المدخل إلى المسألة
• أن السفر في اللغة: هو قطع المسافة.
• وأن الأئمة الأربعة يشترطون للترخص: أن يقطع مسافة تبيح له القصر، على اختلاف بينهم في تقدير هذه المسافة.
– فمن قدرها بالزمن، قال: مسيرة ثلاثة أيام، كـالحنفية.
– وقال الجمهور:
مسيرة يومين نهاريين، أو مسيرة يوم تام: يومًا وليلة، وهما بمعنى.
– وقدر الجمهور -خلا الحنفية- السير بالمسافة؛ بأن يقطع أربعة برد بسير الإبل المحملة بالأثقال، أو مشي الأقدام.
في ذلك خلاف بين الفقهاء:
• فذهب الأئمة الأربعة إلى أن:
من قطع مسافة القصر: ثلاثة أيام عند الحنفية، أو مسافة مسيرة يومين عند غيرهم، ولو بزمن أقل فله الترخص[1].
واستثنى المالكية قصر المكي والعرفي والمنوي في غير موضعهم، وإن كانت المسافة قصيرة.
وسبق بحث هذه المسألة في مسألة مستقلة[2].
وكل من قال بجواز القصر في السفر القصير كـابن قدامة، والنووي وابن حزم يقول به إذا قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير من باب أولى[3].
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم[4].
قال شيخ الإسلام:
إن الرجل قد يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتي به، فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافرًا، وإن كانت المسافة أقل من ميل، بخلاف من يذهب ويرجع من يومه، فإنه لا يكون في ذلك مسافرًا؛ فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثاني[5].
لا يوجد دليل من الكتاب ولا من السنة يشترط في إباحة الترخص للمسافر ألا يعود في نفس اليوم، وكل شرط ليس في كتاب الله – أي: في حكمه – فليس بشرط، وشروط العبادة توقيفية، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ﴾ [النساء: 101].
وبيَّنت السنة والآثار عن الصحابة أن ذلك مشروط بمسيرة يوم وليلة؛ كما في حديث أبي هريرة المتفق على صحته؛ وهو ما يعادل مسيرة يومين نهاريين على الرواحل، أو أربعة برد.
فهذه هي المسافة التي يباح فيها القصر، فمن قطعها فقد صار مسافرًا، سواء أعاد في نفس اليوم أم مكث أيامًا ثم عاد.
ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إذا سافرت يومًا إلى العشاء فأتم الصلاة، فإن زدت فَاقْصُرْ[6].
[صحيح].
وروى البخاري في «التاريخ الكبير» قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا شبيل الضبعي، سمعت أبا جمرة، قلت لـابن عباس: أقصر إلى الأُبُلَّة؟ قال: تجيء من يومك؟ قلت: نعم، قال: لا تقصر.
[صحيح][7].
بأن أثر ابن عباس ليس صريحًا في المسألة، وهو من الصحابة الذين نقل عنهم القول بالتحديد بالمسافة، وقد قدر المسافة لـعطاء بن أبي رباح فيما بين مكة إلى عُسفان، وما بين مكة إلى الطائف، وما بين مكة إلى جدة، والمسافة بين هذه الأمكنة متقاربة، وهي تقدر بأربعة برد تقريبًا، وسبق تخريج هذا.
واشتراط ابن عباس الليلة مع اليوم موافق لما جاء مرفوعًا:
فقد روى البخاري ومسلم من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة، ليس معها حرمة». هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم بنحوه[8].
فكان قطع مسافة في يوم وليلة سفرًا شرعيًّا بنص السنة المتفق على صحتها، وقد سمى النبي ﷺ الخروج يومًا وليلة سفرًا، والنبي ﷺ قد جاء لبيان الشرعيات، وليس لبيان اللغويات.
بأن (اليوم والليلة): يسمى يومًا تامًّا، وهو شرط لقطع مسافة القصر والمقدرة بأربعة برد، والتي كان معتادًا اجتيازها بمسيرة يومين نهاريين.
فقد روى الزهري، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر قصر الصلاة، وكان ذلك مسيرة يوم تام، أو أربعة برد.
فانظر: كيف ساوى بين اليوم التام: يومًا وليلة، وبين الأربعة برد، فكان اشتراط ابن عباس الليلة مع اليوم راجعًا لهذا التقدير، وهو لا يختلف عن تقدير ابن عباس وابن عمر بأربعة برد، وليس راجعًا إلى أن قطع مسافة السفر في الزمن القصير لا يعد سفرًا، والله أعلم.
– فإذا أطلق التحديد باليوم، دون وصفه بالتام:
قدر التحديد فيه بمسيرة يومين نهاريين.
– وإذا أطلق التحديد باليوم التام:
فيقصد به يومًا وليلة؛ كما جاء ذلك نصًّا في حديث أبي هريرة المرفوع، وأثر ابن عمر وابن عباس، وهو يعدل سير اليومين من النهار، وكلاهما يعدلان أربعة برد.
وقد قال الإمام أحمد كما في «مسائل ابن هانئ»: مسيرة أربعة برد، ستة عشر فرسخًا، في مسيرة اليوم التام.
وجاء في «أحكام القرآن» لـالطحاوي: (قال بعضهم: تقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد، ومقدار ذلك مسيرة اليوم التام، وهو قول مالك رحمه الله، وقد روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس).
وكل ذلك سبق تخريجه عند بحث المسافة التي يسوغ فيها القصر، فارجع إليها.
صلى أهل مكة خلف النبي ﷺ في مكة فأتموا الصلاة، وصلوا خلفه في عرفة، ومزدلفة ومنى فقصروا الرباعية، وإذا كان أقل ما يمكث المكي إذا خرج من مكة يومان: يوم التروية، ويوم عرفة، وكان القصر من أهل مكة ليس من أجل النسك، وإنما من أجل السفر.
ولهذا الأئمة الأربعة متفقون على أن المكي لا يقصر في مكة، والعرفي لا يقصر في عرفة، والمزدلفي لا يقصر في مزدلفة، وقد قال عمر رضي الله عنه لأهل مكة: (أتموا فإنا قوم سفر).
فعلل عمر قصره في مكة كونه مسافرًا.
وإذا كان عمر ينهى أهل مكة من القصر؛ لأنهم غير مسافرين، فسوف ينهى عمر رضي الله عنه العرفي عن القصر في عرفة للعلة نفسها، وكذلك المنوي في منى قياسًا على المكي في موضع إقامته، فالجميع غير مسافر، ومن ادعى أن عمر سوف ينهى المكي عن القصر في مكة، وهم محرمون، ولا ينهى العرفي في عرفة عن القصر، فعليه الدليل.
ولا يمكن تخريج قصر المكي في المشاعر مع قصر المسافة، إلا باعتبار المدة، فكان ذلك دليلًا على أن المسافة القصيرة في الزمن الطويل يعد سفرًا يبيح الترخص، وجعل مكث المكي يومين في المشاعر بمنزلة مسيرة يومين، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علمًا يقينًا أن الذين كانوا مع النبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ولم يفعلوا خلاف ذلك… ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر…[9].
– الوجه الأول: عمدة الاحتجاج في قصر المكي خلف النبي ﷺ في عرفة ومزدلفة ومنى ليس لوجود نص عن النبي ﷺ يأمرهم بالقصر، ولا لوجود نص يثبت أنهم قصروا خلفه، وإنما عمدتهم في ذلك: أنه لو أمرهم بالإتمام لنقل، فالدليل عدمي.
وقد صلى خلف النبي ﷺ في عرفة العرفي، وصلى خلفه في مزدلفة المزدلفي، وصلى أهل منى خلفه في منى، وهؤلاء غير مسافرين في أماكن إقامتهم، كصلاة المكي في مكة، فلا يمكن لهم أن يقصروا، فهل نقل أنه ﷺ أمرهم بالإتمام، أو نقل أنهم أتموا؟
وإذا لم يثبت أن أهل عرفة قد قصروا خلفه نقلًا بالسند الصحيح، ولم يثبت أن النبي ﷺ أمرهم بالقصر، فالأصل أنهم يتمون؛ لأنهم مقيمون، وما يصدق على أهل عرفة يصدق على أهل مكة ومنى ومزدلفة؛ لأن المسافة بين المشاعر لا يمكن أن تكون مسافة سفر.
وقد سبق لي مناقشة هذه المسألة عند الكلام على الشرط الأول من شروط القصر فارجع إليه.
– الوجه الثاني: صح عن ابن عباس أنه قال لـعطاء: لا تقصر الصلاة إلى عرفة، ولا إلى منى، ولكن إلى الطائف وإلى جدة [10].
وسبق تخريجه.
ومطلقه يشمل المحرم والحلال، والاستدلال به أولى من الاستدلال بالدليل العدمي، أنهم لو أتموا لنقل.
وفتوى ابن عباس لـعطاء لا يوجد ما يعارضها من أقوال الصحابة والتابعين، وهو متفق مع قول الحنفية والشافعية والحنابلة، والله أعلم.
قال ابن تيمية:
إن الرجل إذا ضرب في الأرض ثم عاد من يومه فإنه لا يأخذ الزاد والمزاد، فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفرًا، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرًا، فالسفر يكون بالعمل الذي سمي سفرا لأجله، والعمل لا يكون إلا في زمان، فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر من الزاد والمزاد سمي مسافرًا وإن لم تكن المسافة بعيدة -يقصد ابن تيمية: سمي مسافرًا عرفًا- وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم يسمَّ سفرًا-يقصد: في العرف- وإن بعدت المسافة، فالأصل هو العمل الذي يسمى سفرًا ولا يكون العمل إلا في زمان فيعتبر العمل الذي هو سفر، ولا يكون ذلك إلا في مكان يسفر عن الأماكن وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم، ليس له حد في الشرع ولا اللغة، بل ما سموه سفرًا فهو سفر [11].
وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن عثمان كتب إلى بعض عماله، أنه لا يصلي الركعتين المقيم، ولا النائي، ولا التاجر، إنما يصلي الركعتين من معه الزاد والمزاد.
[ضعيف][12].
– الجواب الأول: أما أثر عثمان فيراد منه اعتذار عثمان في إتمامه الصلاة بمنى، وأن المسافر يقصر ما دام يحمل زاده ومزاده فإذا أقام واستغنى عن حمل الزاد والمزاد والحل والارتحال كان حكمه حكم المقيم، ولا يراد منه أن المسافر إذا رجع من يومه لم يقصر.
فقد روى الطحاوي من طريق حماد، وأخبرنا قتادة، قال: قال عثمان ابن عفان رضي الله عنه: إنما يقصر الصلاة من حمل الزاد والمزاد، وحلَّ وارتحل[13].
وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن ليث، عن طاوس، عن عائشة، قالت: إذا وضعت الزاد والمزاد فصلِّ أربعًا، وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعًا.
[ضعيف][14].
– الجواب الثاني: كون الناس لا يعدون من سافر وعاد من يومه مسافرًا في العرف، لا يمنع من الترخص؛ لأن تحكيم العرف في تحديد مسافة السفر لا يعرف من السنة المرفوعة، ولا من آثار الصحابة، ولا من أقوال التابعين، ولا من أقوال الأئمة الأربعة، ولا يعرف في القرون المفضلة.
– الجواب الثالث: أن تقدير السفر بالزمن لم يأت لبيان ذكر طول غياب الرجل عن موضع إقامته، بل جاء في معرض ذكر السير في أثناء السفر، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة».
فكان تقدير السير بالزمن راجعًا إلى تقدير المسافة؛ لأن العرب تعرف المسافة بمقدار الزمن الذي تسير به عن طريق الأقدام أو عن طريق الإبل المحملة، وقد قدر ابن تيمية والنووي البريد بمسيرة نصف يوم، وهو من تقدير المسافة بالزمن.
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث من الفقه: أن المرأة لا يجوز لها أن تسافر هذه المسافة فما فوقها إلا مع ذي محرم أو زوج [15].
أن الحكمة من مشروعية القصر دفع المشقة، والسفر الطويل في المدة القصيرة لا مشقة فيه.
– الجواب الأول: كون المسافر يقطع المسافة الطويلة ويرجع في نفس اليوم بلا راحة أكبر مشقة من رجل يقطع مسافة القصر ثم يستريح يومًا أو يومين ثم يعود، وهذا يعلمه من يتعاطى السفر ويرجع في نفس اليوم، ولا يقدر عليه إلا أهل الجلد من الرجال، بخلاف كبار السن حيث لا يتحملون السفر الطويل والعود في نفس اليوم.
– الجواب الثاني: أن المشقة ليست علة في القصر، بل العلة هي السفر، وقد تحقق السفر بقطع مسافة أربعة برد على الصحيح، فمن قطعها فقد استحق الترخص، سواء أعاد في نفس اليوم، أم مكث في سفره مدة يباح له فيها القصر، ثم عاد إلى وطنه.
• أحدهما: حكم في السفر وحده بلا نسك، فهذا عندهم يشترط أن يكون ذلك في مسافة لا تقل عن أربعة برد، كقول الجمهور.
• والثاني: قصر الحاج، وهذا يشترط له الخروج من موضع إقامته، فإذا خرج قصر، ولو كان السفر قصيرًا، فيتم أهل عرفة بعرفة، ويقصرون بمنى ومزدلفة، ويتم أهل مزدلفة بها، ويقصرون في عرفة ومنى، ويتم أهل منى بها ويقصرون في عرفة ومزدلفة؛ لأن علة القصر النسك بشرط السفر ولو كان قصيرًا.
وإذا كنت قد رجحت أن المكي لم يثبت في النصوص أنه قصر في عرفة، ولا أنه قصر في بقية المشاعر، كان قول الحنفية والشافعية والحنابلة بعدم قصر المكي في المشاعر هو الصواب، كقول المالكية في أهل المشاعر لا يقصرون في موضع إقامتهم، والله أعلم.

