثْبُتْ بـالنصِّ كونُه من الشرعِ..

-ثم ذكرَ أنه سألَ ابنَ تيميةَ فأجابَه-:
«ليس في الشريعةِ ما يخالفُ القياسَ».

-ثم قالَ-:
«وأنا أذكرُ ما حَصَّلْتُهُ من جوابِه بخطِّه ولفظِه، وما فتحَ اللهُ سبحانَه لي بيُمْنِ إرشادِه، وبركةِ تعليمِه، وحسنِ بيانِه وتفهيمِه».

ثم ختمَه بقولِه:
«فصلٌ: فهذه نبذةٌ يسيرةٌ تُطْلِعُكَ على ما وراءَها، من أنه ليس في الشريعةِ شيءٌ يخالفُ القياسَ، ولا في المنقولِ عن الصحابةِ الذي لا يُعْلَمُ لهم فيه مخالفٌ، وأن القياسَ الصحيحَ دائرٌ مع أوامرِها ونواهيها وجودًا وعدمًا؛ كما أن المعقولَ الصحيحَ دائرٌ مع أخبارِها وجودًا وعدمًا، فلم يُخْبِرِ اللهُ ولا رسولُه بما يناقضُ صريحَ العقلِ، ولم يَشْرَعْ ما يناقضُ الميزانَ والعدلَ» ا.هـ كلامُ الشيخِ عبدِ الرحمنِ. 


وجوابي على فضيلةِ الشيخِ -عبد الرحمن- بالآتي:

أولًا: مناقشةُ قياسِ أحكامِ الأضحيةِ على شروطِ العباداتِ وأركانِها

الشيخُ ذكرَ نيةَ الحجِّ ووجوبَ نيةِ الشروطِ والأركانِ قبلَ وجوبِ العبادةِ تبعًا لها.

الجوابُ عن وجوبِ شروطِ العبادةِ قبلَها:

فمن المعلومِ أن جميعَ شروطِ العباداتِ فرضِها ونفلِها تسبقُ العبادةَ، إلا أنه لا يلزمُ من وجودِ الشرطِ وجودٌ ولا عدمٌ لذاتِه؛ فلا يصحُّ القياسُ على الشروطِ إلا لو زعمَ أحدٌ أن وجوبَ تحريمِ الأخذِ من الشعرِ والظفرِ من الشروطِ فيصحُّ القياسُ.

أما وجوبُ الأركانِ:

فـالركنُ جزءٌ من العبادةِ فلا يُتَصَوَّرُ وجوبُ الأركانِ قبلَ العبادةِ، وبالتالي إن كان قد ذكرَ الأركانَ ليَعْتَرِضَ به على القولِ بأنه لا تجبُ أحكامُ العبادةِ قبلَ وجوبِها فلا يصحُّ، وإلا فما الداعي لذكرِه؟!!

ثانيًا: نقضُ الاستدلالِ بنيةِ الإحرامِ في النسكِ

وأما استدلالُه بـنيةِ الإحرامِ في النسكِ:
 فأنا قد احتججتُ بهذا الدليلِ على متأخري الحنابلةِ في البحثِ، فأوردتُ قولَ النبيِّ ﷺ عن المواقيتِ: «هُنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غيرِ أهلِهنَّ ممن أرادَ الحجَّ أو العمرةَ».

فـالإرادةُ وحدَها لا توجبُ عليه النسكَ ولو مرَّ بالمواقيتِ حتى ينويَ التلبسَ فيه، فكذا أحكامُ الأضحيةِ؛ فكيف يجعلُ هذا الدليلَ الذي هو دليلٌ على الحنابلةِ دليلًا لهم؟

ونيةُ الإحرامِ: إما شرطٌ أو ركنٌ.
فـمطلقُ النيةِ التي خرجَ بها الحاجُّ أو المعتمرُ لا تترتَّبُ عليها أحكامُ العمرةِ والحجِّ بمجردِ النيةِ حتى ولو تجاوزَ الميقاتَ المكانيَّ، فمن اجتازَه دونَ نيةِ الشروعِ في النسكِ لم يدخُلْ في العبادةِ، ولو بدا له العدولُ عن النسكِ فله ذلك؛ إذ لا إلزامَ عليه إلا بـنيةِ الشروعِ فيه، وهذا جارٍ حتى في حقِّ من وجبَ عليه الحجُّ، على القولِ بأن الحجَّ الواجبَ لا يُشْتَرَطُ له الفورُ.

وأما نيةُ الشروعِ في الإحرامِ فهذه ركنٌ؛ لأنها جزءٌ من النسكِ، وعليه فإن أحكامَ العمرةِ لا تلزمُ إلا بـنيَّةِ الدخولِ فيها، وهي الركنُ الذي ينعقدُ به النسكُ ويُعَدُّ جزءًا لا يتجزَّأُ من أعمالِه.

وقد ميَّزَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ بينَ مرتبتينِ للنيَّةِ في النسكِ:

نيةُ الشرطيةِ: وهي السابقةُ للدخولِ في العبادةِ، ويُشْتَرَطُ تقدُّمُها على التلبُّسِ بالنسكِ.

• الركنيةُ: وهي النيَّةُ التي يُنْشِئُ بها المكلَّفُ نُسُكَهُ، فتكونُ بذلك جزءًا من العبادةِ ذاتِها لا مجرَّدَ شرطٍ لها.

فتبينَ أن الاعتراضَ مدخولٌ.

ثالثًا: مناقشةُ اقترانِ الوصفينِ (دخولِ العشرِ وملكِ الأضحيةِ)

قالَ الشيخُ في رسالةٍ أرسلَها الشيخُ لي بواسطةِ أحدِ الشيوخِ:
 «لو كان الأمرُ متعلقًا بالشراءِ وحدَه لم يكُنْ لذكرِ دخولِ العشرِ كبيرُ فائدةٍ إلا تخصيصَها بالحكمِ دونَ أشهرِ الحجِّ».

والجوابُ على هذا:

أنّ الحكمَ إذا عُلِّقَ على وجودِ وصفينِ لم يثبُتِ الحكمُ بوجودِ أحدِهما دونَ الآخرِ؛ فالمنعُ من الأخذِ من الشعرِ رُبِطَ بوصفينِ:
أحدُهما: دخولُ العشرِ.
والثاني: امتلاكُ الأضحيةِ.

فقد روى مسلمٌ في «صحيحِه» في إحدى روايتيهِ:
«إذا دخلَ العشرُ وعندَه أضحيةٌ يريدُ أن يضحيَ فلا يأخذَنَّ شعرًا ولا يقلمَنَّ ظفرًا».

فاشترطَ للمنعِ توفرَ وصفينِ:

1- دخولَ العشرِ. 2- امتلاكَ الأضحيةِ. 
فلو عيَّنَ الأضحيةَ قبلَ دخولِ العشرِ لم يمتنِعْ من الأخذِ من شعرِه حتى يدخلَ العشرُ، ولو دخلتِ العشرُ ولم يُعَيِّنْ أضحيتَه لم يمتنِعْ حتى يشتريَها ويُعَيِّنَها، كقولِ متأخري الحنابلةِ حيث ربطوا حكمَهم بوصفينِ أيضًا:
1- إرادةِ الأضحيةِ. 2- دخولِ العشرِ.
فإذا أرادَ الأضحيةَ قبلَ دخولِ العشرِ لم يمتنِعْ حتى تدخلَ العشرُ مريدًا للأضحيةِ.

رابعًا: تحريرُ رواياتِ صحيحِ مسلمٍ

قالَ الشيخُ في هذه الرسالةِ:
 «وصنيعُ مسلمٍ -لو سُلِّمَ- فهو رأيُه وفهمُه، وتحريرُ ألفاظِ الروايةِ للاحتجاجِ يحتاجُ لجمعِ طرقِ الحديثِ في عامةِ المصنفاتِ وتحريرِها».

والجوابُ:

أنّ ما ذكرَه مسلمٌ روايةٌ وليس رأيًا، فهو روى من الطريقِ نفسِه الذي روى منه حديثَ «إذا دخلتِ العشرُ وأرادَ أحدُكم أن يضحيَ» فأتبعَه من الطريقِ نفسِه بلفظِ: «إذا دخلَ العشرُ وعندَه أضحيةٌ يريدُ أن يضحيَ فلا يأخذَنَّ شعرًا ولا يقلمَنَّ ظفرًا». وفي روايةٍ لـمسلمٍ: «من كان له ذبحٌ يذبحُه».

وقولُه:
«وتحريرُ ألفاظِ الروايةِ للاحتجاجِ يحتاجُ لجمعِ طرقِ الحديثِ في عامةِ المصنفاتِ وتحريرِها».

إذا كان الأمرُ يتوقفُ على ذلك فهلَّا ذكَّرْتَ نفسَكَ بهذا بدلًا من الاعتراضِ على مسلمٍ بأن هذا رأيُه وفهمُه؟

مع أن مسلمًا لم يذكُرْ رأيًا بل أتبعَ الروايةَ المجملةَ بروايةٍ مفسرةٍ، والمفسرةُ أولى بالاتباعِ من المجملةِ.

خامسًا: تيسيرُ التكاليفِ وحالُ الناسِ في الشراءِ

قالَ الشيخُ:
 «وتعليقُ الأمرِ بالشراءِ يجعلُ الحكمَ كأنه لا فائدةَ منه؛ إذ أكثرُ الناسِ لا يشتريها إلا قبلَ العيدِ بيومٍ أو يومينِ أو يومَ العيدِ».

وهذا الاعتراضُ:
كأن المطلوبَ في التكاليفِ طلبُ الأشقِّ على الناسِ، وليس اتباعَ الدليلِ!
وهذا الاعتراضُ نفسُه يَرِدُ على مذهبِ الحنابلةِ، فالذي لم يُرِدِ الأضحيةَ إلا يومَ العيدِ لا يلزمُه الإمساكُ عن الأخذِ من الشعرِ والظفرِ إلا عندَ الإرادةِ؛ فالحكمُ معلقٌ بسببِه، فالشراءُ ودخولُ العشرِ هو سببُ الامتناعِ، ولا يُسَلَّمُ القولُ بأن الناسَ لا يشترونَ الأضحيةَ إلا يومَ العيدِ؛ لأن الناسَ يتسابقونَ في شراءِ الأضحيةِ من قبلِ دخولِ العشرِ حتى لا يفوتَهم النفيسُ من الأضاحي.

سادسًا: طبيعةُ التعقّبِ والتشغيبِ العلميِّ

الذي يظهرُ لي -والعلمُ عندَ اللهِ-:
أن الشيخَ قرأَ خلاصةَ البحثِ الذي كتبتُه في صفحةٍ واحدةٍ وقصدتُ به عامةَ الناسِ ممن ليس له همٌّ في قراءةِ البحثِ، فأظنُّ -واللهُ أعلمُ- أنه لم يقرَأِ البحثَ كاملًا ويطَّلِعْ على الأجوبةِ والإيراداتِ؛ لأن تعقبَه كان على جزئيةٍ صغيرةٍ اعترضتُ فيها على مذهبِ متأخري الحنابلةِ:
«كيف يقولونَ بـوجوبِ أحكامِ الأضحيةِ بـالنيةِ والأضحيةُ نفسُها لا تجبُ بـالنيةِ؟».

وردُّ مثلِ هذا الاعتراضِ لا يكونُ ردًّا للقولِ نفسِه وأدلتِه، ولا انتصارًا لمذهبِ الحنابلةِ؛ لأن من شروطِ الاعتراضِ: (ذكرَ أدلةِ القولِ الذي رجحَه والجوابَ عن الاعتراضاتِ الواردةِ عليه، والجوابَ عن أدلةِ المخالفِ)، وأما التعليقُ على جزئيةٍ صغيرةٍ فهو مجردُ تشغيبٍ!

وهَبْ أن العبادةَ قد تجبُ أحكامُها قبلَ وجوبِها، فما الجوابُ عن روايةِ مسلمٍ:
«إذا دخلَ العشرُ وعندَه أضحيةٌ يريدُ أن يضحيَ فلا يأخذَنَّ شعرًا ولا يقلمَنَّ ظفرًا»؟
والجوابُ عن بقيةِ الرواياتِ التي رُوِيَتْ بنفسِ المعنى؟

وقد نقلَ سعيدٌ أن هذا عملُ الصحابةِ -رضي الله عليهم-.

فلا يسوغُ ترجيحُ روايةِ «إذا دخلتِ العشرُ وأرادَ أحدُكم أن يضحيَ» إلا إذا تعذرَ الجمعُ، وإذا تعذرَ الجمعُ فلا يسوغُ الترجيحُ إلا بمرجحٍ؛ فما هو المسوغُ لطرحِ هذه الروايةِ في مسلمٍ، وهي من الطريقِ نفسِه التي رُوِيَ فيها تعليقُ الحكمِ بالإرادةِ ودخولِ العشرِ، وإذا كان الإنسانُ لا ينشطُ للقيامِ بجمعِ الطرقِ وتحريرِ الرواياتِ فما الداعي للتشغيبِ؟

سابعًا: الشريعةُ ومسألةُ القياسِ (موضعُ كَلَامِ ابنِ القيِّمِ)

وأما قولُه في آخرِ الردِّ:
 «إنه ليس في الشريعةِ شيءٌ خلافَ القياسِ، والتذكيرُ بقولِ ابنِ القيمِ».

والجوابُ:

أن إيرادَ هذا الكلامِ أجنبيٌّ عن محلِّ النزاعِ ولا مناسبةَ له البتةَ.

وبيانُ ذلك:

أن فهمَ متأخري الحنابلةِ للحديثِ لا يلزمُ منه أن يكونَ هو حكمَ اللهِ، بل إن كونَه يخالفُ القياسَ دليلٌ على أنه ليس موافقًا لحكمِ اللهِ، فإذا بيَّنَ باحثٌ أو طالبُ علمٍ أن فهمًا معينًا يخالفُ الأصولَ والقياسَ فلا يُرَدُّ عليه: (بأن الشريعةَ ليس فيها ما يخالفُ القياسَ) إلا لو كان قولُ الحنابلةِ في هذه المسألةِ محلَّ إجماعٍ قطعيٍّ بينَ الأمةِ، والأمرُ ليس كذلك قطعًا بل هو محلُّ خلافٍ عريضٍ وأقوالٍ متعددةٍ، وهو يخالفُ قولَ الجمهورِ.

فإقحامُ هذا الفصلِ النفيسِ هنا هو من بابِ: التكثرِ المُسْتَغْنَى عنه وتفخيمِ الردِّ ليس إلا.

وكثيرًا ما صرحتُ في بحوثي أن يفرقَ طلبةُ العلمِ بينَ النصِّ الشرعيِّ وبينَ فهمِ النصِّ، فالأولُ معصومٌ إذا صحَّ، والثاني عرضةٌ للخطأِ.

واللهُ أعلمُ، وصلى اللهُ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ وعلى آلِه وصحبِه وسلمَ.

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*