📌 المدخلُ إلى المسألةِ:
حكمِ الجمعِ في الحضرِ بسببِ المطرِ والبرَدِ والثلجِ:
وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ، وقال بهِ من المالكيةِ ابنُ القاسمِ، ومن الشافعيةِ المزنيُّ وتقيُّ الدينِ السبكيُّ.
وحكى الإمامُ الترمذيُّ أنَّ العملَ عليهِ عند أهلِ العلمِ، وهو روايةٌ عن الحسنِ البصريِّ.
وبهِ قال الإمامُ الأوزاعيُّ من الشامِ، والليثُ بنُ سعدٍ من مصرَ، واختارَهُ داودُ وأكثرُ أصحابِهِ، وابنُ حزمٍ، ورجَّحَهُ الشوكانيُّ، وقال بهِ المغربيُّ والصنعانيُّ.
ولا يُؤْثَرُ الجمعُ في بلدٍ من بلادِ المسلمينَ زمنَ التابعينَ إلا عن أهلِ المدينةِ[1].
وبهِ قال الإمامُ الشافعيُّ، وهو أحدُ الوجهينِ في مذهبِ الإمامِ أحمدَ، وبهِ قال القاضي أبو يعلى، وأبو الخطابِ وابنُ تيميةَ من الحنابلةِ[2].
صحَّ عن ابنِ عمرَ أنهُ كان إذا جمعَ الأمراءُ بين المغربِ والعشاءِ جمعَ معهم، وكان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وأبانُ بنُ عثمانَ يجمعانِ إِبَّانَ إمارتِهما على المدينةِ في الليلةِ المطيرةِ بين المغربِ والعشاءِ، فيجمعُ بجمعِهما سعيدُ بنُ المسيبِ، وعروةُ بنُ الزبيرِ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، ولا ينكرونَ ذلك[3].
وذكرهم أيضاً ابنُ المنذرِ، وزادَ عليهم: أبا سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، ومروانَ بنَ الحكمِ[4].
وأخذَهُ الإمامُ مالكٌ والإمامُ أحمدُ عن ابنِ عمرَ[5].
فـتَبَيَّنَ من الخلافِ:
• أنَّ الجمعَ لـالمطرِ بين العشاءينِ:
جائزٌ عند الأئمةِ الثلاثةِ، خلافاً لـالحنفيةِ.
• وأنَّ الجمعَ بين الظهرِ والعصرِ:
غيرُ جائزٍ عند الأئمةِ الثلاثةِ، خلافاً لـالشافعيةِ.
وعدَّهُ ابنُ كثيرٍ من مفرداتِ الإمامِ الشافعيِّ[6].
هذا ما وقفتُ عليهِ من أقوالٍ في المسألةِ، وإليكَ أدلةَ كلِّ قولٍ.
روى الإمامُ مسلمٌ من طريقِ أبي معاويةَ ووكيعٍ، كلاهما عن الأعمشِ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: «جمعَ رسولُ اللهِ ﷺ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ بالمدينةِ في غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ».
في حديثِ وكيعٍ قال: قلتُ لـابنِ عباسٍ: لِمَ فعلَ ذلك؟ قال: «كي لا يُحْرِجَ أمتَهُ».
وفي حديثِ أبي معاويةَ: قِيلَ لـابنِ عباسٍ: ما أرادَ إلى ذلك؟ قال: «أرادَ أن لا يُحْرِجَ أمتَهُ»[7].
ورواهُ مسلمٌ من طريقِ حمادٍ، عن الزبيرِ بنِ الْخِرِّيتِ، عن عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، قال: «خطبنا ابنُ عباسٍ يوماً بعدَ العصرِ حتى غربتِ الشمسُ، وبدتِ النجومُ. وجعلَ الناسُ يقولونَ: الصلاةَ. الصلاةَ. قال فجاءَهُ رجلٌ من بني تميمٍ، لا يَفْتُرُ، ولا ينثني: الصلاةَ. الصلاةَ. فقال ابنُ عباسٍ: أتعلمني بالسنةِ؟ لا أمَّ لكَ! ثم قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ جمعَ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ».
قال عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ:
«فحاكَ في صدري من ذلك شيءٌ. فأتيتُ أبا هريرةَ، فسألتُهُ، فصدَّقَ مقالتَهُ»[8].
قولُ ابنِ عباسٍ: «من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ» يدلُّ بـمفهومِهِ على جوازِ الجمعِ للخوفِ والمطرِ، فلولا أنَّ الخوفَ والمطرَ من أسبابِ الجمعِ ما صحَّ نفيُهما.
إنْ لم يثبتِ الجمعُ لـالمطرِ، فـابنُ عباسٍ جعلَ جمعَ النبيِّ ﷺ في المدينةِ معلَّلاً بـعلةٍ، (كي لا يُحْرِجَ أمتَهُ)، وتعليلُ الحكمِ يُسْتَفَادُ منهُ ثلاثةُ فوائدَ:
أحدُها: أنَّ الجمعَ معقولُ المعنى.
الفائدةُ الثانيةُ: أنَّ تعليلَ الحكمِ بنفيِ الحرجِ يُسْتَفَادُ منهُ تعديتُهُ إلى غيرِهِ متى ما وُجِدَتِ العلةُ في الفرعِ.
الفائدةُ الثالثةُ: أنَّ أسبابَ الجمعِ ليست معدودةً، بل محدودةٌ، فكلُّ حرجٍ يلحقُ المصلي إذا تركَ معهُ الجمعَ فإنهُ يُبَاحُ لهُ الجمعُ نفياً للحرجِ.
ومقتضى هذه الفوائدِ الثلاثِ:
جوازُ الجمعِ لـالمطرِ؛ لأنَّ الحرجَ اللاحقَ للناسِ بالخروجِ مع المطرِ إذا بلَّلَ الثيابَ في البردِ أشدُّ من الحرجِ اللاحقِ لهم من قطعِ الخطبةِ والعودةِ إليها بعدَ الصلاةِ، فإذا جازَ الجمعُ لمصلحةِ إكمالِ الخطبةِ، لأنَّ المتكلمَ قد يصيبُهُ حرجٌ في ربطِ كلامِهِ السابقِ بكلامِهِ اللاحقِ، فـالمطرُ أذىً بـنصِّ القرآنِ، وقد جُعِلَ قسيماً للمرضِ.
قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: 102].
دلالةُ حديثِ ابنِ عباسٍ على جوازِ الجمعِ لـالمطرِ من بابِ أَوْلَى.
فحديثُ ابنِ عباسٍ صريحٌ أنَّ الجمعَ كان في الحضرِ، والحديثُ في الصحيحينِ. والجدلُ إنما هو في سببِ الجمعِ.
فمنهم:
من حَمَلَ حديثَ ابنِ عباسٍ على جوازِ الجمعِ بلا سببٍ. وهؤلاءِ اختلفوا في الموقفِ من حديثِ ابنِ عباسٍ.
فمنهم:
من تركَ العملَ بهِ، وإن كان صحيحاً؛ لمعارضٍ أقوى منهُ.
قال ابنُ رجبٍ:
«عارضَهُ الإمامُ أحمدُ بأحاديثِ المواقيتِ»[9].
ومنهم:
من جوَّزَ الجمعَ بلا سببٍ، بـشرطِ ألا يُتَّخَذَ عادةً، وهؤلاءِ نفرٌ قليلٌ خلافُ ما عليهِ الأئمةُ الأربعةُ، وسيأتي بحثُ الجمعِ بلا سببٍ.
ومنهم من قال:
سببُ الجمعِ حرجٌ ما دفعهم لـالجمعِ، إلا أنَّ ابنَ عباسٍ لم يُسَمِّ الحرجَ الذي وقعَ للنبيِّ ﷺ وأصحابِهِ حتى جمعوا في الحضرِ.
وفي الحالينِ:
إن كان الجمعُ بلا سببٍ: فـالجمعُ لـالمطرِ جائزٌ من بابِ أَوْلَى.
وإن كان الجمعُ بسببِ حرجٍ (ما): فالمشقةُ التي تلحقُ المصلي بسببِ المطرِ يدلُّ على جوازِ الجمعِ.
يقولُ ابنُ تيميةَ:
«وبهذا استدلَّ أحمدُ على الجمعِ لهذهِ الأمورِ بطريقِ الأولى، فإنَّ هذا الكلامَ يدلُّ على أنَّ الجمعَ لهذه الأمورِ أَوْلَى، وهذا من بابِ التنبيهِ بالفعلِ، فإنهُ إذا جمعَ ليدفعَ الحرجَ الحاصلَ بدونِ الخوفِ والمطرِ والسفرِ، فالحرجُ الحاصلُ بهذهِ أَوْلَى من الجمعِ لغيرِها»[10].
ويقولُ أيضاً:
«فقولُ ابنِ عباسٍ جمعَ من غيرِ كذا ولا كذا، ليس نفياً منهُ لـالجمعِ بتلك الأسبابِ، بل إثباتٌ منهُ أنهُ جمعَ بدونِها، وإن كان قد جمعَ بها أيضاً، ولو لم يُنْقَلْ أنهُ جمعَ بها فجمعُهُ بما هو دونها دليلٌ على الجمعِ بها بطريقِ الأولى، فيدلُّ ذلك على الجمعِ للخوفِ والمطرِ»[11].
وسوف أناقشُ حديثَ ابنِ عباسٍ ودلالتَهُ على استحبابِ الجمعِ في المطرِ من خمسةِ وجوهٍ:
الأولُ: موقفُ العلماءِ من حديثِ ابنِ عباسٍ.
الثاني: المحفوظُ من لفظِ حديثِ ابنِ عباسٍ، أقال: «من غيرِ خوفٍ، ولا مطرٍ» أم قال: «من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ»؟
الثالثُ: دلالةُ حديثِ ابنِ عباسٍ على جوازِ الجمعِ لـالمطرِ بالأولويةِ.
الرابعُ: دلالةُ التعليلِ من فهمِ ابنِ عباسٍ بقولِهِ: «أرادَ ألا يحرجَ أمتَهُ» على التوسعِ في أسبابِ الجمعِ.
الخامسُ: تعاملُ الأئمةِ الأربعةِ في أسبابِ الجمعِ، أهي معدودةٌ بأسبابٍ معينةٍ؟ أم غيرُ معدودةٍ بل محدودةٌ بوصفٍ، فتكونُ غيرَ محصورةٍ، بل الضابطُ وجودُ المشقةِ؛ لأيِّ سببٍ ما، فمتى كان في تركِ الجمعِ مشقةٌ ظاهرةٌ عامةٌ أو خاصةٌ جازَ الجمعُ؟.
أسألُ اللهَ وحدَهُ العونَ والتوفيقَ.
حديثُ ابنِ عباسٍ أخرجَهُ الشيخانِ البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحيهما، واختلفَ العلماءُ في الموقفِ منهُ بين تاركٍ للحديثِ، ومُؤَوِّلٍ لهُ، وبين آخذٍ بظاهرِهِ من الجمعِ بلا عذرٍ، وإليكَ أهمَّ هذهِ المواقفِ.
لم يأخذْ بحديثِ ابنِ عباسٍ كثيرٌ من العلماءِ.
قال الخطابيُّ:
«هذا حديثٌ لا يقولُ بهِ أكثرُ الفقهاءِ، وإسنادُهُ جيدٌ إلا ما تكلموا فيهِ من أمرِ حبيبٍ»[12].
وقال الترمذيُّ:
إنَّ العلماءَ قد تركوا العملَ بهِ.
قال أبو عيسى:
«جميعُ ما في هذا الكتابِ من الحديثِ فهو معمولٌ بهِ، وقد أخذَ بهِ بعضُ أهلِ العلمِ، ما خلا حديثينِ: حديثَ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ بين الظهرِ والعصرِ بالمدينةِ، والمغربِ والعشاءِ، من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ ولا مطرٍ. وحديثَ النبيِّ ﷺ أنهُ قال: «إذا شربَ الخمرَ فاجلدوهُ فإن عادَ في الرابعةِ فاقتلوهُ»»[13].
وإطلاقُ الترمذيِّ على تركِ العملِ بهذا الحديثِ محمولٌ على السوادِ الأعظمِ من أهلِ العلمِ، وكثيرٌ من إجماعاتِ ابنِ المنذرِ وابنِ عبدِ البرِّ من هذا القبيلِ.
وتاركُ العملِ بالحديثِ فريقانِ:
من العلماءِ من عارضَ حديثَ ابنِ عباسٍ بما هو أقوى منهُ، وهذا ظاهرُ عملِ الإمامِ أحمدَ والإمامِ مالكٍ.
جاءَ في مسائلِ أحمدَ روايةِ أبي الفضلِ:
«قال صالحٌ: قلتُ: حديثُ النبيِّ ﷺ: أنهُ جمعَ بين الظهرِ والعصرِ في غيرِ سفرٍ ولا خوفٍ؟ قال: يُرْوَى عن النبيِّ ﷺ. قلتُ: قولُهُ: صليتُ مع النبيِّ ﷺ سبعاً جميعاً، وثمانياً جميعاً، بالمدينةِ من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ؟. قال: قد جاءتِ الأحاديثُ بتحديدِ المواقيتِ للظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ، فأما المريضُ فأرجو»[14].
فهذا النصُّ من الإمامِ أحمدَ صريحٌ بتقديمِ أحاديثِ المواقيتِ، وعدمِ تخصيصِها بحديثِ ابنِ عباسٍ، وهو صريحٌ في تركِ العملِ بحديثِ ابنِ عباسٍ.
وسبقَ لنا قولُ ابنِ رجبٍ:
«عارضَهُ الإمامُ أحمدُ بأحاديثِ المواقيتِ»[15].
ولأنَّ الإمامَ أحمدَ والإمامَ مالكاً لا يريانِ الجمعَ بين الظهرينِ في المطرِ.
«قال: الأثرمُ: قِيلَ لـأبي عبدِ اللهِ: الجمعُ بين الظهرِ والعصرِ في المطرِ؟ قال: لا، ما سمعتُ»[16].
فلو كان يأخذُ بحديثِ ابنِ عباسٍ لقال بـالجمعِ بين الظهرينِ؛ لأنهُ سمعَ بهِ؟
وقولُ الإمامِ أحمدَ والإمامِ مالكٍ في الجمعِ في العشاءينِ لم يكن حجتُهما في ذلك حديثَ ابنِ عباسٍ؛ لأنهُ لا يجوزُ الأخذُ ببعضِ الحديثِ وتركُ بعضِهِ، وإنما حجتُهما ما روى نافعٌ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- كان إذا جمعَ الأمراءُ بين المغربِ والعشاءِ في المطرِ جمعَ معهم[17].
وسوف نتعرضُ لهذا الدليلِ بعدَ الفراغِ من حديثِ ابنِ عباسٍ إن شاءَ اللهُ تعالى.
والسؤالُ:
لماذا قدمَ الإمامُ أحمدُ أثراً موقوفاً على ابنِ عمرَ على سنةٍ مرفوعةٍ نقلها ابنُ عباسٍ؟.
والسؤالُ المشروعُ:
لماذا قدمَ الإمامُ أحاديثَ المواقيتِ على حديثِ ابنِ عباسٍ، وكان يمكنُ تخصيصُها بحديثِ ابنِ عباسٍ؟
وروى مالكٌ حديثَ ابنِ عباسٍ في الجمعِ، بلفظِ: «من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ»
قال مالكٌ: أرى ذلك كان في مطرٍ.
ومع تأولِهِ بـالمطرِ لم يأخذْ بمقتضاهُ، فلم يَرَ الجمعَ بين الظهرينِ، ولا جمعَ التأخيرِ لـالمطرِ، وفعلَ ابنِ عباسٍ في جمعِ التأخيرِ، وعارضَهُ بعملِ أهلِ المدينةِ، فـابنُ عمرَ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وعروةُ بنُ الزبيرِ، وأبو بكرِ بنُ الحارثِ وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ كان إذا جمعَ الأمراءُ في الليلةِ المطيرةِ جمعوا معهم بلا نكيرٍ[18].
وسوف يأتي تخريجُ هذه الآثارِ عن هؤلاءِ من التابعينَ إن شاءَ اللهُ تعالى.
وأَذِنَ أحمدُ للمريضِ أن يجمعَ، وحجتُهُ ليس حديثَ ابنِ عباسٍ.
لأنَّ الجمعَ الذي نقلَهُ ابنِ عباسٍ في المدينةِ لم يكن سببُهُ المرضَ قطعاً؛ وإلا لكانتِ الرخصةُ تخصُّ المرضى منهم، ولا تعمُّ.
وقال أحمدُ كما في مسائلِهِ روايةِ أبي الفضلِ:
«المريضُ يجمعُ بين الصلاتينِ، كان عطاءٌ يُرَخِّصُ لهُ أن يجمعَ»[19].
فلو كان الإمامُ أحمدُ يأخذُ بمقتضى حديثِ ابنِ عباسٍ هل يحتجُّ بقولِ عطاءٍ، وهو تابعيٌّ، ولا يحتجُّ بسنةٍ مرفوعةٍ عن النبيِّ ﷺ؟
فـيُؤْخَذُ من هذا:
أنَّ حجةَ أحمدَ في الجمعِ للمريضِ وما في معناهُ، كالمستحاضةِ، والعاجزِ عن الطهارةِ لكلِّ صلاةٍ لم يكن اعتماداً على حديثِ ابنِ عباسٍ، وإلا لَمَا منعَ من الجمعِ بين الظهرينِ، ولما احتجَّ للمريضِ بقولِ عطاءٍ.
وقَسَّمَ المالكيةُ المريضَ إلى قسمينِ:
• قسمٍ يُخْشَى معهُ أن يُغْلَبَ على عقلِهِ، فَيُخْشَى من المرضِ تضييعُ الصلاةِ، فهذا لهُ أن يجمعَ بين الصلاتينِ جمعاً حقيقياً، وهذا من بابِ الضروراتِ.
• وآخرَ يشقُّ عليهِ الوضوءُ لكلِّ صلاةٍ، ويخشى زيادةَ الألمِ، فأباحوا لهُ الجمعَ الصوريَّ.
قال الباجيُّ:
«وأما المريضُ فإنهُ على ضربينِ: أحدهما: أن يخافَ أن يُغْلَبَ على عقلِهِ إن أَخَّرَ العصرَ إلى وقتِها المختارِ، أو يخافَ مانعاً من فعلِها، أو حمىً في وقتِها. والثاني: أن يأمنَ ذلك، ولكنهُ يشقُّ عليهِ تجديدُ الطهارةِ والقيامُ مرتينِ، ويخافُ من ذلك زيادةَ ألمٍ. فأما الأولُ: فقد روى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ في «المدونةِ»، فيمن خافَ أن يُغْلَبَ على عقلِهِ، أنَّ لهُ أن يجمعَ بين الظهرِ والعصرِ عند زوالِ الشمسِ، والمغربِ والعشاءِ إذا غربتْ، ونحوَهُ في «العتبيةِ» فيمن خافَ نافضاً عرفَ وقتَهُ ….. وجهُ ما قالَهُ مالكٌ: أنَّ هذا احتياطٌ للصلاةِ؛ لأنَّ تأخيرَها ربما أدى إلى تضييعِها، وإذا جازَ أن يقدمَ العصرَ مع الظهرِ إذا جَدَّ بهِ السيرُ فبأن يجوزَ ذلك إذا خافَ على عقلِهِ أَوْلَى …. وأما من يشقُّ عليهِ تجديدُ الوضوءِ والتحركُ للصلاةِ وقتاً بعدَ وقتٍ، فقد روى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ: أنهُ يجمعُ بين الظهرِ والعصرِ في آخرِ وقتِ الظهرِ، وأولِ وقتِ العصرِ»[20].
فواضحٌ أنَّ المرجعَ في الجمعِ للمريضِ عند الإمامِ مالكٍ ليس حديثَ ابنِ عباسٍ، فـابنُ عباسٍ جمعَ لمجردِ إكمالِ الخطبةِ.
والشافعيُّ وهو أوسعُ المذاهبِ في الجمعِ لـالمطرِ، لم يلتزمْ بدلالةِ حديثِ ابنِ عباسٍ لدليلينِ:
الدليلُ الأولُ: أنَّ الشافعيَّ اقتصرَ على عذرِ المطرِ في جمعِ الحضرِ، فلا يرى الجمعَ للمرضِ والوحلِ، ولو كان الشافعيُّ يأخذُ بتعليلِ ابنِ عباسٍ لكان المرضُ والوحلُ أَوْلَى بـالجمعِ من إكمالِ الخطبةِ.
الدليلُ الثاني: أنَّ الشافعيَّ لا يقولُ بجمعِ التأخيرِ في الجديدِ، مع أنَّ جمعَ ابنِ عباسٍ كان من جمعِ التأخيرِ، فعارضَ حديثَ ابنِ عباسٍ بأنَّ استدامةَ المطرِ شرطٌ، ولا تدخلُ تحت التكليفِ، فربما توقفَ قبلَ دخولِ وقتِ الثانيةِ، وهذه من معارضةِ الحديثِ بالاجتهادِ.
فـتَبَيَّنَ:
أنَّ الأئمةَ الأربعةَ يدخلونَ في عمومِ قولِ الترمذيِّ: إنَّ العلماءَ قد تركوا العملَ بحديثِ ابنِ عباسٍ، ولم يلتزمِ الشافعيُّ دلالةَ كلِّ ما يقتضيهِ.
من العلماءِ من فَهِمَ من قولِ الترمذيِّ تركوا العملَ بهِ أنَّ الحديثَ منسوخٌ.
قال ابنُ رجبٍ:
«وقد اختلفتْ مسالكُ العلماءِ في حديثِ ابنِ عباسٍ هذا، في الجمعِ من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ، ولهم فيهِ مسالكُ متعددةٌ: المسلكُ الأولُ: أنهُ منسوخٌ بـالإجماعِ على خلافِهِ، وقد حكى الترمذيُّ في آخرِ كتابِهِ: أنهُ لم يقلْ بهِ أحدٌ من العلماءِ. وهؤلاءِ لا يقولونَ: إنَّ الإجماعَ ينسخُ، كما يُحْكَى عن بعضِهم، وإنما يقولونَ: هو يدلُّ على وجودِ نصٍ ناسخٍ»[21].
وقال الترمذيُّ:
«وقد بينا علةَ الحديثينِ جميعاً في هذا الكتابِ».
فعقبَ الحافظُ ابنُ رجبٍ على هذه العبارةِ في شرحِهِ، بقولِهِ:
«فإنما بَيَّنَ ما قد يُسْتَدَلُّ بهِ لـالنسخِ، لا أنهُ بَيَّنَ ضعفَ إسنادِهما»[22].
ووافقَ النوويُّ الترمذيَّ على تركِ حديثِ قتلِ شاربِ الخمرِ، وقال: هو حديثٌ منسوخٌ دلَّ الإجماعُ على نسخِهِ، وأما حديثُ ابنِ عباسٍ فلم يجمعوا على تركِ العملِ بهِ، بل لهم أقوالٌ … ثم ذكرَها[23].
ولا يلزمُ من تركِ العملِ بالحديثِ ضعفُهُ، ولا نسخُهُ.
فلا تكفي صحةُ الحديثِ لوجوبِ العملِ بهِ حتى يكونَ سالماً من معارضةِ ما هو أقوى منهُ.
وهذا ما عملَهُ الأئمةُ الأربعةُ مع حديثِ ابنِ عباسٍ؛ فمنهم: من تركَ كلَّ الحديثِ كالإمامِ أبي حنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ.
ومنهم: من لم يلتزمْ دلالةَ بعضِ ما يقتضيهِ الحديثُ كالإمامِ الشافعيِّ، فلم يأخذْ بهِ في الحضرِ إلا بعذرِ المطرِ، وفي جمعِ التقديمِ خاصةً.
ذهبَ جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ ظاهرَ حديثِ ابنِ عباسٍ يدلُّ على جوازِ الجمعِ بلا سببٍ، منهم ابنُ سيرينَ، وربيعةُ الرأيِ، وأشهبُ وابنُ المنذرِ، وأبو إسحاقَ المروزيُّ، ولنأخذْ هؤلاءِ واحداً واحداً للنظرِ في صحةِ نسبةِ هذا القولِ إليهم.
أقدمُ من نُسِبَ لهُ هذا القولُ هو الإمامُ ابنُ سيرينَ، بـشرطِ ألا يُتَّخَذَ عادةً وهو من الطبقةِ الوسطى من التابعينَ[24].
والقولُ بأنَّ ابنَ سيرينَ يرى جوازَ الجمعِ بلا سببٍ فيهِ نظرٌ؛ لثلاثةِ أمورٍ:
الأمرُ الأولُ:
أنَّ هذا القولَ لم يثبتْ مسنداً عن ابنِ سيرينَ، والمتوفى (سنة: 110هـ).
ولم يذكرْهُ عنهُ أصحابُ المصنفاتِ كعبدِ الرزاقِ، وابنِ أبي شيبةَ، ولا الكتبِ التي تعنى بذكرِ الآثارِ مسندةً كـالطحاويِّ، والبيهقيِّ، وابنِ جريرٍ الطبريِّ.
وإنما أولُ من نسبَهُ لـابنِ سيرينَ بلا إسنادٍ ابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (والمتوفى سنة: 319)، وبين وفاتيهما أكثرُ من مائتي سنةٍ بحسبِ ما اطلعتُ عليهِ.
ومن بعدِ ابنِ المنذرِ نسبَهُ ابنُ بطالٍ في «شرحِ البخاريِّ» (والمتوفى سنة 449 هـ)، ثم ابنُ عبدِ البرِّ (المتوفى: سنة 463 هـ)، وبين وفاتيهما ووفاةِ ابنِ سيرينَ قريبٌ من (350 هـ) سنةٍ، ثم تتابعَ بعدَ ذلك النقلةُ عنهم، ونحن أمةُ إسنادٍ، فما لم نقفْ على سندِهِ لـابنِ سيرينَ يبقى القولُ عنهُ معلقاً، وقابلاً للطعنِ في صحةِ نسبتِهِ لـابنِ سيرينَ.
الأمرُ الثاني:
أنَّ القولَ المسندَ عن ابنِ سيرينَ بسندٍ صحيحٍ يخالفُ ما نسبَهُ لهُ ابنُ المنذرِ بلا إسنادٍ.
فقد روى ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، ومحمدٍ، قالا:
«ما نعلمُ من السنةِ الجمعَ بين الصلاتينِ في حضرٍ ولا سفرٍ، إلا بين الظهرِ والعصرِ بعرفةَ، وبين المغربِ والعشاءِ بجمعٍ».
[صحيحٌ، وهشامُ بنُ حسانَ من أثبتِ الناسِ في ابنِ سيرينَ] [25].
الأمرُ الثالثُ:
أنَّ القولَ المنسوبَ لـابنِ سيرينَ ليس جوازَ الجمعِ بلا سببٍ، وإنما جوازُ الجمعِ، ولو لم يكن خوفٌ أو مطرٌ، أو مرضٌ إذا دعتْ حاجةٌ، فلما كان الجمعُ للحاجةِ لا يراهُ أكثرُ الفقهاءِ عذراً لـالجمعِ عُدَّ ذلك من الجمعِ بلا سببٍ، هذا هو التفسيرُ المعقولُ لاختلافِ النقلِ.
جاءَ في «الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ:
«قال ابنِ سيرينَ: وروينا عن ابنِ سيرينَ أنهُ كان لا يرى بأساً أن يجمعَ بين الصلاتينِ إذا كانت حاجةٌ أو شيءٌ ما لم يتخذْهُ عادةً»[26].
قال ابنُ عبدِ البرِّ:
«كان ابنُ سيرينَ لا يرى بأساً أن يجمعَ بين الصلاتينِ إذا كانت حاجةٌ أو عذرٌ ما لم يتخذْهُ عادةً»[27].
وقال النوويُّ:
«وذهبَ جماعةٌ من الأئمةِ إلى جوازِ الجمعِ في الحضرِ للحاجةِ لمن لا يتخذُهُ عادةً وهو قولُ ابنِ سيرينَ …»[28].
وهذا القولُ ثابتٌ عنهُ مسنداً، وسيأتي النقلُ عن ذلك عند عرضِ قولِ جابرِ بنِ زيدٍ أبي الشعثاءِ.
فـتَبَيَّنَ:
أنَّ نسبةَ القولِ بجوازِ الجمعِ بلا سببٍ لـابنِ سيرينَ مخالفٌ لما هو ثابتٌ عنهُ بسندٍ صحيحٍ أنهُ لا يرى الجمعَ إلا في عرفةَ ومزدلفةَ.
كما نُسِبَ القولُ بـجوازِ الجمعِ بلا حاجةٍ لـجابرِ بنِ زيدٍ.
فقد روى ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا أزهرُ، عن ابنِ عونٍ قال: «ذُكِرَ لـمحمدِ بنِ سيرينَ أنَّ جابرَ بنَ زيدٍ يجمعُ بين الصلاتينِ، فقال: لا أرى أن يجمعَ بين الصلاتينِ إلا من أمرٍ»[29].
[سندُهُ صحيحٌ].
فقولُهُ:«إلا من أمرٍ» يعني: إلا من أمرٍ حملَهُ على الجمعِ. وكونُ ابنِ سيرينَ أطلقَ الأمرَ، ولم يحددْهُ، فـيُحْمَلُ على حاجةٍ دعتْهُ إلى الجمعِ.
فواضحٌ أنَّ ابنِ سيرينَ أنكرَ على جابرِ بنِ زيدٍ جمعَهُ بلا سببٍ، وهو يُضَعِّفُ ما نُسِبَ لـابنِ سيرينَ من جوازِ الجمعِ بلا سببٍ.
كما نُسِبَ القولُ بعدَهُ لـربيعةَ الرأيِ وهو من صغارِ التابعينَ، ممن رأى الواحدَ والاثنينِ من الصحابةِ، ولم يحصلْ لهُ سماعٌ منهم[30].
جاءَ في «شرحِ البخاريِّ» لـابنِ بطالٍ:
«قال ابنُ سيرينَ: لا بأسَ بـالجمعِ بين الصلاتينِ في الحضرِ إذا كانت حاجةٌ أو شيءٌ، ما لم يتخذْهُ عادةً. وأجازَ ذلك ربيعةُ بنُ أبي عبدِ الرحمنِ»[31].
أولُ من وقفتُ عليهِ نسبَ هذا القولَ:
ابنِ بطالٍ المتوفى سنةَ (449هـ) نسبَهُ لـربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمنِ، والمتوفى سنةَ: (136هـ)، وبين وفاتيهما أكثرُ من ثلاثمائةِ سنةٍ، ولم نقفْ عليهِ مسنداً عنهُ، فهو قولٌ معلقٌ، والمعلقُ ضعيفٌ.
كما نُسِبَ القولُ بهِ لـأشهبَ من المالكيةِ وهو من كبارِ الآخذينَ عن تبعِ الأتباعِ ممن لم يلقَ التابعينَ.
قال ابنُ رشدٍ في «المقدماتِ»:
«واختلفوا -يعني: مالكاً وأصحابَهُ- في إباحةِ الجمعِ بينهما لغيرِ عذرٍ، فالمشهورُ أنَّ ذلك لا يجوزُ. وقال أشهبُ: ذلك جائزٌ على ظاهرِ حديثِ ابنِ عباسٍ وغيرِهِ»[32].
وقال خليلٌ في «التوضيحِ»:
«حكى الباجيُّ وصاحبُ «المقدماتِ» عن أشهبَ إجازةَ الجمعِ لغيرِ سببٍ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: «جمعَ رسولُ اللهِ ﷺ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ في غيرِ خوفٍ، ولا سفرٍ، ولا مطرٍ» …. والمذهبُ عدمُ جوازِ الجمعِ لغيرِ سببٍ خلافاً لـأشهبَ»[33].
والجمعُ الذي يقولُ بهِ أشهبُ ليس من قبيلِ جمعِ الصلاتينِ في وقتِ إحداهما، فهو أشبهُ بالجمعِ الصوريِّ[34].
فـتَبَيَّنَ:
أنَّ نسبةَ هذا القولِ لـأشهبَ لا تصحُّ أيضاً.
ومن بعدهم قال بجوازِ الجمعِ بلا سببٍ ابنُ المنذرِ، وهذا تستطيعُ أن تجزمَ بنسبةِ القولِ إليهِ، ولكنهُ بناهُ على صحةِ نسبةِ القولِ بهِ لمن سبقَهُ، قد صَرَّحَ بمذهبِهِ في كتابِهِ «الأوسطِ»، لكنَّ ابنَ المنذرِ متأخرٌ؛ لأنهُ متوفى في القرنِ الرابعِ سنةَ: 319 هـ[35].
جاءَ في «الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ:
«قالت طائفةٌ: الجمعُ بين الصلاتينِ في الحضرِ مباحٌ، وإن لم تكن علةٌ، قال: لأنَّ الأخبارَ قد ثبتت عن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ جمعَ بين الصلاتينِ بالمدينةِ، ولم يثبتْ عن النبيِّ ﷺ أنهُ جمعَ بينهما في المطرِ، ولو كان ذلك في حالِ المطرِ لَأُدِّيَ إلينا ذلك كما أُدِّيَ إلينا جمعُهُ بين الصلاتينِ، بل قد ثبتَ عن ابنِ عباسٍ الراوي بحديثِ الجمعِ بين الصلاتينِ في الحضرِ لما سُئِلَ، لِمَ فعلَ ذلك؟ قال: «أرادَ أن لا يحرجَ أحداً من أمتِهِ»»[36].
ونُسِبَ القولُ بـالجوازِ لـأبي إسحاقَ المروزيِّ، والمتوفى سنةَ: 340هـ
قال الإمامُ الخطابيُّ:
سمعتُ أبا بكرٍ القفالَ (ت: 365)، يحكيهِ عن أبي إسحاقَ المروزيِّ[37].
وقولُ أبي إسحاقَ المروزيِّ كقولِ ابنِ سيرينَ إنما هو في جوازِ الجمعِ في الحضرِ بلا خوفٍ ولا مطرٍ ولا مرضٍ، إذا كان هناك حاجةٌ.
قال النوويُّ:
«وقد حكى الخطابيُّ عن القفالِ الكبيرِ الشاشيِّ، عن أبي إسحاقَ المروزيِّ جوازَ الجمعِ في الحضرِ للحاجةِ من غيرِ اشتراطِ الخوفِ، والمطرِ، والمرضِ»[38].
وهناك فرقٌ بين القولِ بـالجمعِ بلا سببٍ، والقولِ بـالجمعِ للحاجةِ، ولو لم يكن هناك خوفٌ أو مطرٌ أو مرضٌ.
أنهُ لا يصحُّ القولُ بـجوازِ الجمعِ بلا سببٍ إلا عن ثلاثةٍ: جابرِ بنِ زيدٍ، وأبي إسحاقَ المروزيِّ، وابنِ المنذرِ.
ولم يصحَّ القولُ بهِ عن أشهبَ بنِ عبدِ العزيزِ.
وقال البغويُّ:
«الحديثُ -يعني: حديثَ ابنِ عباسٍ– يدلُّ على جوازِ الجمعِ بلا عذرٍ؛ لأنهُ جعلَ العلةَ ألا تحرجَ أمتُهُ. وقد قال بهِ قليلٌ من أهلِ الحديثِ»[39].
وقال الحافظُ ابنُ رجبٍ:
«وحُكِيَ -يعني الجمعَ بلا عذرٍ- عن أهلِ الحجازِ جملةً. وعدَّهُ الأوزاعيُّ مما يُجْتَنَبُ من أقوالِهم، فروى الحاكمُ، عن الأصمِّ، أخبرنا العباسُ بنُ الوليدِ البيروتيُّ، حدثنا أبو عبدِ اللهِ بنُ بحرٍ، قال: سمعتُ الأوزاعيَّ يقولُ: يُجْتَنَبُ من قولِ أهلِ العراقِ: ….. وذكرَ أشياءَ، ومن قولِ أهلِ الحجازِ: استماعُ الملاهي، والجمعُ بين الصلاتينِ من غيرِ عذرٍ، والمتعةُ بالنساءِ، والدرهمُ بالدرهمينِ، والدينارُ بالدينارينِ، وإتيانُ النساءِ في أدبارِهنَّ»[40].
وإطلاقُ أنَّ مذهبَ أهلِ الحجازِ يَرَوْنَ الجمعَ بين الصلاتينِ بلا عذرٍ، لا أدري ماذا قصدَ بهِ الأوزاعيُّ؟
فأهلُ مكةَ لم يُنْقَلْ عنهم الجمعُ في المطرِ، وقد نُقِلَ عن عطاءٍ الجمعُ للسفرِ والمرضِ ولم يُنْقَلْ عنهُ قطُّ الجمعُ لـالمطرِ.
وهذا الإمامُ مالكٌ من أهلِ الحجازِ، وهو لا يرى الجمعَ في الحضرِ إلا في المطرِ، والمرضِ.
ثم بدا لي أنَّ مقصودَ الأوزاعيِّ بأهلِ الحجازِ أهلُ المدينةِ، فهم يَرَوْنَ الجمعَ للعشاءينِ في المطرِ، والمطرُ عند الأوزاعيِّ ليس من أسبابِ الجمعِ، فنسبَ لهم القولَ بـالجمعِ بلا عذرٍ شرعيٍّ.
قال الوليدُ بنُ مسلمٍ:
«سألتُ الأوزاعيَّ عمن جمعَ بين الصلاتينِ: المغربِ والعشاءِ في الليلةِ المطيرةِ.
فقال: أهلُ المدينةِ يجمعونَ بينهما، ولم يزلْ من قبلنا يصلونَ كلَّ صلاةٍ في وقتِها.
قال: وسألتُ الليثَ بنَ سعدٍ وسعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ، فقالا: مثلَ ذلك»[41].
وإذا خرجَ من هذا القولِ ابنُ سيرينَ وأبو إسحاقَ المروزيُّ لأنهما لا يقولونَ بـالجمعِ بلا سببٍ، وخرجَ منهُ أشهبُ؛ لأنهُ قصدَ الصلاةَ في الوقتِ المشتركِ بين الصلاتينِ، وخرجَ ربيعةُ؛ لأنَّ القولَ عنهُ معلقٌ، ومن حكاهُ عنهُ ليس معاصراً لهُ حتى يُظَنَّ سماعُهُ منهُ، وبينهما أكثرُ من ثلاثمائةِ سنةٍ.
فما بقيَ من هؤلاءِ من يصدقُ عليهم أنَّ خلافَهم خرقَ الإجماعِ الذي حكاهُ الترمذيُّ:
إلا جابرُ بنُ زيدٍ وأبا إسحاقَ المروزيَّ، وابنَ المنذرِ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ:
«وأما في الحضرِ، فـأجمعَ العلماءُ على أنهُ لا يجوزُ الجمعُ بين الصلاتينِ في الحضرِ لغيرِ عذرٍ على حالٍ البتةَ، إلا طائفةً شذتْ»[42].
فلم يَعُدَّ ابنُ عبدِ البرِّ خلافَهم خارقاً لـالإجماعِ، وهذا الذي يظهرُ من صنيعِ الترمذيِّ، فلا حاجةَ للاستدراكِ على الترمذيِّ.
ذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى تأويلِ حديثِ ابنِ عباسٍ على الجمعِ الصوريِّ.
وممن حَمَلَ الحديثَ على ذلك:
راوي الحديثِ عن ابنِ عباسٍ جابرُ بنُ زيدٍ أبو الشعثاءِ، وتلميذُهُ عمروُ بنُ دينارٍ.
روى البخاريُّ ومسلمٌ، من طريقِ سفيانَ، عن عمروٍ، قال: سمعتُ أبا الشعثاءِ جابراً قال: «سمعتُ ابنَ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهما- قال: صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً. قلتُ: يا أبا الشعثاءِ، أظنُّهُ أَخَّرَ الظهرَ وعجَّلَ العصرَ، وعجَّلَ العشاءَ وأَخَّرَ المغربَ؟ قال: وأنا أظنُّهُ»[43].
وسفيانُ بنُ عيينةَ أثبتُ أصحابِ عمروِ بنِ دينارٍ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ:
«ومن روى حديثاً كان أعلمَ بمخرجِهِ»[44].
وعلى هذا مذهبُ الحنفيةِ يَرَوْنَ أنَّ كلَّ جمعٍ وردَ في النصوصِ عدا جمعِ عرفةَ ومزدلفةَ فهو محمولٌ على الجمعِ الصوريِّ: تأخيرِ إحدى الصلاتينِ لآخرِ وقتِها، وتقديمِ الأخرى[45].
ومال إليهِ البخاريُّ في تراجمِهِ، فترجمَ لحديثِ ابنِ عباسٍ في صحيحِهِ، فقال: «بابُ تأخيرِ الظهرِ إلى العصرِ»[46].
واختارَهُ بعضُ المالكيةِ، فقد ذكرَ محمدُ بنُ الموازِ في كتابِهِ عن عبدِ الملكِ بنِ الماجشونِ أنهُ حملَ حديثِ ابنِ عباسٍ على الجمعِ الصوريِّ[47].
وصححَهُ أبو العباسِ القرطبيُّ في «المفهمِ»[48].
ونصَّ مالكٌ في «المدونةِ» على استحبابِ الجمعِ الصوريِّ في السفرِ[49].
ورجَّحَهُ من الشافعيةِ إمامُ الحرمينِ[50].
وقال النوويُّ في «المجموعِ»:
«وأما الجوابُ عن الجمعِ بالمدينةِ فمن وجهينِ: أحدهما: أنهُ محمولٌ على أنهُ أَخَّرَ الظهرَ إلى آخرِ وقتِها، وقدمَ العصرَ في أولِ وقتِها، فصارَ صورتُهُ صورةَ جمعٍ، وليس بجمعٍ. وعلى هذا التأويلِ حملَهُ إمامانِ تابعيانِ من رواتِهِ، وهما أبو الشعثاءِ جابرُ بنُ زيدٍ راويهِ عن ابنِ عباسٍ. والآخرُ عمروُ بنُ دينارٍ ثبتَ ذلك عنهما في صحيحِ مسلمٍ وغيرِهِ. والثاني: أنهُ جمعَ بعذرٍ: إما بـمطرٍ، وإما مرضٍ عند من يقولُ بهِ»[51].
وهذانِ الوجهانِ اللذانِ قدمهما النوويُّ في «المجموعِ» ذكرهما في «شرحِ مسلمٍ»، وضعَّفهما[52].
وهو روايةٌ عن أحمدَ، بل نقلَ بعضُ أصحابِ أحمدَ أنهُ الأظهرُ من مذهبِهِ.
جاءَ في «الفروعِ»:
«قال ابنُ أبي موسى: الأظهرُ من مذهبِهِ أنَّ صفةَ الجمعِ: فعلُ الأولى في آخرِ وقتِها، والثانيةِ أولَ وقتِها»[53].
وذكرَهُ الأثرمُ في مسائلِهِ عن أحمدَ، نقلَهُ ابنُ رجبٍ[54].
وهو اختيارُ ابنِ حزمٍ[55].
ورجَّحَهُ من المعاصرينَ الشوكانيُّ وصاحبُ «أضواءِ البيانِ»[56].
فالقولُ بالجمعِ الصوريِّ ليس قولاً نكرةً.
واستدلَّ من قال بالجمعِ الصوريِّ بأدلةٍ منها:
أنَّ الجمعَ الصوريَّ ثبتَ من فعلِ ابنِ عباسٍ بسندٍ كالشمسِ.
فقد روى عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ «أنَّ ابنَ عباسٍ جمعَ بين المغربِ والعشاءِ ليلةَ خَرَجَ من أرضِهِ. قال: فكان من جمعِ بينهما يُؤَخِّرُ من الظهرِ ويُعَجِّلُ من العصرِ ثم يجمعانِ، ويُؤَخِّرُ من المغربِ ويُعَجِّلُ من العشاءِ ثم يجمعانِ».
[صحيحٌ، ابنُ جريجٍ مُقَدَّمٌ في عطاءٍ، وعبدُ الرزاقِ راويةُ ابنِ جريجٍ] [57].
فقولُهُ: «يؤخرُ من الظهرِ» وليس يؤخرُ الظهرَ.
وقولُهُ: «ويعجلُ من العصرِ» وليس يعجلُ العصرَ دليلٌ على الجمعِ الصوريِّ، فلو كان الجمعُ جائزاً في الحضرِ لما تكلَّفَ ابنِ عباسٍ الجمعَ الصوريَّ.
ولأنَّ الجمعَ الصوريَّ كان معروفاً من فعلِ الصحابةِ، كـسعدِ بنِ أبي وقاصٍ وابنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-.
فقد روى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن عاصمِ بنِ سليمانَ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال:
«اصطحبتُ أنا وسعدُ بنِ أبي وقاصٍ من الكوفةِ إلى مكةَ، وخرجنا موافدينِ، فجعلَ سعدٌ يجمعُ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ، والعشاءِ، يقدمُ من هذهِ قليلاً، ويؤخرُ من هذهِ قليلاً حتى جئنا مكةَ».
[صحيحٌ] [58].
ومنها:
ما رواهُ الطحاويُّ، قال حدثنا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنِ محمدٍ النفيليُّ، قال: حدثنا زهيرُ بنِ معاويةَ، قال: حدثنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ يزيدَ، يقولُ: «صحبتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- في حجةٍ، فكان يؤخرُ الظهرَ، ويعجلُ العصرَ، ويؤخرُ المغربَ ويعجلُ العشاءَ، ويُسْفِرُ بصلاةِ الغداةِ».
[صحيحٌ] [59].
وإذا صحَّ الجمعُ الصوريُّ عن ابنِ عباسٍ راوي الحديثِ، وصحَّ عن بعضِ الصحابةِ لم يكن مستغرباً حَمْلُ هذا الحديثِ المشكلِ على الجمعِ الصوريِّ.
وقد رُوِيَ الجمعُ الصوريُّ مرفوعاً، ولا يصحُّ[60].
أنَّ أبا الشعثاءِ راوي الحديثِ عن ابنِ عباسٍ قد أوَّلَهُ بذلك، وكذلك عمروُ بنُ دينارٍ راويهِ عن أبي الشعثاءِ، ورواةُ الحديثِ أعلمُ من غيرِهم.
القولُ بأنَّ الراويَ أعلمُ من غيرِهِ ليس على إطلاقِهِ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامعٍ، وقد يصحُّ هذا في الصحابيِّ ومن شهدَ الواقعةَ دونَ غيرِهِ، واللهُ أعلمُ.
قال ابنُ حجرٍ:
«يقوي ما ذكرَهُ من الجمعِ الصوريِّ أنَّ طرقَ الحديثِ كلَّها ليس فيها تعرضٌ لوقتِ الجمعِ، فإما أن تُحْمَلَ على مطلقِها، فيستلزمُ إخراجَ الصلاةِ عن وقتِها المحدودِ بغيرِ عذرٍ، وإما أن تُحْمَلَ على صفةٍ مخصوصةٍ، لا تستلزمُ الإخراجَ ويُجْمَعُ بها بين مفترقِ الأحاديثِ، والجمعُ الصوريُّ أَوْلَى واللهُ أعلمُ»[61].
وقال أبو العباسِ القرطبيُّ في «المفهمِ»:
«ويدلُّ على صحةِ هذا التأويلِ: أنهُ قد نفى فيهِ الأعذارَ المبيحةَ لـالجمعِ التي هي الخوفُ والسفرُ والمطرُ، وإخراجُ الصلاةِ عن وقتِها المحدودِ لها بغيرِ عذرٍ لا يجوزُ باتفاقٍ، فتعينَ ما ذكرناهُ، واللهُ أعلمُ»[62].
وقال ابنُ سيدِ الناسِ:
«وعندي أنَّ ما اختارَهُ القرطبيُّ من التأويلِ أَوْلَى لأمورٍ:
أولُها: أنَّ أبا الشعثاءِ راويهِ عن ابنِ عباسٍ قد أوَّلَهُ بذلك.
الثاني: أنَّ في ألفاظِ الحديثِ نفيَ الأعذارِ المبيحةِ لـالجمعِ من الخوفِ والسفرِ والمطرِ … وإخراجُ الصلاةِ عن وقتِها لغيرِ عذرٍ لا تجوزُ باتفاقٍ.
الثالثةُ: أنَّ حديثَ عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ وقد استعملَهُ النوويُّ في ردِّ ما اختارَهُ القرطبيُّ وترجيحِ ما ذهبَ هو إليهِ، وهو بالعكسِ أَوْلَى؛ لأنهُ ليس فيهِ أكثرُ من أنَّ ابنَ عباسٍ خطبَهم يوماً بعدَ العصرِ حتَّى غربتِ الشمسُ وبدتِ النجومُ وذكرَ الحديثَ فليس في هذا مرضٌ، وإنما فيهِ أنَّهُ لم يُصَلِّ المغربَ حتى غربتِ الشمسُ، وبدتِ النجومُ، ثم من المعلومِ أنهُ قضى عند ذاكَ الخطبةَ وصلى بالناسِ الصلاتينِ فأيُّ بُعْدٍ في أن يكونَ أتى بالأولى في آخرِ الوقتِ، والثانيةِ في أولِهِ؟ …»[63].
لم يُذْكَرْ في حديثِ ابنِ عباسٍ صفةُ صلاتِهِ بالناسِ، أجمعَ في وقتِ العشاءِ؟ أم صلى المغربَ والعشاءَ قبلَ مغيبِ الشفقِ؟
وإن كان الظاهرُ أنهُ فعلَ الأولَ؛ لأنهُ أَخَّرَ الصلاةَ محتجّاً بجمعِ النبيِّ ﷺ في المدينةِ، وإذا جمعَ بين الصلاتينِ وأَخَّرَ المغربَ فالظاهرُ أنهُ جمعَ بينهما في وقتِ العشاءِ، واللهُ أعلمُ.
لم يصحَّ حديثٌ مرفوعٌ في الجمعِ الصوريِّ، وقد بينتُ ذلك في معرضِ الردِّ على مذهبِ الحنفيةِ عند الكلامِ على حكمِ الجمعِ في السفرِ، فهي بين منكرٍ وشاذٍّ، وإنما صحَّ ذلك من آثارِ بعضِ الصحابةِ.
بأنَّ الجمعَ لـالمطرِ لم يثبتْ فيهِ حديثٌ صحيحٌ مرفوعٌ، وكان عمدةُ القائلينَ بهِ فعلَ ابنِ عمرَ في صلاتِهِ خلفَ الأمراءِ في آخرِ حياتِهِ، وسيأتي مناقشةُ أثرِ ابنِ عمرَ، فإن صحَّ عندكم الجمعُ لـالمطرِ لفعلِ ابنِ عمرَ، فقد صحَّ الجمعُ الصوريُّ عن ثلاثةٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ، ومنهم ابنِ عباسٍ راوي الجمعِ في الحضرِ.
الجمعُ الذي وقعَ في المدينةِ كان لرفعِ الحرجِ، والجمعُ الصوريُّ لا يرفعُ حرجاً؛ لأنهُ متفقٌ مع ما شرعَهُ النبيُّ ﷺ بمكةَ عند فرضِ الصلواتِ، وتحديدِ أولِها وآخرِها، والتي قال فيها الرسولُ ﷺ «الصلاةُ بين هذينِ»، فالظهرُ كلُّهُ وقتٌ ما لم يحضرِ العصرُ، والمغربُ كلُّهُ وقتٌ ما لم يغبِ الشفقُ.
والغايةُ من الجمعِ:
دفعُ الحرجِ، والتوسعةُ على العبادِ، والجمعُ الصوريُّ أشدُّ حرجاً على العبدِ من صلاةِ كلِّ فرضٍ في وقتِها، وأيُّ حرجٍ أشدُّ من تحويلِ واجبٍ مُوَسَّعٍ يختارُ فيهِ المكلفُ الوقتَ الذي يؤدي فيهِ الصلاةَ إلى واجبٍ مُضَيَّقٍ، بحيثُ يوقعُ الصلاةَ الأولى في أخرِ وقتِها، حتى إذا انصرفَ من الصلاةِ الأولى وافقَ ذلك دخولَ وقتِ الثانيةِ، والناسُ لم يكن لديهم ساعاتٌ يضبطونَ بها الوقتَ، وتعويلُهم في التوقيتِ على مراقبةِ الظلِّ، أو مشاهدةِ غيابِ الشفقِ، وكيف يراقبُ الظلَّ أو الشفقَ، وهو مشغولٌ في الصلاةِ الأولى، وأيُّ عنتٍ أشدُّ على المكلفِ من هذا؟
يقولُ ابنُ القيمِ:
«ومن تأملَ أحاديثَ الجمعِ وجدَها كلَّها صريحةً في جمعِ الوقتِ، لا في جمعِ الفعلِ، وعَلِمَ أنَّ جمعَ الفعلِ أشقُّ وأصعبُ من الإفرادِ بكثيرٍ؛ فإنهُ يُنْتَظَرُ بالرخصةِ أن يبقى من وقتِ الأولى قدرُ فعلِها فقط، بحيثُ إذا سلمَ منها دخلَ وقتِ الثانيةِ فأوقعَ كلَّ واحدةٍ منهما في وقتِها، وهذا أمرٌ في غايةِ العسرِ والحرجِ والمشقةِ، وهو منافٍ لمقصودِ الجمعِ، وألفاظُ السنةِ الصحيحةِ الصريحةِ تردُّهُ كما تقدمَ، وباللهِ التوفيقُ»[64].
الجوابُ الأولُ:
الجمعُ الفعليُّ لا يُشْتَرَطُ فيهِ الموالاةُ بين الصلاتينِ بالاتفاقِ حتى يُقَالَ: يُنْتَظَرُ بالرخصةِ أن يبقى من وقتِ الأولى قدرُ فعلِها فقط بحيثُ إذا سلمَ منها دخلَ وقتِ الثانيةِ.
وأما الجمعُ في الوقتِ:
فاختلفَ الفقهاءُ في اشتراطِ الموالاةِ فيهِ بين الصلاتينِ، والراجحُ فيهِ أنَّ الموالاةَ أيضاً ليست بشرطٍ، فلو تخلَّلَ الصلاتينِ فاصلٌ لم يبطلِ الجمعُ.
وسوف نبحثُ هذا الشرطَ إن شاءَ اللهُ تعالى عند الكلامِ على شروطِ الجمعِ.
الجوابُ الثاني:
أنَّ المقصودَ من الجمعِ الصوريِّ هو التيسيرُ على المكلفِ بحيثُ يكونُ الخروجُ للصلاتينِ خروجاً واحداً بطهارةٍ واحدةٍ، والجمعُ الصوريُّ من هذا الوجهِ فيهِ توسعةٌ على المكلفِ دونَ أن نكونَ أخرجنا الصلاةَ عن وقتِها لمجردِ الحاجةِ، كإكمالِ الخطبةِ، ودونَ أن يتلاعبَ الناسُ في الجمعِ لأدنى حرجٍ، والحرجُ والحاجةُ غيرُ منضبطةٍ، فهناك من يتساهلُ وهناك من يتشددُ.
وأقربُ مثالٍ على ذلك:
الإبرادُ في الظهرِ في شدةِ الحرِّ، فالصحابةُ شكوا للنبيِّ ﷺ شدةَ الحرِّ فلم يُشْكِهم، وعالجَ ذلك بالإبرادِ في الصلاةِ.
وفي هذا الدليلِ ردٌّ على من يقولُ: إنَّ أسبابَ الجمعِ مفتوحةٌ في كلِّ حرجٍ أو حاجةٍ تطرقُ المصليَ عامةً أو خاصةً.
فالخروجُ في شدةِ الحرِّ، خاصةً في أرضِ الحجازِ فيهِ مشقةٌ كبيرةٌ على المصلينَ، ومع ذلك لم يُشْرَعْ لهم الجمعُ لدفعِ مثلِ هذا الحرجِ، وإنما شُرِعَ لهم الإبرادُ، وذلك بتأخيرِ صلاةِ الظهرِ إلى آخرِ وقتِها.
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال:
«إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا بالصلاةِ، فإنَّ شدةَ الحرِّ من فيحِ جهنمَ»[65].
قولُهُ: (إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا) أي: أَخِّروا إلى أن يبردَ الوقتُ، يُقَالُ: (أَبْرَدَ) إذا دخلَ في البردِ، كأَظْهَرَ إذا دخلَ في الظهيرةِ، ومثلُهُ في المكانِ: أَنْجَدَ إذا دخلَ نجداً، وأَتْهَمَ: إذا دخلَ تهامةَ.
وروى البخاريُّ من طريقِ آدمَ بنِ أبي إياسٍ، قال: حدثنا شعبةُ، قال حدثنا مهاجرٌ أبو الحسنِ مولىً لبني تيمِ اللهِ، قال: سمعتُ زيدَ بنَ وهبٍ، عن أبي ذرٍّ الغفاريِّ، قال:
«كنا مع النبيِّ ﷺ في سفرٍ، فأرادَ المؤذنُ أن يؤذنَ للظهرِ، فقال النبيُّ ﷺ: «أبردْ»، ثم أرادَ أن يؤذنَ، فقال لهُ: «أبردْ»، حتى رأينا فيءَ التلولِ، فقال النبيُّ ﷺ: «إنَّ شدةَ الحرِّ من فيحِ جهنمَ، فإذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا بالصلاةِ»»[66].
ورواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ محمدِ بنِ جعفرٍ[67].
فكان الإبرادُ: لهُ غايةٌ ينتهي عندَها، وهو قولُ الراوي في الحديثِ: «حتى رأينا فَيْءَ التلولِ»، أي: مالتِ الشمسُ وبعدت عن وسطِ السماءِ حتى ظهرَ للتلِّ فيءٌ، ولا يظهرُ للتلِّ فيءٌ إلا قربَ وقتِ العصرِ.
ورواهُ البخاريُّ عن مسلمِ بنِ إبراهيمَ، عن شعبةَ بهِ، وفيهِ: حتى ساوى الظلُّ التلولَ[68].
فإن قِيلَ:
أليس مساواةُ الظلِّ للتلولِ يعني أنَّ الظلَّ صارَ بمقدارِ الْمِثْلِ، وهو وقتُ دخولِ العصرِ؟
وقد يكونُ الراوي قصدَ بذلك المبالغةَ، لا حقيقةَ المساواةِ، ولهذا كانت روايةُ الأكثرِ «حتى رأينا فيءَ التلولِ»، واللهُ أعلمُ.
وفي حديثِ بريدةَ في «صحيحِ مسلمٍ» في بيانِ المواقيتِ، صلى النبيُّ ﷺ الصلواتِ الخمسَ في اليومِ الأولِ في أولِ الوقتِ، وصلاها في اليومِ التالي في آخرِ الوقتِ، فحين أرادَ أن يبينَ آخرَ وقتِ الظهرِ، قال الراوي: فلما أن كان اليومُ الثاني أمرَهُ فأبردَ بالظهرِ، فأنعمَ أن يبردَ بها[69].
فكان الإبرادُ: تحريَ آخرِ وقتِ الظهرِ.
والسؤالُ المشروعُ:
فهل كان الإبرادُ، وهو تأخيرُ الظهرِ إلى قربِ وقتِ صلاةِ العصرِ، فيهِ حرجٌ على المصلينَ وتضييقٌ عليهم أم كان فيهِ توسعةٌ عليهم؟
ألم يكن الحرجُ بوجودِ الحرِّ الشديدِ داعياً إلى الجمعِ؟
وأيُّهما أشدُّ حرجاً على المكلفِ:
قطعُ الخطبةِ، والعودُ إليها بعدَ الصلاةِ؟
أو الخروجُ إلى الصلاةِ في شدةِ الحرِّ، في بلادٍ كالحجازِ؟
وأما القولُ بأنهُ يتعذرُ ضبطُ الانصرافِ من الصلاةِ الأولى في آخرِ وقتِها:
فهذا أيضاً مجردُ دعوى، فالإبرادُ بالظهرِ إيقاعٌ للصلاةِ في آخرِ وقتِها.
وفي حديثِ أبي موسى حين أتى ﷺ النبيَّ رجلٌ يسألُهُ عن مواقيتِ الصلاةِ، فلم يَرُدَّ عليهِ شيئاً … وفيهِ: ثم أَخَّرَ الظهرَ حتى كان قريباً من وقتِ العصرِ بالأمسِ، ثم دعا السائلَ فقال: «الوقتُ بين هذينِ»[70].
فمعنى ذلك:
أنَّ صلاتَهُ في اليومِ التالي كانت في آخرِ الوقتِ؛ لتصحَّ البينيةُ، فدلَّ ذلك على إمكانِ إيقاعِ الصلاةِ في آخرِ وقتِها، فليس ذلك بالشيءِ المتعذرِ، فصلاةُ العصرِ في اليومِ الأولِ وصلاةُ الظهرِ في اليومِ التالي لا يفصلُ بينهما من جهةِ التوقيتِ إلا الانصرافُ من الصلاةِ، والدخولُ في الأخرى، وقلْ مثلَ ذلك في العشاءينِ، وهل كان النبيُّ ﷺ يراقبُ الشفقَ وهو يصلي؟
وفي حديثِ ابنِ عباسٍ في إمامةِ جبريلَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «أمَّني جبريلُ عليهِ السلامُ عند البيتِ مرتينِ، فصلى فيهِ العصرَ في اليومِ الأولِ حين كان ظلُّهُ مثلَهُ …. فلما كان الغدُ صلى بهِ الظهرَ حين كان ظلُّهُ مثلَهُ»[71].
ومعنى ذلك:
أنَّ النبيَّ ﷺ حين فرغَ من صلاةِ الظهرِ في اليومِ الثاني كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَهُ: أي دخلَ وقتُ العصرِ بمجردِ الانصرافِ من صلاةِ الظهرِ؛ لأنهُ لبيانِ آخرِ الوقتِ، وحتى تصدقَ البينيةُ في قولِهِ ﷺ: «الصلاةُ بين هذينِ».
ودفعَ الشوكانيُّ الإشكالَ، فقال:
«قد عَرَّفَ النبيُّ ﷺ أمتَهُ أوائلَ الأوقاتِ وأواخرَها، وبالغَ في التعريفِ والبيانِ، حتى إنهُ عيَّنها بعلاماتٍ حسيةٍ، لا تكادُ تلتبسُ على العامةِ فضلاً عن الخاصةِ، والتخفيفُ في تأخيرِ إحدى الصلاتينِ إلى آخرِ وقتِها وفعلِ الأولى في أولِ وقتِها متحققٌ بالنسبةِ إلى فعلِ كلِّ واحدةٍ منهما في أولِ وقتِها كما كان ذلك ديدنَهُ ﷺ حتى قالت عائشةُ: «ما صلى صلاةً لآخرِ وقتِها مرتينِ حتى قبضَهُ اللهُ تعالى». ولا يشكُّ منصفٌ أنَّ فعلَ الصلاتينِ دفعةً، والخروجَ إليهما مرةً أخفُّ من خلافِهِ وأيسرُ. وبهذا يندفعُ ما قالَهُ الحافظُ في «الفتحِ»: أنَّ قولَهُ ﷺ: «لئلا تحرجَ أمتي» يقدحُ في حملِهِ على الجمعِ الصوريِّ، لأنَّ القصدَ إليهِ لا يخلو عن حرجٍ»[72].
لو كان ما تأولوهُ جمعاً لجازَ مثلُهُ بين العصرِ والمغربِ، وبين العشاءِ والفجرِ، وقد أجمعَ العلماءُ على أنهُ لا يجوزُ الجمعُ بين العصرِ والمغربِ ولا بين العشاءِ والصبحِ[73].
قولُكَ: (أجمعَ العلماءُ على أنهُ لا يجوزُ الجمعُ بين العصرِ والمغربِ …).
إن كنتَ تقصدُ الجمعَ الوقتيَّ:
فهذا لا يجوزُ بـالإجماعِ، وليس مانعاً من حملِ حديثِ ابنِ عباسٍ على الجمعِ الصوريِّ.
وإن كنتَ تقصدُ الجمعَ الفعليَّ:
فهذا جائزٌ خاصةً عند من يرى جوازَ تأخيرِ العصرِ إلى ما قبلَ غروبِ الشمسِ، وتأخيرِ العشاءِ إلى ما قبلَ طلوعِ الفجرِ لغيرِ المعذورِ.
أما من يرى أنَّ وقتَ العصرِ يخرجُ باصفرارِ الشمسِ، ووقتَ العشاءِ يخرجُ بانتصافِ الليلِ، فيتعذرُ الجمعُ الفعليُّ بينهما؛ كما يتعذرُ الجمعُ بين الصبحِ والظهرِ؛ لوجودِ فاصلٍ بينهما ليس وقتاً لأداءِ الصلاةِ، وهي مسألةٌ خلافيةٌ، تكلمتُ عليها في شروطِ الصلاةِ، وبينتُ أنَّ الراجحَ في وقتِ العصرِ امتدادُهُ إلى غروبِ الشمسِ، وامتدادَ وقتِ العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ، فارجعْ إليهِ إن شئتَ.
لو كان جمعُ ابنِ عباسٍ جمعاً صورياً لما صارَ الناسُ ينادونَهُ: الصلاةَ الصلاةَ، وهو مستمرٌ في صلاتِهِ لا يجيبهم حتى أكثرَ عليهِ التميميُّ، فأجابَهُ بأنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ في المدينةِ بين الظهرينِ والعشاءينِ.
ولو كان ابنُ عباسٍ يقصدُ بالجمعِ الجمعَ الصوريَّ لدفعَ الاعتراضَ عليهِ بأنَّ الوقتَ لا زالَ مُوَسَّعاً، وأنَّ وقتَ المغربِ يمتدُّ ما لم يغبِ الشفقُ، فلما عدلَ إلى الاحتجاجِ بـالجمعِ دلَّ على أنهُ قصدَ الجمعَ الوقتيَّ.
الأمرُ الأولُ:
السنةُ في المغربِ أن تُصَلَّى إذا وجبتِ الشمسُ، أي: غابتْ.
حتى قِيلَ: إنَّ المغربَ ليس لها إلا وقتٌ واحدٌ إذا غربتِ الشمسُ -وهو روايةٌ عن مالكٍ، حكاها العراقيونَ عن المذهبِ، والشافعيُّ في «الجديدِ»– استدلالاً بحديثِ إمامةِ جبريلَ للنبيِّ ﷺ حيثُ صلى المغربَ في اليومينِ في وقتٍ واحدٍ خلافاً لبقيةِ الأوقاتِ.
فكونُ الناسِ ينادونَهُ الصلاةَ الصلاةَ لا يعني نفيَ الجمعِ الصوريِّ ولا إثباتَهُ؛ فتأخيرُ المغربِ لآخرِ وقتِها مخالفٌ لـالسنةِ التي واظبَ عليها النبيُّ ﷺ، من كونِهِ يصلي المغربَ إذا توارتِ الشمسُ بالحجابِ، ولا حرجَ على من رأى غيرَهُ يخالفُ السنةَ أن ينبهَهُ.
الأمرُ الثاني:
لا يلزمُ من إنكارِ الناسِ على ابنِ عباسٍ أن يكونَ عندهم علمٌ بالجمعِ الصوريِّ حتى يُقَالَ: لو كان ابنُ عباسٍ قصدَ الجمعَ الصوريَّ لما أنكرَ عليهِ الناسُ؟
ومن أين يعرفُ الناسُ نيةَ ابنِ عباسٍ، أقصدَ بتأخيرِهِ الجمعَ الصوريَّ أم الجمعَ الوقتيَّ؟.
بل إنكارُ الناسِ دليلٌ على أنَّ أهلَ العراقِ على خلافِ أهلِ المدينةِ لا يَرَوْنَ الجمعَ في الحضرِ.
نعم، يبقى جوابُهم بأنَّ ابنَ عباسٍ لو قصدَ الجمعَ الصوريَّ لقال: ما زالَ في الوقتِ متسعٌ.
هذا اعتراضٌ صحيحٌ، وهو دليلٌ على أنَّ ابنِ عباسٍ لم يقصدِ الجمعَ الصوريَّ.
إلا أنَّ فعلَ ابنِ عباسٍ هذا موقوفٌ عليهِ، فـابنُ عباسٍ جمعَ لإكمالِ الخطبةِ، ولا أعلمُ أنَّ أحداً من الصحابةِ، ولا من التابعينَ، ولا من الأئمةِ الأربعةِ قال: إنَّ إكمالَ الخطبةِ من أسبابِ الجمعِ.
وقد خطبَ النبيُّ ﷺ خطبةً من صلاةِ الغداةِ إلى غروبِ الشمسِ، فكانتِ المشقةُ فيها أكبرَ، ومع ذلك لم يجمعِ النبيُّ ﷺ فيها، والحديثُ في «صحيحِ مسلمٍ»، فكونُكَ تحتجُّ بجمعِ ابنِ عباسٍ، ثم لا ترى إكمالَ الخطبةِ سبباً لـالجمعِ هذا تناقضٌ، وسيأتي من يقولُ: الجمعُ بسببِ العلمِ، فالطالبُ في المذاكرةِ لهُ أن يجمعَ؛ لأنهُ منشغلٌ بالعلمِ كما اشتغلَ ابنِ عباسٍ في خطبتِهِ للناسِ.
لو كان صورياً لما حاكَ في صدرِ عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ شيءٌ من خبرِ ابنِ عباسٍ حتى سألَ أبا هريرةَ، فصدَّقَهُ.
هذا تكرارٌ للوجهِ السابقِ.
قال ابنِ عباسٍ: «جمعَ النبيُّ ﷺ …» والجمعُ إذا أُطْلِقَ فهو محمولٌ على الحقيقةِ الشرعيةِ، وليس على الحقيقةِ اللغويةِ، والجمعُ الشرعيُّ: هو تقديمُ إحدى الصلاتينِ عن وقتِها الأصليِّ، وضمُّها إلى الصلاةِ الأولى، أو تأخيرُها عن وقتِها الأصليِّ وضمُّها إلى وقتِ الصلاةِ الأخرى، ومن ادَّعَى خلافَ الحقيقةِ الشرعيةِ فعليهِ الدليلُ.
يقولُ المعلميُّ:
الصحابيُّ أطلقَ الجمعَ، والمفهومُ عند الإطلاقِ: الجمعُ الحقيقيُّ، ولو أرادَ الجمعَ الصوريَّ لقال: أخَّرَ الصلاةَ إلى آخرِ وقتِها. وأيضاً -وهو أظهرُ- أنهُ قال: «جمعَ .. من غيرِ عذرٍ ولا سفرٍ» فظهرَ من فحواهُ أنهُ أرادَ الجمعَ الذي يكونُ للسفرِ، وهو الحقيقيُّ. كما لو قال قائلٌ: قصرَ فلانٌ الصلاةَ، لاحتملَ إرادةَ القصرِ المعروفِ في السفرِ -وهو أن يصليَ الرباعيةَ ثنتينِ- وإرادةَ القصرِ المقابلِ للتطويلِ. فإذا قال: قصرَ فلانٌ الصلاةَ من غيرِ سفرٍ تعينَ الأولُ، وهو صلاةُ الرباعيةِ اثنتينِ»[74].
جاءَ في «مجموعِ الفتاوى»:
«لفظُ الجمعِ في عرفِ ابنِ عباسٍ وعادتِهِ إنما الجمعُ في وقتِ إحداهما، أما الجمعُ في الوقتينِ فلم يُعْلَمْ أنهُ تكلمَ بهِ، فكيف يُعْدَلُ بهِ عن عادتِهِ التي تكلمَ بها إلى ما ليس كذلك؟»[75].
بأنَّ عبدَ الرزاقِ روى عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ «أنَّ ابنَ عباسٍ جمعَ بين المغربِ والعشاءِ ليلةَ خَرَجَ من أرضِهِ. قال: فكان من جمعِ بينهما يُؤَخِّرُ من الظهرِ ويُعَجِّلُ من العصرِ ثم يجمعانِ، ويُؤَخِّرُ من المغربِ ويُعَجِّلُ من العشاءِ ثم يجمعانِ»، وسبقَ تخريجُهُ.
وهذا إسنادٌ في غايةِ الصحةِ.
فهذا عطاءٌ يقولُ عن ابنِ عباسٍ «جمعَ بين المغربِ والعشاءِ» مع أنهُ جمعٌ صوريٌّ، صلى كلَّ صلاةٍ في وقتِها؛ لأنَّ قولَهُ: «يؤخرُ من الظهرِ» فقولُهُ: «من الظهرِ» لا يصدقُ إلا إذا كان التأخيرُ لا يبلغُ بالظهرِ حتى تخرجَ عن وقتِها.
وقولُهُ: «ويعجلُ من العصرِ» أي كذلك، فلا يصدقُ هذا الوصفُ إلا على الجمعِ الصوريِّ، فأطلقَ الجمعَ وأرادَ الجمعَ الصوريَّ وإذا صحَّ ذلك لم يمتنعْ إطلاقُ الجمعِ في لفظِ ابنِ عباسٍ وإرادةِ الجمعِ الصوريِّ.
وروى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن عاصمِ بنِ سليمانَ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال: «اصطحبتُ أنا وسعدُ بنِ أبي وقاصٍ من الكوفةِ إلى مكةَ، وخرجنا موافدينِ، فجعلَ سعدٌ يجمعُ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ، والعشاءِ، يقدمُ من هذهِ قليلاً، ويؤخرُ من هذهِ قليلاً حتى جئنا مكةَ».
[صحيحٌ، وسبقَ تخريجُهُ] [76].
فقولُهُ: «يجمعُ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ» فأطلقَ الجمعَ على الجمعِ الصوريِّ، وصحَّ الجمعُ الصوريُّ من فعلِ ابنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهما-، وسبقَ تخريجُهُ.
وإذا أُطْلِقَ الجمعُ في عرفِهم على الجمعِ الصوريِّ، لم يمتنعْ أن يطلقَهُ ابنِ عباسٍ على الجمعِ الصوريِّ؛ ولأنَّ ابنَ عباسٍ نفى الأعذارَ المبيحةَ لـالجمعِ من خوفٍ أو سفرٍ، وإخراجُ الصلاةِ عن وقتِها لغيرِ عذرٍ لا يجوزُ باتفاقٍ، فحملوهُ على الجمعِ الصوريِّ.
وقد روى أحمدُ وغيرُهُ من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عقيلِ بنِ أبي طالبٍ، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ طلحةَ، عن عمِّهِ عمرانَ بنِ طلحةَ، عن أمِّهِ حمنةَ بنتِ جحشٍ في قصةِ استحاضتِها، وفيهِ: … قال النبيُّ ﷺ لها: «وإن قويتِ على أن تؤخري الظهرَ وتعجلي العصرَ فتغتسلينَ ثم تصلينَ الظهرَ والعصرَ جميعاً، ثم تؤخرينَ المغربَ وتعجلينَ العشاءَ ثم تغتسلينَ وتجمعينَ بين الصلاتينِ فافعلي … الحديث»[77].
[سبقَ تخريجُهُ] [78].
الناسُ يقصدونَ المسجدَ بمجردِ دخولِ الوقتِ، فإذا قصدَ النبيُّ ﷺ الجمعَ الصوريَّ فسوف يحبسُ النبيُّ ﷺ الناسَ في المسجدِ من دخولِ الظهرِ إلى قربِ العصرِ، وفي المغربِ إلى قربِ دخولِ العشاءِ، وهذا فيهِ مشقةٌ على الناسِ، فتحوَّلَ الجمعُ الذي قُصِدَ بهِ التيسيرُ إلى كلفةٍ ومشقةٍ غيرِ محتملةٍ.
يُحْتَمَلُ أنَّ النبيَّ ﷺ منعَ بلالاً من الأذانِ، والناسُ غالباً يأتونَ إذا دُعُوا إلى فعلِ الصلاةِ، كما جاءَ في حديثِ أبي ذرٍّ، «أرادَ بلالٌ أن يؤذنَ، فقال لهُ: أبردْ. ثم أرادَ أن يؤذنَ، فقال لهُ: أبردْ حتى رأينا فيءَ التلولِ».
والفرقُ:
أنَّ حديثَ أبي ذرٍّ كان في السفرِ، وحديثَ ابنِ عباسٍ كان في الحضرِ، وقد لا يشكلُ هذا فرقاً؛ لأنَّ الناسَ في السفرِ يتفرقونَ تحت الأشجارِ كتفرُّقِهم في البيوتِ، والمدينةُ في ذلك الحينِ كانت صغيرةً، وكان البقيعُ خارجَ البيوتِ.
وفي حديثِ مسلمٍ: «أمرَهُ فأبردَ بالظهرِ» أي: أمرَ بلالاً، وهو متوجهٌ للأذانِ أو للإقامةِ، أو لهما، فعلى الاحتمالِ الأولِ والثالثِ سينتظرُ الناسُ أذانَ بلالٍ ليأتوا إلى المسجدِ.
يُحْتَمَلُ:
أن يكونَ الجمعُ الذي نقلَهُ ابنِ عباسٍ فُعِلَ مرةٍ واحدةٍ؛ كما هو ظاهرُ لفظِ حديثِ ابنِ عباسٍ، لأنهُ حكى أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ، والفعلُ يصدقُ على المرةِ الواحدةِ، ولا يُصَارُ إلى التكرارِ إلا بدليلٍ، وإذا كان حدثَ مرةً واحدةً فيُحْتَمَلُ منهُ ما لا يُحْتَمَلُ من التكرارِ، وقد تأخرَ النبيُّ ﷺ على صحابتِهِ في صلاةِ العشاءِ حتى رقدَ النساءُ والصبيانُ، فمثلُهُ لا يُعْتَرَضُ بهِ.
فقد روى مسلمٌ من طرقٍ عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرني المغيرةُ بنُ حكيمٍ، عن أمِّ كلثومٍ بنتِ أبي بكرٍ، أنها أخبرتْهُ، عن عائشةَ، قالت: «أعتمَ النبيُّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ حتى ذهبَ عامةُ الليلِ، وحتى نام أهلُ المسجدِ، ثم خرجَ فصلى، فقال: «إنهُ لوقتُها لولا أن أشقَّ على أمتي»»[79].
وقد سألَ رجلٌ النبيَّ ﷺ عن مواقيتِ الصلاةِ كما في حديثِ أبي موسى في «مسلمٍ»، فلم يَرُدَّ عليهِ شيئاً، فصلى في اليومِ الأولِ الصلواتِ الخمسَ في أولِ وقتِها، وصلى النبيُّ ﷺ الصلواتِ الخمسَ في اليومِ التالي في آخرِ وقتِها، ثم دعا السائلَ، فقال: «الوقتُ بين هذينِ»[80].
فالإشكالُ الذي اُعْتُرِضَ بهِ على الجمعِ الصوريِّ مُتَصَوَّرٌ حدوثُ مثلِهِ في صلاةِ اليومِ التالي، لأنَّ النبيَّ لم يفصحْ عن نيتِهِ للناسِ في تأخيرِ الصلاةِ، ولم يَرُدَّ على السائلِ شيئاً، فهناك من المصلينَ من سوف يأتي إلى المسجدِ لقصدِ الصلاةِ فينحبسُ في المسجدِ انتظاراً للإمامِ، وليس هذا في وقتٍ واحدٍ، بل في خمسِ صلواتٍ، فما يكونُ جواباً على هذه الواقعةِ يكونُ جواباً على تلكَ، إلا أن يكونَ الأذانُ في اليومِ التالي لم يُؤَذَّنْ لدخولِ الوقتِ، وإنما أُذِّنَ عند حضورِ فعلِ الصلاةِ، كأذانِ الجمعةِ الثاني لا يُؤَذَّنُ إلا بين يديِّ الإمامِ، فكذلك الحالُ في الجمعِ الصوريِّ.
وقد تركتُ وجوهاً أخرى لضعفِها.
والذي حملَ الناسَ على تأويلِ حديثِ ابنِ عباسٍ أو على تركِهِ: ما فيهِ من إشكالٍ.
حيثُ لم ينقلْ لنا ابنُ عباسٍ صفةَ الجمعِ الذي وقعَ في المدينةِ، أكان من جمعِ التقديمِ أم كان من جمعِ التأخيرِ، أم كان من الجمعِ الفعليِّ، بحيثُ أَخَّرَ الظهرَ وعجَّلَ العصرَ؟
كما لم ينقلْ لنا ابنُ عباسٍ سببَ الجمعِ؛ وجمعَ من أجلِ إكمالِ الخطبةِ، وليس إكمالُها من أسبابِ الجمعِ.
لهذا كان الحديثُ مشكلاً، واختلفَ العلماءُ في العملِ بهِ، وفي توجيهِهِ، وفي وجاهةِ الاستدلالِ بهِ على جمعِ المطرِ، وفي توسيعِ أسبابِ الجمعِ على الناسِ وتسهيلِها لكلِّ حرجٍ عامٍّ أو خاصٍّ دونَ أن يأتيَ في الشريعةِ ضابطٌ لتقديرِ هذا الحرجِ، واللهُ أعلمُ.
وقد رجَّحَ المعلميُّ:
«أنَّ عملَ النبيِّ ﷺ الغالبُ عليهِ التوقيتُ، وعملُ الأئمةِ مستمرٌ عليهِ، ولكن غايتُهُ أن يكونَ الجمعُ مكروهاً فقط، وفعلُهُ ﷺ لبيانِ الجوازِ، وتركُ الأئمةِ لكونِهِ مكروهاً، فلا يلزمُ من هذا عدمُ الجوازِ»[81]. اهـ
ولم يبيِّنِ المعلميُّ هل فعلُ الجمعِ لبيانِ الجوازِ بلا سببٍ، أو فعلُ الجوازِ للحاجةِ، والظاهرُ أنهُ يريدُ الأولَ؛ لأنهُ رجَّحَ قبلَ ذلك أنَّ الجمعَ بلا عذرٍ.
والقولُ بجوازِ الجمعِ بلا سببٍ قولٌ ضعيفٌ جداً.
روى الإمامُ مالكٌ الحديثَ بروايةِ أبي الزبيرِ «من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ»، قال مالكٌ: أرى ذلك كان في مطرٍ.
وروى البخاريُّ في صحيحِهِ حديثَ ابنِ عباسٍ، وفيهِ: قال أيوبُ: لعلَّهُ في ليلةٍ مطيرةٍ؟ قال: عسى[82].
قال الحافظُ:
«فقال أيوبُ: هو السختيانيُّ، والمقولُ لهُ هو: أبو الشعثاءِ، قولُهُ: عسى. أي: أن يكونَ كما قلتَ»[83].
قال ابنُ رجبٍ:
«ومن ذهبَ إلى هذا المسلكِ فإنهُ يطعنُ في روايةِ من روى: «من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ» كما قالَهُ البزارُ وابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهما.
ومن حَمَلَ الحديثَ على هذا فإنهُ يلزمُ من قولِهِ جوازُ الجمعِ في الحضرِ لـالمطرِ بين الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ، وقد اخْتُلِفَ في ذلك»[84].
وقال أيضاً:
«وأما الجمعُ بين الظهرِ والعصرِ في المطرِ، فالأكثرونَ على أنهُ غيرُ جائزٍ: وقال أحمدُ: ما سمعتُ فيهِ شيئاً …»[85].
قال ابنُ رجبٍ:
«وقد رُوِيَ عن الإمامِ أحمدَ، أنهُ قال: هذا عندي رخصةٌ للمريضِ والمرضعِ»[86].
وقال النوويُّ:
«ومنهم من قال: هو محمولٌ على الجمعِ بعذرِ المرضِ أو نحوَهُ مما هو في معناهُ من الأعذارِ. وهذا قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، والقاضي حسينٍ من أصحابِنا، واختارَهُ الخطابيُّ والمتوليُّ والرويانيُّ من أصحابِنا، وهو المختارُ في تأويلِهِ؛ لظاهرِ الحديثِ؛ ولفعلِ ابنِ عباسٍ وموافقةِ أبي هريرةَ؛ ولأنَّ المشقةَ فيهِ أشدُّ من المطرِ»[87].
وتعقبَهُ ابنُ حجرٍ:
«وفيهِ نظرٌ؛ لأنهُ لو كان جمعُهُ ﷺ بين الصلاتينِ لعارضِ المرضِ لما صلى إلا من بهِ نحوُ ذلك العذرِ»[88].
ذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى أنَّ حديثَ ابنِ عباسٍ دليلٌ على جوازِ الجمعِ للحاجةِ، ولو لم يكن خوفٌ، ولا مطرٌ، ولا سفرٌ، ولا مرضٌ، فكلُّ حاجةٍ أو شغلٍ إذا لحقَ المصليَ مشقةٌ في تركِ الجمعِ فإنهُ يُشْرَعُ لهُ الجمعِ، سواءٌ أكانتِ الحاجةُ عامةً أم خاصةً.
ونحتاجُ في مناقشةِ هذا الاستدلالِ إلى بيانِ أمورٍ منها:
أولاً: هل نفيُ الحرجِ عن فعلٍ ما يُسْتَفَادُ منهُ التعليلُ؟، حتى يُقَالَ: متى ما كان في تركِ الجمعِ حرجٌ فلهُ الجمعُ؛ ليتوسعَ الناسُ في أسبابِ الجمعِ مما لم يذكرْهُ الفقهاءُ، حتى ولو كان هذا السببُ موجوداً في عصرِ التشريعِ، ولم يجمعِ النبيُّ ﷺ من أجلِهِ كـالمطرِ والشغلِ مثلاً، وبحيثُ يستجدُّ في كلِّ عصرٍ من أسبابِ الجمعِ ما لم يكن موجوداً في عصرِ التشريعِ.
وهل يتحملُ حديثُ ابنِ عباسٍ كلَّ هذا، وهو لم يقعْ إلا مرةً واحدةً في المدينةِ جمعَ فيهما بين الظهرينِ والعشاءينِ، وليس في الجمعِ في الحضرِ حديثٌ مرفوعٌ صحيحٌ غيرُهُ، ولماذا لم يُوقَفْ على سببِ الجمعِ؟
وهل انقطعَ الحرجُ والمشاغلُ في عصرِ التشريعِ حتى لم يتعرضِ النبيُّ ﷺ ولا أصحابُهُ إلى حرجٍ أو شغلٍ عامٍّ أو خاصٍّ دعاهم لـالجمعِ؟
ثانياً: الوقوفُ على من قال بجوازِ الجمعِ للحاجةِ.
ثالثاً: الأدلةُ على أنَّ الحاجةَ ليست من أسبابِ الجمعِ.
رابعاً: ما موقفُ الأئمةِ الأربعةِ من أسبابِ الجمعِ، وهل هي عندهم معدودةٌ بعددٍ معينٍ؟، أو هي غيرُ معدودةٍ، بل محدودةٌ بوصفٍ، فتكونُ غيرَ محصورةٍ، بل الضابطُ وجودُ المشقةِ، فمتى كان في تركِ الجمعِ مشقةٌ ظاهرةٌ جازَ الجمعُ؟
فكلُّ أحدٍ يتعرضُ لحاجةٍ -والحاجاتُ لا يمكنُ حصرُها-، فلهُ أن يؤجلَ إحدى الصلاتينِ أو يقدمَ الأخرى.
وهل كونُ الحنابلةِ من أوسعِ المذاهبِ لـالجمعِ يُفْهَمُ منهُ أنَّ الأسبابَ عندهم غيرُ معدودةٍ؟
فلنأخذْ هذه واحدةً فواحدةً.
حديثُ ابنِ عباسٍ المرفوعُ منهُ سنةٌ فعليةٌ، «جمعَ النبيُّ ﷺ في المدينةِ».
وفي أصولِ الفقهِ:
الفعلُ لا عمومَ لهُ؛ لأنَّ العمومَ يُسْتَفَادُ من الصيغةِ، والفعلُ لا صيغةَ لهُ، فلا ندري ما الذي أحاطَ بالفعلِ من ظرفٍ حتى جمعَ النبيُّ ﷺ.
وفي العذرِ، أكان من الأعذارِ العامةِ، والحاجةُ العامةُ تُنَزَّلُ منزلةَ الضرورةِ كجمعِ عرفةَ ومزدلفةَ، فلا تساويها حاجةُ جماعةٍ محدودةِ العددِ، أو حاجةُ فردٍ من المسلمينَ، أم أنَّ هذا كان من الأعذارِ الخفيفةِ، والتي يستوي فيها الأمةُ، والجماعةُ المحدودةُ والواحدُ؟
أنَّ نفيَ الحرجِ يعني نفيَ الإثمِ عن الفعلِ، ولا يلزمُ من نفيِ الإثمِ قصدُ التعليلِ.
لأنَّ أحكامَ الشريعةِ كلَّها قد نفى اللهُ عنها الحرجَ، ولا يلزمُ منهُ قصدُ التعليلِ، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، والجمعُ فردٌ من أفرادِ العمومِ.
وقد استخدمَ النبيُّ ﷺ نفيَ الحرجِ على الفعلِ دليلاً على نفيِ الإثمِ وليس تعليلاً للحكمِ، لما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ مرفوعاً، وفيهِ: … قال: «ما سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ -يعني: من أعمالِ يومِ النحرِ- إلا قال: افعلْ ولا حرجَ»[89].
فنفيُ الحرجِ هنا ليس علةَ الحكمِ، بل دليلُ السعةِ والـجوازِ بنفيِ الإثمِ عنهُ.
وكما كان الغسلُ والوضوءُ بالماءِ، وبالتيممِ بدلاً عنهما من نفيِ إرادةِ الحرجِ، ونفيُ إرادةِ الحرجِ أبلغُ من نفيِ الحرجِ نفسِهِ، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6]، وليس نفيُ الحرجِ هنا من بابِ التعليلِ، بدليلِ أنهُ لا يُقَاسُ على الماءِ والترابِ غيرُهما.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] يقتضي نفيَ الحرجِ عن التطوافِ بالصفا والمروةِ، وليس علةً، وكونُ ذلك واجباً أو غيرَ واجبٍ يثبتُ بدليلٍ آخرَ.
وإذا لم يُفْهَمْ من قولِ ابنِ عباسٍ التعليلُ سقطتْ حجةُ من أرادَ أن يوسعَ الجمعَ بكلِّ حرجٍ عامٍّ أو خاصٍّ يطرقُ المصليَ.
أنَّ تلاميذَ ابنِ عباسٍ لم يسألوهُ عن سببِ الجمعِ، كـسعيدِ بنِ جبيرٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، وسألوهُ ما ذا أرادَ النبيُّ ﷺ بهذا الفعلِ؟
ولا يُعْرَفُ لذلك سببٌ إلا أنهم فهموا من نفيِ الخوفِ والسفرِ نفيَ سببِ الجمعِ، لهذا لم يسألْهُ أحدٌ منهم قطُّ عن سببِ الجمعِ، وهو نفسُهُ الذي جعلَ ابنَ عباسٍ في كلِّ طرقِ الحديثِ لا يذكرُ سببَ الجمعِ، وإنما حرصَ على نفيِ أسبابِهِ من خوفٍ أو سفرٍ.
فلو كان الفعلُ لهُ سببٌ لكان نقلُهُ للأمةِ من ابنِ عباسٍ هو الأهمَّ، وكان السؤالُ عنهُ أهمَّ من سؤالِ ابنِ عباسٍ عن رأيِهِ بقصدِ النبيِّ ﷺ بهذا الفعلِ.
ما الفائدةُ من نفيِ الخوفِ والسفرِ؟
ألم يكن أبلغَ وأقصرَ أن يذكرَ سببَ الجمعِ صريحاً ويلزمُ من ذكرِهِ نفيُ غيرِهِ من الأسبابِ، بدلاً من نفيِ بعضِ أسبابِ الجمعِ، والسكوتِ عن سببِ الجمعِ، أين فصاحةُ ابنِ عباسٍ؟
ويلزمُ من نفيِ ابنِ عباسٍ السفرَ والخوفَ أنَّ أسبابَ الجمعِ معدودةٌ، وإلا ما الفائدةُ من نفيِ بعضِ الأسبابِ إذا كانت الأسبابُ غيرَ محصورةٍ؟ لأنَّ حاجاتِ الإنسانِ تستجدُّ، ولا يأتي عليها العددُ.
الدليلُ على صحةِ هذا التأويلِ أنَّ جابرَ بنَ زيدٍ نُقِلَ عنهُ الجمعُ بلا سببٍ.
فقد روى ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا أزهرُ، عن ابنِ عونٍ قال: «ذُكِرَ لـمحمدِ بنِ سيرينَ أنَّ جابرَ بنَ زيدٍ يجمعُ بين الصلاتينِ فقال: لا أرى أن يجمعَ بين الصلاتينِ إلا من أمرٍ»[90]. يقصدُ: إلا من سببٍ.
[سندُهُ صحيحٌ].
فهذا الأثرُ يؤكدُ أنَّ طلابَ ابنِ عباسٍ إنما تركوا سؤالَهُ عن سببِ الجمعِ؛ لأنهم فهموا من نفيِ الخوفِ والسفرِ نفيَ سببِ الجمعِ، وأنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ بلا سببٍ؛ لنفيِ الإثمِ عن الأمةِ.
ويُسْتَفَادُ من هذا الأثرِ فائدتانِ:
الأولى: بطلانُ ما نُسِبَ لـابنِ سيرينَ أنهُ يرى الجمعَ بلا سببٍ.
والثانيةُ: أنَّ جابرَ بنَ زيدٍ فَهِمَ من ابنِ عباسٍ جوازَ الجمعِ بلا سببٍ، والعجبُ أنَّ كلَّ من نقلَ عن بعضِ العلماءِ جوازَ الجمعِ بلا سببٍ لم يذكرْ منهم جابرَ بنَ زيدٍ، مع أنَّ النقلَ عنهُ أَوْلَى من غيرِهِ فالنقلُ عنهُ مرويٌّ بسندٍ صحيحٍ، وأكثرُ من نُقِلَ عنهم القولُ هي أقوالٌ مرسلةٌ بلا أسانيدَ، فيُضَافُ قولُ جابرِ بنِ زيدٍ إلى من نُسِبَ لهُ القولُ بـجوازِ الجمعِ بلا سببٍ.
مما يؤكدُ أنَّ ابنَ عباسٍ أرادَ من نفيِ الحرجِ الـجوازَ والتوسعةَ، وليس التعليلَ، كونُهُ رغبَ في الجمعِ من أجلِ إكمالِ الخُطبةِ، ولا يُعْلَمُ أنَّ أحداً من الصحابةِ، ولا من الفقهاءِ ذكرَ من أسبابِ الجمعِ إكمالَ الخطبةِ.
وإذا لم يُؤْثَرْ عن أحدٍ من السلفِ أنَّ مثلَ ذلك من أسبابِ الجمعِ، كان جمعُ ابنِ عباسٍ بلا سببٍ، ولو فعلَهُ اليومَ أحدٌ من الناسِ لاشتدَّ النكيرُ عليهِ.
«كان ابنُ عباسٍ في أمرٍ مهمٍ من أمورِ المسلمينَ يخطبُهم فيما يحتاجونَ إلى معرفتِهِ، ورأى أنهُ إنْ قطعَهُ ونزلَ فاتتْ مصلحتُهُ، فكان ذلك عندهُ من الحاجاتِ التي يجوزُ فيها الجمعُ»[91].
إطباقُ الرواةِ على عدمِ نقلِ موضوعِ خطبةِ ابنِ عباسٍ يدلُّ على أنها موعظةٌ عامةٌ، وليست في أمرٍ نجزمُ معهُ أنَّ هناك ضرورةً أملتْ على ابنِ عباسٍ المضيَّ في الخطبةِ لتحقيقِ مصلحةٍ ضروريةٍ، أو دفعِ مفسدةٍ واقعةٍ.
ولو قِيلَ: إنَّ تعليمَ الناسِ من أسبابِ الجمعِ لقيلَ: يجوزُ للمدرسِ أن يجمعَ حتى لا يقطعَ درسَهُ، ويجوزُ للطالبِ في أيامِ الامتحاناتِ حتى لا يقطعَ مذاكرتَهُ، ولم يقلْ بهذا أحدٌ فيما أعلمُ.
وقد فَهِمَ بعضُ العلماءِ أنَّ جمعَ ابنِ عباسٍ من الجمعِ بلا سببٍ.
قال البغويُّ:
«الحديثُ يدلُّ على جوازِ الجمعِ بلا عذرٍ؛ لأنهُ جعلَ العلةَ أن لا تحرجَ أمتُهُ، وقد قال بهِ قليلٌ من أهلِ الحديثِ»[92].
وفَهِمَ ابنُ المنذرِ من قولِهِ: «أرادَ أن لا يحرجَ أمتَهُ» جوازَ الجمعِ بلا عذرٍ.
قال ابنُ المنذرِ:
«وقالت طائفةٌ: الجمعُ بين الصلاتينِ في الحضرِ مباحٌ، وإن لم تكن علةٌ، قال: لأنَّ الأخبارَ قد ثبتتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ جمعَ بين الصلاتينِ بالمدينةِ، ولم يثبتْ عن النبيِّ ﷺ أنهُ جمعَ بينهما في المطرِ … بل قد ثبتَ عن ابنِ عباسٍ الراوي لحديثِ الجمعِ بين الصلاتينِ في الحضرِ لما سُئِلَ: لِمَ فعلَ ذلك؟ قال: «أرادَ أن لا يحرجَ أحداً من أمتِهِ» …»[93].
وكذلك فَهِمَ النوويُّ من قولِ ابنِ عباسٍ أرادَ ألا يحرجَ أمتَهُ أنَّ الجمعَ من غيرِ علةٍ.
قال النوويُّ:
«ويؤيدُهُ ظاهرُ قولِ ابنِ عباسٍ: «أرادَ ألا يحرجَ أمتَهُ» فلم يعللْهُ بمرضٍ، ولا غيرِهِ»[94].
وهذا يدلُّ على أنهم لم فهموا من قولِهِ: «أرادَ ألا يحرجَ أمتَهُ» التعليلَ، وإنما نفيَ الإثمِ عن الفاعلِ.
والقولُ بـالجمعِ بلا سببٍ قولٌ شاذٌّ حكى الإجماعَ على تحريمِهِ ابنُ عبدِ البرِّ[95].
وقال ابنُ خزيمةَ:
«لم يختلفِ العلماءُ كلُّهم أنَّ الجمعَ بين الصلاتينِ في الحضرِ في غيرِ المطرِ غيرُ جائزٍ …»[96].
وجاءَ في «المغني»:
«أجمعنا على أنَّ الجمعَ لا يجوزُ لغيرِ عذرٍ»[97].
وقال الجصاصُ:
«ولا خلافَ بين الفقهاءِ أنَّ الجمعَ لا يجوزُ في الإقامةِ من غيرِ عذرٍ»[98].
وبصرفِ النظرِ عن دقةِ هذهِ الإجماعاتِ لكنها تدلُّ بلا شكٍّ على أنَّ أسبابَ الجمعِ محصورةٌ عند عامتِهم، وليست مفتوحةً.
وإذا كان عند الإنسانِ شغلٌ فلا يعالجُهُ بـالجمعِ، بل تسقطُ عنهُ الجماعةُ إذا كان ذلك يؤثرُ على خشوعِهِ، ولا يعالجُ مثلَ ذلك بتقديمِ الصلاةِ على وقتِها، ولا تأخيرِها عن وقتِها، فإذا حضرَ الطعامُ سقطتِ الجماعةُ، ولم يُرْشَدْ إلى الجمعِ، فكذلك إذا كان عند الإنسانِ شغلٌ يؤثرُ على خشوعِهِ لو ذهبَ إلى الصلاةِ قبلَ الفراغِ منهُ كان من فقهِ المرءِ إقبالُهُ على شغلِهِ، وسقطتْ عنهُ الجماعةُ حتى إذا أقبلَ على صلاتِهِ كان أخشعَ لقلبِهِ، وليس ذلك سبباً لـالجمعِ، وسقوطُ الجماعةِ أهونُ في الشرعِ من الجمعِ، فالجماعةُ عند أكثرِ العلماءِ ليست واجبةً بخلافِ الوقتِ، وسقوطُ الجماعةِ بالعذرِ عليهِ نصوصٌ كالشمسِ، والجمعُ في الحضرِ إما مبنيٌّ على حديثِ ابنِ عباسٍ، وقد عرفتَ ما فيهِ، وإما على قياسِ الحضرِ على السفرِ، وكيف يصحُّ القياسُ؟
وإما على أثرِ ابنِ عمرَ، وهو ليس فيهِ هذا العمومُ من توسيعِ أسبابِ الجمعِ، ومعارضٌ بمثلِهِ من أقوالِ الصحابةِ، كما سيأتي بيانُهُ عند الكلامِ على أثرِ ابنِ عمرَ.
ومما يدلُّ على أنَّ نفيَ الحرجِ لا يُرَادُ بهِ التعليلُ:
أنَّ الأئمةَ الأربعةَ لم يفهموا من حديثِ ابنِ عباسٍ التعليلَ.
فهذا الإمامُ مالكٌ يروي حديثَ ابنِ عباسٍ في «الموطأِ» والإمامُ أحمدُ يرويهِ في «المسندِ»: «من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ» ثم لا يأخذانِ بهِ في الجمعِ بين الظهرينِ لـالمطرِ. و
كذلك فعلَ الإمامُ أحمدُ، فإنَّ أحمدَ لما سُئِلَ عن الجمعِ بين الظهرينِ لـالمطرِ، قال: ما سمعتُ.
ولو كان يذهبُ إلى مذهبِ ابنِ عباسٍ في توسيعِ أسبابِ الجمعِ لم يَنْفِ السماعَ.
وقولُهما بـ(الجمعِ في العشاءينِ لـالمطرِ) أخذاهُ من فعلِ ابنِ عمرَ خلفَ الأمراءِ، وليس من حديثِ ابنِ عباسٍ.
• لو كانت الحاجةُ من أسبابِ الجمعِ:
لَـشُرِعَ الجمعُ لمن كان منزلُهُ بعيداً عن المسجدِ بُعْداً كثيراً مع المشقةِ الظاهرةِ، بل يُقَالُ لهُ: تسقطُ عنكَ الجماعةُ، ولا يُبَاحُ لكَ الجمعُ.
• ولو كانت الحاجةُ من أسبابِ الجمعِ:
لَحُفِظَ الجمعُ لـالمطرِ من السنةِ المرفوعةِ، فلا يوجدُ حديثٌ مرفوعٌ عن النبيِّ ﷺ أنهُ جمعَ في المطرِ حتى ذلك المطرِ الذي قال فيهِ الصحابيُّ تهدمتِ البيوتُ، وانقطعتِ السبلُ، وهلكتِ المواشي، لم يُحْفَظْ فيهِ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ بسببِ ذلك، وأيُّ حرجٍ أكبرُ من هذا.
ولو كانت الحاجةُ من أسبابِ الجمعِ لكان مقتضاهُ: الجمعَ بين الظهرينِ لـالمطرِ.
ولم يقلْ بـالجمعِ بهِ إلا الشافعيةُ، وهم لا يجمعونَ في الحضرِ لغيرِ المطرِ، فلا يجمعونَ للمرضِ ولا لغيرِهِ من الأسبابِ.
ولا يقولُ الشافعيُّ بجمعِ التأخيرِ، مع أنَّ جمعَ ابنِ عباسٍ كان من جمعِ التأخيرِ.
• ولو كانت الحاجةُ من أسبابِ الجمعِ:
لَجُمِعَ في شدةِ الحرِّ، والمشروعُ الإبرادُ، وهو صورةٌ من الجمعِ الصوريِّ.
• ولو كانت الحاجةُ من أسبابِ الجمعِ:
لَـشُرِعَ الجمعُ في حالِ المسايفةِ، فإنَّ الناسَ أُمِرُوا بالصلاةِ رجالاً وركباناً، ولم يُؤْمَرُوا بـالجمعِ.
فإن قِيلَ:
حديثُ ابنِ عباسٍ حديثٌ صحيحٌ، رواهُ الشيخانِ، فلا مطعنَ في صحتِهِ، ورواهُ أكثرُ من واحدٍ عن ابنِ عباسٍ.
وأما الموقوفُ من روايةِ ابنِ عباسٍ فَيُنَازَعُ فيهِ في أمرينِ:
الأمرُ الأولُ: قولُ ابنِ عباسٍ «أرادَ ألا يحرجَ أمتَهُ» فهذا الفهمُ من ابنِ عباسٍ لا يُوَافَقُ عليهِ، سواءٌ أرادَ بهِ جوازَ الجمعِ بلا سببٍ، أم أرادَ بهِ توسيعَ أسبابِ الجمعِ لمطلقِ الحاجةِ، وابنُ عباسٍ حين صلى مع النبيِّ ﷺ كان صبياً لم يبلغِ الحلمَ.
الأمرُ الثاني: أنَّ ابنَ عباسٍ جمعَ لإكمالِ الخطبةِ.
وفعلُ ابنِ عباسٍ حجةٌ لولا أنهُ معارضٌ بأمورٍ منها:
أحدُها: لا أعلمُ أنَّ أحداً من الصحابةِ أو من التابعينَ أو من الأئمةِ الأربعةِ وافقَ ابنَ عباسٍ على جوازِ الجمعِ بلا سببٍ، ولا على جوازِ الجمعِ لإكمالِ الخطبةِ، وعلى جوازِ الجمعِ لمطلقِ الحاجةِ. وقد دلَّلْتُ على بطلانِهِ من ستةِ أدلةٍ ذكرتُها قبلَ قليلٍ.
الثاني: قد خالفَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، ابنَ عباسٍ فلا يرى هو، ولا أصحابُهُ الجمعَ في الحضرِ. وسوف أوردُ أثرَ ابنِ مسعودٍ عند الاحتجاجِ بآثارِ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهم-، وليس فهمُ ابنِ عباسٍ بـأَوْلَى من فهمِ ابنِ مسعودٍ.
الثالثُ: معارضٌ بأدلةِ المواقيتِ الصحيحةِ القطعيةِ الدلالةِ قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].
الرابعُ: الإجماعُ فقد نقلَ ابنُ قدامةَ إجماعَ المسلمينَ على أنَّ الصلواتِ الخمسَ مؤقتةٌ بمواقيتَ معلومةٍ محدودةٍ[99].
الخامسُ: أثرُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، بأنَّ الجمعَ بلا عذرٍ من الكبائرِ.
روى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن أيوبَ وقتادةَ، عن أبي العاليةِ،
«أنَّ عمرَ كتبَ إلى أبي موسى: واعلمْ أنَّ جمعاً بين الصلاتينِ من الكبائرِ إلا من عذرٍ».
[حسنٌ بمجموعِ طريقيهِ، ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ مرفوعاً ولا يصحُّ] [100].
قال البيهقيُّ في «الخلافياتِ»:
مفهومُهُ: جوازُ الجمعِ بين الصلاتينِ بالعذرِ.
وإن كانت دلالةُ المفهومِ من نصوصِ الصحابةِ أضعفَ منها في النصوصِ الشرعيةِ؛ لأنَّ النصوصَ الشرعيةَ محكمةٌ، ومعصومةٌ، والسؤالُ: ما هو العذرُ الذي شهدتْ لهُ النصوصُ بالاعتبارِ، أهو السفرُ، أم المطرُ أم والمرضُ، فالسفرُ عذرٌ بدلالةِ النصوصِ القطعيةِ الواضحةِ.
وإنما خُصَّتْ أحاديثُ المواقيتِ بأحاديثِ القصرِ والجمعِ لأسبابٍ معلومةٍ:
منها: السفرُ.
ومنها: الجمعُ في عرفةَ ومزدلفةَ.
ولم يثبتِ الجمعُ للمرضِ بحديثٍ صحيحٍ مرفوعٍ، ولم يثبتِ الجمعُ للبردِ، ولا للريحِ، ولا للوحلِ، واختلفوا في المطرِ. فـيُؤْخَذُ بالمتيقنِ الْمُجْمَعِ عليهِ، ويُحْتَاطُ للصلاةِ فيما اختلفوا فيهِ.
وقد دَلَّلْتُ على أنَّ ابنَ عباسٍ جمعَ بلا سببٍ، وذلك لكونِهِ جمعَ لإكمالِ الخطبةِ، ولتركِهِ بيانَ سببِ الجمعِ، ولاقتصارِهِ على نفيِ سببِ الجمعِ، ولتركِ أصحابِهِ سؤالَهُ عن سببِ الجمعِ؛ لأنهم فهموا أنَّ الجمعَ بلا سببٍ، ولفعلِ جابرِ بنِ زيدٍ راوي حديثِ ابنِ عباسٍ حيثُ كان يجمعُ بلا سببٍ، وإنما أخذَ ذلك من ابنِ عباسٍ، وهو راوي الحديثِ.
وابنُ عباسٍ من كبارِ فقهاءِ الصحابةِ، ولهُ اجتهاداتٌ ينفردُ بها، ومنها ما لا يُوَافَقُ عليهِ، كالقولِ بنكاحِ المتعةِ، والقولِ بمسحِ القدمِ في الوضوءِ، وجوازِ ربا الفضلِ.
وقد دخلَ على ابنِ عباسٍ شبابٌ من بني هاشمٍ فقالوا لشابٍ منهُ: سَلِ ابنَ عباسٍ أكان رسولُ اللهِ ﷺ يقرأُ في الظهرِ والعصرِ؟ فقال: لا، لا، فـقِيلَ لهُ: فلعلَّهُ كان يقرأُ في نفسِهِ، فقال: خَمْشاً هذه شَرٌّ من الأولى[101].
وفي روايةٍ عنهُ على الشكِّ: قد حفظتُ السنَّةَ كلَّها غيرَ أني لا أدري أكان رسولُ اللهِ ﷺ، يقرأُ في الظهرِ والعصرِ، أم لا …. الحديث[102].
وصحَّ عن ابنِ عباسٍ القولُ بالقراءةِ في الصلاةِ السريةِ، فلعلَّهُ رجعَ عن قولِهِ السابقِ.
ولا أعلمُ أنَّ أحداً قال بأنَّ إتمامَ الخطبةِ من أسبابِ الجمعِ، حتى رُوِيَ عن أبي جعفرٍ المنصورِ أنهُ قال للإمامِ مالكٍ:
«ضعْ كتاباً للناسِ ينتفعونَ بهِ، وتجنبْ فيهِ رخصَ ابنِ عباسٍ، وشدائدَ ابنِ عمرَ (يقصدُ احتياطَهُ)، ووطئْهُ للناسِ توطئةً. قال مالكٌ: فواللهِ لقد علمني التصنيفَ يومئذٍ»[103].
واللهُ أعلمُ بصحةِ ذلك.
وكلُّ من اجتهدَ وأكثرَ من مسائلِ الاجتهادِ فإنهُ عرضةٌ للخطأِ، وابنُ عباسٍ بحرٌ لا ساحلَ لهُ، ولو وُزِنَتْ أخطاؤُهُ بأخطاءِ الأئمةِ الأربعةِ لكانت نقطةً في بحرٍ، وعقيدةُ أهلِ السنةِ والجماعةِ أنَّ الصحابةَ غيرُ معصومينَ.
الوقوفُ على من قال بجوازِ الجمعِ للحاجةِ:
صحَّ القولُ بـجوازِ الجمعِ بلا سببٍ عن ثلاثةٍ:
جابرِ بنِ زيدٍ أبي الشعثاءِ، وأبي إسحاقَ المروزيِّ، وابنِ المنذرِ.
• وكلُّ من قال: يجوزُ الجمعُ بلا سببٍ:
فإنهُ يجوزُ الجمعُ للحاجةِ من بابِ أَوْلَى، وقد سبقَ بحثُ ذلك وإثباتُهُ.
• كما صحَّ القولُ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ:
عن ابنِ سيرينَ في أحدِ قوليهِ، وسبقَ ذلك.
فهؤلاءِ أربعةٌ يصحُّ نسبةُ القولِ عنهم بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ؛ إما تخريجاً على تجويزِهم الجمعَ بلا سببٍ، وإما تصريحاً عنهم بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ.
• ونُسِبَ القولُ بـجوازِ الجمعِ:
لـربيعةَ الرأيِ، وعبدِ اللهِ بنِ شبرمةَ، وسعيدِ بنِ المسيبِ، وحُكِيَ روايةً عن الإمامِ أحمدَ.
وانتصرَ لهذا القولِ ابنُ تيميةَ وابنُ القيمِ.
وقبلَ هؤلاءِ:
يمكنُ القولُ بأنَّ إمامَهم ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، حيثُ جمعَ لإكمالِ الخطبةِ، إنْ عُدَّ إكمالُ الخطبةِ حاجةً.
وسوف أؤجلُ الكلامَ على رأيِ ابنِ عباسٍ لأنهُ سيتداخلُ مع مناقشةِ قولِ ابنِ عباسٍ: (أرادَ ألا يحرجَ أمتَهُ).
• وأما ما نُسِبَ القولُ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ لـربيعةَ الرأيِ (والمتوفى: سنة 136هـ):
نسبَهُ لهُ ابنُ بطالٍ في «شرحِ البخاريِّ» (والمتوفى سنة: 449هـ).
جاءَ في «شرحِ البخاريِّ» لـابنِ بطالٍ:
«قال ابنُ سيرينَ: لا بأسَ بـالجمعِ بين الصلاتينِ في الحضرِ إذا كانت حاجةٌ أو شيءٌ، ما لم يتخذْهُ عادةً. وأجازَ ذلك ربيعةُ بنُ أبي عبدِ الرحمنِ»[104].
وبين وفاةِ ربيعةَ وابنِ بطالٍ أكثرُ من ثلاثمائةِ سنةٍ، ولم أقفْ عليهِ مسنداً عن ربيعةَ، ولا عن أحدٍ ممن عاصرَ ربيعةَ حتى يُقَالَ ربما سمعَهُ منهُ، فهو قولٌ معلقٌ، والمعلقُ ضعيفٌ.
وقد نقلَ سحنونُ الجمعَ لـالمطرِ بين العشاءينِ عن جماعةٍ من التابعينَ، وذكرَ منهم: ربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرحمنِ، ولم يذكرْ عنهُ جوازَ الجمعِ للحاجةِ[105].
فلو كان هذا القولُ ثابتاً عن ربيعةَ لماذا لم تنقلْهُ كتبُ الآثارِ والمصنفاتُ التي تجمعُ آثارَ التابعينَ مسندةً، ولماذا يكونُ أولَ من ينقلُهُ عنهُ ابنُ بطالٍ وبينهما مفازةٌ عظيمةٌ؟!
ونسبَ ابنُ قدامةَ القولَ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ: لـابنِ شبرمةَ قاضي الكوفةِ (المتوفى: 144هـ).
حكاهُ عنهُ في «المغني» معلقاً (والمتوفى: 620)، ولم أقفْ عليهِ مسنداً.
وسيأتي نقلُ كلامِ ابنِ قدامةَ إن شاءَ اللهُ تعالى.
• نأتي لما وردَ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، ومدى صحةِ ما رُوِيَ عنهُ، ونسبتِهِ إلى القولِ بـجوازِ الجمعِ عند كلِّ حاجةٍ أو شغلٍ.
روى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، حدثنا حاتمُ بنِ إسماعيلَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حرملةَ،
«أنَّ رجلاً جاءَ إلى سعيدِ بنِ المسيبِ، فقال: إني راعي إبلٍ أحلبُها، حتى إذا أمسيتُ صليتُ المغربَ، ثم طرحتُ فرقدتُ عن العتمةِ، فقال: لا تنمْ حتى تصليَها، فإن خفتَ أن ترقدَ فاجمعْ بينهما».
[فيهِ عبدُ الرحمنِ بنِ حرملةَ صدوقٌ سيئُ الحفظِ] [106].
هل يصحُّ الأخذُ من هذه الفتوى جوازَ الجمعِ عند كلِّ شغلٍ أو حاجةٍ؟
فهذا الراعي يراعى طيلةَ النهارِ، ثم يأتي المغربُ فيصليها في وقتِها، ثم ينامُ عن صلاةِ العشاءِ غلبةً، فلا يصليها حتى يخرجَ وقتُها من شدةِ الإعياءِ، فنهاهُ سعيدُ بنِ المسيبِ عن النومِ حتى يصليَ العشاءَ ما دامَ يقدرُ على ذلك، فإذا خافَ من تضييعِها بالنومِ أذنَ لهُ بـالجمعِ.
فهل يستوي رجلٌ يخافُ من نفسِهِ تضييعَ الصلاةِ؛ لكونِهِ قد بلغَهُ الإعياءُ من رعيِهِ طيلةَ النهارِ، فلا يدخلُ في استطاعتِهِ البقاءُ إلى العشاءِ، وإذا نامَ لم يُصَلِّ العشاءَ إلا وقد خرجَ وقتُها؟
هل يستوي هذا برجلٍ يقدمُ شغلَهُ وحاجتَهُ مع قدرتِهِ على أداءِ كلِّ صلاةٍ في وقتِها؟
وهل جمعُ هذا الرجلِ يشبهُ الجمعَ من أجلِ إكمالِ الخطبةِ؟
فـالجمعُ من الراعي هذا ملحقٌ بجمعِ الضروراتِ، وليس بالحاجاتِ كالمرضِ.
وهبْ أنَّ القولَ هذا لا يُعْرَفُ عن أحدٍ من التابعينَ إلا عن سعيدِ بنِ المسيبِ:
أيكونُ هذا القولُ بهذا التفردِ زمنَ التابعينَ ثم يكونُ ديناً للعامةِ عند كلِّ شغلٍ أو حاجةٍ تطرقُ المكلفَ، وهل قولُ سعيدٍ ممن يُحْتَجُّ بقولِهِ أم يُحْتَجُّ لقولِهِ؟
فإن كان عمدةُ ابنِ المسيبِ حديثَ ابنِ عباسٍ، فقد أوقفتُكَ على كلامِ الأئمةِ في حديثِ ابنِ عباسٍ، ومنهم الأئمةُ الأربعةُ ونقلتُ لكَ من نصوصِهم ومذاهبِهم ما لا يتفقُ مع حديثِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- في الموقفِ الأولِ من الحديثِ.
بقيَ ما نُقِلَ روايةً عن الإمامِ أحمدَ:
وهي تخالفُ الراويةَ المشهورةَ في مذهبِهِ، وما عليهِ عامةُ أصحابِهِ، فلنأخذِ النصَّ المنقولَ عن الإمامِ أحمدَ.
قال في «الفروعِ»: ونقلَ ابنُ مشيشٍ:
يجمعُ في حضرٍ لضرورةٍ، مثلَ مرضٍ وشغلٍ[107].
هذا النَّصُّ من الإمامِ أحمدَ يجبُ ألا يكونَ مفصولاً عن الرواياتِ الأخرى لهُ، فهو يتكلمُ عن جمعِ الضرورةِ، قال أحمدُ: (يجمعُ في حضرٍ لضرورةٍ).
ومفهومُهُ: أنهُ لا يجمعُ في الحضرِ للحاجةِ.
وأما المثالُ الذي ساقَهُ مثلَ مرضٍ وشغلٍ، فهذا ما دامَ ساقَهُ مثالاً للضرورةِ، فـيُحْمَلُ على المرضِ الشديدِ الذي يكونُ فيهِ الجمعُ من الضروراتِ، ولا يُحْمَلُ على المريضِ الذي يكونُ معهُ بعضُ المشقةِ، ومثلُهُ يُقَالُ في الشغلِ.
جاءَ في «الإرشادِ» لـابنِ أبي موسى (ت: 428):
«وجمعُ المريضِ يخافُ أن يُغْلَبَ على عقلِهِ تخفيفٌ»[108].
وقال القاضي أبو يعلى:
«وأما المرضُ، فإنما جُعِلَ لهُ الجمعُ بين الظهرِ والعصرِ إذا خشيَ أن يُغْلَبَ على عقلِهِ، ويشقَّ عليهِ الوضوءُ»[109].
فـتَبَيَّنَ أنَّ جمعَ المريضِ من جمعِ الضروراتِ، ولذلك يرى الجمعَ للمرضِ من لا يرى الجمعَ للحاجةِ كالإمامِ مالكٍ.
بل يرى الجمعَ للمرضِ من لا يرى الجمعَ لـالمطرِ كـالليثِ بنِ سعدٍ وعطاءٍ[110].
وذكرَ الإمامُ أحمدُ مع المرضِ الشغلَ، قال القاضي أبو يعلى:
«أرادَ بالشغلِ ما يجوزُ معهُ تركُ الجمعةِ والجماعةِ من الخوفِ على نفسِهِ أو مالِهِ»[111].
فهذا الشغلُ من بابِ الضروراتِ، وليس المرادُ بالشغلِ اشتغالَهُ بحاجاتِهِ.
وقال الموفقُ ابنُ قدامةَ:
«ولا يجوزُ الجمعُ لغيرِ ما ذكرنا -يعني من الأسبابِ السابقةِ- وقال ابنُ شبرمةَ: يجوزُ إذا كانت حاجةٌ أو شيءٌ لم يتخذْ عادةً»[112].
وهذا النَّصُّ من ابنِ قدامةَ يُسْتَفَادُ منهُ أمرانِ:
الأمرُ الأولُ:
بيانُ أنَّ أسبابَ الجمعِ في مذهبِ الإمامِ أحمدَ معدودةٌ، لا يجوزُ الجمعُ في غيرِها، ولو كان الجمعُ مما تبيحُهُ الحاجةُ لكانتِ الحاجاتُ غيرَ محصورةٍ.
الأمرُ الثاني:
أنهُ جعلَ جوازَ الجمعِ للحاجةِ قولاً لـابنِ شبرمةَ، ولو كان يعرفُ أنهُ روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ لم يكتفِ في نسبتِهِ لـابنِ شبرمةَ.
وقال في «الإنصافِ»:
«لا يجوزُ الجمعُ لعذرٍ من الأعذارِ سوى ما تقدمَ على الصحيحِ من المذهبِ، وعليهِ الأصحابُ»[113].
وقال ابنُ مفلحٍ في «الفروعِ»:
«واختارَ شيخُنا -يعني: ابنَ تيميةَ– الجمعَ لتحصيلِ الجماعةِ … ولخوفِ تحرجٍ في تركِهِ، أي: مشقةٍ»[114].
ولو كان الجمعُ للحاجةِ روايةً عن أحمدَ لذكرَهُ ابنُ مفلحٍ روايةً، فهو من أعلمِ أهلِ عصرِهِ برواياتِ الإمامِ أحمدَ، فكونُهُ ينسبُ الجمعَ للمشقةِ لشيخِهِ تقيِّ الدينِ فهذا دليلٌ على أنهُ ليس روايةً عن الإمامِ أحمدَ.
فالمرضُ والشغلُ الذي نقلَهُ ابنُ مشيشٍ عن أحمدَ كانا مثالينِ لجمعِ الضرورةِ، وليس لجمعِ الحاجةِ.
وكيف يكونُ الجمعُ في مذهبِ أحمدَ يجوزُ دفعاً للمشقةِ، وقد نَصَّ الإمامُ على أنهُ لا يُجْمَعُ لـالمطرِ في الظهرينِ كما مَرَّ معكَ؟
وأسقطَ الحنابلةُ الجمعةَ والجماعةَ لغلبةِ النعاسِ ولم يجعلوهُ سبباً يبيحُ الجمعِ مع مشقةِ مقاومةِ النومِ، فقد ذُكِرَ في «الوجيزِ» أنهُ يجوزُ الجمعُ لكلِّ شغلٍ أو عذرٍ يبيحُ تركَ الجمعةِ والجماعةِ عدا النعاسِ[115].
ومنعَ الحنابلةُ الجمعَ للمشقةِ في السفرِ القصيرِ.
وبقيَ ممن نُسِبَ لهُ هذا القولُ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ شيخُ الإسلامِ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ وتلميذُهُ العلامةُ ابنُ القيمِ عليهما رحمةُ اللهِ، وقد نصرَ ابنُ تيميةَ القولَ في جوازِ الجمعِ للحاجةِ محتجّاً بحديثِ ابنِ عباسٍ، وبالقياسِ على جمعِ السفرِ، وأباحَ الجمعَ في كلِّ عذرٍ يسقطُ الجمعةَ والجماعةَ، وسوف أوردُ من نصوصِ الإمامِ ابنِ تيميةَ في البحثِ إن شاءَ اللهُ تعالى ما احتجَّ بهِ لجمعِ المطرِ، ومدارستَهُ عند استكمالِ أدلةِ القائلينَ بـجوازِ الجمعِ لـالمطرِ.
فخلاصةُ القولِ: أنهُ قد صحَّ القولُ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ عن ابنِ سيرينَ في أحدِ قوليهِ، وابنِ تيميةَ، وابنِ القيمِ.
ولم يصحَّ نسبةُ القولِ بهِ عن الإمامِ أحمدَ، ولا عن وربيعةَ الرأيِ، ولا عن ابنِ شبرمةَ، وأما ما رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، فهو من جمعِ المضطرِّ إذا خافَ أن يضيعَ الصلاةَ بغلبةِ النومِ، واللهُ أعلمُ.
والقولُ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ: عمدتُهم فعلُ ابنِ عباسٍ حيثُ جمعَ للخطبةِ، وما فهمَهُ من جمعِ النبيِّ ﷺ في المدينةِ حيثُ فَهِمَ ذلك بأنهُ أرادَ نفيَ الحرجِ عن أمتِهِ، وكلاهما موقوفانِ على ابنِ عباسٍ.
وإذا ثبتَ أنَّ التعليلَ في حديثِ ابنِ عباسٍ لا يُفْهَمُ منهُ القولُ بـجوازِ الجمعِ للحاجةِ، بل نفيَ الإثمِ عن الجمعِ سقطَ القولُ تبعاً.
وقد وصفَ ابنُ عبدِ البرِّ هذا القولَ بالشاذِّ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ:
«وقالت طائفةٌ شذتْ عن الجمهورِ الجمعُ بين الصلاتينِ في الحضرِ، وإن لم يكن مطرٌ مباحٌ إذا كان عذرٌ وضيقٌ على صاحبِهِ، ويشقُّ عليهِ، وممن قال بذلك محمدُ بنُ سيرينَ …»[116]
ونفى النوويُّ أن يكونَ الجمعُ للحاجةِ من أقوالِ الأئمةِ الأربعةِ.
قال النوويُّ:
«في مذاهبِهم في الجمعِ في الحضرِ بلا خوفٍ، ولا سفرٍ، ولا مرضٍ مذهبُنا ومذهبُ أبي حنفيةَ، ومالكٍ وأحمدَ، والجمهورِ أنهُ لا يجوزُ، وحكى ابنُ المنذرِ عن طائفةٍ جوازَهُ بلا سببٍ، قال: وجوَّزَهُ ابنُ سيرينَ لحاجةٍ، ما لم يتخذْهُ عادةً»[117].
هؤلاءِ هم من نُسِبَ لهم القولُ بـالجمعِ للحاجةِ، وأكثرُهم لا تصحُّ نسبةُ القولِ إليهِ.
لا يوجدُ دليلٌ صحيحٌ صريحٌ يدلُّ على جوازِ الجمعِ للحاجةِ.
ولو كانت الحاجةُ سبباً من أسبابِ الجمعِ، لَعُرِفَ هذا من جهةِ العملِ في عصرِ التشريعِ، ولانتشرَ في عصرِ الصحابةِ، وفي عصرِ التابعينَ.
هل يُعْزَى ذلك؛ لأنَّ الصحابةَ لم يتعرضوا في حياتِهم إلى حاجةٍ تدعو إلى الجمعِ إلا ما نقلَهُ ابنِ عباسٍ، ولم يُنْقَلْ سببُ الجمعِ في سائرِ طرقِ الحديثِ.
لقد اشتغلَ الصحابةُ في حفرِ الخندقِ، وكان هذا من الشغلِ العامِّ، ومصلحتُهُ الدفاعُ عن الملةِ والأمةِ رجالاً ونساءً وأطفالاً، ولم يمرَّ بالنبيِّ ﷺ ولا صحابتِهِ حدثٌ مثلُ حفرِ الخندقِ وقد تحزبَ عليهم العربُ من أقطارِها حتى كان النبيُّ ﷺ يشاركُ في نقلِ الترابِ، وقد اجتمعَ فيهِ الجوعُ والخوفُ والشغلُ، ولم يُنْقَلْ أنهم جمعوا للصلاةِ، فأيُّ شغلٍ بعد هذا يكونُ مبرراً لـالجمعِ.
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ -رضيَ اللهُ عنهُ- قال:
«رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يومَ الأحزابِ ينقلُ الترابَ وقد وارى الترابُ بياضَ بطنِهِ … الحديث»[118].
وفي روايةٍ: «حتى وارى عني الغبارُ جلدةَ بطنِهِ، وكان كثيرَ الشعرِ … الحديث»[119].
وأيُّ شغلٍ أصابَ الناسَ حتى كان النبيُّ ﷺ -بأبي هو وأمي- وهو أعلى رجلٍ في الدولةِ يشاركُ في نقلِ الترابِ، وفي حفرِ الخندقِ؟
وروى البخاريُّ من طريقِ سعيدِ بنِ ميناءَ قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ -رضيَ اللهُ عنهما- قال:
«لما حُفِرَ الخندقُ رأيتُ بالنبيِّ ﷺ خمصاً شديداً، فانكفأتُ إلى امرأتي، فقلتُ: هل عندَكِ شيءٌ؟ فإني رأيتُ برسولِ اللهِ ﷺ خمصاً شديداً … من حديثٍ طويلٍ»[120].
فإذا كان هذا الشغلُ لم يسوِّغِ الجمعَ، فأيُّ شغلٍ بعدَهُ يمكنُ أن يبررَ الجمعَ؟
وإذا لم يجمعِ المسلمونَ في مثلِ ذلك اليومِ والذي اجتمعَ فيهِ العملُ، والجوعُ، والخوفُ، وكانوا يسارعونَ الوقتَ قبلَ أن يداهمَهم العدوُّ لم يجمعِ المسلمُ لما هو دونَهُ من الحاجاتِ الخاصةِ أو العامةِ، أليس هذا الاستدلالُ أقوى من القولِ بأنهُ إذا جمعَ لما دون الخوفِ والسفرِ دلَّ على جوازِ الجمعِ لـالمطرِ بالأولويةِ؟
ولقد كان الأنصارُ أهلَ حرثٍ ونخلٍ، يعملونَ في مزارعِهم، ويأتيهم مواسمُ الحصادِ والجذاذِ، كلَّ عامٍ مرةً أو مرتينِ، ثم لا يُنْقَلُ عنهم الجمعُ.
والسؤالُ المشروعُ:
أيكونُ الشغلُ من أسبابِ الجمعِ، وهو لا ينفكُّ عن الحياةِ جماعةً وأفراداً، ثم لا يُنْقَلُ الجمعُ من فعلِ النبيِّ ﷺ، ولا من فعلِ أصحابِهِ، ولا من فعلِ التابعينَ إلا ما كان من حديثِ ابنِ عباسٍ -وقد وقفتَ على مواقفِ العلماءِ منهُ، وابنُ عباسٍ لم يذكرْ في جميعِ طرقِ الحديثِ سببَ الجمعِ؟
أيُنْقَلُ الصحابةُ جمعَ النبيِّ ﷺ في أسفارِهِ، والسفرُ عارضٌ في حياةِ الحضريِّ، ويتكررُ النقلُ في بيانِ صفتِهِ، ومكانِهِ كالأبطحِ، وأثناءَ استراحتِهِ في طريقِ إلى تبوكَ، وفي عرفةَ ومزدلفةَ، وهل كان من جمعِ التقديمِ أو من التأخيرِ، وهل كان في حالِ نزولِهِ أو كان في حالِ جَدَّ بهِ السيرُ، ثم إذا جاءتِ الإقامةُ في الحضرِ، وهي الأصلُ في حياةِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ، والتي امتدتْ في المدينةِ عشرَ سنواتٍ، ويتعرضُ فيها المجتمعُ لأسبابِ الجمعِ المتكررةِ من مطرٍ، وبرَدٍ، ورياحٍ، ووحلٍ، وقَرٍّ وحَرٍّ شديدينِ كما هو معهودٌ في أرضِ الحجازِ، ثم لا يوجدُ فيها حديثٌ واحدٌ مرفوعٌ إلى النبيِّ ﷺ أنهُ جمعَ لذلك؟
ولا يُؤْثَرُ في ذلك إلا حديثِ ابنِ عباسٍ المشكلِ، والذي شَرَّقَ العلماءُ فيهِ وغَرَّبُوا؟
أيُقَالُ بعدَ ذلك بمشروعيةِ الجمعِ للمطرِ، أو للحاجةِ عامةً أو خاصةً؟
لو كان الحرجُ يبيحُ الجمعَ لما أذنَ النبيُّ ﷺ لـأبي ذرٍّ إذا أدركَ أئمةَ الجَوْرِ ممن يؤخرونَ الصلاةَ عن وقتِها أن يصليَ الصلاةَ لوقتِها، فإن أدركَها معهم صلى معهم، وتكونُ لهُ نافلةً، ولم يُرْشِدْهُ إلى الجمعِ، أليس جمعُ الكلمةِ من الحاجةِ؟
أريدُ أن أقفَ على مذاهبِ الأئمةِ الأربعةِ في أسبابِ الجمعِ:
أهي معدودةٌ عندهم، أم محدودةٌ بوصفٍ، لا يمكنُ حصرُها بالعددِ؟
فإنَّ أسبابَ الجمعِ ستكونُ مفتوحةً عندهم، فيجمعُ متى كان في تركِ الجمعِ حرجٌ.
فذلك يعني: أحدَ أمرينِ:
• إما أنهم فهموا من قولِ ابنِ عباسٍ: (أرادَ ألا يحرجَ أمتَهُ):
نفيَ الإثمِ، وليس التعليلَ.
• أو أنهم لم يأخذوا بفهمِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-:
فهو اجتهادُ صحابيٍّ غيرِ معصومٍ.
والهدفُ من هذا البحثِ:
ليس بيانَ الراجحِ من أسبابِ الجمعِ، فإنَّ كلَّ سببٍ من أسبابِ الجمعِ سوف أفردُ لهُ مبحثاً خاصّاً إن شاءَ اللهُ تعالى.
وإنما الهدفُ النظرُ بإجمالٍ إلى مذاهبِ الأئمةِ الأربعةِ:
أقالوا: أسبابُ الجمعِ مفتوحةٌ لكلِّ حاجةٍ؟
أم ذهبوا إلى أنَّ أسبابَ الجمعِ معدودةٌ، على اختلافٍ بينهم بين موسِّعٍ ومُضَيِّقٍ؟
أسبابُ الجمعِ عند الحنفيةِ:
الحنفيةُ: لا يَرَوْنَ الجمعَ في حضرٍ، ولا سفرٍ إلا في النسكِ للحاجِّ في عرفةَ ومزدلفةَ[121].
أسبابُ الجمعِ عند الشافعيةِ:
الشافعيةُ يحصرونَ أسبابَ الجمعِ بسببينِ:
الأولُ: السفرُ الذي تُقْصَرُ فيهِ الصلاةُ[122].
الثاني: المطرُ في الحضرِ، فـيُجْمَعُ لهُ جمعَ تقديمٍ[123].
أسبابُ الجمعِ عند المالكيةِ محصورةٌ بالأسبابِ التاليةِ:
1- السفرُ، ولو كان قصيراً لا تُقْصَرُ فيهِ الصلاةُ.
2- المرضُ، إن خافَ أن يُغْلَبَ على عقلِهِ، جمعَ أولَ الوقتِ، فإن جمعَ ولم يغبْ عقلُهُ أعادَ الثانيةَ في وقتِها.
3- المطرُ، ومنهُ البرَدُ والثلجُ بين العشاءينِ خاصةً فـيُجْمَعُ لهُ جمعَ تقديمٍ.
4- الطينُ (الوحلُ) مع ظلمةٍ، لا الطينُ فقط، ولا الظلمةُ فقط جمعَ تقديمٍ.
5- الجمعُ في عرفةَ، وفي مزدلفةَ.
6- وفي الخوفِ قولانِ لـابنِ القاسمِ[124].
أسبابُ الجمعِ عند الحنابلةِ:
الحنابلةُ: من أوسعِ المذاهبِ في الجمعِ، ومع ذلك فهي معدودةٌ عندهم بالآتي:
1- المطرُ، ومنهُ البرَدُ والثلجُ والجليدُ، فـيُجْمَعُ بين العشاءينِ فقط تقديماً أو تأخيراً ولا يجوزُ الجمعُ فيها بين الظهرينِ.
2- الوحلُ.
3- الريحُ الشديدةُ الباردةُ[125].
1- السفرُ الذي تُقْصَرُ فيهِ الصلاةُ.
2- المرضُ، إذا لحقَهُ بتركِ الجمعِ مشقةٌ، ويدخلُ في المرضِ: المستحاضةُ، والعاجزُ عن الطهارةِ ولو تيمماً لكلِّ صلاةٍ؛ لأنهُ في معنى المريضِ، يجوزُ الجمعُ فيهِ تقديماً وتأخيراً.
جاءَ في «المغني»:
«قال الأثرمُ: قِيلَ لـأبي عبدِ اللهِ: المريضُ يجمعُ بين الصلاتينِ؟ قال: إني لأرجو لهُ ذلك إذا ضعفَ، وكان لا يقدرُ إلا على ذلك»[126].
وقال بعضُهم: إن جازَ لهُ تركُ القيامِ جازَ لهُ الجمعُ، وإلا فلا.
ورُوِيَ عن أحمدَ: أنهُ لا يجوزُ الجمعُ للمريضِ[127].
3- المرضعُ إذا شقَّ عليها تفريقُ الصلاةِ؛ لكثرةِ النجاسةِ، نَصَّ عليهِ أحمدُ؛ لأنَّ الغالبَ من حالِ المرضعِ أنَّ ثوبَها لا يسلمُ من النجاسةِ، ففي غسلِهِ أو خلعِهِ لكلِّ صلاةٍ مشقةٌ، ولا يُطْرِدُ الحنابلةُ الجمعَ لكلِّ مشقةٍ.
فلا يجمعُ الجزارُ، مع أنهُ يلحقُهُ مشقةٌ في غسلِ ثوبِهِ أو خلعِهِ لكلِّ صلاةٍ كالمرضعِ.
ومنعوا الجمعَ للمشقةِ في السفرِ القصيرِ، وفي الجمعِ لـالمطرِ بين الظهرينِ.
4- العاجزُ عن معرفةِ الوقتِ كأعمى.
5- الجمعُ لعذرٍ أو شغلٍ يبيحُ لهُ تركَ جمعةٍ وجماعةٍ كخوفِهِ على نفسِهِ، أو مالِهِ، أو حرمتِهِ، قالَهُ ابنُ حمدانَ.
ونصَّ أحمدُ فيما نقلَهُ ابنُ مشيشٍ:
يجمعُ في حضرٍ لضرورةٍ، مثلَ مرضٍ وشغلٍ، وحملَهُ القاضي: على ما يبيحُ تركَ الجمعةِ والجماعةِ [128].
وليس هذا على إطلاقِهِ:
فـالمطرُ: يسقطُ الجماعةَ مطلقاً، ولا يبيحُ الجمعَ بين الظهرينِ.
والنعاسُ: يسقطُ الجماعةَ مطلقاً، ولا يبيحُ الجمعَ.
والسفرُ القصيرُ يسقطُ الجماعةَ، ولا يبيحُ الجمعَ.
وحضورُ الطعامِ يسقطُ الجماعةَ، ولا يبيحُ الجمعَ.
من يرغبُ في أكلِ الثومِ والبصلِ، لهُ أن يأكلَ، وتسقطُ عنهُ الجماعةُ، ولا يُقَالُ: اجمعْ، ثم كلْ.
ولذلك قال الحنابلةُ بعدَ أن ذكروا ما يبيحُ الجمعَ:
قال في «الإنصافِ»:
«لا يجوزُ الجمعُ لعذرٍ من الأعذارِ سوى ما تقدمَ على الصحيحِ من المذهبِ، وعليهِ الأصحابُ»[129].
وقال الموفقُ ابنُ قدامةَ:
«ولا يجوزُ الجمعُ لغيرِ ما ذكرنا»[130].
وانفردَ الحنابلةُ دونَ الجمهورِ بالقولِ بـالجمعِ في المسائلِ التاليةِ:
– جوازِ جمعِ التأخيرِ في المطرِ بين العشاءينِ.
– جوازِ الجمعِ في المطرِ لمن كان يصلي في بيتِهِ، أو كان طريقُهُ إلى المسجدِ تحتَ سقفٍ ونحوِهِ.
– جوازِ الجمعِ بين العشاءينِ في الوحلِ ولو لم يكن فيهِ ظلمةٌ، والريحِ الشديدةِ الباردةِ.
– جوازِ الجمعِ تقديماً وتأخيراً للمستحاضةِ، ولعاجزٍ عن الطهارةِ بالماءِ أو بالترابِ لكلِّ صلاةٍ، ولعاجزٍ عن معرفةِ الوقتِ كالأعمى.
ما هو المحفوظُ من حديثِ ابنِ عباسٍ:
أقال ابنُ عباسٍ: «من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ» فيدلُّ بمفهومِهِ على أنَّ المطرَ من أسبابِ الجمعِ؟
أم قال: «من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ» فلا تكونُ فيهِ دلالةٌ من هذا الوجهِ على أنَّ المطرَ من أسبابِ الجمعِ؟
وللجوابِ على ذلك أقولُ:
حديثُ ابنِ عباسٍ رواهُ أبو الزبيرِ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ «من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ»، وهذا هو المحفوظُ على الصحيحِ.
ورواهُ حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: «من غيرِ خوفٍ، ولا مطرٍ»، وكلاهما في صحيحِ مسلمٍ[131].
واختلفَ العلماءُ في الراجحِ من الطريقينِ:
فـرجَّحَ ابنُ تيميةَ روايةَ حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ «من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ»، ومستندُ الترجيحِ وجوهٌ منها:
أنَّ حبيبَ بنَ أبي ثابتٍ من رجالِ الشيخينِ، وهو ثقةٌ فقيهٌ، وأبا الزبيرِ من رجالِ «مسلمٍ»، وهو صدوقٌ.
يقولُ ابنُ تيميةَ:
«تقديمُ روايةِ أبي الزبيرِ على روايةِ حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ لا وجهَ لهُ؛ فإنَّ حبيبَ بنَ أبي ثابتٍ من رجالِ الصحيحينِ فهو أحقُّ بالتقديمِ من أبي الزبيرِ، وأبو الزبيرِ من أفرادِ مسلمٍ»[132].
وهذا الوجهُ سوف أجيبُ عليهِ إن شاءَ اللهُ تعالى ضمنَ وجوهِ ترجيحِ روايةِ أبي الزبيرِ، فانظرْهُ هناك دفعاً للتكرارِ.
أنَّ حبيبَ بنَ أبي ثابتٍ كوفيٌّ، وسعيدَ بنِ جبيرٍ كوفيٌّ، وأهلُ بلدِهِ أعلمُ بحديثِهِ، بخلافِ أبي الزبيرِ فإنهُ مكيٌّ، وقليلُ الروايةِ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مقارنةً بما رواهُ حبيبٌ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ.
بأنَّ هذا الوجهَ لا شكَّ أنهُ من علاماتِ الترجيحِ، إلا أنَّ هذا لا يمنعُ في حديثٍ بعينِهِ وجودَ ما يوجبُ تقديمَ الغريبِ على القريبِ لقرائنَ، من ذلك:
1- أنَّ الأعمشَ، وحبيبَ بنَ أبي ثابتٍ، وسعيدَ بنِ جبيرٍ من رجالِ «البخاريِّ»، إلا أنَّ الإمامَ البخاريَّ لم يخرجْ حديثاً واحداً في صحيحِهِ من روايةِ الأعمشِ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، وأخرجَ أحاديثَ في صحيحِهِ من روايةِ حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ.
والسؤالُ المشروعُ:
لماذا تجنبَ البخاريُّ أحاديثَ حبيبٍ من روايةِ الأعمشِ بالرغمِ من أنَّ الأعمشَ وحبيباً وسعيدَ بنَ جبيرٍ من رجالِ «البخاريِّ»؟
2- أنَّ هذا الحديثَ لم يَرْوِهِ عن حبيبٍ أحدٌ من أهلِ الكوفةِ إلا الأعمشُ، بخلافِ حديثِ أبي الزبيرِ فقد رواهُ عنهُ أهلُ الأمصارِ.
رواهُ عنهُ المكيُّ: كابنِ جريجٍ وابنِ عيينةَ.
والمدنيُّ: كالإمامِ مالكٍ وهشامِ بنِ سعدٍ.
والكوفيُّ: كسفيانَ الثوريِّ، وزهيرِ بنِ معاويةَ.
والبصريُّ: كحمادِ بنِ سلمةَ، وقرةَ بنِ خالدٍ.
والمصريُّ: كخالدِ بنِ يزيدَ الجمحيِّ.
3- إذا كان الثوريُّ، وهو كوفيٌّ، ويروي عن الأعمشِ، ومكثرٌ من الروايةِ عنهُ، ويروي كذلك عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، لم يَرْوِهِ عنهما، وذهبَ الثوريُّ ليرويَهُ عن أبي الزبيرِ المكيِّ.
فالسؤالُ المشروعُ:
لماذا تركَ الثوريُّ سماعَ هذا الحديثِ منهما، وكلُّ واحدٍ منهما بلديُّهُ، وذهبَ ليسمعَهُ من الغريبِ أبي الزبيرِ المكيِّ؟
وكذلك فعلَ شعبةُ، وهو عراقيٌّ، فقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عمروِ بنِ دينارٍ اليمنيِّ المكيِّ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، ولم يسمعِ الحديثَ من الأعمشِ الكوفيِّ وهو مكثرٌ من الروايةِ عنهُ، ويروي شعبةُ كذلك عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ أيضاً.
والسؤالُ المشروعُ:
لماذا تركَ شعبةُ العراقيُّ سماعَ هذا الحديثِ منهما، وذهبَ ليسمعَ الحديثَ من الغريبِ المكيِّ؟[133].
فـتَبَيَّنَ أنَّ الذي آثرَ الغريبَ على القريبِ هم رواةُ الحديثِ، وهذا لهُ دلالتُهُ في ترجيحِ روايةِ أبي الزبيرِ، على روايةِ حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ.
أنَّ أبا الزبيرِ قد اخْتُلِفَ عليهِ في روايتِهِ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، فتارةً يجعلُ ذلك في السفرِ كما رواهُ عنهُ قرةُ بنُ خالدٍ، وتارةً يجعلُ ذلك في المدينةِ، كما هي روايةُ الأكثرِ عنهُ[134].
معاذَ اللهِ أن نأخذَ أبا الزبيرِ بوهمِ قرةِ بنِ خالدٍ، فهذا الاختلافُ ليس من أبي الزبيرِ، فقد رواهُ عنهُ ما يقربُ من عشرةِ حفاظٍ، لم يختلفوا عليهِ في لفظِهِ، وإنما ذلك جاءَ من قِبَلِ قرةَ بنِ خالدٍ حيثُ لم يضبطِ الحديثَ، وإعلالُ روايةِ قرةَ لا تعودُ بالبطلانِ على روايةِ أبي الزبيرِ.
أنَّ قتادةَ قد رواهُ عن أبي الشعثاءِ، عن ابنِ عباسٍ بذكرِ المطرِ.
رواهُ أحمدُ، قال: حدثنا يحيى، عن شعبةَ، حدثنا قتادةُ، قال: سمعتُ جابرَ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال:
«جمعَ رسولُ اللهِ ﷺ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ بالمدينةِ في غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ … الحديث»[135].
وهذا إسنادٌ على شرطِ صحيحِ البخاريِّ، فقد أخرجَ البخاريُّ حديثاً واحداً بهذا الإسنادِ[136].
قال الشيخُ شعيبٌ في تحقيقِهِ «للمسندِ»:
«وردَ هذا الإسنادُ في النسخِ المطبوعةِ من (المسندِ) وفي (ص) هكذا: (حدثنا يحيى، عن شعبةَ، حدثنا قتادةُ، قال: سمعتُ جابرَ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ)، وهو خطأٌ. وأثبتناهُ على الصوابِ من (ظ 9) و (ظ 14) و (س) و (ش) و (ق) وأطرافِ المسندِ (1/الورقة 115) حيثُ ذكرَهُ ابنُ حجرٍ في ترجمةِ سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، ولم نَرَهُ في ترجمةِ جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ»[137].
وكيف وقعَ هذا الخطأُ؟
فالناسخُ لمسندِ أحمدَ دخلَ عليهِ حديثُ يحيى، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ ذُكِرَ للنبيِّ ﷺ ابنةُ حمزةَ، فقال: إنها ابنةُ أخي من الرضاعةِ.
فانتقلَ بصرُهُ إلى متنِ الحديثِ الذي بعدَهُ، من طريقِ الأعمشِ، عن حبيبٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، جمعَ رسولُ اللهِ ﷺ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ …. إلخ، فركبَ متنَ طريقِ الأعمشِ على إسنادِ طريقِ شعبةَ، عن قتادةَ، فهذا الطريقُ وهمٌ، فلا يدخلُ في المرجحاتِ.
أنَّ مولى التوأمةِ قد رواهُ عن ابنِ عباسٍ، بذكرِ المطرِ.
وقد اختلطَ صالحٌ اختلاطاً شديداً حتى كان اللعابُ يسيلُ على ذقنِهِ، ولم يصحَّ الحديثُ إلا من طريقِ داودَ بنِ قيسٍ، عن صالحٍ، ولم يُذْكَرْ داودُ بنِ قيسٍ فيمن سمعَ منهُ قبلَ الاختلاطِ، وقد خرجتُ الحديثَ ضمنَ تخريجِ حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ.
أنهُ لا حاجةَ لنفيِ السفرِ، وابنُ عباسٍ قد قال: بأنهُ جمعَ النبيُّ ﷺ في المدينةِ، فتعينَ أن يكونَ النفيُ لـالمطرِ.
الأولُ: أنَّ الإمامَ مالكاً، وهو أجلُّ من روى هذا الحديثَ عن أبي الزبيرِ لم يذكرْ فيهِ لفظَ: (المدينةِ)، وقد ذكرَ غيرُهُ لفظَ المدينةِ ممن روى الحديثَ، فهو محفوظٌ.
الثاني: أنَّ ألفاظَ الصحابةِ ليست كألفاظِ المعصومِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، فالنصوصُ النبويةُ منطوقُها ومفهومُها مرادٌ في الدلالةِ، وهي ألفاظٌ محكمةٌ؛ لأنها عن معصومٍ، وأما ألفاظُ الصحابةِ، فليست في الإحكامِ كلفظِ النبيِّ ﷺ، ومفهومُها ليس بحجةٍ.
الثالثُ: أنَّ التكرارَ لا يمكنُ أن يكونَ علةً يُرَدُّ بهِ نفيُ (السفرِ)، فقد يُرَادُ بالتكرارِ توكيدُ الحضرِ، والتكرارُ للتوكيدِ لا تنكرُهُ العربُ. قال ابنُ قتيبةَ: من مذاهبِ العربِ التكرارُ للتوكيدِ والإفهامِ، كما أنَّ مذاهبَهم الاختصارُ للتخفيفِ والإيجازِ[138].
الرابعُ: لما كان الجمعُ مستقراً ثبوتُهُ في السفرِ، وكان ابنُ عباسٍ يخطبُ في الحضرِ، وخشيَ ابنُ عباسٍ من ربطِ الجمعِ بأسبابِ القصرِ، وأسبابُ القصرِ: هي السفرُ والخوفُ، ولا ثالثَ لهما، فأرادَ ابنُ عباسٍ أن يبيِّنَ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ في المدينةِ من غيرِ أسبابِ القصرِ، ليثبتَ أنهُ جمعَ في الحضرِ، ولا يلزمُ من نفيِ أسبابِ الجمعِ في السفرِ نفيُ غيرِهما من الأسبابِ.
الخامسُ: أن يكونَ ابنُ عباسٍ أرادَ من نفيِ الخوفِ والسفرِ إثباتَ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ بلا سببٍ، وقد ذكرتُ ستةَ وجوهٍ لترجيحِ هذا الاحتمالِ، منها: أنَّ ابنَ عباسٍ لم يذكرْ سببَ الجمعِ في جميعِ طرقِ الحديثِ مع أهميتِهِ لو كان هناك سببٌ، ومنها اقتصارُهُ على نفيِ أسبابِهِ، ومنها تركُ أصحابِهِ سؤالَهُ عن سببِ الجمعِ؛ ولا تفسيرَ لهذا إلا لأنهم فهموا أنَّ الجمعَ بلا سببٍ، ومنها أنَّ جابرَ بنِ زيدٍ راوي الحديثِ عن ابنِ عباسٍ كان يجمعُ بلا سببٍ، وإنما أخذَ ذلك بما فهمَهُ من حديثِ ابنِ عباسٍ.
ولأنَّ ابنَ عباسٍ جمعَ من أجلِ إكمالِ الخطبةِ، وإكمالُها ليس من أسبابِ الجمعِ باتفاقِ من يقولُ: إنَّ الجمعَ لا يجوزُ بلا سببٍ.
واتفاقُ الرواةِ على عدمِ نقلِ موضوعِ خطبةِ ابنِ عباسٍ يدلُّ على أنها موعظةٌ عامةٌ، وليست في أمرٍ نجزمُ معهُ أنَّ هناك ضرورةً أملتْ على ابنِ عباسٍ المضيَّ في الخطبةِ لتحقيقِ مصلحةٍ ضروريةٍ، أو دفعِ مفسدةٍ واقعةٍ، فليست خطبةُ ابنِ عباسٍ بـأَوْلَى من خطبةِ النبيِّ ﷺ، وقد خطبَ النبيُّ ﷺ من بعدِ صلاةِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ، فكان عليهِ الصلاةُ والسلامُ إذا حضرتِ الصلاةُ نزلَ النبيُّ ﷺ، فصلى، ثم أكملَ خطبتَهُ، كما في صحيحِ مسلمٍ، حتى قال الصحابيُّ: فأخبرنا بما كان، وبما هو كائنٌ، فأعلمنا أحفظنا[139].
ولم يجمعِ النبيُّ ﷺ بين الظهرينِ من أجلِ إكمالِ خطبتِهِ، مع أنَّ خطبتَهُ أطولُ، والمشقةَ على الناسِ أعظمُ، وموضوعَها أهمُّ؛ لتعلقِها بالغيبياتِ،، واللهُ أعلمُ.
وهذا الجوابُ كررتُهُ؛ لأنَّ الجوابَ الواحدَ قد يكونُ جواباً لأكثرَ من سؤالٍ.
ذهبَ إلى ترجيحِ روايةِ أبي الزبيرِ جماعةٌ من أهلِ الحديثِ، منهم البزارُ، وابنُ خزيمةَ، والبيهقيُّ، وابنُ عبدِ البرِّ والنوويُّ.
قال البزارُ:
«وهذا الحديثُ زادَ فيهِ حبيبٌ: (من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ)، وغيرُهُ لا يذكرُ المطرَ…».
قال ابنُ خزيمةَ:
«فأما ما روى العراقيونَ: أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ بالمدينةِ في غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ، فهو غلطٌ وسهوٌ، وخلافُ قولِ أهلِ الصلاةِ جميعاً»[140].
قال البيهقيُّ:
«ولم يخرجْهُ البخاريُّ مع كونِ حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ من شرطِهِ، ولعلَّهُ إنما أعرضَ عنهُ واللهُ أعلمُ؛ لما فيهِ من الاختلافِ على سعيدِ بنِ جبيرٍ في متنِهِ. وروايةُ الجماعةِ عن أبي الزبيرِ أَوْلَى أن تكونَ محفوظةً»[141].
قال ابنُ عبدِ البرِّ:
«هكذا يقولُ الأعمشُ في هذا الحديثِ: عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: (من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ)، وحديثُ مالكٍ عن أبي الزبيرِ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ عن ابنِ عباسٍ، قال فيهِ: (من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ)، وهو الصحيحُ فيهِ إن شاءَ اللهُ، واللهُ أعلمُ. وإسنادُ حديثِ مالكٍ عند أهلِ الحديثِ والفقهِ، أقوى وأَوْلَى، وكذلك رواهُ جماعةٌ عن أبي الزبيرِ كما رواهُ مالكٌ: (من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ)، منهم الثوريُّ وغيرُهُ ….»[142].
ونقلَ النوويُّ كلاماً لـالبيهقيِّ ولم يتعقبْهُ.
جاءَ في «خلاصةِ الأحكامِ»:
«قال البيهقيُّ: روايةُ: (من غيرِ خوفٍ، ولا مطرٍ) رواها حبيبُ بنِ أبي ثابتٍ، وقال جمهورُ الرواةِ: (من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ). قال: وهذا أَوْلَى بأن يكونَ محفوظاً»[143].
ومستندُهم في ترجيحِ روايةِ أبي الزبيرِ المكيِّ وجهانِ:
أنَّ الحديثَ قد اشتهرَ عن أبي الزبيرِ، حتى رواهُ عنهُ المكيُّ، والمدنيُّ، والكوفيُّ والبصريُّ، والمصريُّ، رواهُ عنهُ أكثرُ من عشرةِ حفاظٍ، على رأسِهم: الإمامُ مالكٌ، وابنُ جريجٍ، والسفيانانِ: الثوريُّ وابنُ عيينةَ وزهيرُ بنُ معاويةَ، وغيرُهم، بل فيهم من هو من أصحابِ الأعمشِ المكثرينَ عنهُ، كالثوريِّ وزهيرٍ، فلماذا تركوا حديثَ الأعمشِ، وذهبوا لحديثِ أبي الزبيرِ، وقد تقدمَ تخريجُ طرقِهم، بخلافِ حديثِ حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، فقد تفردَ بالروايةِ عنهُ الأعمشُ، ولم يَرْوِهِ من أصحابِ الأعمشِ إلا أربعةُ حفاظٍ: (أبو معاويةَ ووكيعٌ والفضلُ بنُ موسى وعثامٌ).
يقولُ الشيخُ ياسرٌ آلُ العيدِ:
«تَرْكُ الحفاظِ المكثرينَ من أصحابِ الأعمشِ لروايتِهِ عن الأعمشِ مع علمِهم بهِ، ولعلهم تحملوهُ عن الأعمشِ ثم امتنعوا من التحديثِ بهِ عن الأعمشِ، لأجلِ هذهِ اللفظةِ التي تفردَ بها حبيبٌ، فأين أصحابُ الأعمشِ على كثرتِهم الكاثرةِ عن هذا الحديثِ، مثلَ: سفيانَ الثوريِّ، وشعبةَ، وزائدةَ، وابنِ نميرٍ، وحفصِ بنِ غياثٍ، وأبي عوانةَ، ويحيى بنِ سعيدٍ القطانِ، وجريرِ ابنِ عبدِ الحميدِ، حمادِ بنِ أسامةَ، وزهيرِ بنِ معاويةَ، وأبي الأحوصِ، وشيبانَ النحويِّ، وعبدِ اللهِ بنِ إدريسَ، وعبدِ الواحدِ بنِ زيادٍ، وابنِ فضيلٍ، وابنِ أبي زائدةَ، ويعلى بنِ عبيدٍ الطنافسيِّ، وغيرِهم كثيرٌ»[144].
أنَّ أبا الزبيرِ وإن كان في الحفظِ أقلَّ من حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، إلا أنَّ تقديمَ الأحفظِ ليس قاعدةً مطلقةً، فـأبو الزبيرِ قد دلتِ القرائنُ على تجويدِهِ وضبطِهِ للحديثِ، من ذلك أنهُ روى حديثينِ مختلفينِ في الجمعِ بين الصلاتينِ:
فروى أبو الزبيرِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ حديثَهُ في الجمعِ بين الصلاتينِ في الحضرِ.
وروى أيضاً عن أبي الطفيلِ، عن معاذِ بنِ جبلٍ حديثَهُ في الجمعِ بين الصلاتينِ في السفرِ، في غزوةِ تبوكَ.
ولم يدخلْ على ابنِ الزبيرِ روايتُهُ عن سعيدٍ، بروايتِهِ عن أبي الطفيلِ، وهذا دليلٌ على ضبطِهِ، ولم يسلكْ بهما طريقَ الجادةِ بجعلهما عن جابرٍ، فإذا جَوَّدَ الراوي الحديثَ، واشتهرَ عنهُ، قُدِّمَ، ولو كان مفضولاً.
فالنسائيُّ روى في السننِ حديثَ حسينِ بنِ ذكوانَ، عن عمروِ بنِ شعيبٍ، فرواهُ موصولاً، من طريقِ خالدِ بنِ الحارثِ، عن عمروِ بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، أنَّ امرأةً من أهلِ اليمنِ أتتْ رسولَ اللهِ ﷺ وبنتٌ لها، في يدِ ابنتِها مسكتانِ غليظتانِ من ذهبٍ، فقال: أتؤدينَ زكاةَ هذا؟ … الحديث[145].
ورواهُ أيضاً، من طريقِ المعتمرِ بنِ سليمانَ، قال: سمعتُ حسينَ بنِ ذكوانَ المعلمَ البصريَّ قال: حدثني عمروُ بنِ شعيبٍ، قال: جاءتِ امرأةٌ، ومعها ابنةٌ لها إلى رسولِ اللهِ ﷺ وذكرَ الحديثَ مرسلاً[146].
قال النسائيُّ:
«خالدُ بنُ الحارثِ أثبتُ عندنا من المعتمرِ، وحديثُ المعتمرِ أَوْلَى بالصوابِ»[147].
فقدمَ روايةَ المعتمرِ، وإن كان في الحفظِ أقلَّ من خالدِ بنِ الحارثِ.
وقال أبو بكرِ بنُ الأثرمِ:
«ربما روى الثبتُ حديثاً فخالفَهُ فيهِ من هو دونَهُ، فيكونُ الذي هو دونَهُ فيهِ أصوبَ، وليس ذلك في كلِّ شيءٍ، وسنفتحُ لكَ منها باباً. قد كان سالمُ بنُ عبدِ اللهِ يُقَدَّمُ على نافعٍ. وقد قُدِّمَ نافعٌ في أحاديثَ على سالمٍ. فـقِيلَ نافعٌ فيها أصوبُ. وكان سفيانُ بنُ سعيدٍ يُقَدَّمُ على شريكٍ في صحةِ الروايةِ تقديماً شديداً، ثم قُضِيَ لشريكٍ على سفيانَ في حديثينِ. ومثلُ هذا كثيرٌ»[148].
هذا ما يتعلقُ في مناقشةِ دلالةِ حديثِ ابنِ عباسٍ أقال ابنِ عباسٍ: (من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ) فيدلُّ بـمفهومِهِ على أنَّ المطرَ من أسبابِ الجمعِ أم قال: (من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ) فلا تكونُ فيهِ دلالةٌ فيهِ من هذا الوجهِ على أنَّ المطرَ من أسبابِ الجمعِ؟.
وقد ترجَّحَ لي أنَّ المحفوظَ روايةُ أبي الزبيرِ المكيِّ، بلفظِ: (من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ)، فلا دلالةَ في حديثِ ابنِ عباسٍ من هذا الوجهِ على أنَّ المطرَ من أسبابِ الجمعِ، ولْيُنْظَرْ في دلالتِهِ على الجمعِ على المطرِ من غيرِ هذا الوجهِ.
يقولُ ابنُ تيميةَ:
«وبهذا استدلَّ أحمدُ على الجمعِ لهذهِ الأمورِ بطريقِ الأولى، فإنَّ هذا الكلامَ يدلُّ على أنَّ الجمعَ لهذهِ الأمورِ أَوْلَى، وهذا من بابِ التنبيهِ بالفعلِ، فإنهُ إذا جمعَ ليدفعَ الحرجَ الحاصلَ بدونِ الخوفِ والمطرِ والسفرِ، فالحرجُ الحاصلُ بهذهِ أَوْلَى من الجمعِ لغيرِها»[149].
ويقولُ أيضاً:
«فقولُ ابنِ عباسٍ جمعَ من غيرِ كذا ولا كذا، ليس نفياً منهُ لـالجمعِ بتلك الأسبابِ، بل إثباتاً منهُ أنهُ جمعَ بدونِها، وإن كان قد جمعَ بها أيضاً، ولو لم يُنْقَلْ أنهُ جمعَ بها فجمعُهُ بما هو دونها دليلٌ على الجمعِ بها بطريقِ الأولى، فيدلُّ ذلك على الجمعِ للخوفِ والمطرِ»[150].
الإمامُ أحمدُ لم يَبْنِ مذهبَهُ في الجمعِ على حديثِ ابنِ عباسٍ، وقد بينتُ في فقرةٍ سابقةٍ أنَّ الأئمةَ الأربعةَ لم يبنوا مذهبَهم في الجمعِ على حديثِ ابنِ عباسٍ، فلْيُرَاجَعِ الكلامُ دفعاً للتكرارِ.
ولعلَّ ابنَ تيميةَ قصدَ أنَّ مذهبَ الإمامِ أحمدَ في الجمعِ لسببٍ غيرِ المطرِ، فإنَّ مذهبَهُ في الجمعِ من أوسعِ المذاهبِ كما سبقَ بيانُهُ لكَ في موقفٍ سابقٍ من البحثِ.
وقد بينتُ في فقرةٍ سابقةٍ أنَّ الجمعَ في المرضِ وفي العجزِ عن الطهارةِ وفي معرفةِ الوقتِ لا يدخلُ في جمعِ الحاجةِ، وإنما لأنَّ التكليفَ بحسبِ القدرةِ، فقد سبقَ أن ذكرتُ لكَ أنَّ الليثَ بنَ سعدٍ لا يرى جوازَ الجمعِ لـالمطرِ، ويفتي بـجوازِ الجمعِ للمرضِ.
وقد احتجَّ الإمامُ أحمدُ في جمعِ المرضِ بقولِ عطاءٍ، ولو كان يحتجُّ بفعلِ ابنِ عباسٍ، أو بحديثِهِ لما احتجَّ بفعلِ تابعيٍّ، وقاسَ المشقةَ على المرضِ على مشقةِ السفرِ، ولا يُضْطَرُّ لـالقياسِ إلا مع غيابِ النصِّ.
وقد يكونُ احتجَّ بـالجمعِ في المرضِ بما وردَ في حديثِ حمنةَ في جمعِ المستحاضةِ إذا أرادتْ أن تغتسلَ لكلِّ صلاةٍ، وهو حديثٌ ضعيفٌ، ومن أصولِ الإمامِ أحمدَ تقديمُ الحديثِ الضعيفِ على الرأيِ.
وقد مرضَ النبيُّ ﷺ مراتٍ عديدةً، بما فيهِ مرضُ موتِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، ولم يُنْقَلْ حديثٌ واحدٌ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ.
وهؤلاءِ أصحابُهُ -رضيَ اللهُ عنهم- كانوا أهلَ جهادٍ، يصيبُهم القرحُ، ويعتريهم المرضُ كغيرِهم، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم أنهُ جمعَ للمرضِ، وإذا تركَ النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ الجمعَ للمرضِ لم يكن لغيرِهم أن يدخلَهُ في أسبابِ الجمعِ من بابِ القياسِ، فلو كان من أسبابِ الجمعِ لعلمَهُ الصحابةُ قبلَ غيرِهم.
وبينتُ فيما سبقَ:
أنَّ الجمعَ في مذهبِ الإمامِ أحمدَ وإن كان أوسعَ المذاهبِ إلا أنهُ يرى أنَّ أسبابَهُ معدودةٌ، ولو كان يأخذُ بمذهبِ ابنِ عباسٍ لكانت أسبابُ الجمعِ مفتوحةً غيرَ محدودةٍ، وبينهما فرقٌ كبيرٌ جداً.
وأما قولُ الإمامِ أحمدَ في الجمعِ في العشاءينِ:
فلم يكن حجتُهُ في ذلك حديثَ ابنِ عباسٍ؛ لأنهُ لا يجوزُ أن يأخذَ ببعضِ الحديثِ ويدعَ بعضَهُ، وإنما حجتُهُ فعلُ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- إذا جمعَ الأمراءُ بين العشاءينِ، وصلى خلفهم.
والسؤالُ المشروعُ:
لِماذا قدمَ الإمامُ أحمدُ أثراً موقوفاً على ابنِ عمرَ على سنةٍ مرفوعةٍ نقلها ابنُ عباسٍ؟
ولماذا قدمَ أحاديثَ المواقيتِ على حديثِ ابنِ عباسٍ، ولم يخصصْها بهِ؟
القولُ: بأنهُ إذا جمعَ ليدفعَ الحرجَ الحاصلَ بدونِ الخوفِ والمطرِ والسفرِ، فالحرجُ الحاصلُ بهذهِ أَوْلَى من الجمعِ لغيرِها.
الجوابُ الأولُ:
لم يصحَّ في حديثِ ابنِ عباسٍ نفيُ الثلاثةِ، وإنما الواردُ إما نفيُ الخوفِ والسفرِ، وإما نفيُ الخوفِ والمطرِ، وإن كان تقيُّ الدينِ رحمهُ اللهُ يرجحُ نفيَ الخوفِ والمطرِ، وقد تعرضتُ للراجحِ منهما من جهةِ الصنعةِ الحديثيةِ في مناقشةٍ سابقةٍ.
أنَّ المحفوظَ في الحديثِ نفيُ الخوفِ والسفرِ، وأنَّ النفيَ جاءَ لإثباتِ أنَّ الجمعَ كان بلا سببٍ، وذكرتُ حجتَهُ فيما سبقَ.
ولا يلزمُ من الجمعِ بما دون الخوفِ والسفرِ أن يكونَ الجمعُ لـالمطرِ من بابِ الأولويةِ؛ لأنَّ الخوفَ والسفرَ أعظمُ مشقةً من المطرِ، فـالجمعُ والفطرُ في السفرِ جائزٌ، ولو لم يكن فيهِ مشقةٌ، -وهذا رأيُ تقيِّ الدينِ ابنِ تيميةَ– ولا يجوزُ الجمعُ في الحضرِ إلا إذا لحقَهُ من ذلك مشقةٌ.
فـالجمعُ للمسافرِ علتُهُ: السفرُ. والجمعُ في الحضرِ علتُهُ: المشقةُ.
ولهذا يمنعُ الحنابلةُ والشافعيةُ الجمعَ في السفرِ الذي لا تُقْصَرُ فيهِ الصلاةُ؛ لأنَّ العلةَ في الجمعِ السفرُ، خلافاً لـالمالكيةِ، وإذا اختلفتِ العلةُ لم يصحَّ القياسُ.
جاءَ في «سبلِ السلامِ»:
«قياسُ الجمعِ في السفرِ على الجمعِ في الحضرِ فوهمٌ؛ لأنَّ العلةَ في الأصلِ هي السفرُ، وهو غيرُ موجودٍ في الفرعِ، وإلا لزمَ مثلُهُ في القصرِ والفطرِ»[151].
هذا الجوابُ على دلالةِ نفيِ السفرِ على جوازِ الجمعِ في المطرِ.
ويبقى دلالةُ نفيِ الخوفِ على جوازِ الجمعِ في المطرِ، فإنَّ مفهومَ حديثِ ابنِ عباسٍ جوازُ الجمعِ بسببِ الخوفِ.
والسؤالُ:
هل حُفِظَ الجمعُ بين الصلواتِ بسببِ الخوفِ في السنةِ المرفوعةِ مع إمكانِ أداءِ كلِّ صلاةٍ في وقتِها؟
لو كان الجمعُ مشروعاً بسببِ الخوفِ، فلماذا أُمِرْنَا بالصلاةِ حالَ المسايفةِ رجالاً وركباناً قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]، حتى ولو تُرِكَتْ بعضُ واجباتِ الصلاةِ، بل وبعضُ شروطِها من أجلِ المحافظةِ على الوقتِ، ولم نُؤْمَرْ بالجمعِ بين الصلاتينِ؟
وقد يُعَدُّ الجمعُ في الخوفِ من بابِ الضروراتِ؛ والضرورةُ قد تبيحُ المحرمَ؛ وقد صلى الصحابةُ في فتحِ تسترَ بعدَ خروجِ وقتِها؛ لأنَّ مثلَ هذا ضرورةٌ، وليس البحثُ في الجمعِ في حالِ الضرورةِ، وإنما الجمعُ في حالِ الحاجةِ والمشقةِ.
وقولُهم: (جمعَ من غيرِ كذا ولا كذا، ليس نفياً منهُ لـالجمعِ بتلك الأسبابِ، بل إثباتاً منهُ أنهُ جمعَ بدونِها، وإن كان قد جمعَ بها أيضاً).
قولُهم: (وإن كان قد جمعَ بها أيضاً)، لو ثبتَ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ لـالمطرِ، لانقطعَ النزاعُ، وقامتِ الحجةُ على المخالفِ، ولكن أين النصُّ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ لـالمطرِ؟
وقولُهم: (ولو لم يُنْقَلْ أنهُ جمعَ بها فجمعُهُ بما هو دونها دليلٌ على الجمعِ بها بطريقِ الأولى، فيدلُّ ذلك على الجمعِ للخوفِ والمطرِ).
لا يلزمُ من كونِ النبيِّ ﷺ جمعَ لعذرٍ أقلَّ من الخوفِ والسفرِ، أن يكونَ ذلك إيماءً بـجوازِ الجمعِ لـالمطرِ؛ لأنَّ المطرَ يتكررُ حدوثُهُ مراتٍ في العامِ الواحدِ، فلماذا لم يجمعْ، وإذا كان قد جمعَ فلماذا لم يُنْقَلْ؟
وإذا لم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ جمعُهُ لـالمطرِ لم نكن بحاجةٍ إلى الاستدلالِ على أنَّ جمعَهُ من غيرِ خوفٍ، ولا سفرٍ إيماءٌ بـجوازِ جمعِهِ لـالمطرِ، إلا لو كان المطرُ صادفَ أنهُ احتبسَ عن النزولِ في جميعِ عصرِ التشريعِ؛ أما إذا كان ينزلُ، ويتكررُ نزولُهُ، حتى حصلَ منهُ أحياناً ما أهلكَ المواشيَ وهَدَّمَ البيوتَ وقطعَ السبلَ، ومع ذلك لم يُنْقَلِ الجمعُ، ولو مرةً واحدةً، فالقاعدةُ تقولُ: كلُّ ما وُجِدَ سببُهُ في عصرِ النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، وأمكنَ فعلُهُ، ولم يفعلْهُ فالسنةُ تركُهُ.
ألا يشعرُكَ هذا النوعُ من الاستدلالِ على إعوازٍ في النصوصِ المرفوعةِ الدالةِ على جوازِ الجمعِ في المطرِ؟
ولم ينقلْ لنا ابنُ عباسٍ في جميعِ طرقِ الحديثِ سببَ جمعِ النبيِّ ﷺ في الحضرِ حتى يمكنَ الجزمُ بأنَّ جمعَ المطرِ مثلُهُ، أو أعلى منهُ أو أقلُّ.
وبهذا أكونُ قد انتهيتُ من مناقشةِ الوجهِ الثاني من وجوهِ الاستدلالِ بحديثِ ابنِ عباسٍ على جمعِ المطرِ، واللهُ أعلمُ.
ما رواهُ مالكٌ في «الموطأِ»، عن نافعٍ،
«أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا جمعَ الأمراءُ بين المغربِ والعشاءِ في المطرِ، جمعَ معهم»[152].
[إسنادُهُ في غايةِ الصحةِ] [153].
وروى ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا أبو أسامةَ، قال: حدثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، قال:
«كانت أمراؤُنا إذا كانت ليلةٌ مطيرةٌ أبطؤوا بالمغربِ، وعجلوا بالعشاءِ قبلَ أن يغيبَ الشفقُ، فكان ابنُ عمرَ يصلي معهم، لا يرى بذلك بأساً. قال عبيدُ اللهِ: ورأيتُ القاسمَ، وسالماً يصليانِ معهم في مثلِ تلك الليلةِ»[154].
وهذا جمعٌ في الوقتِ؛ لأنَّ الصلاتينِ وقعا قبلَ مغيبِ الشفقِ.
وروى ابنُ أبي شيبةَ، حدثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ قال:
«كان ابنُ عمرَ يصلي مع مروانَ، وكان مروانُ إذا كانت ليلةٌ مطيرةٌ جمعَ بين المغربِ والعشاءِ وكان ابنُ عمرَ يصليهما معهُ»[155].
قال ابنُ رجبٍ:
«وقد عُلِمَ شدةُ متابعةِ ابنِ عمرَ لـالسنةِ، فلو كان محدثاً لم يوافقْهم عليهِ البتةَ»[156].
وقال ابنُ المنذرِ:
«فإن قال قائلٌ: فإنَّ ابنَ عمرَ وغيرَهُ ممن ذكرنا قد جمعوا في حالِ المطرِ.
قِيلَ: إذا ثبتتِ الرخصةُ في الجمعِ بين الصلاتينِ جُمِعَ بينهما لـالمطرِ والريحِ والظلمةِ ولغيرِ ذلك من الأمراضِ وسائرِ العللِ»[157].
وكان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وأبانُ بنُ عثمانَ يجمعانِ إِبَّانَ إمارتِهما على المدينةِ في الليلةِ المطيرةِ بين المغربِ والعشاءِ، فيجمعُ بجمعِهما سعيدُ بنُ المسيبِ، وعروةُ بنُ الزبيرِ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، ولا ينكرونَ ذلك، والظاهرُ أنَّ هؤلاءِ العلماءَ المدنيينَ تأسوا بـابنِ عمرَ، وسوف يأتي تخريجُ آثارِهم.
عندنا من الصحابةِ أثرُ ابنِ عمرَ، ومن التابعينَ تأسِّي جماعةٍ من الفقهاءِ السبعةِ بفعلِهِ، والأهمُّ في الاستدلالِ هو فعلُ ابنِ عمرَ؛ لأنهُ فعلُ صحابيٍّ، وأما أفعالُ بعضِ التابعينَ فهي مما يُسْتَأْنَسُ بها، ولكنها ليست أدلةً شرعيةً، فإذا عارضها مثلُها كان النظرُ لحجةِ القائلِ، وليس لمجردِ حكايةِ قولِهِ.
وسوف أَفْصِلُ مناقشةَ أثرِ ابنِ عمرَ، عن مناقشةِ آثارِ بعضِ التابعينَ من أهلِ المدينةِ.
أما الجوابُ عن أثرِ ابنِ عمرَ، فمنهُ:
أولاً: ما رودَ عن ابنِ عمرَ حكايةُ فعلٍ، والفعلُ يقولُ أهلُ الأصولِ: لا عمومَ لهُ، ولا يُحْفَظُ أثرٌ قوليٌّ عن ابنِ عمرَ باستحبابِ الجمعِ لـالمطرِ في العشاءينِ.
ثانياً: لم يُحْفَظْ أثرٌ عن ابنِ عمرَ أنهُ كان يجمعُ إذا لم يُصَلِّ خلفَ الأمراءِ. وموافقةُ الأمراءِ وحرصُ السلفِ على عدمِ مخالفتِهم أمرٌ معلومٌ، وقد يتركُ الرجلُ رأيَهُ تبعاً للأميرِ.
ثالثاً: إذا كان ابنُ عمرَ يدعُ الجمعَ في السفرِ مع ظهورِ السنةِ فيهِ، فما بالُكَ برأيِهِ في الجمعِ في الحضرِ.
فقد روى عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرني نافعٌ، قال:
«جمعَ ابنُ عمرَ بين الصلاتينِ مرةً واحدةً، قال: جاءَهُ خبرٌ عن صفيةَ ابنةِ أبي عبيدٍ أنها وجعةٌ، فارتحلَ بعدَ أن صلى العصرَ، ثم أسرعَ السيرَ، فسارَ حتى حانتْ صلاةُ المغربِ، فكلمَهُ رجلٌ من أصحابِهِ، فقال: الصلاةَ، فلم يرجعْ إليهِ، ثم كلمَهُ آخرُ فلم يرجعْ إليهِ، وكلمَهُ آخرُ فلم يرجعْ إليهِ شيئاً، ثم كلمَهُ آخرُ، فقال: إني رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا استعجلَ أَخَّرَ هذه الصلاةَ حتى يجمعَ بين هاتينِ الصلاتينِ»[158].
[وهذا من أصحِّ الأسانيدِ، عبدُ الرزاقِ راويةُ ابنِ جريجٍ، وابنُ جريجٍ من أثبتِ أصحابِ نافعٍ] [159].
وتابعَ ابنَ جريجٍ إسماعيلُ بنُ أميةَ، وهو ثقةٌ، فقد روى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن إسماعيلَ بنِ أميةَ، عن نافعٍ«أنَّ ابنَ عمرَ كان يصلي في السفرِ كلَّ صلاةٍ لوقتِها إلا صلاةً حين أُخْبِرَ بوجعِ امرأتِهِ، فإنهُ جمعَ بين المغربِ والعشاءِ، فـقِيلَ لهُ في ذلك، فقال: هكذا كان رسولُ اللهِ ﷺ يفعلُ، إذا جَدَّ بهِ المسيرُ أو إذا حزبَهُ أمرٌ»[160].
[صحيحٌ] [161].
فهذا ابنُ جريجٍ وإسماعيلُ بنُ أميةَ ينقلانِ عن نافعٍ: أنَّ ابنَ عمرَ لم يكن يجمعُ في السفرِ إلا مرةً واحدةً حين اُسْتُصْرِخَ على زوجتِهِ.
ولذلك استغربَ أصحابُهُ حين جمعَ، فسألوهُ عن ذلك.
وإذا كان هذا اختيارَ ابنِ عمرَ في السفرِ، وسنةُ الجمعِ فيهِ محفوظةٌ في أحاديثَ كثيرةٍ، وبعضُها مقطوعٌ بصحتِها، فما ظنُّكَ في اختيارِ ابنِ عمرَ في الجمعِ في الحضرِ لـالمطرِ، والذي لم يُحْفَظْ فيهِ حديثٌ واحدٌ مرفوعٌ عن النبيِّ ﷺ، ولا عن أحدٍ من صحابتِهِ إلا ما وقعَ منهُ خلفَ الأمراءِ؟
لقد كان الصحابةُ حريصينَ على عدمِ مخالفةِ الأمراءِ؛ لما في مخالفتِهم من المفاسدِ، ورأينا كيف ابنُ مسعودٍ استرجعَ لما بلغَهُ أنَّ عثمانَ أتمَّ الصلاةَ في منى، ثم لما صلى خلفَهُ أتمَّ معهُ الصلاةَ، وقال: إنَّ الخلافَ شرٌّ، فما بالُكَ بمخالفتِهم في وقتِ الفتنِ، والاضطرابِ السياسيِّ، فواضحٌ أنَّ جمعَ ابنِ عمرَ كان في آخرِ حياتِهِ؛ لأنَّ الراويَ كان يستشهدُ بفعلِ ابنِ عمرَ خلفَ الأمراءِ، ولو كان يصلي معهُ أحدٌ من الصحابةِ ممن يُحْتَجُّ بقولِهم لَنُقِلَ ذلك، فكونُ الرواةِ يستشهدونَ بفعلِ ابنِ المسيبِ، وعروةَ، وأبي بكرِ بنِ الحارثِ وغيرِهم من التابعينَ خلفَ الأمراءِ، فلو كان الناقلُ يجدُ صحابياً غيرَ ابنِ عمرَ لما احتاجَ إلى الاستشهادِ بفعلِ بعضِ التابعينَ ويدعُ الصحابةَ، والفارقُ كبيرٌ جداً، فالتابعيُّ يُحْتَجُّ لهُ، والصحابيُّ يُحْتَجُّ بهِ.
وقولُ نافعٍ: «كانت أمراؤُنا إذا كانت ليلةٌ مطيرةٌ…»، ظاهرُهُ أنَّ نافعاً كان يصلي مع ابنِ عمرَ خلفهم؛ لأنهُ يحكي عن أمرائِهِ، لا أمراءِ من سبقَهُ.
ومن روى عنهُ نافعٌ من الصحابةِ ثلاثةٌ عدا ابنِ عمرَ، فكيف يُقَالُ: إنَّ هذا هو مذهبُ جميعِ الصحابةِ؛ لأنهم لم ينكروا عليهم؟
فقد روى نافعٌ عن أبي هريرةَ (ت: 58 هـ) وأبي سعيدٍ الخدريِّ (ت: 64)، ورافعِ بنِ خديجٍ (ت: 74هـ)، فلو أنَّ أحداً من هؤلاءِ الثلاثةِ كان يصلي مع ابنِ عمرَ، أترى الراويَ يقتصرُ على ابنِ عمرَ، ويذهبُ يستشهدُ بـسعيدِ بنِ المسيبِ، وعروةَ، وأبي بكرِ بنِ الحارثِ، ويدعُ الصحابةَ؟
وإذا كانوا لم ينقلوا الجمعَ عن سليمانَ بنِ يسارٍ، ولا عن خارجةَ بنِ زيدٍ، ولا عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، وهؤلاءِ من الفقهاءِ السبعةِ، ومعاصرونَ لابنِ المسيبِ وعروةَ، وأبي بكرِ بنِ الحارثِ، بل نُقِلَ عن القاسمِ أنهُ كان يصلي الفرضَ في بيتِهِ ثم يصلي معهم لتأخيرِهم الصلاةَ عن وقتِها، فكيف يصحُّ القولُ بأنَّ الصحابةَ جميعَهم كانوا يجمعونَ، ولا ينكرونَ الجمعَ؟
وإذا كان القاسمُ بنُ محمدٍ لا يقدرُ أن ينكرَ عليهم تأخيرَهم الصلاةَ عن وقتِها، كما سيأتي، فكيف يقدرُ أحدٌ على إنكارِ الجمعِ؟.
وأمراءُ المدينةِ ممن كان يُعْتَدُّ بفقهِهم ونُقِلَ عنهم الجمعُ بالاسمِ: ثلاثةٌ: أبانُ ابنُ عثمانَ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ولم يدركْ ابنُ عمرَ إمارتَهما؛ لأنَّ ابنَ عمرَ توفيَ (سنة: 73هـ) وتولى (أبانُ بنُ عثمانَ) الإمارةَ (سنة: 75هـ) في خلافةِ عبدِ الملكِ ابنِ مروانَ، وظلَّ سبعَ سنواتٍ حتى عزلَهُ عبدُ الملكِ (سنة: 82 هـ). وتولى عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إمرتَهُ على المدينةِ (سنة: 87هـ).
فكان الجمعُ المنقولُ في آخرِ حياةِ ابنِ عمرَ أي قبلَ عامِ ثلاثٍ وسبعينَ من الهجرةِ، وكانت إمرةُ الحجازِ ومنها المدينةُ في ذلك الحينِ متقلبةً في تلك الفترةِ تارةً تذهبُ للأمويينَ، فَيُعَيَّنُ الأميرُ من قِبَلِهم، وتارةً تذهبُ لابنِ الزبيرِ، فيكونُ الأميرُ من قِبَلِهِ، وربما تقلدَ الإمارةَ في الشهرِ الواحدِ أكثرُ من أميرٍ.
وكان ابنُ عمرَ حريصاً أن ينأى بنفسِهِ عن هذه الخلافاتِ، ولا يظهرَ منهُ أيُّ مخالفةٍ للأمراءِ، سواءٌ أكان مكلفاً بالإمارةِ من قِبَلِ الأمويينَ أم من قِبَلِ ابنِ الزبيرِ.
وكان غالبُ هؤلاءِ الأمراءِ ليس ممن تُؤْخَذُ منهم الفتوى، ولذلك جاءَ إطلاقُهم في الرواياتِ بقولِ الراوي (خلفَ الأمراءِ) ولم يُسَمَّ من هؤلاءِ الأمراءِ ممن صلى خلفهم عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، إلا مروانَ بنَ الحكمِ، فإنهُ صُرِّحَ باسمِهِ في إحدى الرواياتِ؛ لأنهُ حين إمرتِهِ على المدينةِ كان حالُهُ صالحاً، وتولى إمرةَ المدينةِ مرتينِ سنةَ (49 هـ) وعُزِلَ في نفسِ العامِ، وسنةَ (54 هـ) وبقيَ إلى عامِ (57 هـ) في خلافةِ معاويةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، وكان ذلك قبلَ أن يشهرَ سيفَهُ طلباً للخلافةِ، وأما رميُهُ طلحةَ -رضيَ اللهُ عنهُ- بسهمٍ فقد كان متأولاً كما نقلَهُ ابنُ حجرٍ.
وقال عروةُ بنُ الزبيرِ: كان مروانُ لا يُتَّهَمُ في الحديثِ.
وقال ابنُ حزمٍ:
«لا نعلمُ لمروانَ شيئاً يُجْرَحُ بهِ قبلَ خروجِهِ على ابنِ الزبيرِ»[162].
هذا هو الظرفُ الذي أحاطَ بصلاةِ ابنِ عمرَ خلفَ الأمراءِ إذا جمعوا بين المغربِ والعشاءِ.
ربما رأى أنهم متأولونَ في الجمعِ لحصولِ المطرِ، فيدعُ اجتهادَهُ ورأيَهُ لرأيِ الأميرِ، لأنَّ السؤالَ يُعْكَسُ: لماذا لم يكن ابنُ عمرَ يجمعُ في السفرِ، ولم يُنْقَلْ جمعُهُ إلا حين اُسْتُصْرِخَ فيها على زوجتِهِ، وأنها قد تفوتُهُ قبلَ أن يصلَ إليها، ولماذا لا يجمعُ في الحضرِ إلا خلفَ الأمراءِ، ولا يجمعُ مع غيرِهم، فليس لهُ تأويلٌ عندي إلا ما ذكرتُ، واللهُ أعلمُ.
ولقد تأسَّى بـابنِ عمرَ بعضُ الفقهاءِ السبعةِ، فكانوا إذا جمعَ الأمراءُ صلوا خلفهم بين العشاءينِ اقتداءً بفعلِ ابنِ عمرَ،
لماذا لم يُحْفَظِ الجمعُ في المطرِ في العصرِ النبويِّ، ولا في عصرِ الخلفاءِ الراشدينَ، أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ؟
ولا يُحْفَظُ الجمعُ صحيحاً في المطرِ عن غيرِ ابنِ عمرَ من الصحابةِ خلا من حاولَ أن يحملَ حديثَ ابنِ عباسٍ على المطرِ، وهو لم يذكرْ سببَ الجمعِ في سائرِ طرقِ الحديثِ. وقد سبقتْ مناقشتُهُ؟
ولقد رُوِيَ الجمعُ في المطرِ عن عمرَ، وهو ضعيفٌ جداً، ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، وهو ضعيفٌ أيضاً، فليس في البابِ صحيحٌ إلا ما وردَ عن ابنِ عمرَ.
فقد روى عبدُ الرزاقِ، عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ، عن صفوانَ بنِ سليمٍ، قال: «جمعَ عمرُ بنُ الخطابِ بين الظهرِ، والعصرِ في يومٍ مطيرٍ»[163].
[ضعيفٌ جداً] [164].
وقال البيهقيُّ في «السننِ»: قال الشافعيُّ رحمهُ اللهُ في القديمِ: أخبرنا بعضُ أصحابِنا، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن معاذِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ خبيبٍ «أنَّ ابنَ عباسٍ جمعَ بينهما في المطرِ قبلَ الشفقِ».
[ضعيفٌ] [165].
وجاءَ في «المدونةِ»: قال سحنونُ: قال ابنُ وهبٍ، عن عمروِ بنِ الحارثِ، أنَّ سعيدَ بنِ هلالٍ حدثَهُ، أنَّ ابنَ قسيطٍ حدثَهُ: «إنَّ جمعَ الصلاتينِ بالمدينةِ في ليلةِ المطرِ المغربِ والعشاءِ سنةٌ، وأنْ قد صلاها أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ على ذلك»[166].
[ضعيفٌ] [167].
فلم يصحَّ في البابِ إلا أثرُ ابنِ عمرَ وحدَهُ، ومقيدٌ بأمرينِ: إذا صلى خلفَ الأمراءِ، وبين العشاءينِ.
وأما أثرُ ابنِ عباسٍ فقد علمتَ ما فيهِ.
وجاءَ في «مجموعِ الفتاوى»:
«وجمعُ المطرِ عن الصحابةِ، فما ذكرَهُ مالكٌ عن نافعٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا جمعَ الأمراءُ بين المغربِ والعشاءِ ليلةَ المطرِ جمعَ معهم في ليلةِ المطرِ. قال البيهقيُّ: ورواهُ العمريُّ عن نافعٍ فقال: قبلَ الشفقِ.
وروى الشافعيُّ في «القديمِ»: أنبأنا بعضُ أصحابِنا، عن أسامةَ بنِ زيدٍ عن معاذِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ خبيبٍ أنَّ ابنَ عباسٍ جمعَ بينهما في المطرِ قبلَ الشفقِ …
ثم ذكرَ تقيُّ الدينِ صحةَ الجمعِ عن بعضِ التابعينَ من أهلِ المدينةِ خلفَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ وأبي بكرِ بنِ الحارثِ وعروةَ بنِ الزبيرِ، ومشيخةِ ذلك الزمنِ ثم قال:
فهذه الآثارُ تدلُّ على أنَّ الجمعَ لـالمطرِ من الأمرِ القديمِ المعمولِ بهِ بالمدينةِ زمنَ الصحابةِ والتابعينَ مع أنهُ لم يُنْقَلْ أنَّ أحداً من الصحابةِ والتابعينَ أنكرَ ذلك، فـعُلِمَ أنهُ منقولٌ عندهم بالتواترِ جوازُ ذلك»[168].
ولم ينقلْ تقيُّ الدينِ صحيحاً إلا عن ابنِ عمرَ:
وهو مقيدٌ بما سبقَ وذكرتُ لكَ، أنهُ كان يجمعُ خلفَ الأمراءِ، وقد سبقَ لكَ الجوابُ عنهُ.
وأما ما نقلَهُ عن ابنِ عباسٍ:
فهو ضعيفٌ لهُ أكثرُ من علةٍ خرجتُها فيما سبقَ،
وأما ما نقلَهُ عن بعضِ التابعينَ من أهلِ المدينةِ تأسياً بـابنِ عمرَ:
فهؤلاءِ لا يُحْتَجُّ بهم، ومعارضونَ بأكثرَ منهم زمنَ التابعينَ، ممن لا يرى الجمعَ كما سيأتي بيانُهُ.
فعلُ ابنِ عمرَ لا يكونُ حجةً، وهو معارضٌ برأيِ غيرِهِ من الصحابةِ.
من ذلك، ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-.
فقد روى ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا أبو الأحوصِ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ عن علقمةَ والأسودِ قالا: قال عبدُ اللَّهِ: «لا يُجْمَعُ بين الصلاتينِ إلا بعرفةَ: الظهرِ والعصرِ»[169].
[صحيحٌ].
وقال الترمذيُّ في «السننِ»:
«والعملُ على هذا عند أهلِ العلمِ: أن لا يُجْمَعَ بين الصلاتينِ إلا في السفرِ أو بعرفةَ.
ورَخَّصَ بعضُ أهلِ العلمِ من التابعينَ في الجمعِ بين الصلاتينِ للمريضِ، وبهِ يقولُ أحمدُ، وإسحاقُ.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ: يُجْمَعُ بين الصلاتينِ في المطرِ، وبهِ يقولُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ.
ولم يَرَ الشافعيُّ للمريضِ أن يجمعَ بين الصلاتينِ»[170].
فانظرْ يا رعاكَ اللهُ:
دقةَ نقلِ الإمامِ الترمذيِّ، فجعلَ العملَ عند أهلِ العلمِ ألا يُجْمَعَ بين الصلاتينِ إلا في السفرِ أو بعرفةَ، وجعلَ الخلافَ في المرضِ خلافاً بين التابعينَ فمن بعدَهم، وفي المطرِ خلافاً بين الفقهاءِ، فـمفهومُ كلامِ الترمذيِّ أنَّ الجمعَ في المطرِ لم يكن من قولِ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم.
وروى الطحاويُّ، قال حدثنا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ النفيليُّ، قال: حدثنا زهيرُ بنُ معاويةَ، قال: حدثنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ يزيدَ، يقولُ: «صحبتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- في حجةٍ، فكان يؤخرُ الظهرَ، ويعجلُ العصرَ، ويؤخرُ المغربَ ويعجلُ العشاءَ، ويُسْفِرُ بصلاةِ الغداةِ».
[صحيحٌ] [171].
فلو كان يرى الجمعَ لم يتكلفِ الجمعَ الصوريَّ، وإذا كان هذا في السفرِ فالحضرُ من بابِ أَوْلَى.
وروى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن عاصمِ بنِ سليمانَ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال:
«اصطحبتُ أنا وسعدُ بنِ أبي وقاصٍ من الكوفةِ إلى مكةَ، وخرجنا موافدينِ، فجعلَ سعدٌ يجمعُ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ، والعشاءِ، يقدمُ من هذهِ قليلاً، ويؤخرُ من هذهِ قليلاً حتى جئنا مكةَ».
[صحيحٌ] [172].
وجهُ الاستدلالِ: كالاستدلالِ بالأثرِ الذي قبلَهُ.
وأنتقلُ منهُ إلى مناقشةِ ما وردَ عن بعضِ التابعينَ من أهلِ المدينةِ.
روى ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا ابنُ مهديٍّ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، قال:
«رأيتُ أبانَ بنَ عثمانَ يجمعُ بين الصلاتينِ في الليلةِ المطيرةِ: المغربِ والعشاءِ، فيصليهما معهُ عروةُ بنُ الزبيرِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، وأبو سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ لا ينكرونَهُ».
[صحيحٌ] [173].
وروى البيهقيُّ، من طريقِ بشرِ بنِ عمرَ، حدثنا سليمانُ بنِ بلالٍ، حدثنا هشامُ بنِ عروةَ،
«أنَّ أباهُ عروةَ، وسعيدَ بنَ المسيبِ، وأبا بكرِ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامِ بنِ المغيرةِ المخزوميَّ، كانوا يجمعونَ بين المغربِ والعشاءِ في الليلةِ المطيرةِ إذا جمعوا بين الصلاتينِ، ولا ينكرونَ ذلك».
[صحيحٌ] [174].
وقولُهُ: «إذا جمعوا» يقصدُ: الأمراءَ.
وأتبعَ البيهقيُّ قائلاً: وبإسنادِهِ حدثنا سليمانُ بنِ بلالٍ، عن موسى بنِ عقبةَ،
«أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان يجمعُ بين المغربِ والعشاءِ الآخرةِ إذا كان المطرُ، وأنَّ سعيدَ بنَ المسيبِ وعروةَ بنَ الزبيرِ، وأبا بكرِ بنَ عبدِ الرحمنِ ومشيخةَ ذلك الزمانِ كانوا يصلونَ معهم، ولا ينكرونَ ذلك».
[وسندُهُ صحيحٌ كسابقةٍ].
الجوابُ الأولُ:
ما قِيلَ في الجوابِ عن أثرِ ابنِ عمرَ يُقَالُ في الجوابِ عن جمعِ هؤلاءِ الفقهاءِ فهو حكايةُ فعلٍ منهم، وليس من الآثارِ القوليةِ المنسوبةِ إليهم في استحبابِ أو جوازِ الجمعِ لـالمطرِ، وأنَّ فعلَهم في ذلك مقيدٌ بالصلاةِ خلفَ الأمراءِ، وربما فعلوا ذلك تأسياً بفعلِ ابنِ عمرَ.
ونسبَ ابنُ قدامةَ القولَ بـالجمعِ بين العشاءينِ للفقهاءِ السبعةِ، ولم أقفْ عليهِ من قولِ عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، ولا عن سليمانَ بنِ يسارٍ، ولا عن خارجةَ بنِ زيدٍ.
وإنما الثابتُ عن ابنِ المسيبِ، وعروةَ، وأبي بكرِ ابنِ عبدِ الرحمنِ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ -عند من يدخلُ الأخيرَ في السبعةِ- وكانوا يفعلونَ ذلك إذا صلوا خلفَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أو خلفَ أبانَ بنِ عثمانَ، فإذا جمعَ الأميرُ صلوا بصلاتِهِ، ولم ينكرْ أحدٌ عليهِ ما فعلَ.
وربما من فعلَ ذلك كان تأسياً بفعلِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ-.
وقد علمتَ الجوابَ عن أثرِ ابنِ عمرَ، فإذا لم يكن فعلُ ابنِ عمرَ حجةً مع مخالفةِ غيرِهِ لهُ من الصحابةِ، لم يكن فعلُ هؤلاءِ الأئمةِ حجةً أيضاً.
لو كان الجمعُ باطلاً ما كان هؤلاءِ العلماءُ من السلفِ يقرونَ ذلك، خاصةً أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان في ذلك الحينِ شاباً، وكان يوقرُ العلماءَ، لا سيما سعيدَ بنَ المسيبِ، وعروةَ بنَ الزبيرِ.
وحين كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يؤخرُ الصلاةَ ذكَّرَهُ عروةُ بنُ الزبيرِ إمامةَ جبريلَ للنبيِّ ﷺ وبيانَهُ المواقيتِ، وذكرَ لهُ عروةُ حديثَ أبي مسعودٍ في صلاةِ جبريلَ في اليومِ الأولِ، ولم يذكرْ صلاتَهُ في اليومِ الثاني، ولعلَّهُ كان يريدُ أن يحثَّهُ على التبكيرِ، وإن كان التأخيرُ عن أولِ الوقتِ جائزاً بـالإجماعِ، وفواتُهُ من فواتِ الفضائلِ، ومع ذلك ذكَّرَهُ عروةُ، فما بالُكَ بـالجمعِ فهو أخطرُ؛ لأنهُ ينطوي على تأخيرِ إحدى الصلاتينِ عن وقتِها، أو تقديمِها على وقتِها، فكونُهم يصلونَ خلفَهُ، ولا ينكرونَ ذلك دليلٌ على كونِهِ سائغاً عندهم.
قد أشرتُ أنَّ فعلَ ابنِ عمرَ كان قبلَ تولي عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وأبانَ بنِ عثمانَ إمارةَ المدينةِ، فإن صدقَ ذلك على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وأبانَ بنِ عثمانَ لم يصدقْ على أمراءِ بني أميةَ وقتَ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ-.
وكانت سيرةُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ -وقتَ إمارتِهِ على المدينةِ وقبلَ توليهِ الخلافةَ- سيرةَ حكامِ بني أميةَ في تأخيرِ الصلاةِ عن وقتِها.
فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، عن أبي بكرِ بنِ عثمانَ بنِ سهلِ بنِ حنيفٍ قال: سمعتُ أبا أمامةَ بنَ سهلٍ يقولُ: «صلينا مع عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ الظهرَ، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنسِ بنِ مالكٍ، فوجدناهُ يصلي العصرَ. فقلتُ: يا عمِّ، ما هذهِ الصلاةُ التي صليتَ؟ قال: العصرُ، وهذهِ صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ التي كنا نصلي معهُ»[175].
فقد تركَ أنسٌ الصلاةَ جماعةً خلفَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ لتأخيرِهِ الصلاةَ عن الوقتِ المختارِ الذي كان يصليها مع النبيِّ ﷺ، ولا أظنُّ أنَّ أنساً سيتركُ الجماعةَ قبلَ النصيحةِ لوليِّ الأمرِ.
وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ كان أميراً على المدينةِ في وقتِ الحجاجِ، ويعلمُ المطلعُ على أحوالِ أمراءِ بني أميةَ كيف كانوا يؤخرنَ الصلاةَ، ويعاقبونَ من ينكرُ عليهم.
وقد روى مالكٌ كما في «المدونةِ»، عن القاسمِ بنِ محمدٍ حين كانت بنو أميةَ يؤخرونَ الصلاةَ أنهُ كان يصلي في بيتِهِ، ثم يأتي المسجدَ فيصلي معهم، فكُلِّمَ في ذلك، فقال:
«أصلي مرتينِ أحبُّ إليَّ من أن لا أصليَ شيئاً»[176].
فـعَدَّ القاسمُ الاكتفاءَ بالصلاةِ مع أمراءِ بني أميةَ كأنهُ لم يُصَلِّ شيئاً، وهذا يدلُّ على أنَّ تأخيرَهم الصلاةَ أحياناً إلى ما بعدَ الوقتِ، والقاسمُ بنُ محمدٍ وُلِدَ في خلافةِ عثمانَ ومن الفقهاءِ السبعةِ، وقد سمعَ من عمتِهِ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ -رضيَ اللهُ عنها-، ومن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، فهو قد أدركَ الأمراءَ الذي كان يجمعُ معهم ابنِ عمرَ، وكان القاسمُ يصلي خلفهم إذا جمعوا.
وكان يصلي في بيتِهِ ويعيدُ الصلاةَ خلفهم إذا أخروا الصلاةَ عن وقتِها، ولم يُنْقَلْ عن القاسمِ أنهُ أنكرَ عليهم تأخيرَهم الصلاةَ عن وقتِها، كما أدركَ إمارةَ أبانَ بنِ عثمانَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، لأنهُ توفيَ سنةَ (106هـ) على الصحيحِ.
الجوابُ الثاني:
هل يُعَدُّ قولُ بعضِ الفقهاءِ السبعةِ بما يُعْرَفُ بالاحتجاجِ بإجماعِ أهلِ المدينةِ على ضعفِهِ أصولياً؛ لأنَّ الإجماعَ الحجةَ هو إجماعُ علماءِ الأمةِ، لا إجماعُ بعضِهم؟
ولأنَّ بعضَ من قال بحجيةِ إجماعِ أهلِ المدينةِ قد وضعَ شرطينِ:
الشرطُ الأولُ:
أن يكونَ الاحتجاجُ فيما سبيلُهُ النقلُ، وليس الاجتهادُ، كمسألةِ الأذانِ، والصاعِ، وعدمِ وجوبِ الزكاةِ في الخضراواتِ[177].
وعَدُّ المطرِ سبباً من أسبابِ الجمعِ يدخلُهُ الاجتهادُ خاصةً أنهُ لا يُحْفَظُ فيهِ نصٌّ من الشارعِ، وقد ألحقَهُ بعضُهم بـالجمعِ في عرفةَ ومزدلفةَ؛ وبعضُهم ألحقَهُ بـالجمعِ بالسفرِ بجامعِ المشقةِ، وهذا التوجهُ من الاستدلالِ استخدمَهُ تقيُّ الدينِ ابنِ تيميةَ عليهِ رحمةُ اللهِ حين دلَّلَ على أنَّ الجمعَ في السفرِ ليس سببُهُ السفرَ، ولا المطرَ، ولا النسكَ، بل المشقةُ والحاجةُ.
وإلحاقُ الحضرِ بالسفرِ ممتنعٌ وقد ناقشتُهُ فيما سبقَ.
وحتى ذلك الذي سبيلُهُ النقلُ من الأمورِ المحسوسةِ ليس معصوماً من الحدثِ والتغييرِ، فخذْ مثالاً التكبيرَ في الأذانِ، فأهلُ المدينةِ يعملُ خلفُهم عن سلفِهم على التكبيرِ مرتينِ في الأذانِ زمنَ التابعينَ، وهو محدثٌ مخالفٌ لأذانِ بلالٍ والذي كان يربعُ التكبيرَ بين يديِّ رسولِ اللهِ ﷺ، وقد ناظرَ مالكٌ بعضَ من احتجَّ عليهِ في الأذانِ بأذانِ بلالٍ فاحتجَّ مالكٌ عليهِ بعملِ أهلِ المدينةِ وأنَّ هذا مسجدُ رسولِ اللهِ ﷺ يُؤَذَّنُ فيهِ من عهدِهِ إلى اليومِ لم يُحْفَظْ عن أحدٍ إنكارٌ لهذا الأذانِ، ولا نسبتُهُ إلى التغييرِ[178].
والحقُّ أنَّ تثنيةَ التكبيرِ لم يكن من أذانِ أهلِ المدينةِ، وحتى أذانُ أبي محذورةَ كان التكبيرُ فيهِ أربعاً على الصحيحِ.
جاءَ في مسائلِ ابنِ هانئٍ للإمامِ أحمدَ:
«قِيلَ لهُ: فإنَّ بالمدينةِ من يؤذنُ بأذانِ أبي محذورةَ كثيراً فقال: ما كان يؤذنُ بها إلا أهلُ مكةَ، وهذا محدثٌ بالمدينةِ…»[179].
ولقد كان الرسولُ ﷺ يجهرُ بالتكبيرِ كلَّ ما خَفَضَ أو رَفَعَ، وقد تُرِكَ الجهرُ بالتكبيرِ، في وقتٍ كان كبارُ الصحابةِ متواجدينَ، حتى صارَ هناك اعتقادٌ أنَّ الإسرارَ بهِ هو السنةُ.
روى البخاريُّ من طريقِ همامٍ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال:
«صليتُ خلفَ شيخٍ بمكةَ، فكبرَ ثنتينِ وعشرينَ تكبيرةً، فقلتُ لـابنِ عباسٍ: إنهُ أحمقُ، فقال: ثكلتكَ أمُّكَ؛ سنةُ أبي القاسمِ ﷺ»[180].
وروى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ حمادٍ، عن غيلانَ بنِ جريرٍ، عن مطرفِ بنِ عبدِ اللهِ، قال:
«صليتُ خلفَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- أنا وعمرانُ بنُ حصينٍ، «فكان إذا سجدَ كبرَ، وإذا رفعَ رأسَهُ كبرَ، وإذا نهضَ من الركعتينِ كبرَ، فلما قضى الصلاةَ أخذَ بيديِّ عمرانَ بنِ حصينٍ، فقال: قد ذكرني هذا صلاةَ محمدٍ ﷺ أو قال: لقد صلى بنا صلاةَ محمدٍ ﷺ»[181].
فانظرْ كيف أنكرَ عكرمةُ على الجهرِ بالتكبيرِ، حتى نسبَ صاحبَهُ إلى الحمقِ، وحتى أصبحَ فعلُهُ مستغرباً، وحتى قال عمرانُ: ذَكَّرَنا هذا الرجلُ صلاةً كنا نصليها مع رسولِ اللهِ ﷺ مع أنَّ هذه السنةَ محسوسةٌ.
ولا أعلمُ أنَّ أحداً من الفقهاءِ السبعةِ قال بصيامِ الستِّ من شوالٍ، حتى قال الإمامُ مالكٌ: لم أرَ أحداً من السلفِ يصومُها، وكان الناسُ يصومونَها خارجَ المدينةِ.
فـالجمعُ في المطرِ إذا أحدثَهُ أمراءُ بني أميةَ، وصلى ابنُ عمرَ خلفهم لا يمكنُ أن يكونَ هذا من النقلِ المتواترِ عن الصحابةِ كلِّهم، ولا أنهُ من إجماعِ أهلِ المدينةِ.
فالسؤالُ:
أين الجمعُ في المطرِ، في عصرِ التشريعِ؟
بل أين الجمعُ في المطرِ عن الخلفاءِ الراشدينَ؟
بل أين الجمعُ في المطرِ عن غيرِ ابنِ عمرَ؟
بل أين الجمعُ عن ابنِ عمرَ إذا لم يُصَلِّ خلفَ الأمراءِ؟
كلُّها أسئلةٌ مشروعةٌ.
الشرطُ الثاني:
في الاحتجاجِ بإجماعِ أهلِ المدينةِ أن يكونَ العملُ بهِ متواصلاً[182].
وكيف يكونُ الجمعُ في المطرِ متواصلاً، وهو حادثٌ أحدثَهُ أمراءُ بني أميةَ، لم يعرفْهُ أهلُ المدينةِ في عصرِ النبيِّ ﷺ، ولا في عصرِ الخلفاءِ الراشدينَ؟
فالتوصيفُ الصحيحُ أن يُقَالَ:
إنَّ الجمعَ بين العشاءينِ في المطرِ من عملِ بعضِ أهلِ المدينةِ زمنَ التابعينَ، فلا ينزلُ فيهِ الخلافُ في حجيةِ إجماعِ أهلِ المدينةِ.
والإمامُ مالكٌ في «الموطأِ» احتجَّ على مسائلَ كثيرةٍ بإجماعِ أهلِ المدينةِ، ولا أحفظُ عنهُ أنهُ احتجَّ لـالجمعِ في المطرِ بإجماعِ أهلِ المدينةِ، ولو كان يراهُ إجماعاً لاحتجَّ بهِ؛ لأنهُ من أصولِهِ، وإنما احتجَّ فقط بفعلِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، واللهُ أعلمُ.
وإذا كان عملُ بعضِ أهلِ المدينةِ زمنَ التابعينَ الجمعَ بين العشاءينِ، فإنَّ عملَ سائرِ بلادِ المسلمينَ زمنَ التابعينَ عدمُ الجمعِ.
فهذه بلادُ الشامِ، يتكلمُ عنهم الأوزاعيُّ إمامُ أهلِ الشامِ في زمانِهِ، والليثُ بنُ سعدٍ المصريُّ، وهما من طبقةِ الإمامِ مالكٍ ينكرانِ أن يكونَ أحدٌ يجمعُ لـالمطرِ عدا أهلِ المدينةِ، وهذا خبرٌ، وليس اجتهاداً.
جاءَ في «الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ:
«قال الوليدُ بنُ مسلمٍ: سألتُ الأوزاعيَّ عمن جمعَ بين الصلاتينِ المغربِ والعشاءِ في الليلةِ المطيرةِ؟ فقال: أهلُ المدينةِ يجمعونَ بينهما، ولم يزلْ من قبلنا يصلونَ كلَّ صلاةٍ في وقتِها، قال: وسألتُ الليثَ بنَ سعدٍ وسعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ فقالا مثلَ ذلك»[183].
فهذا الليثُ يقولُ: لم يزلْ من قبلنا يصلونَ كلَّ صلاةٍ في وقتِها، ومن قبلهم هم التابعونَ والصحابةُ رضوانُ اللهِ عليهم.
وقال الأوزاعيُّ:
يُجْتَنَبُ من قولِ أهلِ العراقِ: ….. وذكرَ أشياءَ، ومن قولِ أهلِ الحجازِ: استماعُ الملاهي، والجمعُ بين الصلاتينِ من غيرِ عذرٍ …»[184].
ووافقَ الليثُ بنُ سعدٍ الإمامَ الأوزاعيَّ على قولِهِ، بل جاءَ عن الليثِ ما هو أصرحُ من كلامِ الأوزاعيِّ.
قال الليثُ بنُ سعدٍ في رسالتِهِ للإمامِ مالكٍ:
«مطرُ الشامِ أكثرُ من مطرِ المدينةِ بما لا يعلمُهُ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ، لم يجمعْ إمامٌ منهم قطُّ في ليلةِ المطرِ، وفيهم خالدُ بنُ الوليدِ، وأبو عبيدةَ بنُ الجراحِ، ويزيدُ بنُ أبي سفيانَ، وعمروُ بنُ العاصِ، ومعاذُ بنُ جبلٍ …. وشرحبيلُ بنُ حسنةَ وأبو الدرداءِ وبلالُ بنُ رباحٍ … وبحمصَ سبعونَ من أهلِ بدرٍ وبأجنادِ المسلمينَ كلِّها»[185].
فكلُّ هؤلاءِ الذين ذكرهم الليثُ لا يُعْرَفُ عن أحدٍ منهم أنهُ جمعَ لـالمطرِ، فهؤلاءِ لم يثبتْ عنهم الجمعُ مع وجودِ سببِهِ وهو المطرُ.
وأما عن أهلِ مصرَ فيقولُ الليثُ:
«وقد كان أبو ذرٍّ بمصرَ، والزبيرُ بنُ العوامِ وسعدُ بنُ أبي وقاصٍ … فلم يجمعوا بين المغربِ والعشاءِ قطُّ»[186].
وأما أهلُ مكةَ في زمنِ التابعينَ:
فهذه المصنفاتُ التي تنقلُ آثارَ التابعينَ لم أقفْ فيها على أحدٍ منهم أنهُ كان يجمعُ في المطرِ، لا من قولِهِ، ولا من فعلِهِ، فهذا عطاءٌ سيدٌ من ساداتِ أهلِ مكةَ حُفِظَ عنهُ الجمعُ في السفرِ، والجمعُ للمرضِ ولا يُعْرَفُ عنهُ قطُّ القولُ بـالجمعِ لـالمطرِ، كما لم يُحْفَظِ القولُ بـالجمعِ لمجاهدٍ، وعكرمةَ، وروى الحديثَ عمروُ بنُ دينارٍ، عن أبي الشعثاءِ، وحملاهُ على الجمعِ الصوريِّ، ولا يُؤْثَرُ عنهما القولُ بـالجمعِ في المطرِ، ولم يُؤْثَرْ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ إلا روايتُهُ حديثَ ابنِ عباسٍ، ولم ينقلْ أحدٌ من أهلِ المصنفاتِ أنَّ سعيدَ بنِ جبيرٍ كان يجمعُ في المطرِ من قولِهِ أو من فعلِهِ، وقد يكونُ هذا من المرجحاتِ أنَّ المحفوظَ من روايتِهِ عن ابنِ عباسٍ: «جمعَ من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ».
وقلْ مثلَ ذلك عن أهلِ اليمنِ، فإني لم أقفْ فيها على أحدٍ منهم من خلالِ مراجعةِ المصنفاتِ في الآثارِ فلم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم القولُ بـالجمعِ في المطرِ.
فهذا طاوسٌ يُنْقَلُ عنهُ الجمعُ في السفرِ، ولا يُحْفَظُ عنهُ القولُ بـالجمعِ في المطرِ.
وأين النقلُ عن وهبِ بنِ منبهٍ، أو حنشٍ الصنعانيِّ، أو الضحاكِ بنِ فيروزَ، أو صفوانَ بنِ يعلى، أو معمرِ بنِ راشدٍ؟
وهذه بلادُ العراقِ من كوفةٍ وبصرةٍ زمنَ التابعينَ فلم يكن يجمعُ الأسودُ بنُ يزيدَ وعلقمةُ بنُ قيسٍ.
ولا يُحْفَظُ الجمعُ عن مطرفِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الشخيرِ، ولا عن إبراهيمَ النخعيِّ.
ولم يكن يجمعُ الحسنُ البصريُّ، ولا محمدُ بنِ سيرينَ، (وهو القولُ المسندُ عنهُ، وكلُّ ما رُوِيَ خلافُهُ عن ابنِ سيرينَ فهو معلقٌ عنهُ بلا إسنادٍ)، إلا ما وردَ عن جابرِ ابنِ زيدٍ أبي الشعثاءِ من الجمعِ بلا سببٍ، وأنكرَ عليهِ ابنُ سيرينَ، ولم يُحْفَظِ الجمعُ عن قتادةَ، ولا عن أيوبَ السختيانيِّ، ولا عن عبدِ اللهِ بنِ عونٍ، ولا عن سعيدِ بنِ أبي عروبةَ.
يقولُ الليثُ في رسالتِهِ إلى الإمامِ مالكٍ:
«… وبالعراقِ ابنُ مسعودٍ، وحذيفةُ، وعمرانُ بنُ حصينٍ، ونزلَها علىُّ بنُ أبي طالبٍ سنينَ بمن كان معهُ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ فلم يجمعوا بين المغربِ والعشاءِ قطُّ»[187].
وقد روى عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، قال: «كان ينزلُ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، ولو كان ينزلُ على حجرٍ».
[حسنٌ] [188].
ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ، حدثنا وكيعٌ، حدثنا سفيانُ بهِ، ولفظُهُ: «كان ينزلُ لوقتِ الصلاةِ في السفرِ، ولو على حجرٍ»[189].
وإذا كان هذا فعلَهُ في السفرِ فما ظنُّكَ بالحضرِ؟
وروى عبدُ الرزاقِ، عن هشامٍ، عن الحسنِ أنهُ كان يقولُ: «صلوا كلَّ صلاةٍ لوقتِها»[190].
ويشهدُ لهُ:
ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، حدثنا عبدُ الأعلى، عن يونسَ، قال: «سُئِلَ الحسنُ عن جمعِ الصلاتينِ في السفرِ، فكان لا يعجبُهُ إلا من عذرٍ».
[صحيحٌ] [191].
وروى ابنُ أبي شيبةَ: حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ ومحمدٍ، قالا:
«ما نعلمُ من السنةِ الجمعَ بين الصلاتينِ في حضرٍ، ولا سفرٍ، إلا بين الظهرِ والعصرِ بعرفةَ، وبين المغربِ والعشاءِ بجمعٍ».
[صحيحٌ] [192].
وتأملْ:
أنهما نسبا هذا القولَ إلى السنةِ، وأخالفُهما في السفرِ؛ لظهورِ السنةِ، وأما قولُهم في الحضرِ فصحيحٌ غيرُ مدفوعٍ، لم يثبتِ الجمعُ في السنةِ لـالمطرِ إلا عن بعضِ أهلِ المدينةِ.
وقال ابنُ المنذرِ:
«وكرهت طائفةٌ الجمعَ بين الصلاتينِ إلا عشيةَ عرفةَ وليلةَ جمعٍ، هذا قولُ الحسنِ البصريِّ ومحمدِ بنِ سيرينَ»[193].
أيكونُ فعلُ ابنِ عمرَ وبعضِ التابعينَ خلفَ الأمراءِ من الإجماعِ المتواترِ؟
ثبتَ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ في عرفةَ ومزدلفةَ، وأنَّ جمعَهُ لم يكن لعلةِ السفرِ، ولا الخوفِ، ولا المطرِ، ولا لخصوصِ النسكِ، فكذلك جمعُهُ الذي رواهُ ابنُ عباسٍ في المدينةِ، وإنما كان الجمعُ في الموضعينِ لرفعِ الحرجِ عن أمتِهِ، فإذا احتاجوا إلى الجمعِ جمعوا.
يقولُ ابنُ تيميةَ:
«النبيُّ ﷺ كان يجمعُ بالمدينةِ لغيرِ خوفٍ، ولا مطرٍ، بل للحاجةِ تعرضُ لهُ كما قال: (أرادَ أن لا يحرجَ أمتَهُ). ومعلومٌ أنَّ جَمْعَ النبيِّ ﷺ بعرفةَ ومزدلفةَ لم يكن لخوفٍ، ولا مطرٍ، ولا لسفرٍ أيضاً؛ فإنهُ لو كان جمعُهُ للسفرِ لجمعَ في الطريقِ، ولجمعَ بمكةَ كما كان يقصرُ بها، ولجمعَ لمَّا خرجَ من مكةَ إلى منى، وصلى بها الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والفجرَ، ولم يجمعْ بمنى قبلَ التعريفِ، ولا جمعَ بها بعدَ التعريفِ أيامَ منى، بل يصلي كلَّ صلاةٍ ركعتينِ غيرَ المغربِ، ويصليها في وقتِها، ولا جمعُهُ أيضاً كان للنسكِ؛ فإنهُ لو كان كذلك لجمعَ من حينِ أحرمَ؛ فإنهُ من حينئذٍ صارَ محرماً فـعُلِمَ أنَّ جمعَهُ المتواترَ بعرفةَ ومزدلفةَ لم يكن لمطرٍ، ولا خوفٍ، ولا لخصوصِ النسكِ، ولا لمجردِ السفرِ، فهكذا جمعُهُ بالمدينةِ الذي رواهُ ابنُ عباسٍ، وإنما كان الجمعُ لرفعِ الحرجِ عن أمتِهِ، فإذا احتاجوا إلى الجمعِ جمعوا»[194].
قولُ ابنِ تيميةَ رحمهُ اللهُ: (لو كان جمعُهُ للسفرِ لجمعَ في الطريقِ، ولجمعَ بمكةَ كما كان يقصرُ بها):
هذا الإلزامُ ليس بلازمٍ؛ فالفطرُ يجوزُ للمسافرِ، ولو لم يكن هناك مشقةٌ، ولا يصحُّ القولُ: لو كان فطرُهُ للسفرِ للزمَهُ الفطرُ في كلِّ سفرِهِ، فكذلك الجمعُ، فالقصرُ ملازمٌ للسفرِ، وهو سنةٌ، وقِيلَ: واجبٌ، والفطرُ والجمعُ من رخصِ السفرِ مطلقاً، يباحانِ مطلقاً، ويسنانِ مع المشقةِ، والسفرُ علةُ الترخصِ.
الجمعُ في عرفةَ ومزدلفةَ كالقصرِ سببُهما السفرُ،
فقد روى الإمامُ مالكٌ في «الموطأِ» عن ابنِ شهابٍ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبيهِ «أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كان إذا قَدِمَ مكةَ صلى بهم ركعتينِ، ثم يقولُ: يا أهلَ مكةَ أتمُّوا صلاتَكم، فإنا قومٌ سَفْرٌ»[195].
[صحيحٌ].
وروى مالكٌ في «الموطأِ»، عن ابنِ شهابٍ «أنهُ سألَ سالمَ بنِ عبدِ اللهِ هل يُجْمَعُ بين الظهرِ والعصرِ في السفرِ؟ فقال: نعم. لا بأسَ بذلك، ألم تَرَ إلى صلاةِ الناسِ بعرفةَ»[196].
فهذا عمرُ بنُ الخطابِ حين قصرَ في مكةَ، عَلَّلَ قصرَهُ بالسفرِ، قائلاً: (أتمُّوا فإنا قومٌ سَفْرٌ) فهل كان قصرُ عمرَ في باقي المشاعرِ لعلةٍ غيرِ السفرِ؟
فمن ادَّعَى أنَّ قصرَ عمرَ في عرفةَ أو في مزدلفةَ، أو في منى للنسكِ، وأنهُ يختلفُ عن قصرِهِ في مكةَ فعليهِ الدليلُ.
وإذا كان عمرُ ينهى أهلَ مكةَ من القصرِ؛ لأنهم غيرُ مسافرينَ، فسوف ينهى عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- العرفيَّ عن القصرِ في عرفةَ للعلةِ نفسِها، وكذلك المنويَّ في منى قياساً على المكيِّ في موضعِ إقامتِهِ، فالجميعُ غيرُ مسافرٍ
وقد قاسَ حفيدُهُ سالمٌ الجمعَ في السفرِ على الجمعِ في عرفةَ، فالقصرُ والجمعُ في عرفةَ ومزدلفةَ سببُهما السفرُ.
القولُ بأنَّ الجمعَ لرفعِ الحرجِ، فإذا احتاجوا إلى الجمعِ جمعوا:
قد سبقَ الجوابُ عن هذا القولِ وأنَّ قولَ ابنِ عباسٍ: «أرادَ ألا يحرجَ أمتَهُ»؛ هذا الحرفُ من فهمِ ابنِ عباسٍ، أرادَ بهِ ابنُ عباسٍ جوازَ الجمعِ بلا سببٍ نفياً للإثمِ.
فلم يثبتْ في حديثٍ مرفوعٍ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ في المدينةِ في غيرِ هذا الحديثِ.
ولو كان الناسُ كلَّ ما احتاجوا جمعوا، لتكررَ وقوعُ الجمعِ في الحضرِ في عصرِ التشريعِ، فالناسُ لا يعدمونَ من الوقوعِ في حاجةٍ عامةٍ من بردٍ، وريحٍ، ومطرٍ ووحلٍ، أو من التعرضِ لحاجةٍ خاصةٍ من شغلٍ كالحصادِ والجذاذِ، والنعاسِ، والمرضِ، وغيرها، والثابتُ عن النبيِّ ﷺ في دفعِ أذى المطرِ قولُهُ: «صلوا في رحالِكم»، وهذا لا يختلفُ عليهِ الأئمةُ الأربعةُ.
ولم يثبتْ أيضاً أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ لـالمطرِ في المدينةِ، وهو حاجةٌ تتكررُ سنوياً أكثرَ من مرةٍ، وقد تحققَ وقوعُهُ في العصرِ النبويِّ حتى تهدمتِ البيوتُ وانقطعتِ السبلُ وهلكتِ المواشي ولم يُنْقَلِ الجمعُ، أيكونُ الجمعُ جائزاً عند كلِّ حرجٍ، ثم لا يُنْقَلُ ذلك في الحضرِ مرفوعاً إلا ما نقلَهُ ابنُ عباسٍ، وهو حكى فعلَهُ مرةً واحدةً، ولم ينقلْ لنا سببَهُ؟ ولم يَنْفِ ابنُ عباسٍ إلا الخوفَ والسفرَ، وكلاهما من أسبابِ الجمعِ في غيرِ الحضرِ.
وقد مرضَ النبيُّ ﷺ مراتٍ كثيرةً حتى صلى جالساً، ومرضَ أياماً قبلَ وفاتِهِ، ولم يُنْقَلْ أنهُ جمعَ قطُّ من أجلِ المرضِ، ومن قال بجمعِ المطرِ قاسَهُ على مشقةِ السفرِ، وهذا دليلٌ على أنَّ الفرعَ المقيسَ لا نصَّ فيهِ، ومرضَ أبو بكرٍ ولم يُنْقَلْ أنهُ جمعَ، ولا يسلمُ أحدٌ من الاعتلالِ بالمرضِ، ولا نُقِلَ عن أحدٍ من الصحابةِ أنهم جمعوا للمرضِ، وهو أَوْلَى من الجمعِ للشغلِ أو من أجلِ إكمالِ الخطبةِ.
وكان الصحابةُ أهلَ جهادٍ، تصيبُهم الجراحُ.
أيصحُّ استخدامُ القياسِ لفعلِ ما تعمدَ النبيُّ ﷺ تركَ الجمعِ فيهِ مع وجودِ المقتضي، أليس التركُ من النبيِّ ﷺ سنةً؟
أليس استخدامُ القياسِ يلزمُ منهُ معارضةُ السنةِ التركيةِ من النبيِّ ﷺ؟
لا يصحُّ تخريجُ الجمعِ في الحضرِ على الجمعِ في عرفةَ ومزدلفةَ.
وبينهما فرقٌ كبيرٌ.
كيف يُخَرَّجُ الجمعُ الذي وقعَ في الحضرِ مرةً واحدةً، ولم ينقلْ لنا سببُهُ، ولم يُنْقَلْ أنهُ تكررَ، وغايتُهُ أن يكونَ مباحاً عند انعقادِ سببِهِ، وتركُهُ أفضلُ، كيف يُخَرَّجُ ذلك على جمعِ عرفةَ ومزدلفةَ ذلك الجمعِ الذي لم يُخْتَلَفْ فيهِ، ولم يُتَخَلَّفْ عنهُ منذُ شرعَهُ النبيُّ ﷺ إلى يومِنا هذا، وهو من السننِ، وتركُهُ مكروهٌ، وحاجتُهُ عامةٌ لجميعِ الحجاجِ؟
وقد قِيلَ: إنَّ الحاجةَ العامةَ تُنَزَّلُ منزلةَ الضرورةِ فلا يُقَاسُ عليهِ جمعُ الرجلِ أو جماعةٍ محدودةٍ تنزلُ بهم حاجةٌ؛ لعدمِ المساواةِ.
أليس هذا القياسُ اعترافاً أنَّ الجمعَ للمطرِ في الحضرِ ليس فيهِ نصٌّ مع وجودِ الأمطارِ وقتَ التشريعِ، ووقتَ الخلفاءِ؟
فلو كان هذا من القياسِ الصحيحِ لكان الجمعُ قد ثبتَ عن النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وعن خلفائِهِ الراشدينَ.
قال ابنُ المنذرِ:
«لم يثبتْ عن النبيِّ ﷺ أنهُ جمعَ بينهما في المطرِ، ولو كان ذلك في حالِ المطرِ لَأُدِّيَ إلينا ذلك كما أُدِّيَ إلينا جمعُهُ بين الصلاتينِ»[197].
وقال المعلميُّ اليمانيُّ:
«الجمعُ لـالمطرِ لم تقمْ عليهِ حجةٌ، وإنما يحتجونَ عليهِ بهذا الحديثِ (يعني حديثَ ابنِ عباسٍ)»[198].
والجمعُ في السفرِ، والنبيُّ ﷺ مقيمٌ في سفرِهِ نُقِلَ وحُفِظَ في أكثرَ من حديثٍ على قلةِ الجمعِ، كجمعِهِ في الأبطحِ بعدَ الفراغِ من النسكِ، وقبلَ طوافِ الوداعِ، وجمعِهِ حين إقامتِهِ للاستراحةِ في الطريقِ إلى تبوكَ، كما في حديثِ معاذٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- في مسلمٍ، وجمعِهِ في عرفةَ ومزدلفةَ، وهو في الصحيحينِ، فهذهِ الوقائعُ على قلتِها حفظَها لنا الصحابةُ -رضيَ اللهُ عنهم-، ونقلوها، فأين النقلُ عن جمعِ النبيِّ ﷺ في المطرِ، هل يُتَصَوَّرُ أنَّ النبيَّ ﷺ يجمعُ، ولا يُنْقَلُ؟
روى الإمامُ البخاريُّ من طريقِ مالكٍ، عن شريكِ بنِ عبدِ اللهِ ابنِ أبي نمرٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنهُ قال:
«جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، هلكتِ المواشي، وتقطعتِ السبلُ، فادعُ اللهَ، فدعا اللهَ، فمطرنا من الجمعةِ إلى الجمعةِ، فجاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، تهدمتِ البيوتُ، وتقطعتِ السبلُ، وهلكتِ المواشي، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «اللهمَّ على ظهورِ الجبالِ والآكامِ، وبطونِ الأوديةِ، ومنابتِ الشجرِ»، فانجابت عن المدينةِ انجيابَ الثوبِ، ورواهُ مسلمٌ بنحوِهِ»[199].
أنَّ هذه الأمطارَ قد استمرتْ أسبوعاً كاملاً حتى قال الناسُ: تهدمتِ البيوتُ، وتقطعتِ السبلُ، وهلكتِ المواشي، ولو كان هناك رخصةٌ في الجمعِ بسببِ المطرِ لما تجشموا الحضورَ مع هذه المشقةِ الشديدةِ، التي عمت حتى طالتِ الإنسانَ والحيوانَ والبنيانَ والطرقَ.
وقد قالت عائشةُ:
«ما خُيِّرَ رسولُ اللهِ ﷺ بين أمرينِ إلا اختارَ أيسرهما ما لم يكن إثماً»[200].
فلما تركَ الجمعَ دلَّ على أنهُ إثمٌ. ولو جمعَ لتوافرتِ الدواعي على نقلِهِ، واللهُ أعلمُ.
وقد مكثَ النبيُّ ﷺ في المدينةِ عشرَ سنواتٍ، وكان المطرُ ينزلُ، فإما أن يكونَ الصحابةُ قد قَصَّرُوا في النقلِ، فلم يحفظوا لنا سنتَهُ في المطرِ -وحاشاهم عن ذلك- وإما أن يكونَ النبيُّ ﷺ قد تعمدَ تركَ الجمعِ مع وجودِ المقتضي، فيكونُ التركُ سنةً كالفعلِ، فما تركَهُ النبيُّ ﷺ فالسنةُ لنا تركُهُ، وكيف يصحُّ القياسُ لإدخالِ المطرِ مع أنَّ السنةَ تركُ الجمعِ فيهِ، فكان القياسُ من القياسِ الفاسدِ، أليس القولُ بـالجمعِ استدراكاً على النبيِّ ﷺ؟
ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ مالكٍ، عن نافعٍ: «أنَّ ابنَ عمرَ أَذَّنَ بالصلاةِ في ليلةٍ ذاتِ بردٍ وريحٍ، ثم قال: ألا صلوا في الرحالِ، ثم قال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يأمرُ المؤذنَ، إذا كانت ليلةٌ ذاتَ بردٍ ومطرٍ، يقولُ: «ألا صلوا في الرحالِ»»[201].
فإن قِيلَ: هذا في السفرِ:
لما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ قال: حدثني نافعٌ قال:
«أَذَّنَ ابنُ عمرَ في ليلةٍ باردةٍ بضجنانَ، ثم قال: صلوا في رحالِكم. فأخبرنا: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يأمرُ مؤذناً يؤذنُ، ثم يقولُ على إثرِهِ: «ألا صلوا في الرحالِ». في الليلةِ الباردةِ، أو المطيرةِ في السفرِ»[202].
روى البخاريُّ حدثنا مسددٌ، قال: حدثنا إسماعيلُ، قال: أخبرني عبدُ الحميدِ، صاحبُ الزياديِّ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنِ الحارثِ ابنِ عمِّ محمدِ بنِ سيرينَ، قال ابنُ عباسٍ لمؤذنِهِ في يومٍ مطيرٍ:
«إذا قلتَ أشهدُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ، فلا تقلْ: حيَّ على الصلاةِ، قلْ: صلوا في بيوتِكم، فكأنَّ الناسَ استنكروا، قال: فعلَهُ من هو خيرٌ مني، إنَّ الجمعةَ عزمةٌ وإني كرهتُ أن أحرجكم فتمشوا في الطينِ والدحضِ»، ورواهُ مسلمٌ[203].
فلما وُجِدَ الأمرُ بالصلاةِ في الرحالِ بسببِ المطرِ في السنةِ المرفوعةِ، واتفقَ عليها الأئمةُ الأربعةُ في الصلواتِ الخمسِ، ولم يثبتْ في حديثٍ مرفوعٍ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ في الحضرِ لعلةِ المطرِ مع قيامِ المقتضي وتكرارِهِ، علمنا أنَّ المطرَ في الحضرِ ليس من أسبابِ الجمعِ، واللهُ أعلمُ.
ولو كان الجمعُ رخصةً في المطرِ في الحضرِ لفعلَهُ النبيُّ ﷺ، ولنقلَهُ لنا صحابتُهُ، فإنَّ اللهَ يحبُّ أن تُؤْتَى رخصُهُ.
فلما لم يوجدْ في الأحاديثِ ما يدلُّ على حصولِ الجمعِ لـالمطرِ مع قيامِ السببِ وقتَ التشريعِ، ولم يوجدْ آثارٌ عن الصحابةِ مع تفرُّقِهم في البلدانِ، ولم يُعْرَفْ هذا الفعلُ زمنَ التابعينَ إلا في المدينةِ، ومن صحابيٍّ واحدٍ، وهو ابنُ عمرَ، ولم يجمعْ استقلالاً وإنما كان يتابعُ الأميرَ إذا جمعَ، وهي حكايةُ فعلٍ، وليست سنةً قوليةً، وأما فعلُ ابنِ عمرَ في المطرِ على وجهِ الاستقلالِ فكان يأمرُ مؤذنَهُ أن يناديَ: «الصلاةُ في الرحلِ»، وما كان يحبُّ الجمعَ حتى في السفرِ، ولم يفعلْهُ في عمرِهِ إلا مرةً واحدةً حين اُسْتُصْرِخَ على زوجتِهِ.
ولم يُنْقَلْ أنَّ مساجدَ المدينةِ كانت تفعلُهُ عند انعقادِ سببِهِ إلا في مسجدِ النبيِّ ﷺ خلفَ أميرِها، ولذلك قال الإمامُ مالكٌ في روايةٍ: أنَّ الجمعَ خاصٌّ في مسجدِ النبيِّ ﷺ، لأنَّ الجمعَ كان يقعُ في مسجدِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ خلفَ الأمراءِ.
وقد أشرنا إلى هذه الروايةِ في الأقوالِ.
والناسُ عندنا يفزعونَ إلى الجمعِ عند بَلِّ الثيابِ! وقد تهدمتِ البيوتُ، وتقطعتِ السبلُ، وهلكتِ المواشي على وقتِ النبيِّ ﷺ حتى أُمْطِرُوا أسبوعاً كاملاً، وحتى سألَ الصحابيُّ نبيَّ اللهِ ﷺ أن يدعو ربَّهُ بإيقافِ المطرِ مع شدةِ حبِّ العربِ لـالمطرِ، ولم يُنْقَلْ أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ، واللهُ أعلمُ.
ويستنكرُ كثيرٌ من الناسِ النداءَ بالصلاةِ في الرحالِ لجهلِهم بـالسنةِ، وينشطونَ على الجمعِ، ولو كان المطرُ خفيفاً، ويلحونَ على الإمامِ بـالجمعِ.
الأمرُ الثالثُ:
هذا الجمعُ الذي وقعَ من النبيِّ ﷺ في الحضرِ إما أن يكونَ قد تكررَ من النبيِّ ﷺ، أو أنهُ وقعَ منهُ مرةً واحدةً.
فإن كان قد تكررَ فسوف ينشطُ كبارُ الصحابةِ على نقلِهِ، ولن يُتَجَاهَلَ.
وإن كان حدثَ مرةً على خلافِ العادةِ، فسوف يكونُ موضعَ استغرابٍ من قِبَلِ الصحابةِ، ويتوجهونَ بالأسئلةِ للنبيِّ ﷺ عن سببِ فعلِهِ، كما كان الصحابةُ يسألونَ النبيَّ إذا فعلَ فعلاً على خلافِ المعتادِ، فلم يُنْقَلْ لا هذا ولا ذاك، ولا تفسيرَ لهذا التجاهلِ إلا أن يكونَ الجمعُ لم يقعْ، واللهُ أعلمُ.
لم يثبتِ الجمعُ بين الظهرِ والعصرِ بسببِ المطرِ، فلو كان المطرُ علةً في الجمعِ لثبتَ هذا، والأصلُ عدمُ الجمعِ.
قال: الأثرمُ: قِيلَ لـأبي عبدِ اللهِ: الجمعُ بين الظهرِ والعصرِ في المطرِ؟ قال: لا، ما سمعتُ»[204].
فاحتجَّ أحمدُ على التفريقِ بين الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ على عدمِ ثبوتِ الجمعِ بين الظهرِ والعصرِ لـالمطرِ في الحضرِ.
بأنَّ قولَ الإمامِ أحمدَ ظاهرٌ بأنهُ لا يرى العملَ بحديثِ ابنِ عباسٍ «جمعَ النبيُّ ﷺ في المدينةِ بين الظهرِ والعصرِ وبين المغربِ والعشاءِ من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ»، فما الجوابُ عن الإمامِ مالكٍ، الذي روى حديثَ ابنِ عباسٍ، وتأولَهُ بـالمطرِ، ثم لم يعملْ بمقتضاهُ في الظهرينِ، فإنَّ تأويلَهُ لذلك تسليمٌ للاحتجاجِ بهِ في الظهرينِ؟.
وقد أخذَ من هذا أبو القاسمِ ابنُ الكاتبِ وأبو الوليدِ الباجيُّ: جوازَ الجمعِ بين الظهرِ والعصرِ لعلةِ المطرِ.
وهو مقتضى تأويلِ مالكٍ رحمهُ اللهُ، واستحسنَهُ خليلٌ في «التوضيحِ»[205].
وقال ابنُ رجبٍ:
«والعجبُ من مالكٍ رحمهُ اللهُ، كيف حملَ حديثَ ابنِ عباسٍ على الجمعِ لـالمطرِ، ولم يقلْ بهِ في الظهرِ والعصرِ، والحديثُ صريحٌ في جمعِ الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ»[206].
الجوابُ الأولُ:
قال المازريُّ: «ولم يقلْ مالكٌ بذلك في صلاةِ النهارِ، وخَصَّ الحديثَ بضربٍ من القياسِ، وذلك أنَّ الجمعَ للمشقةِ اللاحقةِ في حضورِ الجماعةِ. وتلك المشقةُ إنما تدركُ الناسَ في الليلِ؛ لأنهم يحتاجونَ إلى الخروجِ من منازلِهم إلى المساجدِ وهم في النهارِ متصرفونَ في حوائجِهم، فلا مشقةَ تدركُهم في حضورِ الصلاةِ»[207].
الجوابُ الأولُ:
غايةُ هذا الدفعِ أن تكونَ المشقةُ في الليلِ أكثرَ من المشقةِ في النهارِ، وهذا لا يكفي لتخصيصِ الجمعِ بالعشاءينِ، خاصةً أنَّ حديثَ ابنِ عباسٍ نصٌّ في الظهرينِ فدلالتُهُ على الظهرينِ من قبيلِ الخاصِّ، ولو كان اللفظُ وردَ عامّاً وكان دخولُ الظهرينِ مظنوناً جازَ القولُ بـالتخصيصِ، أما إذا نُصَّ على الظهرينِ ثم رددنا هذا بـالقياسِ، فيكونُ من ردِّ النصِّ بالرأيِ.
الجوابُ الثاني:
يمكنُ أن يُقَالَ: إنَّ الإمامَ مالكاً ظنَّ أنهُ في المطرِ على سبيلِ الاحتمالِ؛ وإذ لم يكن المطرُ منصوصاً على أنهُ سببُ الجمعِ، فلا يمنعُ من معارضتِهِ بما هو أقوى منهُ ولذلك خالفَهُ الإمامُ مالكٌ بـالقياسِ وبالعملِ، فأهلُ المدينةِ ما كانوا يجمعونَ بين الظهرينِ لـالمطرِ.
فالإمامُ أحمدُ في روايةٍ قدمَ أحاديثَ المواقيتِ على حديثِ ابنِ عباسٍ، وفي روايةٍ أخرى: حملَهُ على الجمعِ الصوريِّ، وفي روايةٍ ثالثةٍ حملَهُ على المريضِ والمرضعِ، وكلُّ واحدٍ منها ينفي الاحتمالَ الآخرَ، ولكن ما سبيلُهُ الاحتمالُ لا يمنعُ من احتمالِ غيرِهِ؛ فليس الأمرُ كالمنصوصِ عليهِ، فلو أنهُ نَصَّ على المطرِ ما كان للإمامِ مالكٍ أن يعارضَهُ بـالقياسِ.
الجوابُ الثالثُ:
وأجابَ ابنُ اللبادِ بما معناهُ: أنهُ لم يصفْ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- صفةَ الجمعِ، وفي أيِّ وقتٍ جمعَ؛ لأنهُ لا يجوزُ لنا تأخيرُ ما عجلَ رسولُ اللهِ ﷺ، ولا تعجيلُ ما أخرَ، فإذا لم يعرفِ الإمامُ مالكٌ صفةَ الجمعِ كيف هو، توقفَ عن استعمالِ الخبرِ في الظهرينِ، وكان الأخذُ بحديثِ المواقيتِ أَوْلَى، وقلنا بالعشاءينِ لفعلِ ابنِ عمرَ: (أنهُ كان إذا جمعَ الأمراءُ جمعَ معهم)، وغيرُ ابنِ عمرَ مع ابنِ عمرَ يجمعُ معهم بالمدينةِ، وهى دارُ رسولِ اللهِ، ﷺ، وموضعُ هجرتِهِ وهجرةِ أصحابِهِ، -رضى اللهُ عنهم-، يقومُ مقامَ الإجماعِ بالمدينةِ، فاتبعَ ما رواهُ عنهم؛ إذ وجدَهُ منصوصاً في الحديثِ عنهم في المغربِ والعشاءِ، وأدركَ العملَ عليهِ قائماً كما أدركَ العملَ في الجمعِ بين الظهرِ والعصرِ، وبين المغربِ والعشاءِ قائماً، معمولاً بهِ في السفرِ، فأخذَ بهِ[208].
فهذا الجوابُ يؤولُ إلى عملِ الإمامِ أحمدَ، وهو تقديمُ أحاديثِ المواقيتِ على حديثِ ابنِ عباسٍ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ: روى أبو عوانةَ، عن عمرِ بنِ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيهِ قال: «من السنةِ إذا كان يومٌ مطيرٌ، أن يُجْمَعَ بين المغربِ والعشاءِ»»[209].
[ضعيفٌ] [210].
ما رواهُ مالكٌ في «الموطأِ»، عن نافعٍ،
«أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا جمعَ الأمراءُ بين المغربِ والعشاءِ في المطرِ، جمعَ معهم».
[إسنادُهُ في غايةِ الصحةِ] [211].
من جَمَعَ من الناسِ مقتدياً للإمامِ أحمدَ وبالإمامِ مالكٍ في العشاءينِ أو جمعَ في الظهرينِ مقتدياً للإمامِ الشافعيِّ فقد اقتدى بأئمةِ هدىً.
ومن تركَ الجمعَ فهو أحبُّ إليَّ:
• لكونِهِ روايةً عن الإمامِ أحمدَ، وقولَ الأوزاعيِّ والليثِ بنِ سعدٍ، ولم يُعْرَفِ الجمعُ عن التابعينَ عدا أهلِ المدينةِ.
• وكونِهِ من السنةِ التركيةِ حيثُ لم يثبتِ الجمعُ في حديثٍ مرفوعٍ.
• ولم يثبتْ عن صحابيٍّ إلا عن ابنِ عمرَ خلفَ الأمراءِ.
• ولأنَّ أكثرَ من رأى الجمعَ لم يقلْ: إنَّ الجمعَ سنةٌ حتى يكونَ من تمسكَ بـالجمعِ يرى أنَّ تركَهُ من تركِ السننِ، فهو مباحٌ عند المالكيةِ، وتركُهُ أفضلُ عند الشافعيةِ والحنابلةِ خلا الجمعَ في عرفةَ ومزدلفةَ فهو من السننِ، وهو من الجمعِ في السفرِ، فليس داخلاً في مسألتِنا.
• ولأنَّ الإمامَ مالكاً والإمامَ أحمدَ إنما لم يذهبا إلى القولِ بـجوازِ الجمعِ بين الظهرينِ؛ لأنهُ لا حديثَ في البابِ ولا أثرَ. سُئِلَ الإمامُ أحمدُ عن الجمعِ بين الظهرينِ، فقال: ما سمعتُ.
فإن قلتَ: لماذا قالا بجوازِ الجمعِ بين العشاءينِ، هل لأنهُ يوجدُ في المسألةِ حديثٌ مرفوعٌ؟
لا، إنما في البابِ أثرٌ وحيدٌ عن ابنِ عمرَ كان إذا جمعَ أمراءُ بني أميةَ جمعَ معهم -رضيَ اللهُ عنهُ-.
فإذًا لا يوجدُ نصٌّ مرفوعٌ في الجمعِ في المطرِ طيلةَ العصرِ النبويِّ وعصرِ الخلفاءِ؟
ولو أنَّ ابنَ عمرَ جمعَ بينهما على وجهِ الاستقلالِ عن الأمراءِ أو أُثِرَ عنهُ القولُ بـجوازِ الجمعِ من قولِهِ لطابتْ نفسي، ولكني آثرتُ السنةَ التركيةَ من النبيِّ ﷺ طيلةَ إقامتِهِ في المدينةِ على اجتهادِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- في متابعةِ الأمراءِ إذا جمعوا.
فإن قلتَ: على أيِّ أساسٍ جمعَ الأمراءُ، إذا لم يكن هناك سنةٌ مرفوعةٌ؟
ربما اجتهدوا في قياسِ الحضرِ على السفرِ بجامعِ المشقةِ.
وكان شيخُ الإسلامِ قد استخدمَ هذه الطريقةَ في الاستدلالِ على الجمعِ، وتمتْ مناقشةُ ذلك في البحثِ، وتركَ ابنُ عمرَ رأيَهُ لاجتهادِ الأمراءِ؛ وإنما قلتُ ذلك؛ لأنَّ ابنَ عمرَ لم يكن يفضلُ الجمعَ في السفرِ مع ظهورِ السنةِ فكيف يستحبُّ الجمعَ في الحضرِ؟
والإمامُ الشافعيُّ اجتهدَ في إلحاقِ الظهرينِ قياساً على جمعِ ابنِ عمرَ في العشاءينِ خلفَ الأمراءِ؛ لأنَّ العلةَ إذا كانت المطرَ فهي موجودةٌ في الظهرينِ، ولم يَرَ ذلك الإمامانِ تقديماً للسنةِ التركيةِ على القياسِ، وهو ما احتجَّ بهِ الإمامُ أحمدُ حين سُئِلَ عن الجمعِ فيهما، فقال: ما سمعتُ. واللهُ أعلمُ.
وقال الترمذي كما في «السنن» (1/357):
والعمل على هذا عند أهل العلم: أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة.
ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد، وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم:
يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق».
فـالترمذي حكى العمل عند أهل العلم على المنع، وحين حكى الجواز جعله قولاً لبعض أهل العلم، مما يشعر أن القول بالمنع هو قول أكثر أهل العلم.
وقال المغربي في «بدر التمام» (3/392):
«وذهب أكثر الأمة إلى أنه لا يجوز الجمع في الحضر».
وانظر قول الليث في رسالته إلى الإمام مالك، رواها ابن معين في «تاريخه» رواية الدوري (4/487)، وأكثر أصحاب داود كما في «الاستذكار» (2/212).
وقال الخطابي في «معالم السنن» (1/265):
«وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي يصلي الممطور كل صلاة في وقتها».
وانظر: «الأوسط» لـابن المنذر (2/432).
وانظر: قول ابن القاسم في «المنتقى» لـالباجي (1/257).
وانظر: قول المزني في «البيان» لـالعمراني (2/489)، «المجموع» (4/384).
وانظر قول تقي الدين السبكي فيما نقله ابنه تاج الدين، «التوشيح على التصحيح» (ل32/أ) مخطوط نقلاً من حاشية كتاب الجمع بين الصلاتين في الحضر لفضيلة الشيخ مشهور سلمان (ص: 50).
وانظر: قول الصنعاني في «سبل السلام» (3/146).
«إذا كانت العلة من مطر في حضر جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء…».
وقال النووي في «شرح مسلم» (5/213):
«ويجوز الجمع بالمطر في وقت الأولى، ولا يجوز في وقت الثانية على الأصح؛ لعدم الوثوق باستمراره إلى الثانية».
وقال في «منهاج الطالبين» (ص: 46):
«ويجوز الجمع بالمطر تقديماً. والجديد منعه تأخيراً».
ويشترط الشافعية للجمع:
الأول: أن يكون الجمع جمع تقديم، وهو القول الجديد لـالشافعي، وفي القديم: جواز الجمع بعذر المطر تقديماً وتأخيراً.
الثاني: أن يبل المطر والثلج الثياب، فإن كان ذلك لا يبل الثياب لم يجمع.
الثالث: قيام المطر وقت افتتاح الصلاتين المجموعتين.
الرابع: الثلج والبرد إن كانا يذوبان فكالمطر، وإلا فلا.
انظر: «روضة الطالبين» (1/399)، «الغاية في اختصار النهاية» (2/158)، «المجموع» (4/384)، «تحفة المحتاج» (2/402)، «مغني المحتاج» (1/533، 534)، «نهاية المحتاج» (2/280).
وقال في «المقنع» (ص: 65):
«جمع المطر يختص العشاءين في أصح الوجهين».
وقال في «المبدع» (2/126):
«يجوز بين الظهر والعصر كالعشاءين؛ وهو رواية، اختاره القاضي، وأبو الخطاب، وصححه في المذهب؛ لأنه معنى أباح الجمع، فأباحه بين الظهر والعصر كالسفر».
وعده صاحب «الإنصاف» رواية (2/337).
أحدها: أن يكون ذلك في صلاتي المغرب والعشاء فقط، احترازاً من الظهر والعصر فلا يجمع بينهما في المطر، ووافقهم الحنابلة في المشهور من المذهب.
الثاني: أن يجمع بينهما جمع تقديم، فلا يجوز جمع التأخير فيهما، وأجاز الحنابلة فعل الأرفق منهما تقديماً وتأخيراً، فإن استويا فالتأخير أفضل سوى جمع عرفة.
الثالث: أن يكون ذلك في مسجد، ولو لغير جمعة، وهو المشهور في مذهب مالك.
وفي مذهب الحنابلة وجهان: الأول، وهو المشهور في المذهب، أن الجمع يجوز لمن يصلي في بيته، أو في مسجد يخرج إليه تحت سقف، ولمقيم في مسجد ونحوه كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة، ولو لم ينله إلا يسير؛ لأن الرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة وعدمها.
والوجه الثاني: لا يجوز الجمع لمن يصلي في بيته، أو في مسجد يخرج إليه تحت سقف أو ما أشبه ذلك.
الرابع: اشترط المالكية أن يكون المطر أو البرد، أو الثلج غزيراً، واقعاً أو متوقعاً لقرينة، وهو الذي يحمل أوساط الناس على تغطية الرأس.
واشترط الحنابلة أن يكون المطر مما يبل الثياب، وتلحق المشقة بالخروج فيه، والثلج والبرد والجليد مثله؛ لأنه في معناه. وأما المطر الخفيف الذي لا يبل الثياب فلا يبيح الجمع.
جاء في «المدونة» (1/203):
«قال مالك: لا يجمع بين الظهر والعصر في الحضر، ولا نرى ذلك مثل المغرب والعشاء.
قال:
وقال مالك فيمن صلى في بيته المغرب في ليلة المطر، فجاء المسجد، فوجد القوم قد صلوا العشاء الآخرة، فأراد أن يصلي العشاء، قال: لا أرى أن يصلي العشاء، وإنما جمع الناس للرفق بهم، وهذا لم يصل معهم، فأرى أن يؤخر العشاء حتى يغيب الشفق ثم يصلي بعد مغيب الشفق».
قال الدردير في «الشرح الكبير» (1/370):
ورخص ندباً لمزيد المشقة في جمع العشاءين فقط، جمع تقديم، لا الظهرين؛ لعدم المشقة فيهما غالباً، بكل مسجد، ولو مسجد غير جمعة خلافاً لمن خصه بمسجد المدينة، أو به وبمسجد مكة لمطر واقع أو متوقع».
قال الدسوقي في «حاشيته» (1/370):
«ثم أنه إذا جمع في هذه الحالة، ولم يحصل المطر فينبغي إعادة الثانية في الوقت».
وجاء في «مسائل أبي داود» (ص: 108):
«سمعت أحمد، سئل عن الجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من مطر قبل أن يغيب الشفق؟ قال: أرجو». اهـ
وجاء في «كشاف القناع» (3/292):
«ويجوز الجمع بين العشاءين دون الظهرين لثلج وبرد؛ لأنهما في حكم المطر».
وجاء في «المغني» (2/203):
«قال الأثرم: قيل لـأبي عبد الله: الجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا، ما سمعت».
وانظر: «مختصر خليل» (ص: 44)، «شرح الخرشي» (2/70)، «تحبير المختصر» (1/480)، «شرح الزرقاني على خليل» (2/87، 88)، «منح الجليل» (1/420)، «مسائل أحمد وإسحاق» رواية الكوسج (130)، «الهداية» لـأبي الخطاب (ص: 105)، «دقائق أولي النهى» (1/298، 299)، «الوجيز في الفقه» على مذهب أحمد (ص: 87)، «المبدع» (2/126)، «الإقناع» (1/184)، «التنقيح المشبع» (ص: 114).
ورواه سعيد بن جبير في «صحيح مسلم»، على وجهين:
رواه بلفظ: (من غير خوف ولا مطر).
ورواه صالح مولى التوأمة، خارج الصحيحين، بلفظ: (من غير سفر، ولا مطر)، إلا أن طريق صالح [ضعيف] كما سيأتي بيانه في التخريج إن شاء الله تعالى.
وإليك تخريج هذه الطرق مفصلة إن شاء الله تعالى.
• الطريق الأول: سعيد بن جبير، عن ابن عباس:
رواه عن سعيد اثنان: أبو الزبير المكي، ورواه عنه بلفظ: (من غير خوف، ولا سفر)، رواه عن أبي الزبير عشرة من الحفاظ بل يزيدون، ومن سائر البلدان، وعلى رأسهم الإمام مالك، والسفيانان الثوري وابن عيينة وغيرهم.
ورواه عن سعيد بن جبير حبيب بن أبي ثابت، بلفظ: (من غير خوف ولا مطر)، ولم يروه عن حبيب إلا الأعمش، ولا رواه عن الأعمش من أصحابه إلا عدد يسير منهم.
والروايتان كلتاهما في «صحيح مسلم»، وإن كان الحديث قد اشتهر عن أبي الزبير أكثر من اشتهاره عن حبيب بن أبي ثابت.
فقد اختلف فيه على أبي الزبير:
فرواه مالك، وزهير بن معاوية، وسفيان بن عيينة، وحماد بن سلمة، وابن جريج، وداود بن أبي هند، وخالد بن يزيد الجمحي، وهشام بن سعد، وزياد بن سعد، وغيرهم، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكروا أن الجمع بين الظهرين وبين العشاءين كان في المدينة، ومن غير خوف ولا سفر.
وخالفهم: قرة بن خالد، فرواه عن أبي الزبير به، فجعل هذا الفعل في سفرة سافرها في غزوة تبوك.
وقد وهم قرة بن خالد حيث دخل عليه حديثه عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير، بحديثه عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، والأول في المدينة، والثاني في غزوة تبوك.
ورواه الثوري، واختلف عليه:
فرواه كبار أصحابه عنه: أبو نعيم الفضل بن دكين، وعبد الرزاق، ومحمد بن يوسف، وعبد الله بن الوليد العدني، وغيرهم، بلفظ: (… من غير خوف ولا سفر) كرواية الجماعة، وهي المحفوظة.
وخالفهم كل من:
عبيد الله بن موسى العبسي، (ثقة ومتكلم في روايته عن الثوري)،
وإسماعيل بن عمرو البجلي، ([ضعيف]، ومتكلم في روايته عن الثوري).
وزافر بن سليمان الإيادي (سيئ الحفظ) ثلاثتهم رووه عن الثوري، بلفظ: (من غير خوف ولا مطر)، والمحفوظ رواية الجماعة عن الثوري.
فهذا هو الاختلاف على أبي الزبير، وهو بريء من عهدته، فـالثوري جل أصحابه رووه موافقين لرواية الجماعة، ومن خالف في الثوري فذلك لأنه متكلم في روايته عن الثوري، والوهم الذي وقع فيه قرة بن خالد جاء من قبله، وليس من قبل أبي الزبير.
إذا عرفت هذا من حيث الإجمال، فإليك بيانه بالتفصيل:
فرواه الإمام مالك كما في «الموطأ»، رواية يحيى الليثي (1/144)، ورواية أبي مصعب الزهري (368)، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في «المسند» (ص: 214)، ومسلم في «صحيحه» (49-705)، و«سنن أبي داود» (1210)، و«مسند حديث مالك» لـإسماعيل القاضي (51)، و«المجتبى» من «سنن النسائي» (601)، وفي الكبرى له (1586)، و«صحيح ابن خزيمة» (972)، و«مستخرج أبي عوانة» (2397)، و«شرح معاني الآثار» (1/160)، وفي «صحيح ابن حبان» (1596)، و«مسند الموطأ» لـالجوهري (245)، و«مستخرج أبي نعيم» على «صحيح مسلم» (1584)، و«سنن البيهقي» (3/236)، وفي «الخلافيات» (2718).
وزهير بن معاوية، كما في «صحيح مسلم» (50-705)، والبغوي في «الجعديات» (2632)، و«حديث السراج» بانتخاب الشحامي (2237)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (12/74) ح 12518، و«مستخرج أبي نعيم» على مسلم (1585)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (3/236).
وسفيان بن عيينة، كما في «سنن الشافعي» (24)، و«مسند الحميدي» (471)، و«مسند أحمد» (1/349) و«مسند أبي يعلى» (2401)، و«حديث السراج» (2234)، و«صحيح ابن خزيمة» (971)، و«معرفة السنن» لـالبيهقي (4/301)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (3/236).
وابن جريج، كما في «شرح معاني الآثار» (1/160)،
وحماد بن سلمة، رواه البزار (4989)، قال: حدثنا عمرو بن موسى الشامي (قال ابن عدي في «الكامل» (6/109): [ضعيف] يسرق الحديث).
والبيهقي (3/236) من طريق حجاج بن منهال، ثقة من أصحاب حماد، كلاهما، (عمرو بن موسى وحجاج) عن حماد بن سلمة.
وداود بن أبي هند، كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (12/74) ح 12519.
وخالد بن يزيد الجمحي، مولى أبي الضبع كما في «حديث السراج»، انتخاب الشحامي (2239)،
وهشام بن سعد، وعنه الليث بن سعد، كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (12/74) ح 12517،
وجعفر بن عون، كما في «فوائد أبي القاسم الحرفي»، انتخاب هبة الله بن الحسن الطبري (30)، وعنه البيهقي في «السنن الكبرى» (3/237)، كلاهما عن هشام بن سعد.
ولفظ جعفر بن عون كلفظ الجماعة.
ولفظ الطبراني: (جمع بين الظهر والعصر، وجمع بين المغرب والعشاء بالمدينة، وهو مقيم على غير خوف، ولا شيء اضطره إلى ذلك)، وشيخ الطبراني: بكر بن سهل [ضعيف].
وزياد بن سعد، كما في «المعجم الصغير» لـالطبراني (1028)، وزياد ثقة، والإسناد إليه [حسن]، ولم يذكر في لفظه: (من غير خوف ولا سفر).
كلهم (مالك، وزهير، وابن عيينة، وابن جريج، وحماد بن سلمة، وداود بن أبي هند، وخالد بن يزيد، وهشام بن سعد، وزياد بن سعد، وأكتفي بهؤلاء اقتصاراً) تسعتهم رووه عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وفيه: من غير خوف ولا سفر.
ولفظ مالك في «الموطأ»: (صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر. قال مالك: أرى ذلك كان في مطر).
لم يذكر مالك أن ذلك كان في المدينة، وهو مفهوم من قوله: (ولا سفر)، وقال أكثرهم: جمع في المدينة.
زاد غير مالك: قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لم فعل ذلك؟ قال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يحرج أمته. هذه رواية الأكثر عن أبي الزبير.
وكذا رواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير.
وقال زهير: أراد ألا يحرج أحداً من أمته، فزاد لفظ: (أحداً) وكذا قال الثوري عن أبي الزبير، ومفهومه أنها رخصة لآحاد الناس، ولا يشترط أن تكون عامة.
وقال صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس: أراد التوسعة على أمته، وهي رواية بالمعنى.
ورواه الثوري، واختلف عليه فيه:
فرواه عبد الرزاق، ط: التأصيل (4568)، وأحمد (1/283)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (12/74) ح 12516.
وأبو نعيم الفضل بن دكين كما في «حديث السراج» (2238)، و«مستخرج أبي عوانة» (2398)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (12/74) ح 12516،
ومحمد بن يوسف الفريابي، كما في «مستخرج أبي عوانة» مقروناً بـأبي نعيم (2398).
وعبد الله بن الوليد بن ميمون العدني، كما في «الأوسط» لـابن المنذر (2/433)، كلهم رووه عن سفيان، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بلفظ الجماعة: (من غير خوف ولا سفر).
وخالف هؤلاء كل من:
عبيد الله بن موسى العبسي، كما في «مسند البزار» (4753) (وعبيد الله ثقة في نفسه، وغال في التشيع، ومتكلم في روايته عن الثوري، قال الحافظ في التقريب: استصغر في الثوري. وقال في «هدي الساري»: … لم يخرج له البخاري من روايته عن الثوري شيئاً، واحتج به هو والباقون).
وإسماعيل بن عمرو بن نجيح البجلي كما في «جزء مما رواه أبو الزبير» عن غير جابر لـأبي الشيخ الأصبهاني (65، 66)، وفي «الحلية» لـأبي نعيم (7/88) (وإسماعيل [ضعيف] في نفسه ومتكلم في رايته عن الثوري).
وزافر بن سليمان الإيادي كما في «جزء مما رواه أبو الزبير» عن غير جابر لـأبي الشيخ الأصبهاني (67)، (سيئ الحفظ، وشيخ الأصبهاني مجهول، وشيخه: فيه لين) ولم يسق لفظه، بل أحال على رواية إسماعيل بن عمرو البجلي.
ثلاثتهم عن الثوري به، وفيه: (من غير خوف ولا مطر)، وهذه رواية شاذة إن لم تكن منكرة ؛
لأن عبيد الله وإن كان ثقة فهو متكلم في روايته عن الثوري، والبقية ضعفاء.
وتابع الثوري من هذا الوجه زيد بن أبي أنيسة، إلا أن الإسناد إليه [ضعيف].
علقه ابن رجب في «فتح الباري» (4/261، 462)، قال:
«وروينا من طريق عبد الحميد بن مهدي البالسي: حدثنا المعافى بن سليمان الجزري: حدثنا محمد بن سلمة: ثنا أبو عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صليت مع رسول الله ﷺ بالمدينة من غير مطر ولا قر الظهر والعصر جمعاً. قلت له: لم فعل ذلك؟ قال ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته….
قال الحافظ:
ولكن عبد الحميد هذا، قال فيه الحافظ عبد العزيز النخشبي: عنده مناكير».
ولم يقل أحد غيره (ولا قر)
ولم يختلف هؤلاء أن الجمع كان في الحضر، وأنه صلى ثمانياً وسبعاً، أي بلا قياس.
خالف هؤلاء كلهم: قرة بن خالد، وذلك أن قرة رواه عن أبي الزبير بإسنادين:
أحدهما: رواه عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل في الجمع في السفر في غزوة تبوك، وسيأتينا تخريجه إن شاء الله في مباحث الجمع في السفر.
والثاني: رواه عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الجمع في الحضر.
واختلط ذلك على قرة بن خالد، فحمل رواية أبي الزبير عن ابن عباس على رواية أبي الزبير عن معاذ، وجعل الجمع في السفر، والحمل على قرة بن خالد.
رواه أبو داود الطيالسي كما في «مسنده» (2751)، ومن طريقه أبو عوانة في «مستخرجه» (2394)، و«مستخرج أبي نعيم» (1587)، بلفظ: (جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قلت: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا تحرج أمته).
ولم يبين قرة بن خالد من رواية الطيالسي عنه مكان الجمع، أكان في الحضر أم في السفر، فرواية أبي داود الطيالسي مجملة، تحتمل الحضر وتحتمل السفر.
ورواه يحيى بن سلام كما في «مستخرج أبي عوانة» مقروناً بالطيالسي ولم يسق لفظه (2369).
ورواه خالد بن الحارث كما في «صحيح مسلم» (51-705)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (3/237).
ويحيى بن سعيد القطان، ومعتمر بن سليمان، كما في «المعجم الكبير» (12/75) ح 12520،
ومعاذ بن معاذ، كما في «السنن الكبرى» لـالبيهقي (3/237): أربعتهم رووه عن قرة بن خالد، عن أبي الزبير به، ونصوا على أن الجمع وقع في السفر، ولفظ الإمام مسلم: (أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال سعيد: فقلت لـابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته).
والوهم من قرة بن خالد، ولا يتحمل ذلك أبو الزبير، وقد رواه عنه أمة من الحفاظ بلفظ: (من غير خوف ولا سفر).
ورواه عبد الرحمن بن مهدي وأبو عامر العقدي، عن قرة بن خالد ولم يتبين لي هل روياه بلفظ الجماعة (من غير خوف ولا مطر)، أم روياه بلفظ أبي داود الطيالسي على الإجمال.
فـابن خزيمة (966) وأبو العباس السراج في «حديثه» (2236)، ذكرا حديث معاذ بن جبل في الجمع في السفر في غزوة تبوك، من رواية ابن مهدي، عن قرة، عن أبي الزبير، حدثنا أبو الطفيل، حدثنا معاذ بن جبل.
ثم أتبعا ذلك بحديث ابن عباس، من رواية ابن مهدي، عن قرة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقالا: بمثل ذلك، والمثلية تقتضي أن الجمع كان في السفر.
والطحاوي عكس ذلك، ساق الحديث في «شرح معاني الآثار» (1/160)، برواية مالك، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وذكر لفظه في الجمع في الحضر.
ثم أتبعه برواية ابن مهدي، عن قرة، عن أبي الزبير، قال: فذكر بإسناده مثله. قلت: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
وظاهره أن قرة ذكر الجمع في الحضر، والحقيقة لا يمكن الاعتماد على الإحالة على لفظ سابق، فالمثلية قد لا تقتضي إلا مطلق ذكر الجمع.
وكذلك فعل البزار في رواية أبي عامر العقدي، فإنه ساق روايته للحديث (4988) من طريق أبي عامر العقدي، حدثنا قرة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ولم يذكر لفظه.
ثم ساق الحديث بإسناده (4989) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير به، فذكر لفظه: (أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف لكي لا يحرج أمته).
فظاهره أن رواية أبي عامر عن قرة بمثل لفظ حماد بن سلمة، وأن الجمع كان في الحضر. وهل هذا اضطراب من قرة، أو أن هذا نتيجة الإحالة على لفظ سابق، وما يدخلها مع اختلاف المتون؟، الذي يظهر لي الثاني، فإننا إذا استثنينا رواية أبي داود الطيالسي فإنها لم تذكر مكان الجمع، أكان في الحضر أم كان في السفر، وهي محتملة، والرواية المحتملة تحمل على الرواية الصريحة، وأما الاختلاف في رواية ابن مهدي وأبي عامر العقدي فجاء من الإحالات على ألفاظ سابقة، وليس من قرة بن خالد.
نعم وهم قرة في ذكر السفر في روايته، وقد دخل عليه روايته عن أبي الزبير، عن سعيد، بروايته عن أبي الزبير عن أبي الطفيل، وأما ذكر الحضر في روايته فلا أظن هذه الأوهام من قبل قرة، وإنما من قبل المصنفين عند الإحالات على متون سابقة، فيحصل التساهل، وإن كان بعض المصنفين يتحرى الدقة فيقول لك: بنحوه، فإذا قال: بمثله، فذلك يعني على الأقل أن يكون المعنى مثله من كل وجه إن لم يكن مطابقاً للفظ، والله أعلم.
ورواه مسلم بن إبراهيم، واختلف عليه:
فرواه الفضل بن حباب كما في «صحيح ابن حبان» (1590)، حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: قال: حدثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر.
خالفه إسحاق بن إبراهيم، فرواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (62 /31) حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف، ولا علة، ولا مطر.
فخالفه في إسناده، ولفظه. وإسحاق بن إبراهيم إن كان هو ابن جبلة الترمذي، فهذا فيه جهالة لم يوثقه إلا ابن حبان.
• الطريق الثاني: حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير.
رواه الأعمش عن حبيب، ورواه عن الأعمش جماعة من أصحابه، منهم:
أبو معاوية، وهو من أثبت أصحابه، كما في «صحيح مسلم» (54-705)، و«مسند أحمد» (1/223)، و«سنن أبي داود» (1211)، و«سنن الترمذي» (187)، و«مسند البزار» (5023)، و«حديث أبي العباس السراج» (2245)، و«مستخرج أبي عوانة» (2400)، و«مستخرج أبي نعيم» على «صحيح مسلم» (1590)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (3/238)، و«التمهيد» لـابن عبد البر، ت: بشار (8/59).
ووكيع، كما في «صحيح مسلم» (54/705)، و«مسند أحمد» (1/354)، و«حديث أبي العباس السراج» (2246)، و«الأوسط» لـابن المنذر (2/432)، و«أمالي المحاملي» رواية ابن مهدي الفارسي (101)، و«مستخرج أبي نعيم» على «صحيح مسلم» (1590)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (3/238).
والفضل بن موسى، كما في «المجتبى» من «سنن النسائي» (602)، وفي الكبرى له (1587)، وفي «الكنى والأسماء» لـالدولابي (1449).
وعثام، كما في «مستخرج أبي عوانة» (2399)، أربعتهم رووه عن الأعمش، عن حبيب به، وفيه: (من غير خوف ولا مطر).
ورواه الثوري واختلف عليه:
فرواه كبار أصحابه عنه: أبو نعيم الفضل بن دكين، وعبد الرزاق، ومحمد بن يوسف، وعبد الله بن الوليد العدني، وغيرهم، كلهم رووه عن سفيان، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بلفظ الجماعة: (من غير خوف ولا سفر). وهو المحفوظ عن الثوري.
خالفهم: كل من:
الأول: يحيى بن سعيد القطان وأبو نعيم الفضل بن دكين.
رواه أبو الشيخ في «طبقات المحدثين» (2/411) من طريق سعيد بن عثمان، قال: حدثنا الأحولان يحيى بن سعيد وأبو نعيم، أحول البصرة، وأحول الكوفة، قالا: حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير علة. قلت لـابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
وهذا إسناد له علتان:
الأولى: تفرد به سعيد بن عثمان الكريزي، وهو [ضعيف]، وأين أصحاب يحيى بن سعيد وأبي نعيم عن هذا الطريق لو كان صحيحاً.
قال في «تاريخ أصبهان» (1/383):
«روى عن حفص بن غياث ويحيى القطان ومحمد بن جعفر مناكير».
وقال الذهبي في «الميزان» (2/150):
حدث بأصبهان بمناكير. وانظر: «تنقيح التحقيق» (2/197)، «تاريخ الإسلام»، ت: بشار (5/1144).
العلة الثانية: أنه قد خولف في أبي نعيم وفي يحيى بن سعيد القطان.
فقد رواه الحسن بن سلام، كما في «حديث السراج» (2238)،
وأبو قلابة كما في «مستخرج أبي عوانة» (2398)،
وعلي بن عبد العزيز كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (12/74) ح 12516، ثلاثتهم رووه عن أبي نعيم، عن الثوري، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وفيه: (… من غير خوف ولا سفر)، وسبق تخريجه.
فقد رواه مسدد كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (12/75) ح 12520، عن يحيى بن سعيد القطان، عن قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير به، ولم يذكر فيه (لفظ المطر).
الثاني ممن خالف أصحاب الثوري: سعد بن سعيد الجرجاني، رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (4830)، والسهمي في «تاريخ جرجان» (181)، من طريق إسحاق بن إبراهيم الجرجاني، قال: أخبرنا سعد بن سعيد الجرجاني، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن الأعمش به، وفيه: (من غير خوف ولا مطر).
قال الطبراني:
«لم يرو هذه الأحاديث عن سفيان إلا سعد بن سعيد، تفرد به: إسحاق بن إبراهيم».
وهذا الطريق منكر، وله علتان.
الأول: في إسناده سعد بن سعيد الجرجاني، وهو [ضعيف]، وكان فيه غفلة.
قال عنه ابن عدي في «الكامل» (4/396) :
يحدث عن الثوري وعن غيره مما لا يتابع عليه.
وقال أيضاً:
… لم تؤت أحاديثه التي لم يتابع عليها من تعمد منه فيها، أو ضعف في نفسه ورواياته إلا لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحون، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً، كانوا غافلين عنه، وهو من أهل بلدنا ونحن أعرف به.
وقال الذهبي في «الميزان» (2/121):
له عن الثوري ما لا يتابع عليه. وانظر: «لسان الميزان» (3/16).
ووثقه مسلمة، انظر: «الثقات» ممن لم يقع في الكتب الستة (4300)، وأهل بلده أعرف به.
الثاني: مخالفته لكبار أصحاب الثوري ممن تقدم ذكرهم.
وأما قول الطبراني: تفرد به إسحاق بن إبراهيم، فـإسحاق بن إبراهيم بن خالد الطلقي المؤذن الإستراباذي، كنيته أبو بكر، قال السهمي في «تاريخ جرجان» (1069): كان من أهل الرأي ثقة في الحديث. وانظر: «الإرشاد» لـالخليلي (2/790)، «تاريخ الإسلام» (20/64)، «الجرح والتعديل» (2/211).
فتبين أن رواية الثوري عن الأعمش ليست معروفة، وقد ثبت الحديث عن الأعمش برواية أبي معاوية ووكيع وعثام والفضل بن موسى.
وبقي البحث، ما هو الراجح من رواية سعيد بن جبير:
أهي رواية أبي الزبير المكي (من غير خوف ولا سفر) أم الراجح رواية حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير: (من غير خوف ولا مطر)؟.
اختلف العلماء في الترجيح:
فرجع البزار وابن خزيمة والبيهقي وابن عبد البر رواية (من غير سفر).
ورجع ابن تيمية رواية (من غير خوف ولا مطر).
وقد ذكرت وجوه الترجيح لكل قول في متن الكتاب؛ لأن أكثر القراء يقرأ صلب الكتاب، ولا يقرأ التخريج، إما لأنه ليس من أهل الحديث، أو يكتفي بقراءة الحكم المختصر.
• الطريق الثاني: جابر بن يزيد، عن ابن عباس.
رواه البخاري (1174)، ومسلم (55-705) من طريق سفيان، عن عمرو، قال: سمعت أبا الشعثاء جابراً قال: سمعت ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: صليت مع رسول الله ﷺ ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً. قلت: يا أبا الشعثاء، أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وعجل العشاء وأخر المغرب؟ قال: وأنا أظنه.
وسفيان بن عيينة أثبت أصحاب عمرو بن دينار.
ورواه البخاري (543) حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد هو ابن زيد، عن عمرو بن دينار به، بلفظ: أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى.
قال الحافظ في «الفتح» (2/23):
«فقال أيوب: هو السختياني، والمقول له هو: أبو الشعثاء، قوله: عسى. أي أن يكون كما قلت».
ولم أقف على رواية أيوب لهذا الحديث فيما وقفت عليه من طرق الحديث، بل لم أقف في الأمهات على حديث يرويه أيوب عن جابر بن زيد، لا هذا الحديث، ولا غيره، وإنما روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة، عن أيوب عن جابر بن زيد أثراً مقطوعاً عليه، قال: طلاق العبد في يد سيده.
وفي عبد الرزاق أثر آخر مقطوع على جابر بن زيد: أربع لا يجزن.
وفي «سنن الدارمي» أثر ثالث مقطوع عليه في عدة المتوفى عنها، أهي من وفاتها، أم من يوم يأتيها الخبر.
هذا كل ما رأيته لـأيوب عن جابر بن زيد، ليس فيها حديث مرفوع، وأيوب له رواية عن عمرو بن دينار، فإذا كان قد سمعه من جابر بن زيد فلماذا لم يروه، والله أعلم.
واختلف على حماد في ذكر ما قاله أيوب.
فرواه الربيع الزهراني كما في «صحيح مسلم» (56-705) .
وسليمان بن حرب كما في «سنن أبي داود» (1214)، و«مستخرج أبي نعيم» (1592)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (3/238).
ومسدد، كما في «سنن أبي داود» (1241)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (3/238).
وقتيبة بن سعيد، كما في «السنن الكبرى» لـالنسائي (381)، و«مستخرج أبي نعيم» (1592).
ومحمد بن عبيد بن حساب، كما في «صحيح ابن حبان» (1597)، خمستهم رووه عن حماد ولم يذكروا زيادة أيوب.
ورواه أبو النعمان محمد بن الفضل الملقب بـ(عارم)، كما في «صحيح البخاري»، فرواه عن حماد بن زيد بزيادة: (قال: أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى).
فصنيع البخاري يرى زيادة عارم أنها زيادة محفوظة، ولعل ذلك؛ لأنه كما قال أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (8/58):
«… وهو أثبت أصحاب حماد بن زيد بعد عبد الرحمن بن مهدي».
وقوله: (عسى) من باب الرجا، وليس من قبيل الظن. فالظن منه أن هذا الجمع صوري، وليس بسبب المطر، وشاركه هذا الظن عمرو بن دينار، والله أعلم.
ورواه محمد بن مسلم الطائفي كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (12/137) ح 12807، و«الحلية» لـأبي نعيم (3/90)، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد به، وفيه: (… من غير مرض ولا علة).
وهذا اللفظ شاذ، تفرد به محمد بن مسلم، وهو صدوق يخطئ، وقد خالف أصحاب عمرو بن دينار، كـسفيان بن عيينة، وروايته في الصحيحين، وسبق تخريجه.
وشعبة، وروايته في البخاري (562)،
وحماد بن زيد، وروايته في مسلم، وسبق تخريجه.
وكما خالف جماعة منهم ابن جريج، وحماد بن سلمة، ومعمر بن راشد، وغيرهم، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما، والله أعلم.
• الطريق الثالث: عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس.
رواه مسلم (54-705) من طريق حماد، عن الزبير بن الخريت، عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس، وبدت النجوم. وجعل الناس يقولون: الصلاة. الصلاة. قال فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر، ولا ينثني: الصلاة. الصلاة. فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أم لك! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدق مقالته.
ومن طريق حماد أخرجه أبو داود الطيالسي (2843)، و«مسند أحمد» (1/251)، و«مستخرج أبي عوانة» (2403)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (12/209) ح 12916، وفي «فوائد أبي أحمد الحاكم» (13)، و«مستخرج أبي نعيم» على مسلم (2/297)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (3/239).
وتابع حماداً المعتمر بن سليمان، كما في «مسند البزار» (9440، 9540).
قال البزار في «مسنده» (16/256):
وهذا الحديث لا نعلم يروى من حديث عبد الله بن شقيق عن ابن عباس وأبي هريرة إلا عن الزبير بن الخريت، عن عبد الله بن شقيق، ولا نعلم أسند الزبير عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة إلا هذا الحديث.
وقد تابع عمران بن حدير الزبير بن خريت في حديث ابن عباس دون حديث أبي هريرة، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (8231)، و«مسند أحمد» (1/351)، و«صحيح مسلم» (58-705)، و«مسند أبي يعلى» (2531)، و«شرح معاني الآثار» (1/161)، وفي «الغيلانيات» لـأبي بكر الشافعي (636)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (12/209) ح 12915، و«مستخرج أبي نعيم» على مسلم (1594)، وفي «السنن الكبرى» لـالبيهقي (3/239).
وليس في رواية عبد الله بن شقيق من هذين الطريقين نفي الخوف والسفر، ولا نفي الخوف والمطر، ولا يحفظ ذلك إلا من رواية سعيد بن جبير، وصالح مولى التوأمة.
وليس في رواية عمران بن حدير سؤال عبد الله بن شقيق لـأبي هريرة.
• الطريق الرابع: صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس.
رواه عن صالح بن نبهان مولى التوأمة ثلاثة: داود بن قيس، وابن جريج، وابن أبي ذئب.
وله ثلاث علل: أحدها: اختلاط صالح مولى التوأمة.
الثاني: الاختلاف في سماعه من ابن عباس.
الثالث: الاختلاف عليه في لفظه، فروي عنه: (من غير مطر ولا سفر)، ولم يقله أحد غيره في الجمع بين المطر والسفر.
وروي عنه: (من غير خوف ولا مطر)، وإليك تفصيل ما أجمل.
• الطريق الأول: داود بن قيس، عن صالح:
رواه عبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (4567)، ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (10/326) ح 10803.
ووكيع كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (8230)،
ويحيى بن سعيد القطان كما في «مسند أحمد» (1/346)، و«مسند عبد بن حميد» كما في المنتخب (709)، و«مسند أبي يعلى» (2678)،
والقعنبي كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (10/326) ح 10803، أربعتهم رووه عن داود بن قيس به.
ورواه النعمان بن عبد السلام، عن سفيان الثوري، عن داود بن قيس كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (10/326) ح 10804، و«تاريخ أصبهان» (1/408) و (2/166)، ولا يصح الإسناد إلى النعمان، ففي إسناد الطبراني محمد بن المغيرة، وفيه جهالة لم يوثقه إلا ابن حبان.
وفي إسناد أبي نعيم: شيخه عبد الله بن محمد بن عمر، ومحمد بن العباس، وكلاهما فيه جهالة.
وفي هذا الإسناد: صالح مولى التوأمة، كان قد اختلط، فمن سمع منه قبل الاختلاط فحديثه صحيح، ولم يذكر داود بن قيس فيمن سمع منه قبل الاختلاط.
وقال ابن رجب في «فتح الباري» (4/264):
«صالح مختلف في أمره، وفي سماعه من ابن عباس أيضاً».
• الطريق الثاني: ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة.
رواه ابن عدي في «الكامل» (5/87) من طريق يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة به.
وابن جريج ممن روى عن صالح قبل اختلاطه، إلا أن هذا الحديث لم يذكر إلا في كتاب ابن عدي في «الكامل» (5/87) وقد تفرد به يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج. ولم يخرج في الأمهات، وأين أصحاب ابن جريج؟.
• الطريق الثالث: ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة.
قال عبد الله بن أحمد في العلل (1453):
«سمعت أبي يقول: الحديث الذي رواه وكيع عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الجمع بين الظهر والعصر، قال أبي: إنما هو حديث داود بن قيس ليس هو من حديث ابن أبي ذئب».
وهذا إعلال منه لرواية وكيع، ولو صح لكان ابن أبي ذئب ممن روى عن صالح قبل اختلاطه.
فالذي يظهر أن طريق صالح مولى التوأمة لا يثبت إلا من طريق داود بن قيس، وعلته أنه لم يثبت أنه سمع منه قبل الاختلاط، والله أعلم.
الاختلاف عليه في لفظه، فروي عنه: (في غير سفر، ولا مطر)،
هكذا رواه عبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (4567).
ويحيى بن سعيد القطان في «مسند أحمد» (1/346)، و«مسند عبد بن حميد» كما في المنتخب (709)، وسفيان الثوري ولا يصح الإسناد إليه كما في «تاريخ أصبهان» (1/408).
وروي عنه بلفظ: (من غير خوف ولا مطر).
رواه عبد الرزاق والقعنبي مقروناً به كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (10/326) ح 10803، ووكيع كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (8230).
ولحديث ابن عباس شواهد، لا يصح منها شيء، منها:
رواه ابن جريج، واختلف عليه فيه:
رواه ابن عدي في «الكامل» (6/71) من طريق عمر بن حبيب قاضي البصرة، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، مقيماً غير مسافر، بغير سفر ولا مطر.
تفرد به عمر بن حبيب قاضي البصرة عن ابن جريج، وهو رجل [ضعيف]، لا يحتمل تفرده، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (1987): يتكلمون فيه عن ابن جريج.
وقد خالفه راوية ابن جريج والمقدم في أصحابه، عبد الرزاق، فقد رواه في مصنفه، (ط: التأصيل) (4570)، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال: قال عبد الله: جمع لنا رسول الله ﷺ مقيماً غير مسافر بين الظهر والعصر والمغرب، فقال رجل لـابن عمرو: لم ترى النبي ﷺ فعل ذلك؟ قال: لئلا يحرج أمته إن جمع رجل.
عمرو بن شعيب لم يسمع من عبد الله بن عمرو.
وفيه علة أخرى، قال الترمذي كما في «العلل الكبير» (186) «سألت محمداً -يعني البخاري- عن حديث ابن جريج، عن عمرو بن شعيب … فقال: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب».
قال العلائي في «جامع التحصيل» (472):
«وقد روى عنه عدة أحاديث، وهي عن جماعة ممن تقدم ذكرهم، ولكنه مدلس».
وفي «بيان الوهم والإيهام» (2/413):
«قال الدارقطني في «كتاب العلل»: لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب، فاعلمه».
ما رواه ابن أبي شيبة في «المصنف»، ت: الشثري (23371) حدثنا أبو بكر بن عياش عن يحيى بن هانئ قال: أخبرني أبو حذيفة، عن عبد الملك بن محمد، عن عبد الرحمن بن علقمة قال: قدم على النبي ﷺ وفد ثقيف فأهدوا إليه هدية، فقال: هدية أم صدقة؟ قالوا: هدية، قال: إن الهدية يطلب بها وجه الرسول، وقضاء الحاجة، وإن الصدقة يبتغى بها وجه الله، قالوا: لا، بل هدية فقبلها منهم، وشغلوه عن الظهر حتى صلاها مع العصر.
وهو في «مسند ابن أبي شيبة» (612)، و«الأموال» أبي عبيد (1772)، وفي «جزء لوين» (90)، وفي «تاريخ المدينة» لـابن شبة (2/511، 512)، وفي «التاريخ الكبير» لـالبخاري (2/250)، وفي «الآحاد والمثاني» لـابن أبي عاصم (1599)، و«المجتبى» من سنن النسائي (3758)، وفي السنن الكبرى له (6557)، وفي «معرفة الصحابي» لـأبي نعيم (4644)، وفي «الأباطيل» لـالجوزجاني (233)، و«تاريخ دمشق» لـابن عساكر (65/48)، عن أبو بكر بن عياش به.
قال البخاري في «التاريخ الكبير» (1404): عبد الملك بن محمد بن بشير، عن عبد الرحمن بن علقمة، عن النبي ﷺ، ولم يتبين سماع بعضهم من بعض.
وقال الدارقطني:
عبد الملك وأبو حذيفة مجهولان، وعبد الرحمن بن علقمة لا تصح صحبته ولا يعرف.
وفي «إتحاف الخيرة» (796): هذا إسناد [ضعيف]، لجهالة أبي حذيفة ولم يسم، قاله الذهبي في «الكاشف».
ورواه أبو داود الطيالسي كما في «مسنده» (1433)، فقال: حدثنا أبو بكر الحناط، قال: حدثنا يحيى بن هانئ بن عروة بن قعاس، عن أبي حذيفة، عن عبد الملك بن علقمة أبي علقمة الثقفي أن وفد ثقيف … الحديث.
فأخطأ فيه يونس بن حبيب، راوية أبي داود الطيالسي، فجعله عن عبد الملك أن وفد ثقيف، وإنما هو عن عبد الملك عن عبد الرحمن بن علقمة.
عبد الرحمن بن أبي علقمة: قد اختلف في صحبته، والصحيح: أنه لا تصح له صحبة، إنما هو تابعي، ذكره ابن حبان في «ثقات التابعين».
رواه البزار كما في «كشف الأستار» (689) من طريق عثمان بن خالد، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الصلاتين في المدينة من غير خوف.
قال البزار:
تفرد به عثمان بن خالد، ولم يتابع عليه.
وهذا إسناد [ضعيف جداً]، تفرد به عثمان بن خالد أبو عفان المدني، قال فيه البخاري كما في «التاريخ الكبير» (2221)، ومسلم كما في «الكنى والأسماء» (2641)، وأبو حاتم الرازي كما في «الجرح والتعديل» (6/149): منكر الحديث.
وقال الحاكم أبو عبد الله وأبو نعيم الأصبهاني حدث عن مالك وغيره بأحاديث موضوعة. «تهذيب التهذيب» (7/114).
وفي التقريب: متروك الحديث.
رواه عبد الرحمن بن ثروان (أبو قيس الأودي)، واختلف عليه:
رواه ابن أبي ليلى، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود؛ أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في السفر.
أخرجه ابن أبي شيبة (8246)، والبزار (2046)، وأبو يعلى في «مسنده» (5413)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 160)، والطبراني في «الكبير» (10/ 39) ح 9881.
وفي إسناده ابن أبي ليلى، سيئ الحفظ.
ورواه أبو مالك النخعي: (عبد الملك بن الحسين)، كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (10/39) ح 9880، عن حجاج (هو ابن أرطاة) عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل بن شرحبيل، عن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء، ويؤخر هذه في آخر وقتها، ويعجل هذه في أول وقتها.
وأبو مالك متروك، وحجاج [ضعيف].
ورواه عبد الله بن عبد القدوس، كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (10/218) ح 10525، وفي «الأوسط» (4117)، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الأولى والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعت هذا لكي لا أحرج أمتي.
قال الطبراني في «الأوسط»:
«لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عبد الله، ولا رواه عن عبد الله إلا الحسين وأحمد بن حاتم الطويل».
وقد تفرد به عبد الله بن عبد القدوس، وهو [ضعيف]، عن الأعمش، وأين أصحاب الأعمش.
خالف كل هؤلاء، شعبة كما في «مسند أبي داود الطيالسي» (374)،
وسفيان الثوري كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (8239)، فروياه عن أبي قيس، قال: سمعت الهزيل، قال: كان النبي ﷺ في سفر، فأخر الظهر، وعجل العصر، وجمع بينهما، وأخر المغرب، وعجل العشاء، وجمع بينهما. هذا لفظ شعبة.
ولفظ سفيان: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر.
وهذا مرسل، وهو المعروف.
ما رواه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد»، ت: بشار (6/300) من طريق حفص بن عمر العدني، قال: حدثنا مالك بن أنس، قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر في المدينة، فصلى أربعاً، وبين المغرب والعشاء، فصلى سبعاً، قال مالك: في ليلة مطيرة.
فيه ثلاث علل:
أحدها: تفرد حفص بن عمر العدني عن مالك.
والثانية: مخالفته لأصحاب مالك ممن روى الحديث، فالمعروف أن الحديث عن مالك، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. رواه مالك في «الموطأ»، وسبق تخريجه.
الثالثة: الانقطاع، محمد بن علي بن الحسين لم يسمع من جده.
«سألت أحمد بن حنبل، أيجمع بين الصلاتين في المطر؟ قال: نعم، المغرب والعشاء. قلت له: بعد مغيب الشفق؟ قال: لا، إلا قبل، كما صنع ابن عمر».
ونقله ابن قدامة في «المغني» (2/205).
فهذا النص دليل على أن الإمام أحمد يحتج بفعل ابن عمر، وليس بحديث ابن عباس.
قال أشهب كما في «النوادر والزيادات» (1/157):
«أرجو لمن صلى العصر قبل القامة، والعشاء قبل مغيب الشفق، أن يكون قد صلى العصر، وإن كان بغير عرفة».
وانظر: «عقد الجواهر» (1/83)، «الذخيرة» لـالقرافي (2/14)، «الشامل» في فقه الإمام مالك (1/86).
وليس قول أشهب محمولاً على جمع إحدى الصلاتين في وقت إحداهما بلا سبب. وإنما مذهب أشهب أن هناك وقتاً مشتركاً بين الظهر والعصر في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر؛ لأن جبريل صلى بالنبي ﷺ العصر في اليوم الأول عندما كان ظل كل شيء مثله، وصلى الظهر في اليوم الثاني عندما كان ظل كل شيء مثله، أي في وقت صلاة العصر بالأمس، فحمل ذلك أشهب على وجود وقت مشترك بين الصلاتين، فبعضهم يجعل الوقت المشترك في آخر القامة الأولى بمقدار أربع ركعات.
وبعضهم يجعل الوقت المشترك في أول القامة الثانية بمقدار أربع ركعات.
ولا يجيز أشهب تقديم العصر أول وقت الظهر، ولا تقديم العشاء أول وقت المغرب.
جاء في «الجامع لمسائل المدونة» (2/712):
«قال أشهب في المجموعة: لا أحب الجمع بين الظهر والعصر في سفر ولا حضر، إلا بعرفة أول الزوال، وهي سنة. قال: وللمسافر -وإن لم يجد به السير- من الرخصة في جمعهما ما ليس للمقيم، وله في جد السير أكثر مما له إذا لم يجد به السير، وللمقيم أيضاً في ذلك رخصة؛ لأنه يصلي في آخر الوقتين اللذين وقت جبريل عليه السلام للنبي ﷺ فإذا فاء الفيء قامة كان للظهر آخر وقت، وللعصر أول وقت، وأول الوقت فيهما جميعاً أحب إلينا … وكذلك في المغرب والعشاء، ويكون مغيب الشفق وقتاً لهما يشتركان فيه … وقد جمع النبي ﷺ في آخر وقت هذه وأول وقت هذه، وذلك أن ينقضي الظهر والفيء قامة، أو يبتدئها حينئذ والفيء قامة ….».
وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (2/212):
وقال أشهب بن عبد العزيز: لا بأس بالجمع عندي بين الصلاتين، كما جاء في الحديث من غير خوف ولا سفر، وإن كانت الصلاة في أول وقتها أفضل. وهذا الجمع عندي بين صلاتي النهار في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، وكذلك صلاة المغرب والعشاء في آخر وقت الأولى منهما وأول وقت الآخرة جائز في الحضر والسفر، فأما أن يجمع أحد بين الصلاتين في وقت إحداهما فلا، إلا في السفر».
فالجواب: أن الباجي وابن رشد وغيرهما من الأئمة لم ينقلوه على ذلك، ولو كان كذلك لم يكن لنسبته لـأشهب معنى، والله أعلم».
قلت: كلام أشهب صريح وليس من قبيل التأويل، وخطأ الباجي وابن رشد أقرب؛ لأن العلماء نقلوا كلام أشهب في تفسيره لحديث ابن عباس، وليس فهمهم لكلام أشهب مما يدخله الخطأ، ويؤيد هذا ما قاله أشهب في جمع المريض.
جاء في «اختلاف أقوال مالك وأصحابه» لـابن عبد البر (ص: 94):
«وفي «المدونة» في المريض إذا كان أرفق به أن يجمع بين الصلاتين جمع بينهما في وسط الظهر.
قال أشهب وسحنون:
يجمع بينهما في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر».
فلو كان يرى الجمع في وقت إحداهما بلا سبب لقال ذلك أيضاً في حق المريض من باب أولى، فإذا كان أشهب يرى للمريض أن يتحرى في الجمع الوقت المشترك بينهما، فما ظنك بمن يريد الجمع بلا سبب. والله أعلم.
والناس ينقلون عن الباجي وابن رشد ثقة بفهمهم دون الرجوع إلى كلام أشهب، كما رأينا كيف يتتابع الناس على نسبة القول بـجواز الجمع بلا عذر لـابن سيرين، مع أن المسند عنه خلاف ما نقلوه.
وانظر: «المنتقى» لـالباجي (1/253)، «التبصرة» لـالخمي (2/450، 451)، «شرح التلقين» (2/829)، «التوضيح لخليل» (1/259)، «مواهب الجليل» (1/390).
وعن أشهب قول آخر، حكاه في «لوامع الدرر» (1/618):
«قال أشهب في الموازية فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق: إنه يعيد أبداً».
هذا تحقيق ما نسب لـأشهب من جواز الجمع بلا سبب، وهو جمع صوري، ولهذا جوزه اللخمي في «التبصرة»، واستحسنه (2/451)..
وقال الخطابي في «معالم السنن» (1/265):
«وكان ابن المنذر يقول ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث».
قلت:
لم يسم ابن المنذر هذه الطائفة التي ترى الجمع بلا سبب، ولعله يريد بذلك ابن سيرين، وربيعة وأشهب، وقد تبين لك أن أشهب لا يصح عنه، وابن سيرين يشترط حاجة ما، وربيعة النقل عنه غير مسند، وكذلك النقل عن ابن سيرين.
وقال النووي في شرح «صحيح مسلم» (5/219):
«… حكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، عن أبي إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره بن المنذر ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره والله أعلم».
قوله: (عن القفال والشاشي الكبير) زيادة الواو خطأ، فالصواب: عن القفال الشاشي الكبير. وقوله: (عن أبي إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث) وهم آخر، فالذي حكاه عن جماعة هو ابن المنذر إلا أنه لم يصفهم أنهم من أهل الحديث، وأما أبو بكر القفال فحكاه عن أبي إسحاق المروزي وحده، انظر: «معالم السنن» (1/265)، «المجموع» (4/384).
«قال أبو حنيفة رحمه الله: من أراد أن يجمع بين الصلاتين بمطر، أو سفر أو غيره، فليؤخر الأولى منهما حتى تكون في آخر وقتها، ويعجل الثانية حتى يصليها في أول وقتها، فيجمع بينهما، فيكون كل واحد منهما في وقتها».
وانظر: «المبسوط» (1/149)، «المحيط البرهاني» (1/276)، «فتح باب العناية» بشرح النقاية (1/183)، «حاشية ابن عابدين» (1/382)..
«…. يحمل على تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها وضمها إلى الثانية فعلاً، وهذا التأويل في الحديث هو الذي اعتمده كثير من المحققين، وهو أقرب ما قيل فيه، انتهى».
وذكر ولي الله الدهلوي في «شرح تراجم أبواب البخاري» (ص: 57-58):
إن غرض البخاري من عقد هذا الباب الإشارة إلى توجيه الحديث، وصرفه عن الظاهر، أعني جمعه عليه الصلاة والسلام من غير عذر في الحضر بأنه كان فعله ذلك جمعاً في الصورة بتأخير الظهر إلى وقت العصر، وأدائها في آخر جزء من وقتها متصلاً بأول وقت العصر».
«قال مالك: لا يجمع الرجل بين الصلاتين في السفر إلا أن يجد به السير، فإذا جد به السير جمع بين الظهر والعصر، ويؤخر الظهر حتى يكون في آخر وقتها، ثم يصليها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، ويؤخر المغرب حتى تكون في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، ثم يصليها في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، ثم يصلي العشاء في أول وقتها بعد مغيب الشفق».
«منهم من تأوله على أنه جمع بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين، وهو [ضعيف] بالرواية الأخرى: (من غير خوف ولا مطر).
ومنهم من تأوله على أنه كان في غيم، فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم، وبان أن وقت العصر دخل فصلاها. وهذا أيضا باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، لا احتمال فيه في المغرب والعشاء.
ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صلاته صورة جمع. وهذا أيضا [ضعيف] أو باطل؛ لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل».
قوله: (أخر الظهر وعجل العصر… إلخ) إدراجه في الحديث المرفوع شاذ، أخطأ قتيبة بن سعد بإدراجه هذا الحرف.
قال ابن عبد البر في «التمهيد»، ت: بشار (8/63):
«رواه قتيبة بن سعيد، عن ابن عيينة، بإسناده مثله، فأقحم في الحديث قول أبي الشعثاء وعمرو بن دينار».
وقد خالفه كل من:
علي بن عبد الله المديني كما في «صحيح البخاري» (1174)،
وابن أبي شيبة كما في «صحيح مسلم» (55-705)، ومن طريقه أبو نعيم في «مستخرجه»(1591) البيهقي في السنن (3/238)، وهو في «مصنف ابن أبي شيبة» (8227، 36107).
والحميدي، كما في «مسنده» (475)،
والإمام أحمد كما في المسند (1/221)، و«مستخرج أبي نعيم» على مسلم (1591).
والشافعي كما في «السنن المأثورة» (ص: 124)، ومن طريقه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/160)، والبيهقي في «المعرفة» (4/301)، والواحد من هؤلاء مقدم على قتيبة فكيف إذا اجتمعوا.
وزهير بن حرب، كما في «مسند أبي يعلى» (2394)،
وإبراهيم بن بشار، كما في «مستخرج أبي نعيم» على مسلم (1591).
وعثمان بن أبي شيبة، كما في «السنن الكبرى» (3/238)، جميعهم رووه عن سفيان بن عيينة، لم يذكروا ما ذكره قتيبة بن سعيد من إدراجه كلام أبي الشعثاء وعمرو بن دينار في الحديث المرفوع.
وقال صالح في مسائل لأبيه (728):
«قلت قوله صليت مع النبي ﷺ سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً بالمدينة من غير خوف، ولا مطر. قال قد جاءت الأحاديث بتحديد المواقيت للظهر والعصر والمغرب والعشاء فأما المريض فأرجو».
أحدهما: أبو العالية، عن كتاب عمر، ولم يسمع من عمر، وروي عنه من طريقين:
1- أيوب وقتادة، عن أبي العالية.
رواه عبد الرزاق في «المصنف»، ط: التأصيل (4555)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (2/423).
ورواه عبد الرزاق (2102) عن معمر، عن قتادة وحده به.
ومعمر في روايته عن أيوب فيها ضعف؛ ومستصغر في قتادة، وأبو العالية لم يسمع من عمر.
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (2/424):
«أما حديث عمر بن الخطاب غير ثابت عنه؛ لانقطاع إسناده».
2- رواه سفيان الثوري، واختلف عليه:
فرواه وكيع كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (8253)، عن سفيان، عن هشام بن حسان، عن رجل، عن أبي العالية، عن عمر، قال: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر.
وهذا إسناد [ضعيف]، لإبهام راويه مع بقاء إرساله.
خالفه الحسين بن حفص، كما في خلافيات البيهقي (2725) عن سفيان، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية به.
والحسين بن حفص، روى له مسلم حديثين متابعاً عليهما.
وذكره ابن حبان في الثقات (8/186)، وقال: يروي عن الثوري روى عنه عمرو بن علي الفلاس وأهل بلده ….»
و قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/50): سألت أبي عنه، فقال: صالح، محله الصدق.
وفي تاريخ ابن معين رواية ابن محرز (1/ 75):
«سمعت يحيى، وسئل عن حسين بن حفص الأصبهاني يروي عن سفيان، فقال: لا أعرفه». اهـ
وجاء في «طبقات المحدثين» (2/57):
«الحسين أول رجل نقل إلى أصبهان الفقه والحديث، وكان عمرو بن علي، وأبو مسعود، يقدمان كل سنة على الحسين، فيأخذان منه وظيفة كانت لهما من صلته، وللحسين أحاديث كثيرة يتفرد بها».
وفي التقريب: صدوق، ورواية البيهقي تشهد لرواية معمر، عن قتادة، عند عبد الرزاق، لكن حسين بن حفص قد خالف وكيعاً في سفيان، وتفرده عن سفيان بهذا الإسناد لا أراه محفوظاً.
• الطريق الثاني: عن أبي قتادة العدوي، عن كتاب عمر.
وأبو قتادة العدوي أدرك عمر، ولكنه لم يشهد كتابة الكتاب، لأنه يقول: قرئ علينا كتاب عمر.
رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (3/24)، وفي الخلافيات (2726) من طريق عبد الله بن محمد بن الحسن الرمجاري، حدثنا عبد الرحمن بن بشر، حدثنا يحيى بن سعيد، عن يحيى بن صبيح قال: حدثني حميد بن هلال، عن أبي قتادة يعني العدوي، أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كتب إلى عامل له: ثلاث من الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا في عذر، والفرار من الزحف، والنهبي.
قال البيهقي:
أبو قتادة العدوي أدرك عمر -رضي الله عنه-، فإن كان شهده كتب فهو موصول، وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً. اهـ
وعبد الله بن محمد بن الحسن الرمجاري سماعاته صحيحة من مثل الذهلي وطبقته، لكن تكلموا فيه لإدمانه شرب المسكر. انظر الميزان (2/494)، ولسان الميزان (4/569).
ولم يشهد كتاب عمر.
وقد روى ابن أبي حاتم في التفسير (5208)، قال: حدثنا الحسن بن محمد الصباح: حدثنا إسماعيل بن علية، عن خاليد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة -يعني: العدوي-: قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين، يعني: من غير عذر.
وإسناده صحيح إلى أبي قتادة، وهذا هو المعروف عن أبي قتادة.
قال ابن كثير في تفسيره، (ت: السلامة) وهذا إسناد صحيح.
فطريق أبي العالية شاهد قوي لطريق أبي قتادة العدوي، وكلاهما يروي عن كتاب عمر.
وروي مرفوعاً من حديث ابن عباس، ولا يصح.
رواه الترمذي (188)، وأبو يعلى (2751)، والبزار كما في كشف الأستار (1356)، وابن حبان في المجروحين (1/295)، والطبراني في «المعجم الكبير» (11/216) ح 11540، والدارقطني في السنن (1475)، والحاكم في المستدرك (1020)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/241)، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (1/556)، من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر.
وقد ضعف أحمد حنشاً كما في العلل ومعرفة الرجال (967).
وقال الترمذي:
«وحنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو: [ضعيف] عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره …».
وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (2892): ترك أحمد حديثه.
وفي الجرح والتعديل (3/63) قال أحمد: ليس حديثه بشيء.
وقال الدارقطني: متروك.
وقال ابن عدي: لم أر في حديثه حديثاً منكراً، وقال مرة: ليس بالمتين عندهم.
وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وهذه من عبارات الجرح.
وقال النسائي: ليس به بأس.
وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان يخطئ.
وقال لي مثله الشيخ ياسر آل عيد في مذاكرة بيني وبينه، وأنه دخل في النسخة حديث في حديث خطأ، وأكد لي هذا الخطأ بالرجوع إلى «إتحاف المهرة» حيث لم يذكر هذا الطريق.
ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق في المصنف، ت: التأصيل (4571)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/239)، وفي معرفة السنن (4/299)، وفي الخلافيات (2732).
ورواه رجاء بن حيوة كما في مصنف عبد الرزاق (4572)،
ومحمد بن عجلان كما في «الأوسط» لـابن المنذر (2/430)،
وأيوب من رواية معمر عنه كما في مصنف عبد الرزاق (4574)، ثلاثتهم عن نافع به.
قال يحيى بن سعيد القطان: ابن جريج أثبت من مالك في نافع. انظر: «التاريخ الكبير» لـابن أبي خيثمة (2525)، وجعله النسائي في الطبقة الثانية من أصحاب نافع. «طبقات النسائي» (ص: 53).
وصفوان بن سليم لم يدرك عمر -رضي الله عنه-، فالأثر عن عمر ليس بشيء.
الأول: معلق عن الشافعي، لم يذكر لنا البيهقي إسناده إلى الشافعي لينظر فيه.
الثاني: إبهام الشافعي لشيخه الذي حدثه.
الثالث: التفرد؛ إذ لم يروه عن ابن عباس إلا معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني المدني، ولا عنه إلا أسامة بن زيد الليثي.
ومعاذ صدوق ربما وهم، ولم يخرج له أحد من الكتب التسعة حديثاً عن ابن عباس، وليس له عن ابن عباس إلا هذا المعلق، وحديث واحد أو حديثان، وأين أصحاب ابن عباس؟
وأسامة بن زيد الليثي، وإن كان هو خيراً من أسامة بن زيد بن أسلم، إلا أنه متكلم في ضبطه.
ولم يذكر هذا الأثر أحد ممن صنف في الآثار، وعناية أهل الحديث بالآثار المروية عن الصلاة لا يخفى، فالصلاة لها عناية خاصة عند أهل الحديث، وقد تجاهلوه مما يدل على ضعفه.
وروى ابن أبي شيبة (8247) من طريق مغيرة، عن إبراهيم، قال: كان الأسود وأصحابه ينزلون عند وقت كل صلاة في السفر، فيصلون المغرب لوقتها، ثم يتعشون، ثم يمكثون ساعة، ثم يصلون العشاء.
وهذا رجاله ثقات، ومغيرة يدلس عن الحسن، ولكن تابعه حماد كما في رواية عبد الرزاق.
ورواه ابن سعد في «الطبقات» (6/71) من طريق الدستوائي، عن حماد به.
وقال الخطابي في «معالم السنن» (1/265):
«وكان ابن المنذر يقول ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث».
قلت: لم يسم ابن المنذر هذه الطائفة التي ترى الجمع بلا سبب، ولعله يريد بذلك ابن سيرين، وربيعة وأشهب، وقد تبين لك أن أشهب لا يصح عنه، وابن سيرين يشترط حاجة ما، وربيعة النقل عنه غير مسند، وكذلك النقل عن ابن سيرين.
أحدها: قول التابعي من السنة لا يجعله مرفوعاً، فإن ذلك من خصائص الصحابي.
الثاني: عمر بن أبي سلمة الأكثر على ضعفه، ضعفه شعبة، وتركه، وكذا ضعفه علي بن المديني، ويحيى بن سعيد القطان.
وقال ابن مهدي: أحاديثه واهية.
وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث.
وقال أبو حاتم: صالح صدوق، ليس بذاك القوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به.
وقال أحمد: صالح ثقة. وفي التقريب: صدوق يخطئ.
العلة الثالثة: أن ابن عبد البر ذكره معلقاً، ولم أقف على إسناده إلى أبي عوانة.

