📌 المَدْخَلُ إلى المسألةِ:
بعضُ ذلكَ يَدْخُلُ في مكروهاتِ اللباسِ في الصلاةِ.
وبعضُها يَدْخُلُ في مكروهاتِ المكانِ.
وحينَ كانَ ذلكَ المحرَّمُ يَتَعَلَّقُ بجميعِ الصلاةِ، ألحقْتُهُ بالمكروهاتِ العامَّةِ حتَّى لا أُفَرِّقَ هذهِ الصُّوَرِ الثلاثِ معَ شدَّةِ ارتباطِ بعضِها ببعضٍ.
وقدِ اختلفَ العلماءُ في لُبسِ الثَوبِ الذيْ فيهِ صورةُ إنسانٍ أو حيوانٍ:
وهُوَ مذهبُ المالكيَّةِ، وروايةٌ عَنْ أحمدَ.
قالَ المالكيَّةُ: وتَرْكُها أحسنُ مراعاةً لخلافِ مَنْ قالَ بالتحريمِ [1].
وفَرَّقَ الإمامُ مالكٌ بينَ الصورةِ في الثيابِ والبُسُطِ فلا تُكْرَهُ وبينَ الصورةِ في الخاتمِ وفي الجُدُرِ؛ فَتُكْرَهُ؛ لامتهانِ الأولَى دونَ الثاني [2].
وهُوَ روايةٌ عَنْ مالكٍ، وقولٌ في مذهبِ الشافعيَّةِ، وأحدُ الوجهينِ في مذهبِ الحنابلةِ، ورَجَّحَهُ ابنُ عقيلٍ [3].
وهُوَ مذهبُ الحنفيَّةِ، وقولٌ في مذهبِ المالكيَّةِ، وأَصَحُّ الوجهينِ في مذهبِ الحنابلةِ، وقالَ بِهِ الشافعيَّةُ حالَ كونِهِ ملبوسًا، خلافًا للأذرعيِّ [4].
قالَ في «الروضِ المربعِ»:
«ويَحْرُمُ استعمالُهُ، أيْ: المصوَّرِ، على الذكرِ والأنثَى، في لُبْسٍ، وتعليقٍ، وسَتْرِ جُدُرٍ، لا افتراشِهِ، وجَعْلِهِ مخدًّا» [5].
هذا في حُكْمِ الصورةِ في الثيابِ خارجَ الصلاةِ.
وبناءً عليهِ اختلفُوا في حُكْمِ الصلاةِ في ثوبٍ فيهِ صورةٌ:
وهُوَ المعتمدُ في مذهبِ المالكيَّةِ، وروايةٌ عَنِ الإمامِ أحمدَ، ونقلَهُ إمامُ الحرمينِ وجهًا في مذهبِ الشافعيَّةِ [6].
قالَ ابنُ رجبٍ في «شرحِ البخاريِّ»:
«وأمَّا الصلاةُ في ثوبٍ فيهِ تصاويرُ ففيهِ قولانِ للعلماءِ، بناءً على أنَّهُ: هلْ يجوزُ لُبْسُ ذلكَ أَمْ لا؟
فَرُخِّصَ في لُبْسِهِ جماعةٌ، مِنْهُمْ: أحمدُ في روايةِ الشالنجيِّ، وكذلكَ قالَ أبو خيثمةَ، وسليمانُ بنُ داودَ الهاشميُّ…» [7].
وهُوَ المعتمدُ في مذهبِ الحنابلةِ.
وقالَ الحنفيَّةُ: يُكْرَهُ كراهةً تحريميَّةً، وهُما بمعنًى.
على خلافٍ بينَهُمْ في صِحَّةِ الصلاةِ:
وهذا مذهبُ الحنفيَّةِ [9].
قالَ المرغينانيُّ في «الهدايةِ»:
«ولو لَبِسَ ثوبًا فيهِ تصاويرُ يُكْرَهُ؛ لأنَّهُ يُشْبِهُ حاملَ الصنمِ، والصلاةُ جائزةٌ في جميعِ ذلكَ؛ لاستجماعِ شرائطِها، وتُعَادُ الصلاةُ على وجهٍ غيرِ مكروهٍ، وهذا الحُكْمُ في كلِّ صلاةٍ أُدِّيَتْ معَ الكراهةِ» [10].
وهذا هُوَ المعتمدُ في مذهبِ الحنابلةِ، وهُوَ مِنْ مفرداتِ المذهبِ [11].
نَصَّ عليهِ عبدالرحمنِ بنُ قدامةَ في «الشرحِ الكبيرِ»؛ لاستعمالِهِ المحرَّمَ في شرطِ الصلاةِ [12].
اختارَهُ صاحبُ «الوجيزِ» مِنَ الحنابلةِ، ورَجَّحَهُ ابنُ الجوزيِّ [13].
وهُما قولانِ في مذهبِ الحنابلةِ [14].
وهُوَ مذهبُ الشافعيَّةِ، وقولٌ في مذهبِ الحنابلةِ، اختارَهُ ابنُ عقيلٍ مِنْهُمْ [15].
جاءَ في «تحفةِ المحتاجِ»:
«ويُكْرَهُ أنْ يُصَلِّيَ في ثوبٍ فيهِ صورةٌ، وأنْ يُصَلِّيَ عليهِ وإليهِ» [16].
قالَ ابنُ رجبٍ:
«صَرَّحَ أصحابُنا بكراهةِ استصحابِهِ في الصلاةِ، وسواءٌ قُلْنا: يجوزُ لُبْسُهُ أو لا» [17].
وسببُ الخلافِ: اختلافُهُمْ في مسائلَ:
الأولَى: الصورةُ في الثوبِ:
أَهِيَ مِنْ بابِ الامتهانِ؟ فتكونُ جائزةً عندَ مَنْ يَرَى جوازَ الصُّوَرِ المُمْتَهَنَةِ كالفرشِ والمخدَّةِ.
أَمْ أنَّها مِنْ بابِ التعظيمِ؟ لأنَّ الثيابَ مِنْ بابِ الزينةِ، فَتَحْرُمُ، أو تُكْرَهُ على قولٍ.
المسألةُ الثانيةُ:
إذا قُلْنا بتحريمِ لُبْسِ ما فيهِ صورةٌ، وصَلَّى فيها:
فهلْ لُبْسُهُ يُفْسِدُ الصلاةَ، باعتبارِ أنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفسادَ؛ ولأنَّ سَتْرَ العورةِ بثوبٍ محرَّمٍ وجودُهُ كعدمِهِ، فكانَ بمنزلةِ مَنْ صَلَّى عاريًا؟
أَمْ لا يُفْسِدُها؛ لكونِ النَّهْيِ غيرَ مختصٍّ بالعبادةِ؟.
المسألةُ الثالثةُ:
وإذا قُلْنا بفسادِ الصلاةِ، فالفسادُ:
أَهُوَ مقيَّدٌ بِما إذا اسْتُعْمِلَ المحرَّمُ في شرطِ الصلاةِ كما لو سَتَرَ بِهِ عورتَهُ؟
أَمْ يَشْمَلُ ذلكَ حتَّى ولو كانَ عليهِ ثوبٌ آخرَ، وحتَّى لو كانَتِ الصورةُ في غيرِ المكانِ الواجبِ سَتْرُهُ؟
وهلْ يَشْمَلُ ذلكَ حتَّى الصورةَ في العمامةِ والخاتمِ؟
إذا وقفْتَ على أقوالِ فقهائِنا، فقدْ حانَ الوقتُ للانتقالِ إلى مَعْرِضِ الأدلَّةِ ومناقشتِها.
رَوَى البخاريُّ مِنْ طريقِ عبدِاللَّهِ بنِ داودَ، عَنْ هشامٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عائشةَ، قالَتْ:
قَدِمَ النبيُّ مِنْ سَفَرٍ، وعَلَّقْتُ دُرْنُوكًا فيهِ تماثيلُ، فأمَرَني أنْ أَنْزِعَهُ فَنَزَعْتُهُ [18].
ورواهُ مسلمٌ مِنْ طريقِ أبي أسامةَ (حمادِ بنِ أسامةَ)، عَنْ هشامٍ بِهِ [19].
والدُّرْنُوكُ: هُوَ البساطُ، وجَمْعُهُ دَرَانِكُ [20].
فكانَ المطلوبُ عَدَمَ نَصْبِهِ، ولهذا اكْتَفَى النبيُّ ﷺ بنَزْعِهِ.
ورَوَى الإمامُ مسلمٌ مِنْ طريقِ داودَ، عَنْ عزرةَ، عَنْ حميدِ بنِ عبدالرحمنِ، عَنْ سعدِ بنِ هشامٍ، عَنْ عائشةَ، قالَتْ:
كانَ لَنَا سِتْرٌ فيهِ تمثالُ طائرٍ، وكانَ الداخلُ إذا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فقالَ لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: «حَوِّلِي هذا، فإنِّي كلمَّا دخلْتُ فرأيْتُهُ ذكرْتُ الدنيا». قالَتْ: وكانَتْ لَنَا قطيفةٌ كُنَّا نقولُ عَلَمُها حريرٌ، فكُنَّا نَلْبَسُها [21].
ورواهُ عبدُالأعلَى، كما في «صحيحِ مسلمٍ».
ويزيدُ بنُ زريعٍ كما في «المجتبَى» مِنْ سننِ النسائيِّ وغيرِهِ، كلاهُما (عبدُالأعلَى ويزيدُ) عَنْ داودَ بهذا الإسنادِ، وزادَ فيهِ:
فلم يَأْمُرْنا رسولُ اللَّهِ ﷺ بقَطْعِهِ. هذا لفظُ مسلمٍ [22].
ورواهُ مسلمٌ مِنْ طريقِ محمَّدِ بنِ جعفرٍ، حدثنا شعبةُ، عَنْ عبدالرحمنِ بنِ القاسمِ، قالَ: سَمِعْتُ القاسمَ، يُحَدِّثُ، عَنْ عائشةَ،
أنَّهُ كانَ لها ثوبٌ فيهِ تصاويرُ، ممدودٌ إلى سَهْوَةٍ، فكانَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّي إليهِ فقالَ: «أَخِّرِيهِ عَنِّي». قالَتْ: فأخَّرْتُهُ فجعلْتُهُ وسائدَ [23].
ورواهُ مسلمٌ مِنْ طريقِ الثوريِّ، عَنْ عبدالرحمنِ بنِ القاسمِ بِهِ، بلفظِ:
دَخَلَ النبيُّ ﷺ عَلَيَّ وقدْ سَتَرْتُ نَمَطًا فيهِ تصاويرُ، فَنَحَّاهُ، فاتَّخَذْتُ مِنْهُ وسادتينِ [24].
ورواهُ مسلمٌ أيضًا مِنْ طريقِ بكيرِ بنِ عبدِاللَّهِ بنِ الأشجِّ، أنَّ عبدالرحمنِ بنَ القاسمِ حَدَّثَهُ بِهِ، بلفظِ:
نَصَبْتُ سِتْرًا فيهِ تصاويرُ، فدَخَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَعَهُ، قالَتْ: فَقَطَعْتُهُ وسادتينِ… الحديثَ [25].
أنَّ النبيَّ ﷺ قدِ اكْتَفَى بنَزْعِهِ، وأَمَرَ عائشةَ بتحويلِهِ عنهُ، وقالَ: «أَمِيطِي عَنِّي قِرَامَكِ»، ويَلْزَمُ مِنْهُ بقاءُ الصورةِ على ما كانَتْ عليهِ، وقدْ قالَتْ عائشةُ في روايةِ مسلمٍ: «ولم يَأْمُرْنا بقَطْعِهِ».
وكلُّ هذهِ الألفاظِ تَدُلُّ على أنَّ המمنوعَ رَفْعُ الصورةِ، ولو كانَ تغييرُ الصورةِ واجبًا لَغَيَّرَها النبيُّ ﷺ في الحالِ، أو أَمَرَ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها بتغييرِها مباشرةً؛ لأنَّ إزالةَ المنكرِ واجبةٌ على الفورِ.
أنَّ البخاريَّ ومسلمًا قدْ رَوَياهُ مِنْ طريقِ الزهريِّ، عَنِ القاسمِ، عَنْ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها، قالَتْ:
دَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ ﷺ وفي البيتِ قِرَامٌ فيهِ صُوَرٌ، فَتَلَوَّنَ وجهُهُ ثُمَّ تَناوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ… الحديثَ [26].
تابَعَ الزهريَّ سفيانُ بنُ عيينةَ كما في الصحيحينِ، فرواهُ عَنْ عبدالرحمنِ بنِ القاسمِ بِهِ، وفيهِ:
«… فَلَمَّا رآهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ هَتَكَهُ …» [27].
ورواهُ البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ طريقِ عبيدِاللَّهِ بنِ عمرَ، عَنْ عبدالرحمنِ بنِ القاسمِ بِهِ، وفيهِ:
«…. فَهَتَكَهُ النبيُّ ﷺ، فاتَّخَذْتُ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فكانَتا في البيتِ يَجْلِسُ عليهِما»، واللفظُ للبخاريِّ [28].
ورواهُ نافعٌ، عَنِ القاسمِ بِهِ، في الصحيحينِ، فلم يَذْكُرْ فيهِ: هَتْكَ السِّتْرِ، ولا نَزْعَهُ [29].
فدَلَّتْ هذهِ الألفاظُ مِنَ الحديثِ:أنَّ النبيَّ ﷺ قدْ هَتَكَ السِّتَارَ، أيْ قَطَعَهُ، ويَلْزَمُ مِنْهُ أنْ يأتيَ القطعُ على الصورةِ.
بأنَّ قولَهُ: «هَتَكَهُ» يُطْلَقُ الهَتْكُ على أحدِ معنيينِ:
المعنى الأوَّلُ: هَتَكَهُ: بمعنَى جَذَبَهُ حتَّى انْتَزَعَهُ مِنْ مكانِهِ، قالَ في «جمهرةِ اللغةِ»:
«هَتَكْتُ السّتْرَ وَغَيره أهتكه هَتْكًا إِذا انتزعته» [30].
ويَدُلُّ عليهِ روايةُ الصحيحينِ مِنْ طريقِ عروةَ، عَنْ عائشةَ:
«فأمَرَني فَنَزَعْتُهُ».
والمعنى الثاني: يأتي الهَتْكُ بمعنَى الشَّقِّ، قالَ الليثُ كما في «جمهرةِ اللغةِ»:
قالَ الليثُ: الهَتْكُ أَن تجذب سِتْراً فتقْطعُه من مَوْضِعه أَو تَشُقَّ مِنْهُ طَائِفَة يُرَى مَا وَرَاءه، وَلذَلِك يُقَال: هَتَكَ الله سِتْرَ الْفَاجِر …وكل شَيْء يُشَقُّ كَذَلِك فقد تَهَتّكَ وانهتك [31].
«هَتَكَ السِّتْرَ هَتْكًا، وهُوَ أنْ تَجْذِبَهُ حتَّى تَنْزِعَهُ مِنْ مكانِهِ، أو تَشُقَّهُ حتَّى يَظْهَرَ ما وراءَهُ» [32].
وقدْ رَوَى مسلمٌ مِنْ طريقِ سهيلِ بنِ أبي صالحٍ، عَنْ سعيدِ بنِ يسارٍ أبي الحُبَابِ، مولَى بني النجارِ، عَنْ زيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ، عَنْ أبي طلحةَ الأنصاريِّ وفيهِ:
…. فَجَذَبَهُ حتَّى هَتَكَهُ أو قَطَعَهُ … الحديثَ.
فصارَ الاختلافُ على عبدالرحمنِ بنِ القاسمِ:
رواهُ شعبةُ، عنهُ بِهِ، كما في روايةِ مسلمٍ بلفظِ: «أَخِّرِيهِ عَنِّي».
ورواهُ الثوريُّ، عَنْ عبدالرحمنِ بِهِ، كما في مسلمٍ: «فَنَحَّاهُ».
ورواهُ بكيرِ بنِ الأشجِّ عَنْ عبدالرحمنِ بلفظِ: «فَنَزَعَهُ».
ورواهُ الزهريُّ، وابنُ عيينةَ، عَنْ عبدالرحمنِ بنِ القاسمِ: «فَهَتَكَهُ».
ورواهُ عروةُ عَنْ عائشةَ في الصحيحينِ: «فأمَرَني فَنَزَعْتُهُ».
فإذا كانَ الهَتْكُ يأتي بمعنَى «النزعِ» ويأتي بمعنَى «الشقِّ»:
تَعَيَّنَ حَمْلُ الهَتْكِ على معنَى «النزعِ»؛ لِيُوافِقَ بقيةَ الرواياتِ؛ لأنَّ حَمْلَ الهَتْكِ على «الشقِّ» سَيُؤَدِّي إلى طَرْحِ الرواياتِ الأخرَى، وهيَ طُرُقٌ في غايةِ الصحَّةِ، أو الحُكْمِ على الحديثِ بالاضطرابِ، وهُوَ مِنْ أحاديثِ «الصحيحينِ»، بخلافِ حَمْلِ الهَتْكِ على: «النزعِ»، حيثُ تَلْتَئِمُ بِهِ بقيةُ الرواياتِ، واللغةُ لا تَمْنَعُ مِنْهُ.
وفي روايةِ سعدِ بنِ هشامٍ، عَنْ عائشةَ في مسلمٍ:
«ولم يَأْمُرْنا بقَطْعِهِ»، تَفَرَّدَ بِها سعدُ بنِ هشامٍ، لكنَّها بمعنَى روايةِ الصحيحينِ: «فأمَرَني فَنَزَعْتُهُ».
جاءَ في «فَتْحِ الباري»:
«قالَ ابنُ التينِ: قولُها فَهَتَكَهُ: أيْ: شَقَّهُ. كذا قالَ، والذي يَظْهَرُ: أنَّهُ نَزَعَهُ، ثُمَّ هيَ بعدَ ذلكَ قَطَعَتْهُ» [33].
أنَّ السِّتْرَ لم يُقْطَعْ حينَ انْتُزِعَ مِنَ الجدارِ، وكونُ بعضِ الرواياتِ: «فَنَزَعَهُ النبيُّ ﷺ»، وبعضُها «فأمَرَني فَنَزَعْتُهُ»، لا تعارُضَ بينَهُما، لأنَّ النزعَ يُضَافُ إلى النبيِّ ﷺ باعتبارِ أنَّهُ الآمرُ بذلكَ.
أنَّ عائشةَ قدْ عَمِلَتْ مِنْهُ وسادتينِ، ويَلْزَمُ مِنْ ذلكَ تقطيعُ الصورةِ عمَّا كانَتْ عليهِ حينَ كانَتْ محرَّمةً.
أنَّ النبيَّ ﷺ قدِ اكْتَفَى بنَزْعِهِ، وأَمَرَ عائشةَ بتحويلِهِ عنهُ، وقالَ: «أَمِيطِي عَنِّي قِرَامَكِ»، وكونُ عائشةَ جَعَلَتْ مِنْهُ وسائدَ بعدَ ذلكَ، فربَّما: تَغَيَّرَتِ الصُّوَرُ عمَّا كانَتْ عليهِ، هذا محتمَلٌ، وربَّما: لم يَأْتِ القطعُ على جميعِ الصُّوَرِ؛ لأنَّ «الدُّرْنُوكَ» كما قالَ الخطابيُّ ثوبٌ غليظٌ لَهُ خَمْلٌ، إذا فُرِشَ فهُوَ بساطٌ، وإذا عُلِّقَ فهُوَ سِتْرٌ. اهـ
وفيهِ مجموعةُ تماثيلَ لا يُمْكِنُ الجزمُ بأنَّ جَعْلَهُ وسادتينِ قدْ جاءَ على جميعِ الصُّوَرِ الذي فيهِ، فَغَيَّرَها، وليسَ في النصوصِ أنَّ تغييرَ جميعِ الصُّوَرِ الذي في السِّتَارِ شرطٌ في إباحةِ استعمالِ المخدَّةِ، وربَّما لو تَطَلَّبَتْ عائشةُ أنْ يأتيَ القطعُ على كلِّ صورةٍ لَفَسَدَ السِّتَارُ، وإذا كانَ اتخاذُها وسادتينِ مِنْ فِعْلِ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ، وليسَ بأمرِ النبيِّ ﷺ، ولو تَرَكَتْ عائشةُ السِّتَارَ على حالِهِ فلم تَجْعَلْ مِنْهُ وسادتينِ لَبَقِيَتِ الصُّوَرُ على حالِها، كلُّ ذلكَ يَدُلُّ على أنَّ المَمنوعَ هُوَ رَفْعُ الصُّوَرِ برَفْعِ السِّتَارِ، فإذا وُضِعَ السِّتَارُ على الأرضِ زالَ المحذورُ.
أنَّ قولَهُ: «أَخِّرِيهِ عَنِّي» أو قولَهُ: «فَنَزَعَهُ»، وكذلكَ قولُها: «فَنَحَّاهُ» يُحْمَلُ هذا على أنَّهُ كانَ قبلَ التحريمِ.
وأمَّا روايةُ «فَهَتَكَهُ» محمولٌ على أنَّهُ بعدَ التحريمِ؛ لأنَّ الحظرَ إذا تعارضَ معَ الإباحةِ قُدِّمَ الحظرُ، وحُمِلَتِ الإباحةُ على البراءةِ الأصليَّةِ.
قالَ النوويُّ تعليقًا على روايةِ سعدِ بنِ هشامٍ في قولِهِ: «حَوِّلِي هذا» قالَ:
«هذا محمولٌ على أنَّهُ كانَ قبلَ تحريمِ اتخاذِ ما فيهِ صورةٌ …» [34].
يُشْتَرَطُ للقولِ بالنسخِ ثبوتُ التعارضِ بينَ هذهِ الرواياتِ ومعرفةُ المتأخِّرِ مِنْهُما.
وكلاهُما افتراضٌ لا يَصِحُّ، فلا نُسَلِّمُ أنَّ روايةَ «نَزَعَهُ» معارِضَةٌ لقولِها «هَتَكَهُ»، وأنَّ إحداهُما تَدُلُّ على الحظرِ، والأخرَى تَدُلُّ على الإباحةِ، فلا حاجةَ إلى تقديمِ روايةٍ واحدةٍ وطَرْحِ بقيةِ الرواياتِ، وقدْ تَقَدَّمَ توجيهُ ذلكَ، وبيانُ ضعفِهِ.
وكذلكَ لا يَصِحُّ افتراضُ أنَّ الحظرَ متأخِّرٌ عَنِ الإباحةِ لأنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تعَدُّدُ القصَّةِ، والقصَّةُ لا تَحْتَمِلُ التعدُّدَ، ويَبْعُدُ أنْ يَنْزِعَهُ النبيُّ ﷺ أو يَأْمُرَ عائشةَ بنَزْعِهِ، ويقولَ لها: «حَوِّلِيهِ عَنِّي»، ثُمَّ تَرْجِعَ عائشةُ وتَرْفَعَهُ مرَّةً أخرَى، لِيَأْتِيَ ويَهْتِكَهُ، فالمؤكَّدُ أنَّ القصَّةَ واحدةٌ، والحديثَ واحدٌ، ومخرجَهُ واحدٌ، والنبيُّ ﷺ أَمَرَ بنَزْعِهِ، ويَلْزَمُ مِنْهُ بقاءُ الصورةِ على حالِها، وهُوَ ما تُفِيدُهُ روايةُ مسلمٍ عَنْ عائشةَ أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَأْمُرْ بقَطْعِهِ، مِنْ روايةِ سعدِ بنِ هشامٍ عنها.
وسواءٌ ثَبَتَ هذا اللفظُ أَمْ لم يَثْبُتْ فهُوَ مستفَادٌ مِنْ روايةِ النزعِ؛ فإنَّ الاكتفاءَ بنَزْعِهِ مِنَ الجدارِ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ القطعِ، وليسَ في الأحاديثِ التصريحُ بأنَّ النبيَّ ﷺ قَطَعَهُ.
أنَّ النَّهْيَ خاصٌّ بالصُّوَرِ المعلَّقةِ على السِّتَارِ، لا على الثوبِ الملبوسِ، ولا على السِّتَارِ الموضوعِ على الأرضِ، فالأوَّلُ لقولِهِ ﷺ: «إلَّا رَقْمًا في ثوبٍ»، وسيأتي الاستدلالُ بِهِ، والثاني: للاكتفاءِ بنَزْعِهِ، وعَدَمِ تغييرِ الصورةِ أو الأمرِ بتغييرِها في الحالِ، وهذا مذهبُ الإمامِ مالكٍ رحمَهُ اللَّهُ.
ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ طريقِ الليثِ، عَنْ بكيرٍ، عَنْ بسرِ بنِ سعيدٍ، عَنْ زيدِ بنِ خالدٍ، عَنْ أبي طلحةَ، صاحبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الملائكةَ لا تَدْخُلُ بيتًا فيهِ الصورةُ». قالَ بسرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زيدٌ، فعُدْناهُ، فإذا على بابِهِ سِتْرٌ فيهِ صورةٌ، فَقُلْتُ لعبيدِاللَّهِ، ربيبِ ميمونةَ زوجِ النبيِّ ﷺ: ألم يُخْبِرْنا زيدٌ عَنِ الصُّوَرِ يومَ الأوَّلِ؟ فقالَ عبيدُاللَّهِ: ألم تَسْمَعْهُ حينَ قالَ: «إلَّا رَقْمًا في ثوبٍ» [35].
أنَّ الاستدلالَ ليسَ في فِعْلِ زيدٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ، بَلْ في قولِ النبيِّ ﷺ: «إلَّا رَقْمًا في ثوبٍ»، فإنْ كانَ تعليقُ السِّتْرِ على بابِ زيدٍ معارِضًا لحديثِ عائشةَ المرفوعِ طُرِحَ الموقوفُ؛ لأنَّهُ لا يَقْوَى على معارضةِ المرفوعِ.
وينبغي التنَبُّهُ أنَّ قولَهُ: «إلَّا رَقْمًا في ثوبٍ»:
هُوَ في استعمالِ الصورةِ، لا في إباحةِ التصويرِ، فلا ينبغي أنْ يُعَارَضَ بهذا الحديثِ أحاديثُ حُرْمَةِ التصويرِ، فإنَّ دلالتَها على التحريمِ نصيَّةٌ، لا تَحْتَمِلُ إلَّا معنًى واحدًا وهُوَ تحريمُ التصويرِ، واللَّهُ أعلمُ.
وقدِ اختلفَ الناسُ في الاستدلالِ في حديثِ «إلَّا رَقْمًا في ثوبٍ» على أربعةِ أقوالٍ:
فمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلى:
إباحةِ استعمالِ الصورةِ المنقوشةِ على الثيابِ مطلقًا، ورَأَى أنَّ عمومَهُ يَدُلُّ على جوازِ كلِّ ما كانَ رَقْمًا في ثوبٍ، سواءٌ أكانَ مِمَّا يُمْتَهَنُ أَمْ لا، وسواءٌ أكانَ مِمَّا يُعَلَّقُ أَمْ لا، وهُوَ مذهبُ القاسمِ بنِ محمَّدٍ أحدِ رواةِ حديثِ عائشةَ في تحريمِ التصويرِ [36].
وقدْ يكونُ صاحبُ هذا القولِ حَمَلَ نَزْعَ السِّتَارِ فيهِ التماثيلُ ليسَ على وجودِ الصُّوَرِ وحدَها في السِّتَارِ، وإنَّما هُوَ مركَّبٌ مِنْ علتينِ:
سَتْرُ الحجارةِ والطينِ.
تعظيمُ الصُّوَرِ برَفْعِها، فلا تَدْخُلُ الصورةُ في الثيابِ.
فقدْ رَوَى مسلمٌ مِنْ طريقِ جريرٍ، عَنْ سهيلِ بنِ أبي صالحٍ، عَنْ سعيدِ بنِ يسارٍ أبي الحُبَابِ، مولَى بني النجارِ، عَنْ زيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ، عَنْ أبي طلحةَ الأنصاريِّ، قالَ:
سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «لا تَدْخُلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ كلبٌ، ولا تماثيلُ»، قالَ فأتَيْتُ عائشةَ فَقُلْتُ: إنَّ هذا يُخْبِرُني، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَدْخُلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ كلبٌ ولا تماثيلُ»، فهلْ سَمِعْتِ رسولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ ذلكَ؟ فقالَتْ: لا، ولكنْ سأُحَدِّثُكُمْ ما رأيْتُهُ فَعَلَ، رأيْتُهُ خَرَجَ في غزاتِهِ، فأخَذْتُ نَمَطًا فَسَتَرْتُهُ على البابِ، فَلَمَّا قَدِمَ، فرَأَى النَّمَطَ، عَرَفْتُ الكراهيةَ في وجهِهِ، فَجَذَبَهُ حتَّى هَتَكَهُ أو قَطَعَهُ، وقالَ: «إنَّ اللَّهَ لم يَأْمُرْنا أنْ نَكْسُوَ الحجارةَ والطينَ». قالَتْ: فَقَطَعْنا مِنْهُ وسادتينِ، وحَشَوْتُهُما ليفًا، فلم يَعِبْ ذلكَ عَلَيَّ [37].
وفي روايةٍ لمسلمٍ: مِنْ طريقِ داودَ، عَنْ عزرةَ، عَنْ حميدِ بنِ عبدالرحمنِ، عَنْ سعدِ بنِ هشامٍ، عَنْ عائشةَ، قالَتْ:
كانَ لَنَا سِتْرٌ فيهِ تمثالُ طائرٍ، وكانَ الداخلُ إذا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فقالَ لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: «حَوِّلِي هذا، فإنِّي كلمَّا دخلْتُ فرأيْتُهُ ذكرْتُ الدنيا» [38].
فكراهةُ كَسْوِ الحجارةِ والطينِ في حديثِ أبي طحلةَ متَّفِقٌ معَ حديثِ عائشةَ مِنْ روايةِ سعدِ بنِ هشامٍ، لأنَّ تنميقَ الطينِ مِنَ التوسُّعِ في أمورِ الدنيا، وهُوَ ما كَرِهَهُ النبيُّ ﷺ في الستارةِ المعلَّقةِ.
وقدْ يُقَالُ:
لا مانعَ مِنِ اعتبارِ العلتينِ في الستارةِ: تعظيمُ الصُّوَرِ، وتزيينُ الطينِ.
ومِنَ العلماءِ:
مَنْ أَجَازَ الرَّقْمَ في الثوبِ إذا كانَ مستعمَلًا، سواءٌ أكانَ ملبوسًا أَمْ على الأرضِ، وكَرِهَ الصورةَ في الثوبِ إذا كانَ معلَّقًا منصوبًا؛ لأنَّ نَصْبَ الصورةِ علامةٌ على تعظيمِها، بخلافِ الاستعمالِ في اللبسِ ونحوِهِ ففيهِ امتهانٌ للصورةِ، فلا فَرْقَ عندَهُ بينَ ثوبٍ اسْتُعْمِلَ باللبسِ، أو اسْتُعْمِلَ للافتراشِ والجلوسِ عليهِ، ولأنَّ الثوبَ الملبوسَ يُجْلَسُ عليهِ، ويُنامُ بِهِ، وإلى هذا ذَهَبَ الإمامُ مالكٌ رحمَهُ اللَّهُ، ولعلَّهُ أعدلُ الأقوالِ.
جاءَ في «المغني» لابنِ قدامةَ في مَعْرِضِ استدلالِهِ للقولِ الآخرِ في المذهبِ:
«يُبَاحُ إذا كانَ مفروشًا، أو يُتَّكَأُ عليهِ، فكذلكَ إذا كانَ ملبوسًا» [39].
فكذلكَ هُنا تُعْنَى أنَّهُما بمعنًى واحدٍ في الامتهانِ.
فالاستدلالُ على تحريمِ الثوبِ الملبوسِ قياسًا على السِّتَارِ على الجدارِ:
قياسٌ معَ الفارقِ لأنَّهُ لا يُساويهِ، ذلكَ أنَّ كراهةَ النبيِّ ﷺ لسَتْرِ الجدارِ في الثوبِ المصوَّرِ قدْ جَمَعَ علتينِ مركَّبتينِ:
تعظيمُ الصُّوَرِ برَفْعِها، ولذلكَ اكْتَفَى النبيُّ ﷺ بنَزْعِ السِّتَارِ، وقالَ: «أَخِّرِيهِ عَنِّي»، وأَمَرَ بتنحيتِهِ، فهذا دليلٌ على أنَّ المحرَّمَ في السِّتَارِ هُوَ تعظيمُ الصُّوَرِ برَفْعِها، وليسَ وجودَها المطلقَ على السِّتَارِ، وإلَّا لَمَا اكْتَفَى بنَزْعِهِ.
تزيينُ الحجارةِ والطينِ، والعلتانِ منتفيتانِ في الثوبِ الملبوسِ، فالصُّوَرُ في الثوبِ غيرُ مرفوعةٍ كالسِّتَارِ، ولا فيها تزيينٌ للطينِ، فيَمْتَنِعُ الإلحاقُ.
وأمَّا عندَ الكلامِ عَنِ الحلالِ والحرامِ في شريعةِ اللَّهِ، فعلَى المجتهدِ أنْ يَتَلَمَّسَ أقربَ الأقوالِ إلى الحقِّ، وليسَ لكونِهِ أيسرَ على المكلَّفِ، ولا لكونِهِ أشَقَّ عليهِ، ولا لكونِهِ يَتَّفِقُ أو يَخْتَلِفُ معَ رغبةِ كثيرٍ مِنَ الناسِ، فقوَّةُ القولِ تُسْتَمَدُّ مِنْ قُرْبِهِ أو بُعْدِهِ مِنَ النصوصِ الشرعيَّةِ، والحقُّ واحدٌ، لا يَتَعَدَّدُ، والاجتهادُ في تطلُّبِهِ ما أَمْكَنَ وبَذْلُ الوُسْعِ في الوصولِ إليهِ يقينًا أو ظنًّا غالبًا، وإذا أَخْفَقَ طالبُ العلمِ بعدَ بَذْلِ الوُسْعِ، فالعذرُ مبسوطٌ، والأجرُ ممدودٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ العليِّ العظيمِ، واللَّهُ جَعَلَ هذهِ المسألةَ مِنْ مواضعِ الاجتهادِ شرعًا وقَدَرًا؛ لِيَتَعَبَّدَ العلماءُ في بَذْلِ الجُهْدِ قَدْرَ الطاقةِ والوُسْعِ في معرفةِ حُكْمِ اللَّهِ، ولِيَرْفَعَ اللَّهُ بعضَ المجتهدينَ على بعضٍ فيَفْتَحَ اللَّهُ على بعضِهِمْ ما لا يَفْتَحُ بِهِ على آخرينَ بمقتضَى حكمتِهِ ورحمتِهِ، وهذا مقصودٌ شرعيٌّ، ولذلكَ جَعَلَ اللَّهُ الجميعَ دائرًا بينَ الأجرينِ والأجرِ الواحدِ، وليسَ أحدُهُما مأزورًا ضالًّا مبتدِعًا، والآخرُ مصيبًا كما يَتَعَامَلُ بِهِ مَنْ حُصِرَ صدرُهُ، وضاقَ عَطَنُهُ في تَقَبُّلِ الخلافِ وإدراكِ أسرارِ التشريعِ وحِكَمِهِ، ونَظَرَ إلى نفسِهِ وكأنَّ رأيَهُ وحيٌّ، وقولَ جماهيرِ العلماءِ خَطَلٌ، فدَعْكَ مِنْ إقناعِ هذهِ الفئةِ مِنَ الناسِ، فإنَّ الجَدَلَ معَهُمْ لغوٌ ينبغي الإعراضُ عنهُ، ولا تَطْمَعْ أنْ تُقْنِعَ مثلَ هؤلاءِ فإنَّ ما هُمْ فيهِ عِيٌّ، لا دواءَ لَهُ، ويَكْفِيكَ غنيمةُ السلامةِ مِنْهُمْ، كما قالَ تعالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا﴾ [الفرقان: 63].
وهناكَ قولٌ ثالثٌ تَوَجَّهَ لَهُ بعضُ الفقهاءِ:
فحَمَلُوا قولَهُ «إلَّا رَقْمًا في ثوبٍ» على الثوبِ إذا كانَ على الأرضِ مِمَّا يُدَاسُ ويُوطَأُ وكذا المخدَّةُ يُتَّكَأُ عليها دونَ المنصوبةِ، وأمَّا الثوبُ المعلَّقُ، وكذا الملبوسُ فهُوَ على تحريمِ لُبْسِهِ وهُوَ مذهبُ الجمهورِ، وعلى كراهةِ الصلاةِ فيهِ، وهُوَ مذهبُ الشافعيَّةِ وقولٌ في مذهبِ المالكيَّةِ، وروايةٌ عَنْ أحمدَ على ما مَرَّ معَكَ في عَرْضِ الأقوالِ؛ لأنَّهُ لَمَّا نُهِيَ عَنِ القِرَامِ الذي فيهِ تصاويرُ عُلِمَ أنَّ النَّهْيَ عَنْ لباسِهِ أشَدُّ وآكَدُ [40].
ولا شَكَّ أنَّ السِّتَارَ المعلَّقَ على الجدارِ فيهِ نصٌّ بمَنْعِهِ، وعلَّتُهُ مركَّبةٌ كما قرأْتَ.
والثوبُ الذي يُدَاسُ ويُوطَأُ فيهِ نصٌّ بإباحتِهِ، لاكتفاءِ النبيِّ ﷺ بنَزْعِ القِرَامِ وتنحيتِهِ، ولم يَأْمُرْ بإزالةِ الصُّوَرِ التي فيهِ، وقدْ ذَهَبَ الأئمَّةُ الأربعةُ إلى إباحةِ الصُّوَرِ التي في الفرشِ والبُسُطِ مِمَّا يُوطَأُ، وكذلكَ المِخَادِّ التي يُتَّكَأُ عليها، وقالَ النوويُّ نقلًا مِنَ «الفتحِ»: وهُوَ قولُ جمهورِ العلماءِ مِنَ الصحابةِ والتابعينَ …. [41].
ويَبْقَى الثوبُ الملبوسُ، فيُلْحَقُ بأقربِهِما شَبَهًا، وليستِ الصورةُ في الثوبِ الملبوسِ كالمرفوعةِ في التعظيمِ، ولا في معناهُ ووجودُ فَرْقٍ بينَهُما يَجْعَلُ الملبوسَ مباحًا؛ لأنَّ الأصلَ الإباحةُ.
وقالَ بعضُهُمْ:
إنَّ الملبوسَ ليسَ كالثوبِ الذي يُجْلَسُ عليهِ ويُوطَأُ؛ لأنَّها هذهِ الصُّوَرِ مصانةٌ بصيانةِ هذهِ الثيابِ.
بأنَّ صيانةَ الثيابِ غيرُ تعظيمِ الصورةِ، فالفرشُ والبُسُطُ مصانةٌ، كيفَ وهيَ يُصَلَّى عليها، ويُجْلَسُ، ويُنامُ ولكنَّ الصُّوَرِ فيها ليستْ معظَّمةً.
وعلى كلِّ حالٍ:
يَبْقَى النَّظَرُ في إلحاقِ الصورةِ في الملبوسِ بأيِّ النوعينِ:
أَيُلْحَقُ بالسِّتَارِ على الجدارِ معَ رَفْعِها؟
أَمْ بالسِّتَارِ الموضوعِ على الأرضِ؟
وهُوَ موضعُ اجتهادٍ.
والاحتياطُ:
عَدَمُ التحريمِ؛ لوجودِ الفَرْقِ بينَ الصورةِ المرفوعةِ وبينَ الصورةِ الملبوسةِ، واللَّهُ أعلمُ.
وهناكَ قولٌ رابعٌ:
ذَهَبَ إلى تحريمِ الصُّوَرِ مطلقًا، سواءٌ أكانَتْ رَقْمًا في ثوبٍ أَمْ غيرَ رَقْمٍ، وسواءٌ أكانَتْ معلَّقةً أَمْ على الأرضِ أَمْ لا، وسواءٌ أكانَتْ في ثوبٍ وبساطٍ مُمْتَهَنٍ أَمْ غيرِ مُمْتَهَنٍ، وهذا قولُ الزهريِّ رحمَهُ اللَّهُ تعالَى [42].
ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ طريقِ مالكٍ، عَنْ نافعٍ، عَنِ القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عَنْ عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ رضيَ اللَّهُ عنها أخبرَتْهُ أنَّها اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فيها تصاويرُ، فَلَمَّا رآها رسولُ اللَّهِ ﷺ قامَ على البابِ، فلم يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ في وجهِهِ الكراهيةَ، فَقُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ أتوبُ إلى اللَّهِ، وإلى رسولِهِ ﷺ ماذا أذنبْتُ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بالُ هذهِ النُّمْرُقَةِ؟» قُلْتُ: اشْتَرَيْتُها لَكَ؛ لِتَقْعُدَ عليها وتَوَسَّدَها، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أصحابَ هذهِ الصُّوَرِ يومَ القيامةِ يُعَذَّبُونَ، فيُقَالُ لَهُمْ أحْيُوا ما خلقْتُمْ»، وقالَ: «إنَّ البيتَ الذي فيهِ الصُّوَرُ لا تَدْخُلُهُ الملائكةُ» [43].
ورواهُ مسلمٌ مِنْ طريقِ عبدالعزيزِ بنِ أخي الماجشونِ، عَنْ عبيدِاللَّهِ بنِ عمرَ، عَنْ نافعٍ بِهِ، وزادَ: قالَتْ: فأخَذْتُهُ فجعلْتُهُ مِرْفَقَتَيْنِ فكانَ يَرْتَفِقُ بِهِما في البيتِ [44].
في هذا الحديثِ دليلٌ على جوازِ استعمالِ ما فيهِ صورةٌ مهانةٌ، ولذلكَ أَقَرَّ النبيُّ ﷺ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها لَمَّا قالَتْ: (اشْتَرَيْتُها لِتَقْعُدَ عليها، وتَوَسَّدَها)، ولم يَطْلُبِ النبيُّ ﷺ بتغييرِ الصورةِ كشرطٍ لإباحةِ استعمالِها، وهُوَ ما جاءَ صريحًا في روايةِ ابنِ أخي الماجشونِ، حيثُ جَعَلَتْها مِرْفَقَتَيْنِ ولم تَذْكُرْ أنَّ الصورةَ قدْ تَغَيَّرَتْ.
ومِنْ ذلكَ:
تصحيحُ النبيِّ ﷺ شراءَ هذهِ النُّمْرُقَةِ، معَ وجودِ التصاويرِ عليها، فلو كانَ استعمالُها حرامًا لَحَرُمَ شراؤُها مِنْ أجلِ ذلكَ، فلم يَطْلُبِ النبيُّ ﷺ برَدِّ النُّمْرُقَةِ، فدَلَّ على إباحةِ استعمالِها، ولم يُرْسِلِ النبيُّ ﷺ إلى البائعِ يَنْهاهُ عَنْ بيعِ مثلِها، وإنَّما كانَ البيعُ صحيحًا؛ لأنَّ هذهِ الستارةَ لها وجهانِ في الاستعمالِ، مباحٌ ومحرَّمٌ، فلم يَتَعَيَّنِ الاستعمالُ للحرامِ، وإلَّا لَبَطَلَ البيعُ.
رَوَى معمرُ بنُ راشدٍ في «جامعِهِ»، عَنْ أبي إسحاقَ، عَنْ مجاهدٍ، عَنْ أبي هريرةَ، أنَّ جبريلَ جاءَ النبيَّ ﷺ، فَعَرَفَ النبيُّ صوتَهُ، فقالَ: «ادْخُلْ»، فقالَ: «إنَّ في البيتِ سِتْرًا في الحائطِ فيهِ تماثيلُ، فاقْطَعُوا رؤوسَها، أو اجْعَلُوهُ بساطًا، أو وسائدَ، فأَوْطِئُوهُ، فإنَّا لا نَدْخُلُ بيتًا فيهِ تماثيلُ» [45].
ورواهُ النسائيُّ مِنْ طريقِ أبي بكرِ بنِ عياشٍ، عَنْ أبي إسحاقَ بِهِ، ولفظُهُ: «كيفَ أدْخُلُ وفي بيتِكَ سِتْرٌ فيهِ تصاويرُ، فإمَّا أنْ تَقْطَعَ رؤوسَها، أو تُجْعَلَ بساطًا يُوطَأُ، فإنَّا معشرَ الملائكةِ لا نَدْخُلُ بيتًا فيهِ تصاويرُ» [46].
ورواهُ ابنُ حبانَ مِنْ طريقِ زيدِ بنِ أبي أنيسةَ، عَنْ أبي إسحاقَ بِهِ، بلفظِ: «إنَّا لا نَدْخُلُ بيتًا فيهِ تماثيلُ، فإنْ كُنْتَ لابدَّ جاعلًا في بيتِكَ، فاقْطَعْ رؤوسَها أو اقْطَعْها وسائدَ، أو اجْعَلْها بُسُطًا» [47].
فقدْ تابَعَ معمرًا على التخييرِ بينَ القطعِ أو الامتهانِ ولو لم يُقْطَعِ الرأسُ: أبو بكرِ بنُ عياشٍ، وزيدُ بنِ أبي أنيسةَ.
ورواهُ أحمدُ عَنْ عبدالرزاقِ، عَنْ معمرٍ، بِهِ، بلفظِ: أنَّ جبريلَ جاءَ، فَسَلَّمَ على النبيِّ ﷺ، فَعَرَفَ صوتَهُ، فقالَ: «ادْخُلْ»، فقالَ: «إنَّ في البيتِ سِتْرًا في الحائطِ فيهِ تماثيلُ، فاقْطَعُوا رؤوسَها، فاجْعَلُوها بساطًا أو وسائدَ فأَوْطِئُوهُ، فإنَّا لا نَدْخُلُ بيتًا فيهِ تماثيلُ».
ورواهُ يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، عَنْ مجاهدٍ بِهِ، متابِعًا لإحدَى رواياتِ أبيهِ باشتراطِ القطعِ والامتهانِ معًا للإباحةِ، ولفظُهُ: «لم يَمْنَعْني أنْ أَدْخُلَ عليكَ البيتَ الذي أنتَ فيهِ، إلَّا أنَّهُ كانَ في البيتِ تمثالُ رجلٍ، وكانَ في البيتِ قِرَامُ سِتْرٍ فيهِ تماثيلُ، فمُرْ برأسِ التمثالِ الذي في بابِ البيتِ يُقْطَعْ، فيَصِيرَ كهيئةِ الشجرةِ، ومُرْ بالسِّتْرِ يُقْطَعْ، فيُجْعَلَ مِنْهُ وسادتانِ منتبذتانِ تُوطَآنِ، ومُرْ بالكلبِ يُخْرَجْ»، فَفَعَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، وإذا الكلبُ جروٌ كانَ للحَسَنِ والحسينِ تحتَ نَضَدٍ لَهُمْ [48].
فزادَ في لفظِهِ: «كانَ في البيتِ تمثالُ رجلٍ»، وأَمَرَ بقَطْعِ رأسِهِ حتَّى يكونَ كهيئةِ الشجرةِ.
وفي هذهِ الروايةِ ما يَدُلُّ على:
أنَّ الامتهانَ للصورةِ لا يَكْفِي، حتَّى تُقْطَعَ الرؤوسُ، فكأنَّ الإباحةَ مشروطةٌ بأمرينِ: القطعُ معَ الامتهانِ.
وإذا قُطِعَتِ الرؤوسُ جازَ استعمالُ الصورةِ حتَّى في غيرِ المُمْتَهَنِ كما في تمثالِ الرجلِ، فلم يَكُنِ الوطءُ قيدًا في الإباحةِ.
ورواهُ أحمدُ مِنْ طريقِ إسرائيلَ، عَنْ أبي إسحاقَ بِهِ، بلفظِ: أَتَى جبريلُ عليهِ السلامُ النبيَّ ﷺ فقالَ: «إنِّي جِئْتُ البارحةَ فلم يَمْنَعْني أنْ أَدْخُلَ عليكَ إلَّا أنَّهُ كانَ في البيتِ صورةٌ أو كلبٌ».
ورواهُ بنحوِهِ سهيلُ بنُ أبي صالحٍ ومسلمُ بنُ أبي مريمَ، عَنْ أبي صالحٍ عَنْ أبي هريرةَ، وهُوَ المحفوظُ [49].
ومِمَّا يَدُلُّ على أنَّ هذا هُوَ المحفوظُ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ:
أنَّ النبيَّ ﷺ قدْ وَقَعَ لَهُ معَ عائشةَ في تعليقِ السِّتَارِ فيهِ التماثيلُ، ما وَقَعَ للنبيِّ ﷺ معَ جبريلَ في حديثِ أبي هريرةَ.
ولا يُمْكِنُ أنْ تكونَ واقعةُ النبيِّ ﷺ معَ جبريلَ في حديثِ أبي هريرةَ متأخِّرةً عَنْ واقعةِ النبيِّ ﷺ معَ عائشةَ.
ذلكَ أنَّ النبيَّ ﷺ في قصَّةِ جبريلَ لم يُنْكِرِ السِّتَارَ الذي فيهِ التماثيلُ مِمَّا يَعْنِي أنَّهُ لم يَبْلُغْهُ فيهِ شيءٌ، بخلافِ ما وَقَعَ للنبيِّ ﷺ معَ عائشةَ فقدْ أَنْكَرَ عليها تعليقَ السِّتَارِ فيهِ الصُّوَرُ، كما أَنْكَرَ كَسْوَ الحجارةِ والطينِ بالستائرِ، مِمَّا يَعْنِي تأخُّرَ واقعةِ عائشةَ عَنْ واقعتِهِ معَ جبريلَ عليهِ السلامُ، ولم يَطْلُبِ النبيُّ ﷺ مِنْ عائشةَ إلَّا الأمرَ بنَزْعِهِ، وقالَ: «أَمِيطِي عَنِّي قِرَامَكِ»، وأَمَرَ بتنحيتِهِ، ولو كانَ القطعُ شرطًا لإباحةِ لأَمَرَ النبيُّ ﷺ عائشةَ بقَطْعِ رؤوسِ التماثيلِ، حتَّى إنَّ عائشةَ قالَتْ: كما في «صحيحِ مسلمٍ»: «ولم يَأْمُرْنا بقَطْعِهِ».
وكونُ عائشةَ بعدَ ذلكَ اتَّخَذَتْ مِنْهُ وسادتينِ فهذا كانَ بمبادرةٍ مِنْ عائشةَ، ولم يَأْمُرْها النبيُّ ﷺ بذلكَ، ولم يَجْعَلِ النبيُّ ﷺ شرطًا للإباحةِ الوسادتينِ أنْ يأتيَ القطعُ على جميعِ رؤوسِ التماثيلِ في السِّتَارِ، مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ هناكَ تعارُضًا بينَ دلالةِ حديثِ أبي هريرةَ، وبينَ دلالةِ حديثِ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها، وإذا وَقَعَ بينَهُما تعارُضٌ فحديثُ عائشةَ مُقَدَّمٌ لكونِهِ مِنْ أحاديثِ «الصحيحينِ».
ما رواهُ الشيخانِ مِنْ طريقِ سفيانَ، عَنِ الزهريِّ، أخبرني عبيدُاللَّهِ، عَنِ ابنِ عباسٍ، عَنْ أبي طلحةَ رضيَ اللَّهُ عنْهُمْ، عَنِ النبيِّ ﷺ، قالَ: «لا تَدْخُلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ كلبٌ ولا صورةٌ» [50].
لِما رواهُ مسلمٌ مِنْ طريقِ سعدِ بنِ إبراهيمَ، عَنِ القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عَنْ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها قالَتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فهُوَ رَدٌّ» [51].
والرَّدُّ ضدُّ القبولِ، وما اعْتُدَّ بِهِ لم يَكُنْ مردودًا.
فدَلَّ الحديثُ على:
أنَّ النَّهْيَ عَنِ الشيءِ يَسْتَلْزِمُ فسادَ المَنهيِّ عنهُ، بخلافِ الصحَّةِ فإنَّها تَقْتَضِي الثوابَ.
أمَّا الجوابُ عَنِ امتناعِ الملائكةِ مِنَ الدخولِ، فهذهِ العلةُ إحدَى العللِ التي عَلَّلَ بِها الفقهاءُ تحريمَ التصويرِ بِما فيهِمُ الأئمَّةُ الأربعةُ، على خلافٍ بينَهُمْ في الصُّوَرِ المحرَّمةِ بعدَ إجماعِهِمْ على أنَّ الصورةَ المجسَّمةَ التي لها ظِلٌّ مُجْمَعٌ على تحريمِها.
وليسَ حديثُنا عَنِ التصويرِ حتَّى يَتَوَجَّهَ البحثُ في بيانِ أنواعِهِ المحرَّمِ والمباحِ، بَلْ عَنِ استعمالِ ما فيهِ صورةٌ.
أَهُوَ خاصٌّ بالصُّوَرِ المحرَّمةِ، ولا يَدْخُلُ في ذلكَ الصُّوَرُ المُمْتَهَنَةُ، ولا لُعَبُ الأطفالِ، ولا الصُّوَرُ التي أُبِيحَتْ للضرورةِ كالصورِ الموجودةِ على الدراهمِ؟
أَمْ هُوَ عامٌّ في كلِّ الصُّوَرِ محرَّمًا كانَ أَمْ مباحًا لعمومِ قولِهِ ﷺ: «لا تَدْخُلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ كلبٌ ولا صورةٌ» فلفظُ «صورةٌ» نكرةٌ في سياقِ النفيِ فَتَعُمُّ كلَّ صورةٍ؟الظاهرُ:
أنَّ ذلكَ خاصٌّ بالصُّوَرِ المحرَّمةِ دونَ غيرِها؛ لأنَّ الصُّوَرِ المُمْتَهَنَةَ قدْ وُجِدَتْ في بيتِ النبوَّةِ في الفرشِ والمِخَادِّ، وكذلكَ لُعَبُ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها، ولو كانَتْ مانعةً لَمَا أَقَرَّها النبيُّ ﷺ.
فكانَ هذا النصُّ العامُّ مخصوصًا بِما هُوَ محرَّمٌ فقطْ.
ويَبْقَى تحقيقُ المناطِ في الصُّوَرِ التي على الثوبِ أَهِيَ مِنَ المحرَّمِ؟ أَمْ هيَ مِنَ المباحِ؟.
والبحثُ متوجِّهٌ لبحثِ هذهِ المسألةِ.
وأمَّا الجوابُ عَنْ كونِ النَّهْيِ يَقْتَضِي الفسادَ:
فانْظُرِ الجوابَ عَنْ هذا الاستدلالِ عندَ ذِكْرِ أدلَّةِ مَنْ يقولُ بصحَّةِ الصلاةِ معَ الإثمِ مَنْعًا للتكرارِ.
ما رواهُ مسلمٌ مِنْ طريقِ وكيعٍ، عَنْ سفيانَ، عَنْ حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عَنْ أبي وائلٍ، عَنْ أبي الهياجِ الأسديِّ، قالَ: قالَ لي عليُّ بنُ أبي طالبٍ: ألا أَبْعَثُكَ على ما بَعَثَني عليهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ «ألا تَدَعَ تمثالًا إلَّا طَمَسْتَهُ ولا قبرًا مشرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» [52].
ورواهُ مسلمٌ مِنْ طريقِ يحيى القطانِ، حدثنا سفيانُ بهذا الإسنادِ، بلفظِ: «ولا صورةً إلَّا طَمَسْتَها» [53].
الاستدلالُ بالعامِّ على عمومِهِ حجةٌ بشرطِ أنْ يكونَ محفوظًا مِنَ التخصيصِ.
وقدْ دَلَّتِ الأحاديثُ الأخرَى أنَّ هذا العمومَ قدْ دَخَلَهُ التخصيصُ.
فقولُهُ: «صورةً» عامٌّ يَشْمَلُ صورةَ الحيوانِ وغيرِهِ، ودَلَّتِ الأحاديثُ الأخرَى أنَّ المقصودَ بالصورةِ: صورةُ الكائنِ الحيِّ.
كما دَلَّتِ النصوصُ الأخرَى أنَّ هذا العامَّ قدْ خُصَّ مِنْهُ الصورةُ المُمْتَهَنَةُ، فلا تَدْخُلُ في التحريمِ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ على العامِّ عندَ العلماءِ.
ما رواهُ أحمدُ ، قالَ: حدثنا أسودُ بنُ عامرٍ، حدثنا بقيةُ بنُ الوليدِ الحمصيُّ، عَنْ عثمانَ بنِ زفرَ، عَنْ هاشمٍ، عَنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنْهُما، قالَ: مَنِ اشْتَرَى ثوبًا بعشرةِ دراهمَ، وفيهِ درهمٌ حرامٌ، لم يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صلاةً مادامَ عليهِ، قالَ: ثُمَّ أَدْخَلَ أصبعيهِ في أذنيهِ، ثُمَّ قالَ: صَمْتًا إنْ لم يَكُنِ النبيُّ ﷺ سَمِعْتُهُ يقولُهُ [54].
[ضعيفٌ جدًّا] [55].
أنَّ الحديثَ ضعيفٌ جدًّا، مضطربُ الإسنادِ.
أنَّ نَفْيَ القبولِ لا يُنَافِي الصحَّةَ، فقدْ يَتَرَتَّبُ على نفيِ القبولِ نفيُ الصحَّةِ، وقدْ لا يَلْزَمُ، والضابطُ للتفريقِ:
بأنْ يُنْظَرَ فيما نُفِيَ:
فإنْ رُتِّبَ نفيُ القبولِ على معصيةٍ قَارَنَتِ الفعلَ: كحديثِ «إذا أَبَقَ العبدُ …» وحديثِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا …» كانَ انتفاءُ القبولِ يَعْنِي:
انتفاءَ الثوابِ، والعملُ صحيحٌ لاستيفاءِ شروطِهِ وأركانِهِ، إلَّا أنَّ إثمَ المعصيةِ إذا قُورِنَ بأجرِ العملِ كانَ الإثمُ أكبرَ، فكأنَّ الإثمَ قدْ أَحْبَطَ الثوابَ، وذَهَبَ بالأجرِ.
وإنْ رُتِّبَ نفيُ القبولِ على وصفٍ يُطْلَبُ فِعْلُهُ أو تَرْكُهُ، ولم يُقَارِنِ الفعلَ معصيةٌ: كحديثِ: «لا تُقْبَلُ صلاةٌ بغيرِ طهورٍ …»، وحديثِ «لا تُقْبَلُ صلاةُ حائضٍ إلَّا بخمارٍ» كانَ انتفاءُ القبولِ يَعْنِي:
انتفاءَ الصحَّةِ، ودَلَّ هذا على أنَّ الوصفَ شرطٌ أو ركنٌ في العملِ، ويَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الشرطِ عَدَمُ المشروطِ [56].
فلو صَحَّ أثرُ ابنِ عمرَ -رضيَ اللَّهُ عنْهُما- لم يَقْتَضِ البطلانَ؛ لا في الثوبِ المحرَّمِ لكسبِهِ، ولا في الثوبِ المحرَّمِ لوصفِهِ؛ كالثوبِ الذي فيهِ صورةٌ، والثوبِ المغصوبِ، وصلاةِ الرجلِ في ثوبِ الحريرِ؛ لأنَّ هذهِ الأفعالَ اقْتَرَنَتْ بمعصيةٍ، فكانَ نفيُ القبولِ يَعْنِي: نفيَ الثوابِ فقطْ [57].
قالَ الحافظُ ابنُ رجبٍ :
«اشْتَدَّ نكيرُ عبدالرحمنِ بنِ مهديٍّ لقولِ مَنْ قالَ: إنَّ مَنِ اشْتَرَى ثوبًا بدراهمَ، فيها شيءٌ حرامٌ، وصَلَّى فيهِ، أنَّهُ يُعِيدُ صلاتَهُ، وقالَ: هُوَ قولٌ خبيثٌ، ما سَمِعْتُ بأخبثَ مِنْهُ، نسألُ اللَّهَ السلامةَ.
ذَكَرَهُ عنهُ الحافظُ أبو نعيمٍ في الحليةِ بإسنادِهِ، وعبدالرحمنِ بنُ مهديٍّ مِنْ أعيانِ علماءِ أهلِ الحديثِ وفقهائِهِمُ المطَّلِعِينَ على أقوالِ السلفِ، وقدْ عُدَّ هذا القولُ مِنَ البِدَعِ، فدَلَّ على أنَّهُ لا يُعْرَفُ بذلكَ قائلٌ مِنَ السلفِ» [58].
أنَّ اللَّهَ أَمَرَ بسَتْرِ العورةِ، ونَهَى عَنْ لُبْسِ الثوبِ المحرَّمِ، ومِنْهُ الثوبُ الذي فيهِ صورةُ حيوانٍ، والشيءُ الواحدُ لا يَرِدُ عليهِ أمرٌ ونَهْيٌ في وقتٍ واحدٍ، ولأنَّ ما كانَ لُبْسُهُ حرامًا فإنَّ التحريمَ يَشْمَلُ لُبْسَهُ داخلَ الصلاةِ باعتبارِهِ فردًا مِنْ أفرادِ المَنهيِّ عنهُ، ولأنَّ ارتكابَ المعصيةِ في الصلاةِ يُفْسِدُها.
بأنَّهُ لم يَرِدْ نَهْيٌ عَنْ لُبْسِ الثوبِ الذي فيهِ صورةُ حيوانٍ في الصلاةِ حتَّى يُقَالَ: الشيءُ الواحدُ لا يَرِدُ عليهِ أمرٌ ونَهْيٌ في وقتٍ واحدٍ.
ولذلكَ لَمَّا كانَ تحريمُ قولِ الزورِ عامًّا للصائمِ وغيرِهِ لم يُبْطِلِ الصيامَ حتَّى على مذهبِ الحنابلةِ، وإنَّما قدْ يَذْهَبُ بثوابِ الصيامِ، فمِنْ بابِ أَوْلَى أَلَّا تَبْطُلَ الصلاةُ بسَتْرِ العورةِ بالثوبِ المحرَّمِ. واللَّهُ أعلمُ.
ولأنَّهُ ممنوعٌ مِنْ لُبْسِهِ شرعًا، والممنوعُ شرعًا كالممنوعِ حِسًّا، فوجودُهُ كعدمِهِ.
لا يُمْكِنُ القولُ بأنَّ مَنْ يُصَلِّي في ثوبٍ فيهِ صورةٌ مثلُهُ مثلُ مَنْ يُصَلِّي عاريًا، لا حِسًّا، ولا شرعًا.
أمَّا الحِسُّ:
فظاهرٌ.
وأمَّا الشرعُ:
فلأنَّ الرجلَ لو كانَ لا يَجِدُ ما يَسْتُرُ عورتَهُ إلَّا ثوبًا فيهِ صورةٌ لَوَجَبَ عليهِ أنْ يَسْتُرَ بِهِ عورتَهُ عَنِ النَّظَرِ، ولا يُقَالُ لَهُ: صَلِّ عاريًا؛ لأنَّ وجودَهُ كعدمِهِ.
وقدْ سَبَقَ بحثُ هذهِ المسألةِ في (المجلَّدِ الرابعِ).
وهذا دليلٌ بأنَّهُ ليسَ في حُكْمِ مَنْ صَلَّى عاريًا، وكيفَ يُقَالُ وجودُهُ كعدمِهِ والعورةُ قدِ اسْتَتَرَتْ عَنِ النَّظَرِ، وهُوَ المطلوبُ مِنْ سَتْرِ العورةِ؟ وتحريمُ الصورةِ على الثوبِ لم يَخْتَصَّ بالصلاةِ حتَّى يعودَ عليها بالفسادِ، واللَّهُ أعلمُ.
رَوَى أحمدُ مِنْ طريقِ هشامٍ، عَنْ يحيى، عَنْ أبي جعفرٍ، عَنْ عطاءِ بنِ يسارٍ، عَنْ بعضِ أصحابِ النبيِّ ﷺ قالَ:
بينَما رجلٌ يُصَلِّي، وهُوَ مسبِلٌ إزارَهُ، إذْ قالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «اذْهَبْ، فَتَوَضَّأْ». قالَ: فَذَهَبَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جاءَ، فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «اذْهَبْ، فَتَوَضَّأْ». قالَ: فَذَهَبَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جاءَ، فقالَ: «ما لَكَ يا رسولَ اللَّهِ، ما لَكَ أَمَرْتَهُ يَتَوَضَّأُ؟» ثُمَّ سَكَتَ، قالَ: «إنَّهُ كانَ يُصَلِّي، وهُوَ مسبِلٌ إزارَهُ، وإنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ لا يَقْبَلُ صلاةَ عبدٍ مسبِلٍ إزارَهُ» [59].
[إسنادُهُ ضعيفٌ، ومتنُهُ منكرٌ] [60].
بأنَّ الحديثَ على ضعفِ إسنادِهِ فإنَّ متنَهُ غيرُ مستقيمٍ.
فإذا كانَتِ الصلاةُ لا تُقْبَلُ مِنْ أجلِ الإسبالِ، فلِماذا يُطْلَبُ مِنْهُ إعادةُ الوضوءِ، وهُوَ لم يُحْدِثْ، ما بالُ الوضوءِ؟!
ولِماذا لم يُبَلِّغْهُ بأنْ يَرْفَعَ إزارَهُ، فقدْ يكونُ الرجلُ جاهلًا، والبلاغُ تعليمُهُ ما أخطأَ فيهِ، لا أنْ يُحِيلَهُ على أمرٍ قدْ أحسنَهُ؟
فلا وجهَ لإعادتِهِ للوضوءِ.
حتَّى تجديدِ الوضوءِ قدْ يُقَالُ: لا يُشْرَعُ في هذهِ الصورةِ؛ لأنَّهُ ما إنْ فَرَغَ مِنْ وضوئِهِ حتَّى طُلِبَ مِنْهُ أنْ يُعِيدَهُ، لا لِنَقْصٍ في الوضوءِ، ولكنْ لسببٍ آخرَ يعودُ إلى الإسبالِ في الصلاةِ، وتجديدُ الوضوءِ ليسَ بلازمٍ!، ثُمَّ إنَّ تجديدَ الوضوءِ لنْ يَدْفَعَ المفسِدَ، وهُوَ الإسبالُ.
أنَّ العلةَ في النَّهْيِ عَنِ الصورةِ:
إمَّا التعظيمُ الذي قدْ يكونُ وسيلةً للغلوِّ فيها.
أو التشبُّهُ بالكفارِ بمَنْ يَصْنَعُونَ مِنْ صُوَرٍ ثُمَّ يَعْبُدُونَها مِنْ دونِ اللَّهِ.
وقدْ يَجْتَمِعُ التعظيمُ والتشبُّهُ فيكونُ الإثمُ أشَدَّ، وقدْ يَفْتَرِقانِ، وكلاهُما علةٌ للتحريمِ.
وذَكَرَ بعضُهُمْ في التعليلِ:
امتناعَ الملائكةِ مِنْ دخولِ المكانِ الذي فيهِ صورةٌ، وهذا أثرٌ مِنْ آثارِ التحريمِ، لا علةٌ للتحريمِ، ولهذا إذا أُبِيحَتِ الصورةُ لم تَمْتَنِعِ الملائكةُ مِنَ الدخولِ، وإنْ كانَتْ حقيقةُ الصورةِ لم تَتَغَيَّرْ [61].
قالَ ابنُ العربيِّ:
«والذي أَوْجَبَ النَّهْيَ عنهُ -أيْ: عَنِ التصويرِ- في شرعِنا، واللَّهُ أعلمُ، ما كانَتِ العربُ عليهِ مِنْ عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، فكانُوا يُصَوِّرُونَ ويَعْبُدُونَ، فَقَطَعَ اللَّهُ الذريعةَ، وحَمَى البابَ» [62].
فقدْ رَوَى البخاريُّ مِنْ طريقِ مالكٍ، عَنْ هشامٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها، قالَتْ:
لَمَّا اشْتَكَى النبيُّ ﷺ ذَكَرَتْ بعضُ نسائِهِ كنيسةً رأيْنَها بأرضِ الحبشةِ يُقَالُ لها: ماريةُ، وكانَتْ أُمُّ سلمةَ، وأُمُّ حبيبةَ رضيَ اللَّهُ عنْهُما أَتَتا أرضَ الحبشةِ، فَذَكَرَتا مِنْ حُسْنِها وتصاويرَ فيها، فَرَفَعَ رأسَهُ، فقالَ: «أولئكَ إذا ماتَ مِنْهُمُ الرجلُ الصالحُ بَنَوْا على قبرِهِ مسجدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فيهِ تلكَ الصورةَ أولئكَ شرارُ الخَلْقِ عندَ اللَّهِ.»
ورواهُ مسلمٌ مِنْ طريقِ يحيى بنِ سعيدٍ وغيرِهِ، عَنْ هشامٍ بِهِ [63].
ورَوَى البخاريُّ مِنْ طريقِ هشامٍ، عَنِ ابنِ جريجٍ، وقالَ عطاءٌ: عَنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنْهُما،
صارَتِ الأوثانُ التي كانَتْ في قومِ نوحٍ في العربِ بعدُ، أمَّا وَدٌّ كانَتْ لِكَلْبٍ بدومةِ الجندلِ، وأمَّا سُوَاعٌ كانَتْ لهذيلٍ، وأمَّا يَغُوثُ فكانَتْ لمرادٍ، ثُمَّ لبني غطيفٍ بالجوفِ، عندَ سبإٍ، وأمَّا يَعُوقُ فكانَتْ لهمدانَ، وأمَّا نسرٌ فكانَتْ لحميرَ لآلِ ذي الكلاعِ، أسماءُ رجالٍ صالحينَ مِنْ قومِ نوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشيطانُ إلى قومِهِمْ، أنِ انْصِبُوا إلى مجالسِهِمُ التي كانُوا يَجْلِسُونَ أنصابًا وسَمُّوها بأسمائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فلم تُعْبَدْ، حتَّى إذا هَلَكَ أولئكَ وتُنُسِّخَ العلمُ عُبِدَتْ [64].
[عطاءٌ هُوَ الخراسانيُّ، ولم يَسْمَعْ مِنِ ابنِ عباسٍ] [65].
بأنَّ هناكَ مصوِّرًا، وهُناكَ مستعمِلًا للصورةِ، وحكمُهُما ليسَ واحدًا.
فالمصوِّرُ: عملُهُ قدْ يكونُ أكبرَ مِنَ الكبيرةِ، كما لو قَصَدَ مِنْ فِعْلِهِ المُضَاهَاةَ، والتشبُّهَ بفِعْلِ اللَّهِ تعالَى، وهذهِ منازعةٌ للَّهِ في ربوبيتِهِ، ولهذا كانَ أشَدَّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ، يُعَذَّبُونَ في النارِ، يُقَالُ لَهُمْ: أحْيُوا ما خلقْتُمْ، ولنْ يَسْتَطِيعُوا، ويُقَالُ لَهُمْ على وجهِ التحدِّي: فلْيَخْلُقُوا حبةً ولْيَخْلُقُوا شعيرةً.
وقدْ يُقَالُ: أشَدُّ الناسِ عذابًا بالنسبةِ للموحدينَ.
وقدْ يُقَالُ: أشَدُّ الناسِ عذابًا بالنسبةِ للموحدينَ.
فقدْ رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ طريقِ سفيانَ، قالَ: سَمِعْتُ عبدالرحمنِ بنَ القاسمِ، سَمِعْتُ أبي، قالَ:
سَمِعْتُ عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها، قالَتْ: قَدِمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وقدْ سَتَرْتُ بقِرَامٍ لي على سَهْوَةٍ لي فيها تماثيلُ، فَلَمَّا رآهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ هَتَكَهُ وقالَ: «أشَدُّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ الذينَ يُضَاهُونَ بخَلْقِ اللَّهِ.» قالَتْ: فجعلْناهُ وسادةً أو وسادتينِ [66].
وقدْ يكونُ التصويرُ كبيرةً مِنَ الكبائرِ، والعلةُ في تحريمِها التعظيمُ أو التشبُّهُ [67].
وهذا ليسَ محلَّ البحثِ هُنا؛ لأنَّ البحثَ هُوَ في مستعمِلِ الصورةِ، وليسَ في حُكْمِ عملِ المصوِّرِ، والاستعمالُ بابُهُ أوسعُ.
فالمستعمِلُ للصورةِ:
إنْ كانَ يَسْتَعْمِلُها فيما هُوَ مُمْتَهَنٌ على أرضٍ وبساطٍ يُدَاسُ ومخدَّةٍ يُتَّكَأُ عليها فاستعمالُها مباحٌ، وهُوَ مذهبُ جماهيرِ العلماءِ بِما في ذلكَ الأئمَّةُ الأربعةُ [68].
• أَهُوَ مِنْ بابِ الامتهانِ –كما يراهُ الإمامُ مالكٌ- فيُبَاحُ؟
• أَمْ هُوَ مِنْ بابِ التعظيمِ للصورةِ فيَحْرُمُ؟
• أَمْ هُوَ مِنْ بابِ التشبُّهِ فيُكْرَهُ؟
فالأصلُ:
أنَّ التشبُّهَ مكروهٌ عندَ جمهورِ العلماءِ إلَّا بقرينةٍ، فقدْ يَبْلُغُ التشبُّهُ الشركَ، وقدْ يَنْزِلُ إلى ما هُوَ أخَفُّ مِنَ الكراهةِ، كالتعبيرِ بخلافِ الأولَى، وذلكَ مثلُ: الصلاةِ في النعالِ، وتَرْكِ تغييرِ الشيبِ، ونحوِ ذلكَ.
والكراهةُ هُوَ الحُكْمُ المتيقَّنُ، ولا يُنْتَقَلُ عنهُ إلَّا بدليلٍ.
وأمَّا حديثُ: «مَنْ تَشَبَّهَ بقومٍ فهُوَ مِنْهُمْ» فقدْ رَجَّحَ أبو حاتمٍ الرازيُّ ودحيمٌ إرسالَهُ، وسَبَقَ بحثُهُ [69].
والثيابُ على نوعينِ: لباسُ زينةٍ، ولباسُ مهنةٍ.
قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: 26] فمِنَ اللباسِ ما يُلْبَسُ لقصدِ السَّتْرِ، كثيابِ المهنةِ، ومِنْها ما يُلْبَسُ للتجمُّلِ والتزيُّنِ وإليهِ أشارَتِ الآيةُ بلباسِ الريشِ.
أَمْ للتزيُّنِ والتجمُّلِ بِها، فيَشْمَلُ التحريمُ ثيابَ الزينةِ دونَ ثيابِ المهنةِ؟
والأقربُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الفرشَ جزءٌ مِنَ الزينةِ، ولكنَّ الصُّوَرِ التي فيها لا تَنْطَوِي على تعظيمٍ، فَلَمَّا أُهِينَتْ بوضعِها فراشًا ومخدَّةً أُبِيحَتْ، وإنْ كانَتْ مفروشةً للزينةِ.
ولهذا أُبِيحَتْ لُعَبُ الأطفالِ مِنَ الصُّوَرِ؛ لنفسِ العلةِ؛ حيثُ لا تعظيمَ في هذهِ اللُّعَبِ [70]، فكذلكَ يُقَالُ في الصورةِ المستعمَلةِ في ثيابِ الزينةِ، لا تعظيمَ فيها، لأنَّ الجلوسَ فيها وعليها والنومَ فيها امتهانٌ لها.
ويَتَأَكَّدُ ذلكَ:
بِما وَرَدَ في حديثِ «الصحيحينِ » مِنْ قولِهِ ﷺ: «إلَّا رَقْمًا في ثوبٍ» فهذا استثناءٌ مِنَ التحريمِ.
وسوفَ يأتي تخريجُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى في أدلَّةِ القائلينَ بالجوازِ، فعليهِ يكونُ قولُ الإمامِ مالكٍ هُوَ الأقربُ حسبَ الظنِّ، واللَّهُ أعلمُ.
واستعمالُ الثيابِ ولو على الأرضِ هُوَ نوعٌ مِنَ اللباسِ، فاللباسُ أَعَمُّ مِنْ أنْ يكونَ خاصًّا بِما اسْتُعْمِلَ على البدنِ.
فقدْ رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ طريقِ مالكٍ، عَنْ إسحاقَ بنِ عبدِاللَّهِ بنِ أبي طلحةَ، عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ ﷺ،
أنَّ جدَّتَهُ مليكةَ دَعَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ لطعامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قالَ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكُمْ». قالَ أنسٌ: فَقُمْتُ إلى حصيرٍ لَنَا، قدِ اسْوَدَّ مِنْ طولِ ما لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بماءٍ ….الحديثَ [71].
فأُطْلِقَ اللبسُ على استعمالِ الحصيرِ، فلم يَكُنْ هناكَ فَرْقٌ بينَ لباسٍ على الأرضِ، ولباسٍ على البدنِ إلَّا أنْ تُرْفَعَ الصُّوَرُ على الحائطِ أو الجُدُرِ، فيُمْنَعُ، واللَّهُ أعلمُ.
أمَّا الدليلُ على تحريمِ لُبْسِهِ:
فقدْ تَقَدَّمَ ذَكَرْتُها في الأدلَّةِ السابقةِ، فأغْنَى ذلكَ عَنْ إعادتِها هُنا.
وأمَّا الحُكْمُ بالصحَّةِ:
فذلكَ لأنَّ التحريمَ حُكْمٌ تكليفيٌّ، والصحَّةَ حُكْمٌ وضعيٌّ.
يقولُ ابنُ رجبٍ:
«أكثرُ العلماءِ على أنَّ العباداتِ لا تَبْطُلُ بارتكابِ ما نُهِيَ عنهُ، إذا كانَ النَّهْيُ غيرَ مختصٍّ بتلكَ العبادةِ، وإنَّما تَبْطُلُ بِما يَخْتَصُّ النَّهْيُ بِها.
فالصلاةُ تَبْطُلُ بالإخلالِ بالطهارةِ فيها، وحَمْلِ النجاسةِ، وكَشْفِ العورةِ ولو في الخلوةِ، ولا تَبْطُلُ بالنَّظَرِ إلى المحرَّماتِ فيها، ولا باختلاسِ مالِ الغيرِ فيها، ونحوِ ذلكَ مِمَّا لا يَخْتَصُّ النَّهْيُ عنهُ بالصلاةِ.
وكذلكَ الصيامُ:
إنَّما يَبْطُلُ بالأكلِ والشربِ والجماعِ ونحوِ ذلكَ، دونَ ما لا يَخْتَصُّ النَّهْيُ عنهُ بالصيامِ، كقولِ الزورِ، والعملِ بِهِ عندَ جمهورِ العلماءِ.
وكذلكَ الاعتكافُ:
لا يَبْطُلُ إلَّا بِما نُهِيَ عنهُ لخصوصِ الاعتكافِ وهُوَ الجماعُ، أو ما نُهِيَ عنهُ لحقِّ المساجدِ كالسُّكْرِ عندَ طائفةٍ مِنْهُمْ، ولا يَبْطُلُ بسائرِ المعاصي عندَ الأكثرينَ، وإنْ خالفَ في ذلكَ طائفةٌ مِنْهُمْ.
وكذلكَ الحجُّ:
إنَّما يَبْطُلُ بارتكابِ بعضِ ما نُهِيَ عنهُ فيهِ، وهُوَ الرَّفَثُ دونَ الفسقِ والجدالِ، واللَّهُ أعلمُ [72].
فليسَ كلُّ نَهْيٍ يَقْتَضِي فسادَ المنهيِّ عنهُ.
يُبَيِّنُ ذلكَ الشنقيطيُّ رحمَهُ اللَّهُ في «أضواءِ البيانِ»، فيقولُ:
«كلُّ منهيٍّ عنهُ لَهُ جهتانِ:
إحداهُما: مأمورٌ بِهِ مِنْها: ككونِهِ صلاةً.
والأخرَى منهيٌّ عنهُ مِنْها: ككونِهِ في موضعِ نَهْيٍ، أو وقتِ نَهْيٍ، أو أرضٍ مغصوبةٍ، أو بحريرٍ، أو ذهبٍ، ونحوِ ذلكَ فإنَّهُمْ يقولونَ: إنِ انْفَكَّتْ جهةُ الأمرِ عَنْ جهةِ النَّهْيِ لم يَقْتَضِ النَّهْيُ الفسادَ، وإنْ لم تَنْفَكَّ عنها اقْتَضَاهُ ….» [73].
يُوَضِّحُ ذلكَ أكثرَ:
مسألةُ لُبْسِ الخُفِّ، فلو مَسَحَ خُفًّا مغصوبًا صَحَّ الوضوءُ مِنْهُ، لأنَّ إباحةَ اللبسِ ليستْ شرطًا في صِحَّةِ الوضوءِ، ولو مَسَحَ الخُفَّ رجلٌ قدْ تَلَبَّسَ بالإحرامِ معَ وجودِ النعلِ لم يَصِحَّ الوضوءُ؛ لأنَّ النَّهْيَ متوجِّهٌ للبسِ، والأمرَ الشرعيَّ يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلِ، فلم يَمْتَثِلِ الأمرَ الشرعيَّ.
ولو كانَ عندَهُ ثوبٌ نجسٌ، فَغَسَلَ نجاستَهُ بماءٍ مغصوبٍ حتَّى زالَتِ النجاسةُ حَكَمْنا بطهارةِ الثوبِ؛ لارتفاعِ النجاسةِ، وحَرَّمْنا إتلافَ الماءِ المغصوبِ بالتطهيرِ، فالجهةُ منفَكَّةٌ.
فالنَّهْيُ في دلالتِهِ على البطلانِ وعدمِهِ يَنْقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
القسمُ الأوَّلُ: أنْ يعودَ النَّهْيُ إلى ذاتِ الشيءِ.
فذلكَ يُوجِبُ فسادَ المَنهيِّ عنهُ قطعًا؛ كالنَّهْيِ عَنِ التطوُّعِ وقتَ طلوعِ الشمسِ وغروبِها، فالنَّهْيُ متوجِّهٌ إلى الصلاةِ نفسِها.
القسمُ الثاني: أنْ يعودَ النَّهْيُ إلى شرطِ العبادةِ.
فذلكَ يُوجِبُ فسادَها على الصحيحِ؛ كما لو سَتَرَ عورتَهُ بثوبٍ نجسٍ على القولِ بأنَّ طهارةَ الثوبِ شرطٌ في صِحَّةِ الصلاةِ، فطهارةُ السُّتْرَةِ مختصَّةٌ بالصلاةِ.
القسمُ الثالثُ: أنْ يعودَ النَّهْيُ لأمرٍ خارجٍ.
فهذا لا يُوجِبُ فسادَ العبادةِ على الصحيحِ، كقولِهِ تعالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: 78] معَ تحريمِ الصورةِ، فالنَّهْيُ عَنْ لُبْسِ ما فيهِ صورةٌ على القولِ بالنَّهْيِ عنهُ لم يَتَعَرَّضْ فيهِ للصلاةِ، فإذا صَلَّى في ثوبٍ فيهِ صورةٌ فقدْ أَتَى بالمطلوبِ والمكروهِ جميعًا، فَصَحَّتِ الصلاةُ، وحَرُمَ اللبسُ.
هؤلاءِ عَلَّلُوا فسادَ الصلاةِ بالثوبِ الذي فيهِ صورةٌ إمَّا لارتكابِ النَّهْيِ في شرطِ العبادةِ وهُوَ سَتْرُ العورةِ، وإمَّا لِتَرْكِ الإتيانِ بالشرطِ المأمورِ بِهِ، وهُوَ اشتراطُ إباحةِ الساترِ [74]، وكلاهُما لَهُ علاقةٌ بشرطِ العبادةِ، فليسَ كَمَنْ صَلَّى وعليهِ عمامةٌ أو خاتمٌ فيهِ صورةٌ؛ لأنَّ لُبْسَ العمامةِ والخاتمِ ليسا شرطًا في الصلاةِ.
لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ اشْتَرَطَ في سَتْرِ العورةِ إباحةَ الساترِ، فالشرطُ هُوَ سَتْرُ العورةِ وهذا قدْ تَحَقَّقَ، والصلاةُ ليستْ سببًا في تحريمِ لُبْسِ الثوبِ الذي فيهِ صورةٌ، فهُوَ محرَّمٌ عليهِ، صَلَّى بِهِ، أو لم يُصَلِّ، فالتحريمُ متوجِّهٌ للبسِ، ولا علاقةَ للصلاةِ بذلكَ حتَّى يكونَ النَّهْيُ عائدًا إلى شرطِ الصلاةِ.
نَعَمْ لو تَوَضَّأَ بماءٍ نجسٍ لم يَرْتَفِعْ حدثُهُ، لكونِ النَّهْيِ عائدًا إلى شرطِ العبادةِ، بخلافِ ما لو غَسَلَ ثوبَهُ النجسَ بماءٍ مغصوبٍ فإنَّ الثوبَ يَطْهُرُ؛ لأنَّ الحُكْمَ بنجاسةِ الثوبِ لوجودِ النجاسةِ، فإذا زالَتْ زالَ حكمُها، وكونُهُ مغصوبًا لا علاقةَ لَهُ بالتطهيرِ، فلا يُمْكِنُ الحُكْمُ بنجاسةِ الثوبِ معَ زوالِ النجاسةِ، نَعَمْ يَضْمَنُ قيمةَ الماءِ لصاحبِها؛ لإتلافِهِ مالَ الغيرِ.
وقياسًا على ما لو اجْتَمَعَ أمرانِ:
أحدُهُما يَأْمُرُهُ بالصلاةِ، والآخرُ يَأْمُرُهُ بإنقاذِ غريقٍ أو حريقٍ، فهُوَ مأمورٌ بالصلاةِ ومأمورٌ بإنقاذِهِ، ولا يُمْكِنُ اجتماعُهُما، فلو مَضَى في صلاتِهِ صَحَّتْ معَ الإثمِ، فلا يُقَالُ: صلاتُهُ لا تَصِحُّ؛ لأنَّهُ مأمورٌ بإنقاذِ الغريقِ، فكذلكَ إذا اجْتَمَعَ أمرٌ ونَهْيٌ، وكانَ النَّهْيُ غيرَ مختصٍّ بالصلاةِ، فإنَّ ارتكابَ النَّهْيِ لا يُؤَدِّي إلى بطلانِ الصلاةِ ما لم يَخْتَصَّ النَّهْيُ بالصلاةِ.
الحنفيَّةُ يَشْتَرِطُونَ للكراهةِ التحريميَّةِ أنْ يكونَ الدليلُ ظنيًّا والنَّهْيُ صريحًا، فَخَرَجَ بذلكَ الدليلُ القطعيُّ، فالنَّهْيُ فيهِ محرَّمٌ، وليسَ مكروهًا كراهةً تحريميَّةً.
وَخَرَجَ مِنْهُ:
ما كانَ مفيدًا للتركِ بغيرِ أداةٍ مِنْ أدواتِ النَّهْيِ الصريحةِ، فالكراهةُ فيهِ تنزيهيَّةٌ.
فإذا أَتَيْنا إلى النَّهْيِ في الأدلَّةِ:
فهيَ صريحةٌ في تحريمِ التصويرِ، لكنْ لا يُوجَدُ فيها لا نَهْيٌ صريحٌ، ولا غيرُ صريحٍ في النَّهْيِ عَنِ الصلاةِ بالثوبِ الذي فيهِ صورةٌ، وبينَهُما فَرْقٌ، فكانَ مقتضَى ذلكَ حسبَ قواعدِ مذهبِ الحنفيَّةِ أنْ تكونَ الكراهةُ تنزيهيَّةً.
يقولُ ابنُ عابدينَ في «حاشيتِهِ»:
«لا يَلْزَمُ مِنْ حرمتِهِ -يعني التصويرَ- حُرْمَةُ الصلاةِ فيهِ، بدليلِ أنَّ التصويرَ يَحْرُمُ؛ ولو كانَتِ الصورةُ صغيرةً كالتي على الدرهمِ، أو كانَتْ في اليدِ، أو مُسْتَتِرَةً، أو مُهانةً معَ أنَّ الصلاةَ بذلكَ لا تَحْرُمُ، بَلْ ولا تُكْرَهُ؛ لأنَّ علةَ حُرْمَةِ التصويرِ المُضَاهَاةُ لخَلْقِ اللَّهِ تعالَى، وهيَ موجودةٌ في كلِّ ما ذُكِرَ» [75].
وعلةُ المُضَاهَاةِ تَتَعَلَّقُ بالمصوِّرِ، لا بالمستعمِلِ، لكنْ هذهِ إحدَى عللِ تحريمِ التصويرِ.
وأمَّا المستعمِلُ، فلم يَذْكُرُوا إلَّا ثلاثَ عللٍ، سأذْكُرُها إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى.
إنَّ الحُكْمَ معلَّلٌ بثلاثِ عللٍ:
امتناعُ دخولِ الملائكةِ.
تعظيمُ الصورةِ.
التشبُّهُ بالكفارِ في عباداتِهِمْ.
وإذا كانَتِ الصورةُ صغيرةً انْتَفَى التعظيمُ، وإذا كانَتْ مُسْتَتِرَةً انْتَفَى التعظيمُ والتشبُّهُ، وإذا انْتَفَى التعظيمُ والتشبُّهُ لم يَمْنَعْ ذلكَ مِنْ دخولِ الملائكةِ، فانْتَفَتِ العللُ الثلاثُ.
فيُقَالُ: إنَّ امتناعَ دخولِ الملائكةِ لا يَشْمَلُ الصورةَ المباحةَ، والصورةُ في الثوبِ مستثناةٌ مِنَ التحريمِ، لقولِهِ ﷺ: «إلَّا رَقْمًا في ثوبٍ»، وإذا كانَتِ الصورةُ المهانةُ لا تَمْنَعُ دخولِ الملائكةِ، فكذلكَ الرَّقْمُ في الثوبِ كذلكَ.
فهيَ علةٌ معتبَرةٌ نصًّا في الصورةِ المرفوعةِ، وملغاةٌ نصًّا في الصورةِ المهانةِ التي تُدَاسُ على الأرضِ حتَّى على مذهبِ الحنفيَّةِ.
وتَبْقَى الصورةُ التي في الثوبِ، وقدْ بَيَّنْتُ بِما سَبَقَ أنَّ استعمالَ الثوبِ في اللبسِ امتهانٌ للصورةِ، ولذلكَ جاءَ النصُّ باستثنائِها في قولِهِ ﷺ: «إلَّا رَقْمًا في الثوبِ»، فالثوبُ الملبوسُ يُجْلَسُ بِهِ، وعليهِ، ويُنامُ بِهِ، فلا يأخُذُ حُكْمَ الصورةِ المعلَّقةِ على سِتَارٍ في صدرِ المجلسِ، أو على سقفِ البيتِ.
فإنَّ ما كانَتْ علَّتُهُ التشبُّهَ عندَ الحنفيَّةِ فإنَّ كَرَاهتَهُ تنزيهيَّةٌ.
ولهذا لَمَّا كَرِهَ الحنفيَّةُ انفرادَ الإمامِ على الدكانِ، عَلَّلُوهُ بالتشبُّهِ.
قالَ الرمليُّ الحنفيُّ كما في «منحةِ الخالقِ على البحرِ الرائقِ»: «هذا التعليلُ يَقْتَضِي أنَّها تنزيهيَّةٌ» [76].
وقالَ ابنُ عابدينَ في «حاشيتِهِ»:
«وعَلَّلُوهُ -يعني علوَّ الإمامِ عَنِ المأمومِ- بأنَّهُ تشبُّهٌ بأهلِ الكتابِ، فإنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ لإمامِهِمْ دكانًا، وهذا التعليلُ يَقْتَضِي أنَّها تنزيهيَّةٌ» [77].
وكَرِهُوا كراهةً تنزيهيَّةً إفرادَ يومِ عاشوراءَ بالصيامِ منفردًا عَنِ التاسعِ؛ لعلةِ التشبُّهِ.
وليسَ هذا خاصًّا بالحنفيَّةِ، فالحنابلةُ والشافعيَّةُ يَرَوْنَ أنَّ التشبُّهَ بالكفارِ الأصلُ فيهِ الكراهةُ؛ لأنَّهُ المتيقَّنُ، ولا يُصْرَفُ لغيرِهِ إلَّا بدليلٍ.
قالَ في «الإقناعِ»:
ويُكْرَهُ اشتمالُ الصمَّاءِ … وشَدُّ الوسطِ بِما يُشْبِهُ الزنارَ، ولو في غيرِ صلاةٍ؛ لأنَّهُ يُكْرَهُ التشبُّهُ بالكفارِ [78].
وقالَ ابنُ تيميةَ في «شرحِ العمدةِ»:
«التشبُّهُ بأهلِ الكتابِ مكروهٌ، وقَطْعُ التشبُّهِ بِهِمْ مشروعٌ» [79].
ولعلَّ هذا أحدُ القولينِ عَنِ ابنِ تيميةَ، أو أنَّهُ يُقَرِّرُ المذهبَ فحسبُ.
وقالَ شيخُنا ابنُ عثيمينَ في تعليقِهِ على «الكافي» لابنِ قدامةَ:
«المؤلِّفُ يقولُ: يُكْرَهُ؛ لِما فيهِ مِنَ التشبُّهِ بالنصارَى، وظاهرُ كلامِهِ أنَّ التشبُّهَ بالكفارِ مكروهٌ، لا محرَّمٌ وهذا هُوَ المشهورُ مِنَ المذهبِ عندَنا، أنَّ التشبُّهَ بالكفارِ ليسَ بمحرَّمٍ، بَلْ هُوَ مكروهٌ صَرَّحُوا بِهِ في قولِهِمْ: يُكْرَهُ التشبُّهُ بالكفارِ في لباسٍ وغيرِهِ ….» [80].
وفيهِ قولٌ ثانٍ في المذهبِ: بتحريمِ التشبُّهِ [81].
ونَصَرَهُ ابنُ تيميةَ، ورَجَّحَهُ شيخُنا احتجاجًا بحديثِ: «مَنْ تَشَبَّهَ بقومٍ فهُوَ مِنْهُمْ»، والحديثُ حَكَمَ عليهِ أبو زرعةَ ودحيمٌ بالإرسالِ، وسَبَقَ بحثُهُ.
وأمَّا مذهبُ الشافعيَّةِ
فقدْ تكلَّمَ العراقيُّ في «طرحِ التثريبِ» في علةِ النَّهْيِ عَنِ المياثرِ، فَذَكَرَ مِنْها التشبُّهَ بعظماءِ الفرسِ في ذلكَ الوقتِ، قالَ:
«فَلَمَّا لم يَصِرْ شعارًا لَهُمْ، وزالَ ذلكَ المعنَى زالَتِ الكراهةُ» [82].
وقالَ ابنُ حجرٍ مِنْ خلالِ مناقشةِ علةِ تحريمِ الأكلِ في أواني الذهبِ والفضَّةِ، قالَ في «الفتحِ»:
«وقِيلَ العلةُ في المَنْعِ التشبُّهُ بالأعاجمِ، وفي ذلكَ نظرٌ؛ لثبوتِ الوعيدِ لفاعلِهِ، ومجرَّدُ التشبُّهِ لا يَصِلُ إلى ذلكَ» [83].
أنَّ علةَ التشبُّهِ الأصلُ فيها الكراهةُ التنزيهيَّةُ، ولا تَبْلُغُ التحريمَ إلَّا بقرينةٍ.
فقدْ يَبْلُغُ بالمتشَبِّهِ الوقوعُ في الشركِ والكفرِ.
وقدْ يَقْصُرُ عَنِ الكراهةِ، فيُعَبَّرُ عنهُ بخلافِ الأولَى، كالصلاةِ في النعالِ.
والمتيقَّنُ الكراهةُ فيما نُهِيَ عنهُ بخصوصِهِ منصوصًا على علَّتِهِ؛ لأنَّ الناسَ قدْ يُمْنَعُونَ مِنْ بعضِ الأمورِ التي لم يَثْبُتْ نصٌّ بالنَّهْيِ عنها بعلةِ التشبُّهِ، وعندَ التحقُّقِ لا يُوجَدُ نَهْيٌ عنها فضلًا أنْ يَثْبُتَ التشبُّهُ.
لعلَّهُ يَرَى أنَّ الشعارَ مِمَّا يلي الجسدَ هُوَ الذي تَحَقَّقَ بِهِ سَتْرُ العورةِ، فكانَ الثوبُ الآخرُ زائدًا عَنْ مقدارِ السُّتْرَةِ الواجبةِ، فلا حُكْمَ لَهُ.
هذا القولُ يَرَى أنَّ الصورةَ إذا كانَتْ مُسْتَتِرَةً بثوبٍ آخرَ أصبحَتْ في حُكْمِ المعدومِ، فلا تأثيرَ لها في صِحَّةِ الصلاةِ.
النصوصُ دلالتُها قطعيَّةٌ في تحريمِ التصويرِ، واستعمالُ الثوبِ الذي فيهِ صورةٌ ليسَ حكمُهُ حُكْمَ المصوِّرِ، بدليلِ جوازِ المُمْتَهَنِ مِنْهُ.
وإبطالُ الصلاةِ بسببِ تحريمِ لُبْسِ الثوبِ قولٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ النَّهْيَ ليسَ مختصًّا بالعبادةِ.
والقولُ بالصحَّةِ مطَّرِدٌ معَ كلِّ ثوبٍ محرَّمٍ، سواءٌ أصَلَّى الرجلُ في ثوبِ حريرٍ، أَمْ بثوبٍ مغصوبٍ، أَمْ بِهِ صورةُ حيوانٍ؛ لانفكاكِ جهةِ النَّهْيِ عَنْ جهةِ الأمرِ.
ويَبْقَى النَّظَرُ في الإثمِ:
فإنْ رَجَّحْنا القولَ بتحريمِ الصلاةِ في الثوبِ الذي فيهِ صورةٌ:
كانَ المصلِّي آثمًا لا مِنْ أجلِ الصلاةِ فيهِ، وإنَّما مِنْ أجلِ استدامةِ لُبْسِهِ.
وإلَّا:
كانَ دائرًا بينَ الكراهةِ والجوازِ.
وإذا كانَتِ الصورةُ مباحةً:
لم يَأْثَمْ بالصلاةِ فيها.
وأَمِيلُ إلى:
أنَّ الصورةَ في الثوبِ أقربُ إلى الصورةِ المُمْتَهَنَةِ مِنْها إلى الصورةِ المرفوعةِ في الحائطِ أو على الرؤوسِ.
وهُوَ مذهبُ الإمامِ مالكٍ، واللَّهُ أعلمُ.
[2] جاءَ في «التفريعِ» لابنِ الجلابِ (2/414):
«ولا يجوزُ اتخاذُ الصُّوَرِ، والتماثيلِ مِنَ الخشبِ، والحجارةِ والجصِّ في البيوتِ، ولا بأسَ بذلكَ في الثيابِ، والبُسُطِ».
وانْظُرْ: «المدونةَ» (1/182، 183)، و«التبصرةَ» للخميِّ (1/348)، و«الذخيرةَ» للقرافيِّ (2/99)، و«مواهبَ الجليلِ» (1/420)، و«الفواكهَ الدواني» (2/315).
[4] قالَ الطحاويُّ في مختصرِهِ كما في «شرحِ مختصرِ الطحاويِّ» للجصاصِ (8/529):
«تُكْرَهُ التصاويرُ في الثوبِ، ولا تُكْرَهُ في البُسُطِ».
قالَ ابنُ نجيمٍ في «البحرِ الرائقِ» (2/29): وهذهِ الكراهةُ تحريميَّةٌ.
ونَقَلَ هذا ابنُ عابدينَ في حاشيتِهِ (1/647)، ولم يَتَعَقَّبْهُ، وانْظُرْ «منحةَ الخالقِ حاشيةً على البحرِ الرائقِ» (2/87).
واسْتَثْنَى الحنفيَّةُ مِنَ التحريمِ الصورةَ الصغيرةَ التي لا تَتَبَيَّنُ تفاصيلُ أعضائِها للناظرِ، وكذا الصورةَ المُسْتَتِرَةَ بكيسٍ أو صُرَّةٍ أو ثوبٍ آخرَ. انْظُرْ: «حاشيةَ ابنِ عابدينَ» (1/648).
هذا ما يَتَعَلَّقُ بحُكْمِ لُبْسِ الثوبِ في مذهبِ الحنفيَّةِ.
وأمَّا مذهبُ الشافعيَّةِ، فقالَ النوويُّ في «المنهاجِ» (ص: 223):
«ومِنَ المنكرِ فراشُ حريرٍ وصورةُ حيوانٍ على سقفٍ أو جدارٍ أو وسادةٍ أو سِتْرٍ أو ثوبٍ ملبوسٍ، ويجوزُ ما على أرضٍ وبساطٍ ومخدَّةٍ».
وقالَ ابنُ الملقنِ في شرحِ البخاريِّ المسمَّى «التوضيحِ» (28/192):
«أمَّا اتخاذُ المصوَّرِ فيهِ صورةُ حيوانٍ، فإنْ كانَ معلَّقًا على حائطٍ أو ثوبًا ملبوسًا، أو عمامةً ونحوَ ذلكَ مِمَّا لا يُعَدُّ مُمْتَهَنًا فهُوَ حرامٌ. وإنْ كانَ في بساطٍ يُدَاسُ، ومخدَّةٍ ووسادةٍ ونحوِها مِمَّا يُمْتَهَنُ فليسَ بحرامٍ … لا فَرْقَ في هذا كلِّهِ بينَ مالَهُ ظِلٌّ، وما لا ظِلَّ لَهُ، هذا تلخيصُ مذهبِنا في المسألةِ، وبمعناهُ قالَ جماهيرُ العلماءِ مِنَ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهُمْ …». وانْظُرْ «شرحَ البخاريِّ» لابنِ الملقنِ المسمَّى «التوضيحَ» (28/192).
واعْتَرَضَ ابنُ حجرٍ في «الفتحِ» (10/388) على كلامِ النوويِّ بأنَّ ابنَ العربيِّ حَكَى الإجماعَ على تحريمِ ما لَهُ ظِلٌّ.
والاعتراضُ هذا يَصِحُّ لو كانَ النوويُّ يَحْكِي اختيارًا لَهُ، أمَّا وهُوَ يَحْكِيهِ مذهبًا للشافعيَّةِ، ويَنْقُلُهُ ابنُ الملقنِ مُقِرًّا لَهُ فلا يَصِحُّ الاعتراضُ، بَلْ كلامُ النوويِّ يَقْدَحُ في حكايةِ الإجماعِ؛ لأنَّ حكايةَ الإجماعِ هُوَ اجتهادٌ بشريٌّ يقومُ على تَتَبُّعِ اجتهادِ العلماءِ، فإذا ظَهَرَ للمجتهدِ أنَّ العلماءَ قدْ أجْمَعُوا حكاهُ إجماعًا، وقدْ يكونُ تَتَبُّعُهُ صوابًا، وقدْ يَتَطَرَّقُ لَهُ الخطأُ، فإذا حَكَى النوويُّ عَنْ مذهبِهِ إباحةَ ما لَهُ ظِلٌّ إذا كانَ مُهانًا تَبَيَّنَ أنَّ حكايةَ الإجماعِ باطلةٌ.
وقولُ النوويِّ: (أو ثوبًا ملبوسًا) قَيَّدَ المَنْعَ بالثوبِ الملبوسِ، وقدِ اختلفَ الشافعيَّةُ في المَنْعِ أَيَخْتَصُّ بالثوبِ الملبوسِ، أَمْ يَدْخُلُ فيهِ الثوبُ المُعَدُّ للبسِ، ولو كانَ على الأرضِ، على قولينِ.
قالَ الخطيبُ في «مغني المحتاجِ» (4/408):
«قولُ المصنِّفِ: (وثوبٌ ملبوسٌ) يَقْتَضِي أنَّهُ إنَّما يكونُ منكرًا في حالِ كونِهِ ملبوسًا. قالَ الأذرعيُّ: ويجوزُ أنْ يكونَ المرادُ ما يُرَادُ للبسِ، سواءٌ كانَ ملبوسًا في تلكَ الساعةِ، أَمْ معلَّقًا، أَمْ موضوعًا على الأرضِ».
وقالَ في «تحفةِ المحتاجِ» (7/432):
«أو ثوبٌ ملبوسٌ ولو بالقوَّةِ، فيَدْخُلُ الموضوعُ بالأرضِ كما قالَهُ الأذرعيُّ».
والفَرْقُ بينَ الوسادةِ والمخدَّةِ، قالُوا: الوسادةُ: هيَ الكبيرةُ المنصوبةُ، والمخدَّةُ: هيَ الصغيرةُ المُمْتَهَنَةُ التي يُتَّكَأُ عليها ويُنامُ.
وانْظُرْ: «مغنيَ المحتاجِ» (4/407)، و«تحفةَ المحتاجِ» (7/432)، و«أسنى المطالبِ» (3/225)، و«شرحَ منتهَى الإراداتِ» (1/158)، و«الإقناعَ» (1/92)، و«الإنصافَ» (1/473، 474).
وأمَّا توثيقُ القولِ بالتحريمِ عندَ المالكيَّةِ، فهذا أحدُ الأقوالِ في المذهبِ، فتَقَدَّمَ القولُ بالجوازِ، وهُوَ المعتمدُ.
وهناكَ ثلاثةُ أقوالٍ في المذهبِ مِنْها القولُ بالتحريمِ. انْظُرْ: «البيانَ والتحصيلَ» (18/76)، و«المختصرَ الفقهيَّ» لابنِ عرفةَ (4/62)، و«لوامعَ الدررِ في هَتْكِ أستارِ المختصرِ» (6/594). وفي مذهبِ الحنابلةِ: قالَ ابنُ تيميةَ في «شرحِ العمدةِ»، كتابِ الصلاةِ (ص: 387):
«لا يجوزُ لُبْسُ ما فيهِ صُوَرُ الحيوانِ مِنَ الدوابِّ والطيرِ وغيرِ ذلكَ، ولا يَلْبَسُهُ الرجلُ ولا المرأةُ، ولا يُعَلَّقُ سِتْرٌ فيهِ صورةٌ، وكذلكَ جميعُ أنواعِ اللباسِ إلَّا الافتراشَ، فإنَّهُ يجوزُ افتراشُها هذا قولُ أكثرِ أصحابِنا، وهُوَ المشهورُ عَنْ أحمدَ».
وانْظُرْ: «الفروعَ» (2/74)، و«الإنصافَ» (1/473، 474).
[6] جاءَ في «فَتْحِ الباري» (10/388):
«ومِنْها أنَّ إمامَ الحرمينِ نَقَلَ وجهًا أنَّ الذي يُرَخَّصُ فيهِ مِمَّا لا ظِلَّ لَهُ ما كانَ على سِتْرٍ أو وسادةٍ، وأمَّا ما كانَ على الجدارِ والسقفِ فيُمْنَعُ، والمعنَى فيهِ أنَّهُ بذلكَ يَصِيرُ مرتفِعًا، فيَخْرُجُ عَنْ هيئةِ الامتهانِ بخلافِ الثوبِ، فإنَّهُ بصددِ أنْ يُمْتَهَنَ، وتُسَاعِدُهُ عبارةُ «مختصرِ المزنيِّ»: صورةٌ ذاتُ روحٍ إنْ كانَتْ منصوبةً».
وانْظُرْ: «التوضيحَ لخليلٍ» (1/290)، و«كفايةَ الطالبِ الربانيِّ معَ حاشيةِ العدويِّ» (2/460)، و«المختصرَ الفقهيَّ» لابنِ عرفةَ (4/62)، و«شرحَ زروقٍ على الرسالةِ» (2/1056)، و«النوادرَ والزياداتِ» (1/225)، و«المدونةَ» (1/182)، و«مواهبَ الجليلِ» (1/551)، و«منحَ الجليلِ» (3/530)، و«الفروعَ» لابنِ مفلحٍ (2/75).
[8] قالَ ابنُ تيميةَ في «شرحِ العمدةِ»، كتابِ الصلاةِ (ص: 278):
«ومَنْ صَلَّى في ثوبٍ مغصوبٍ، أو دارٍ مغصوبةٍ لم تَصِحَّ صلاتُهُ، هذا أشهَرُ الروايتينِ عَنِ الإمامِ أحمدَ.
والأخرَى: تَصِحُّ صلاتُهُ معَ التحريمِ ….. وكذلكَ مَنْ لَبِسَ ثوبًا فيهِ تصاويرُ، إذا قُلْنا: إنَّهُ حرامٌ قالَ أبو عبدِاللَّهِ السامريُّ: كلُّ مَنْ صَلَّى في سُتْرَةٍ يَحْرُمُ عليهِ لُبْسُها، ولا سُتْرَةَ عليهِ غيرُها كُرِهَ لَهُ ذلكَ، وهلْ تَبْطُلُ صلاتُهُ؟ على روايتينِ ».
وانْظُرْ: «الفروعَ» (2/39).
[9] جاءَ في «الخلاصةِ» نقلًا مِنَ «البحرِ الرائقِ» (2/29):
«وتُكْرَهُ التصاويرُ على الثوبِ، صَلَّى فيهِ أو لم يُصَلِّ. انتهَى قالَ ابنُ نجيمٍ: وهذهِ الكراهةُ تحريميَّةٌ.
وجاءَ في «منحةِ الخالقِ» (2/87):
«قالَ القهستانيُّ وفي «التمرتاشيِّ»: لو صَلَّى وفي ثوبِهِ صورةٌ وَجَبَ الإعادةُ. وقالَ أبو اليسرِ: هذا هُوَ الحُكْمُ في كلِّ صلاةٍ أُدِّيَتْ معَ كراهةِ التحريمِ». وهذا تصريحٌ آخرَ بأنَّ الكراهةَ تحريميَّةٌ، وهُوَ متَّفِقٌ معَ ما ذَهَبَ إليهِ ابنُ نجيمٍ وابنُ عابدينَ في حاشيتِهِ (1/647).
فكلُّ صلاةٍ عندَ الحنفيَّةِ أُدِّيَتْ معَ الكراهةِ فهيَ صحيحةٌ، وأمَّا الإعادةُ فإنْ كانَتِ الكراهةُ تحريميَّةً وَجَبَتْ؛ لتدارُكِ ما فاتَ، لا مِنْ أجلِ بطلانِ الصلاةِ، وإنْ كانَتْ تنزيهيَّةً اسْتُحِبَّتْ الإعادةُ، ويُشْكِلُ عليهِ أنَّ الصلاةَ إنْ كانَتْ صحيحةً فقدْ بَرِئَتِ الذمةُ، وإنْ كانَتْ باطلةً لم يَمْضِ في صلاةٍ باطلةٍ.
قالَ ابنُ الهمامِ تعليقًا على قولِ صاحبِ الهدايةِ (وتُعَادُ على وجهٍ غيرِ مكروهٍ)، قالَ في «فَتْحِ القديرِ» (1/416):
«(قولُهُ وتُعَادُ) صَرَّحَ بلفظِ الوجوبِ الشيخُ قوامُ الدينِ الكاكيُّ في «شرحِ المنارِ»، ولفظُ الخبرِ المذكورِ: أعني قولَهُ (وتُعَادُ)، يُفِيدُهُ أيضًا على ما عُرِفَ، والحقُّ التفصيلُ بينَ كونِ تلكَ الكراهةِ كراهةَ تحريمٍ فَتَجِبُ الإعادةُ، أو تنزيهٍ فَتُسْتَحَبُّ». اهـ
وقالَ ابنُ نجيمٍ في «البحرِ الرائقِ» (2/29):
«قَيَّدَ بالثوبِ؛ لأنَّها -يعني الصورةَ- لو كانَتْ في يدِهِ، وهُوَ يُصَلِّي، لا تُكْرَهُ؛ لأنَّهُ مستورٌ بثيابِهِ ….. ولو كانَ فوقَ الثوبِ الذي فيهِ صورةٌ ثوبٌ ساترٌ لَهُ فإنَّهُ لا يُكْرَهُ أنْ يُصَلِّيَ فيهِ؛ لاستتارِها بالثوبِ الآخرِ، واللَّهُ سبحانَهُ أعلمُ».
[11] قالَ في «شرحِ منتهَى الإراداتِ» (1/152):
«فإنْ كانَ عليهِ ثوبانِ، أحدُهُما محرَّمٌ، لم تَصِحَّ صلاتُهُ؛ لأنَّ المباحَ لم يَتَعَيَّنْ ساترًا تحتانيًّا كانَ أو فوقانيًّا؛ إذْ أيُّهُما قُدِّرَ عدمُهُ كانَ الآخرُ ساترًا».
وقالَ في «حاشيةِ الروضِ المربعِ» (1/503):
(أو صَلَّى في ثوبٍ محرَّمٍ عليهِ) أعادَ ولو عليهِ غيرُهُ. وعنهُ تَصِحُّ معَ التحريمِ وفاقًا، واختارَهُ الخلالُ، وصاحبُ «الفنونِ» وغيرُهُما».
وانْظُرْ: «الإنصافَ» (1/457)، و«المبدعَ» (1/324)، و«الكافيَ في فقهِ الإمامِ أحمدَ» (1/232)، و«الفروعَ» (2/74)، و«الإقناعَ» (1/92)، و«غايةَ المنتهَى» (1/146).
[12] «الشرحُ الكبيرُ على المقنعِ» (1/464)، وقالَ في «المبدعِ» (1/324):
«وقَيَّدَهُ في «(الشرحِ)» بِما إذا كانَ هُوَ الساترَ لها، واختارَهُ ابنُ الجوزيِّ».
وقالَ في «الإنصافِ» (2/457):
«…. وقِيلَ: إذا كانَ قَدْرَ سَتْرِ عورةٍ، كسراويلَ وإزارٍ».
وقالَ أيضًا (2/458):
«لو لَبِسَ عمامةً منهيًّا عنها، أو تِكَّةً، وصَلَّى فيها: صَحَّتْ صلاتُهُ على الصحيحِ مِنَ المذهبِ. وعليهِ جماهيرُ الأصحابِ وجَزَمَ بِهِ كثيرٌ مِنْهُمْ».
[13] قالَ في «الإنصافِ» (1/457):
«… وقِيلَ: لا تَصِحُّ إنْ كانَ شعارًا يعني يلي جسدَهُ، واختارَهُ ابنُ الجوزيِّ في «المذهبِ»، و«مسبوكِ الذهبِ»، وجَزَمَ بِهِ في «الوجيزِ».
وهذا نصُّ «الوجيزِ» (ص: 67)، قالَ:
«ومَنْ صَلَّى في ثوبٍ محرَّمٍ عليهِ، وهُوَ شعارٌ لم تَصِحَّ إلَّا أَلَّا يَجِدَ ساترًا غيرَهُ».
[22] قولُهُ في الحديثِ: (فلم يَأْمُرْنا رسولُ اللَّهِ ﷺ بقَطْعِهِ) اخْتُلِفَ في زيادةِ هذا الحرفِ على داودَ ابنِ أبي هندٍ،
فرواهُ إسماعيلُ بنُ عليَّةَ، كما في «صحيحِ مسلمٍ» (88-2107)، و«مسندِ أحمدَ» (6/49)، ومِنْ طريقِهِ البيهقيُّ في «الشُّعَبِ» (5694).
وابنُ أبي عديٍّ كما في «صحيحِ مسلمٍ» (89-2107)، و«مسندِ أحمدَ» (6/53)،
وأبو معاويةَ كما في «سننِ الترمذيِّ» (2468)،و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (672)،
وحمادُ بنُ سلمةَ، كما في «مسندِ أبي يعلَى» (4468)،
وخالدُ بنُ عبدِاللَّهِ كما في «الأربعينَ على مذهبِ المتحقِّقينَ» لأبي نعيمٍ (10)، خمسَتُهُمْ، عَنْ داودَ بنِ أبي هندٍ، عَنْ عزرةَ بِهِ، وليسَ في روايتِهِمْ قولُهُ: (ولم يَأْمُرْنا بقَطْعِهِ)..
ورواهُ عبدُالأعلَى كما في «صحيحِ مسلمٍ» (89-2107)، و«مسندِ إسحاقَ بنِ راهويهِ» (1321)، وفي إسنادِ إسحاقَ سقطٌ.
ويزيدُ بنُ زريعٍ كما في «المجتبَى» مِنْ سننِ النسائيِّ (5353)، وفي الكبرَى لَهُ (9690)، و«الزهدِ والرقائقِ» لابنِ المباركِ (400)، و«منتقَى حديثِ أبي عبدِاللَّهِ محمَّدِ بنِ مخلدٍ» (90)، فرَوَياهُ عَنْ داودَ بنِ أبي هندٍ بِهِ، وفيهِ: (ولم يَأْمُرْنا بقَطْعِهِ) هذا لفظُ عبدِالأعلَى، ولفظُ يزيدَ (ولم نَقْطَعْهُ).
وخالَفَ كلَّ هؤلاءِ سفيانُ الثوريُّ، فرواهُ النسائيُّ في الكبرَى (9689) مِنْ طريقِ أبي أحمدَ الزبيريِّ، قالَ: حدثنا سفيانُ، عَنْ داودَ، عَنْ عزرةَ، عَنْ عائشةَ.
وهذا معضلٌ، سَقَطَ مِنْ إسنادِهِ حميدُ بنُ عبدالرحمنِ، وسعدُ بنُ هشامٍ، وعزرةُ لم يُدْرِكْ عائشةَ، والوَهْمُ فيهِ مِنْ أبي أحمدَ الزبيريِّ، قالَ ابنُ حجرٍ: ثقةٌ ثَبْتٌ إلَّا أنَّهُ قدْ يُخْطِئُ في حديثِ الثوريِّ.
قالَ المزيُّ في «تهذيبِ الكمالِ» (20/51): عزرةُ بنُ عبدالرحمنِ بنِ زرارةَ الخزاعيُّ، رَوَى عَنْ عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ، مرسَلٌ.
[29] رواهُ عَنْ نافعٍ، كلٌّ مِنْ:
مالكٍ كما في «صحيحِ البخاريِّ» (2105، 5181، 5961)، و«صحيحِ مسلمٍ» (96-2107).
وإسماعيلَ بنِ أميةَ كما في «صحيحِ البخاريِّ» (3224).
وجويريةَ، كما في «صحيحِ البخاريِّ» (5957).
والليثِ، كما في «صحيحِ البخاريِّ» (7557)، و«مسلمٍ» (2107)، واكْتَفَى مسلمٌ بذِكْرِ إسنادِهِ.
[41] «فَتْحُ الباري» (10/388)، وانْظُرْ: «حاشيةَ ابنِ عابدينَ» (1/648)، و«المنهاجَ» (ص: 223)، و«تحفةَ المحتاجِ» (7/432)، و«الإقناعَ» (1/92).
وقدْ رَوَى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (25287)، قالَ: حدثنا ابنُ فضيلٍ، عَنْ ليثٍ، قالَ: رأيْتُ سالمَ بنَ عبدِاللَّهِ متكئًا على وسادةٍ حمراءَ فيها تماثيلُ، فَقُلْتُ لَهُ فقالَ: إنَّما يُكْرَهُ هذا لِمَنْ يَنْصِبُهُ، ويَصْنَعُهُ. وليثٌ في حفظِهِ كلامٌ، لكنَّهُ يَسُوقُ شيئًا وَقَعَ لَهُ معَ سالمٍ خلافَ ما كانَ يَعْتَقِدُ، فمثلُهُ يَصْعُبُ احتمالُ تطرُّقِ الوَهْمِ، ولو حَدَّثَنا أحدٌ مِنَ الناسِ ما عَرَضَ لَهُ وشاهَدَهُ في السوقِ لَمَا اشْتَرَطْنا الضبطَ في الحفظِ إذا كانَ عدلًا في دينِهِ، فكذلكَ ما حَدَثَ لليثٍ معَ سالمٍ.
ورواهُ الطحاويُّ في «شرحِ معاني الآثارِ» (4/285) مِنْ طريقِ عبدالواحدِ بنِ زيادٍ، قالَ: حدثنا الليثُ، قالَ: دخلْتُ على سالمِ بنِ عبدِاللَّهِ، وهُوَ متكئٌ على وسادةٍ حمراءَ، فيها تصاويرُ، قالَ: فَقُلْتُ: أليسَ هذا يُكْرَهُ؟ فقالَ: لا، إنَّما يُكْرَهُ ما يُعَلَّقُ مِنْهُ، وما نُصِبَ مِنَ التماثيلِ، وأمَّا ما وُطِئَ فلا بأسَ بِهِ.
ورَوَى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (25294)، قالَ: حدثنا ابنُ عليَّةَ، عَنِ ابنِ عونٍ، قالَ: كانَ في مجلسِ محمَّدٍ، وسائدُ فيها تماثيلُ عصافيرَ، فكانَ أناسٌ يقولونَ في ذلكَ، فقالَ محمَّدٌ: إنَّ هؤلاءِ قدْ أكثَرُوا، فلو حَوَّلْتُمُوها. وسندُهُ صحيحٌ.
ورَوَى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (25288)، قالَ: حدثنا ابنُ مباركٍ، عَنْ هشامِ بنِ عروةَ، عَنْ أبيهِ، أنَّهُ كانَ يَتَّكِئُ على المرافقِ فيها التماثيلُ: الطيرُ والرجالُ.
وسندُهُ صحيحٌ، وعروةُ أحدُ رواةِ حديثِ عائشةَ في نَزْعِ السِّتَارِ.
ورَوَى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (25286)، قالَ: حدثنا حفصٌ، عَنِ الجعدِ، رجلٌ مِنْ أهلِ المدينةِ، قالَ: حَدَّثَتْني ابنةُ سعدٍ: أنَّ أباها جاءَ مِنْ فارسَ بوسائدَ فيها تماثيلُ فكُنَّا نَبْسُطُها.
وسندُهُ صحيحٌ، والجعدُ بنُ عبدالرحمنِ بنِ أوسٍ، ويُقَالُ: أويسٌ، وَثَّقَهُ ابنُ معينٍ والنسائيُّ.
ورَوَى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (25289)، حدثنا ابنُ عليَّةَ، عَنْ سلمةَ بنِ علقمةَ [في المطبوعِ: عَنْ علقمةَ، والتصحيحُ مِنَ الاستذكارِ]، عَنْ محمَّدِ بنِ سيرينَ، قالَ: نُبِّئْتُ عَنْ حطانَ بنِ عبدِاللَّهِ، قالَ: أَتَى عَلَيَّ صاحبٌ لي، فنادَاني فأشرفْتُ عليهِ، فقالَ: قُرِئَ علينا كتابُ أميرِ المؤمنينَ يَعْزِمُ على مَنْ كانَ في بيتِهِ سِتْرٌ منصوبٌ فيهِ تصاويرُ لَمَا وَضَعَهُ، فَكَرِهْتُ أنْ أُحْسَبَ عاصيًا، فَقُمْنا إلى قِرَامٍ لَنَا فَوَضَعْتُهُ، قالَ محمَّدٌ: كانُوا لا يَرَوْنَ ما وُطِئَ وبُسِطَ مِنَ التصاويرِ مثلَ الذي نُصِبَ.
لم يَسْمَعْهُ ابنُ سيرينَ مِنْ حطانَ.
وجاءَ في «الاستذكارِ» (8/487):
«وكانَ عكرمةُ يقولُ في التصاويرِ في الوسائدِ والبُسُطِ التي تُوطَأُ هُوَ أذَلُّ لها، قالَ: وكانُوا يَكْرَهُونَ ما نُصِبَ مِنَ التماثيلِ ولا يَرَوْنَ بأسًا بِما وَطِئَتْهُ الأقدامُ.
وعَنْ سعيدِ بنِ جبيرٍ وعكرمةَ بنِ خالدٍ وعطاءِ بنِ أبي رباحٍ، أنَّهُمْ كانُوا لا يَرَوْنَ بأسًا بِما يُوطَأُ ويُبْسَطُ مِنَ الصُّوَرِ.
قالَ ابنُ عبدالبرِّ: هذا المذهبُ أوسطُ المذاهبِ في هذا البابِ».
[47] «صحيحُ ابنِ حبانَ» (5853)، ولفظُ المطبوعِ مِنَ الصحيحِ: (فاقْطَعْ رؤوسَها، أو اقْطَعْها وسائدَ، واجْعَلْها بُسُطًا)، وهُوَ خطأٌ، فالوسائدُ لا تكونُ بُسُطًا، والتصويبُ مِنْ «نَصْبِ الرايةِ» (2/99).
وفيهِ لفظٌ ثالثٌ لروايةِ ابنِ حبانَ نَقَلَهُ ابنُ حجرٍ في «التلخيصِ» -ط قرطبةَ (3/400): (فإنْ كُنْتَ لا بُدَّ جاعلًا في بيتِكَ فاقْطَعْ رؤوسَها، واجْعَلْها وسائدَ أو اجْعَلْها بُسُطًا.
وهذا مخالفٌ للمطبوعِ مِنْ صحيحِ ابنِ حبانَ، ومخالفٌ للمنقولِ في «نَصْبِ الرايةِ»، ولعلَّ هذا لفظُ عبدالرزاقِ عَنْ معمرٍ مِنْ روايةِ أحمدَ عنهُ.
والأقربُ ما في «نَصْبِ الرايةِ»، واللَّهُ أعلمُ، فإنَّهُ موافقٌ لروايةِ معمرٍ، مِنْ روايةِ عبدالرزاقِ في الجامعِ، ولروايةِ أبي بكرِ بنِ عياشٍ، عَنْ أبي إسحاقَ، مِنْ أنَّ التخييرَ بينَ قَطْعِ الرأسِ، وبينَ جَعْلِها وسائدَ أو بُسُطًا، ولو لم يُقْطَعِ الرأسُ، واللَّهُ أعلمُ.
[49] حديثُ أبي هريرةَ رواهُ عنهُ مجاهدٌ، وأبو صالحٍ السمانُ، وابنُ سيرينَ.
أمَّا روايةُ مجاهدٍ، عَنْ أبي هريرةَ:
فرواها عَنْ مجاهدٍ اثنانِ: أبو إسحاقَ السبيعيُّ، وابنُهُ يونسُ، على خلافٍ بينَهُما في الألفاظِ، الطريقُ الأوَّلُ: أبو إسحاقَ السبيعيُّ، عَنْ مجاهدٍ.
رواهُ إسرائيلُ، ومعمرٌ، وزيدُ بنُ أبي أنيسةَ، وأبو بكرِ بنُ عياشٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أبي إسحاقَ السبيعيِّ، عَنْ مجاهدٍ على خلافٍ بينَهُمْ في الألفاظِ:
فرواهُ أحمدُ (2/390)، حدثنا أسودُ بنُ عامرٍ، حدثنا إسرائيلُ، حدثنا أبو إسحاقَ، عَنْ مجاهدٍ، عَنْ أبي هريرةَ، قالَ: أَتَى جبريلُ عليهِ السلامُ النبيَّ ﷺ، فقالَ: «إنِّي جِئْتُ البارحةَ، فلم يَمْنَعْني أنْ أَدْخُلَ عليكَ إلَّا أنَّهُ كانَ في البيتِ صورةٌ أو كلبٌ».
فلم يَذْكُرْ إسرائيلُ التمثالَ، ولا السِّتْرَ فيهِ التصاويرُ، وروايتُهُ بنحوِ ما رواهُ أبو صالحٍ السمانُ عَنْ أبي هريرةَ في مسلمٍ.
وإسرائيلُ ثَبْتٌ في أبي إسحاقَ، قالَ أبو حاتمٍ الرازيُّ: هُوَ مِنْ أتقَنِ أصحابِ أبي إسحاقَ.
وقالَ الدارقطنيُّ: إسرائيلُ مِنَ الحُفَّاظِ عَنْ أبي إسحاقَ.
وقالَ ابنُ مهديٍّ كما في «الكاملِ» (2/131): إسرائيلُ في أبي إسحاقَ أثبتُ مِنْ شعبةَ، والثوريِّ وخالَفَ ابنُ مهديٍّ الإمامَ أحمدَ وابنَ معينٍ.
إلَّا أنَّ الذهبيَّ رَجَّحَ كلامَ ابنِ مهديٍّ، فقالَ في «السيرِ» (7/359) تعليقًا على كلامِ ابنِ مهديٍّ: «هذا أنا إليهِ أَمْيَلُ، فإنَّ إسرائيلَ كانَ عكازَ جَدِّهِ، وكانَ معَ عِلْمِهِ وحفظِهِ ذا صلاحٍ وخشوعٍ، رحمَهُ اللَّهُ».
وقَدَّمَ أحمدُ إسرائيلَ على أبيهِ يونسَ في حديثِ أبي إسحاقَ، وكذا قَدَّمَهُ أبوهُ على نفسِهِ، وسواءٌ أكانَ مُقَدَّمًا على شعبةَ والثوريِّ أَمْ لا، فإنَّ ذلكَ يَدُلُّ على صِحَّةِ ما يَرْوِيهِ إسرائيلُ عَنْ جَدِّهِ، حيثُ كانَ يُقَارَنُ بالثوريِّ وشعبةَ في أبي إسحاقَ.
فرواهُ عبدالرزاقِ ، عَنْ معمرٍ كما في «الجامعِ» لمعمرٍ (19488)، عَنْ أبي إسحاقَ، عَنْ مجاهدٍ بِهِ، بلفظِ: أنَّ جبريلَ جاءَ النبيَّ ﷺ، فَعَرَفَ النبيُّ ﷺ صوتَهُ، فقالَ: «ادْخُلْ»، فقالَ: «إنَّ في البيتِ سِتْرًا في الحائطِ فيهِ تماثيلُ، فاقْطَعُوا رؤوسَها، أو اجْعَلُوهُ بساطًا أو وسائدَ فأَوْطِئُوهُ، فإنَّهُ لا نَدْخُلُ بيتًا فيهِ تماثيلُ».
وهذا اللفظُ جَعَلَ الإباحةَ في التخييرِ بينَ أمرينِ: إمَّا أنْ يُقْطَعَ الرأسُ، وإمَّا أنْ تُجْعَلَ مهانةً كبساطٍ ووسائدَ، ولو لم يُقْطَعِ الرأسُ.
وعبدالرزاقِ مِنْ أثبَتِ أصحابِ معمرٍ، وهُوَ الراوي ل«جامعِ معمرٍ»، وهُوَ غيرُ «مصنَّفِ عبدالرزاقِ»، والجامعُ يُعْتَبَرُ مِنْ أقدمِ ما أُلِّفَ في كتبِ السُّنَّةِ.
وتابَعَ معمرًا على هذا اللفظِ أبو بكرِ بنُ عياشٍ، وزيدُ بنُ أبي أنيسةَ:
فقدْ رواهُ أحمدُ بنُ منيعٍ في مسندِهِ كما في «إتحافِ الخيرةِ» (7321)،
والنسائيُّ في «المجتبَى» (5365)، وفي الكبرَى (9708)، ومِنْ طريقِهِ الحازميُّ في «الاعتبارِ» (ص: 233) عَنْ هنادِ بنِ السريِّ،
والطحاويُّ في «شرحِ معاني الآثارِ» (6946) مِنْ طريقِ عليِّ بنِ معبدٍ، ثلاثَتُهُمْ عَنْ أبي بكرِ ابنِ عياشٍ، عَنْ أبي إسحاقَ، بلفظِ: اسْتَأْذَنَ جبريلُ عليهِ السلامُ على النبيِّ ﷺ، فقالَ: «ادْخُلْ»، فقالَ: «كيفَ أدْخُلُ، وفي بيتِكَ سِتْرٌ فيهِ تصاويرُ؟ فإمَّا أنْ تَقْطَعَ رؤوسَها، أو تُجْعَلَ بساطًا يُوطَأُ، فإنَّا معشرَ الملائكةِ لا نَدْخُلُ بيتًا فيهِ تصاويرُ».
وما يُخْشَى مِنْ خطأِ أبي بكرِ بنِ عياشٍ فقدْ زالَ بمتابعةِ معمرٍ، كما في الجامعِ مِنْ روايةِ عبدالرزاقِ عنهُ.
كما تابعَهُ زيدُ بنُ أبي أنيسةَ، رواهُ ابنُ حبانَ في صحيحِهِ (5853) مِنْ طريقِهِ، عَنْ أبي إسحاقَ بِهِ، بلفظِ: «إنَّا لا نَدْخُلُ بيتًا فيهِ تماثيلُ، فإنْ كُنْتَ لابدَّ جاعلًا في بيتِكَ، فاقْطَعْ رؤوسَها، أو اقْطَعْها وسائدَ، أو اجْعَلْها بُسُطًا». وفي المطبوعِ تحريفٌ نَبَّهْتُ عليهِ فيما سَبَقَ.
ورواهُ أحمدُ كما في «المسندِ» (2/308)،
وأحمدُ بنُ منصورٍ الرماديُّ كما في «السننِ الكبرَى» للبيهقيِّ (7/441) كلاهُما عَنْ عبدالرزاقِ، أخبرنا معمرٌ بِهِ، بلفظِ: «(…إنَّ في البيتِ سِتْرًا في الحائطِ فيهِ تماثيلُ، فاقْطَعُوا رؤوسَها، واجْعَلُوها بساطاً أو وسائدَ فأَوْطِئُوهُ، فإنَّا لا نَدْخُلُ بيتا فيهِ تماثيلُ)».
وهذهِ اللفظُ يَدُلُّ على أنَّ الامتهانَ لا يَكْفِي لإباحةِ البُسُطِ والوسائدِ حتَّى تُقْطَعَ الرأسُ.
وهُوَ لفظٌ مؤثرٌ، فإنَّ عبدالرزاقِ رَوَى الحديثَ عَنْ معمرٍ بلفظٍ، أحدُهُما هذا، رواهُ الإمامُ أحمدُ، والرماديُّ، عَنْ عبدالرزاقِ، عَنْ معمرٍ.
والثاني: رواهُ معمرٌ بالتخييرِ بينَ قَطْعِ الرأسِ وبينَ جَعْلِهِ بساطًا أو وسائدَ، وهُوَ يَدُلُّ على أنَّ الامتهانَ وحدَهُ كافٍ في الإباحةِ.
رواهُ عبدالرزاقِ عَنْ معمرٍ، عَنْ أبي إسحاقَ كما في الجامعِ لمعمرِ بنِ راشدٍ.
وتابعَهُ أبو بكرِ بنِ عياشٍ، وزيدُ بنُ أبي أنيسةَ عَنْ أبي إسحاقَ، بلفظِ التخييرِ بينَ قَطْعِ الرأسِ وبينَ جَعْلِهِ بساطًا ووسائدَ.
ورواهُ يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، عَنْ مجاهدٍ بِما يُوَافِقُ معمرًا مِنْ روايةِ أحمدَ والرماديِّ، عَنْ عبدالرزاقِ عنهُ. وسيأتي تخريجُها إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى.
وهذا وجهٌ مِنْ وجوهِ الاختلافِ في روايةِ أبي إسحاقَ، عَنْ مجاهدٍ، عَنْ أبي هريرةَ.
وقدْ رواهُ إسرائيلُ عَنْ أبي إسحاقَ مخالفًا لروايةِ معمرٍ، بلفظيهِ، ومخالفًا لروايةِ أبي بكرِ بنِ عياشٍ، وزيدِ بنِ أبي أنيسةَ،
وإسرائيلُ مُقَدَّمٌ على كلِّ مَنْ رواهُ عَنْ جَدِّهِ أبي إسحاقَ.
ومعمرٌ وأبو إسحاقَ معَ أنَّهُما مِنْ رواةِ الشيخينِ فلم يُخْرِجِ البخاريُّ ولا مسلمٌ حديثًا واحدًا مِنْ روايةِ معمرٍ عَنْ أبي إسحاقَ، ولا أَخْرَجَ لَهُ أصحابُ الكتبِ الستةِ إلَّا النسائيُّ أَخْرَجَ لَهُ حديثا واحدًا (قتالُ المسلمِ كفرٌ، وسبابُهُ فسوقٌ).
وفي ترجمةِ معمرٍ في «تهذيبِ الكمالِ» فاتَ المزيَّ أنْ يَضَعَ علامةَ النسائيِّ عندَ ذِكْرِ شيخِهِ أبي إسحاقَ مِمَّا يَظُنُّ القارئُ أنَّ أصحابَ الكتبِ الستةِ كُلُّهُمْ لم يُخْرِجْ أحدٌ مِنْهُمْ حديثًا مِنْ روايةِ معمرٍ عَنْ أبي إسحاقَ، بخلافِ إسرائيلَ عَنْ أبي إسحاقَ فأَخْرَجَ لَهُ البخاريُّ جملةً مِنَ الأحاديثِ، وأَخْرَجَ لَهُ مسلمٌ حديثينِ، واللَّهُ أعلمُ.
وقدْ خَرَجَ معمرٌ مِنَ التبعةِ في روايتيهِ: أمَّا روايةُ التخييرِ بينَ القطعِ والامتهانِ فتابعَهُ على هذا اللفظِ أبو بكرِ بنِ عياشٍ، وزيدُ بنُ أبي أنيسةَ.
وأمَّا روايتُهُ باشتراطِ القطعِ والامتهانِ للإباحةِ، فهيَ موافقةٌ لروايةِ يونسِ بنِ أبي إسحاقَ، عَنْ مجاهدٍ، فهلْ يكونُ الحملُ على أبي إسحاقَ في هذا الاختلافِ، فإنْ كانَ كذلكَ فإنَّ روايةَ إسرائيلَ عَنْ أبي إسحاقَ مُقَدَّمَةٌ على غيرِها؛ لأنَّ أبا إسحاقَ قدْ تَغَيَّرَ بآخرةٍ، ويُرَجِّحُ روايةَ إسرائيلَ، أنَّها بنحوِ روايةِ سهيلٍ وابنِ أبي مريمَ، عَنْ أبي صالحٍ، عَنْ أبي هريرةَ.
وإذا اختلفَ إسرائيلُ ويونسُ بنُ أبي إسحاقَ قُدِّمَ إسرائيلُ.
هذا ما يَتَعَلَّقُ بروايةِ أبي إسحاقَ.
رواهُ الإمامُ أحمدُ (2/305)، قالَ: حدثنا أبو قطنٍ (ثقةٌ)، حدثنا يونسُ بنُ عمرو بنِ عبدِاللَّهِ يعني ابنَ أبي إسحاقَ، عَنْ مجاهدٍ، عَنْ أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ «أَتَاني جبريلُ، فقالَ: إنِّي كُنْتُ أَتَيْتُكَ الليلةَ، فلم يَمْنَعْني أنْ أَدْخُلَ عليكَ البيتَ الذي أنتَ فيهِ، إلَّا أنَّهُ كانَ في البيتِ تمثالُ رجلٍ، وكانَ في البيتِ قِرَامُ سِتْرٍ فيهِ تماثيلُ، فمُرْ برأسِ التمثالِ الذي في بابِ البيتِ يُقْطَعْ، فيَصِيرَ كهيئةِ الشجرةِ، ومُرْ بالسِّتْرِ يُقْطَعْ، فيُجْعَلَ مِنْهُ وسادتانِ منتبذتانِ تُوطَآنِ، ومُرْ بالكلبِ يُخْرَجْ. فَفَعَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، وإذا الكلبُ جروٌ كانَ للحَسَنِ والحسينِ تحتَ نَضَدٍ لَهُمْ».
وقدْ رَوَى الحديثَ وكيعٌ كما في «مسندِ أحمدَ» (2/478).
وعبدُاللَّهِ بنُ المباركِ كما في «سننِ الترمذيِّ» (2806)،
وأبو إسحاقَ الفزاريُّ كما في «سننِ أبي داودَ» (4158)، ومِنْ طريقِهِ البيهقيُّ في «الشُّعَبِ» (5901)، وفي «الآدابِ» (795).
وعيسى بنُ يونسَ، كما في «شرحِ معاني الآثارِ» (4/287)، واكْتَفَى بذِكْرِ قَطْعِ رأسِ التمثالِ حتَّى يكونَ كهيئةِ الشجرةِ.
والنضرُ بنُ شميلٍ كما في «صحيحِ ابنِ حبانَ» (5854)،
ومحمَّدُ بنُ عبيدٍ الطنافسيُّ كما في «السننِ الكبرَى» للبيهقيِّ (7/440).
وحمادُ بنُ مسعدةَ كما في «حديثِ ابنِ السماكِ» (3)، كُلُّهُمْ عَنْ يونسِ بنِ أبي إسحاقَ بِهِ.
قالَ أبو عيسى الترمذيُّ ت بشار (4/412): هذا حديثٌ حَسَنٌ.
فرَوَى الحديثَ أبو إسحاقَ السبيعيُّ عَنْ مجاهدٍ فَذَكَرَ السِّتَارَ فيهِ التماثيلُ والكلبُ.
ورواهُ يونسُ، عَنْ مجاهدٍ فتَفَرَّدَ بزيادةِ (تمثالِ رجلٍ)، وقولِهِ: فليُقْطَعْ حتَّى يَصِيرَ كهيئةِ الشجرةِ، وكما لم يَرِدْ هذا الحرفُ في روايةِ أبيهِ، عَنْ مجاهدٍ، لم يَرِدْ في روايةِ أبي صالحٍ السمانِ عَنْ أبي هريرةَ.
وقولُ الترمذيِّ: حَسَنٌ إشارةٌ إلى أنَّهُ حَسَنٌ لغيرِهِ، هذا تعريفُ الترمذيِّ للحَسَنِ، وهُوَ اصطلاحٌ خاصٌّ.
وما يَتَفَرَّدُ بِهِ عيسى بنُ يونسَ مخالفًا لغيرِهِ فهُوَ مستنكَرٌ، فقدْ قالَ فيهِ الإمامُ أحمدُ: حديثُهُ فيهِ زيادةٌ على حديثِ الناسِ. وهذا الحديثُ مصداقٌ لكلامِ الإمامِ أحمدَ.
وقدْ قالَ فيهِ النسائيُّ وابنُ معينٍ: ليسَ بِهِ بأسٌ. وقالَ ابنُ معينٍ في أخرَى: ثقةٌ.
ورَوَى عنهُ يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، وقالَ: كانَتْ فيهِ غفلةٌ، وفيهِ سجيَّةٌ. والإمامُ أحمدُ أعلمُ.
وروايةُ يونسَ إذا اسْتُبْعِدَ ما تَفَرَّدَ بِهِ، يكونُ حديثُهُ دليلًا على أنَّ امتهانَ الصورةِ لا يَكْفِي لإباحتِها حتَّى يُقْطَعَ الرأسُ.
هذا ما يَتَعَلَّقُ بروايةِ مجاهدٍ، عَنْ أبي هريرةَ.
فرواها مسلمٌ (2115)، مِنْ طريقِ سليمانَ بنِ بلالٍ،
ورواها في «اللطائفِ مِنْ علومِ المعارفِ» لأبي موسى المدينيِّ(38) مِنْ طريقِ إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، كلاهُما (سليمانُ، وإسماعيلُ) عَنْ سهيلٍ.
ورواها ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» (25198) حدثنا أبو نعيمٍ، عَنْ سفيانَ (هُوَ الثوريُّ)، عَنْ مسلمِ بنِ أبي مريمَ (ثقةٌ قليلُ الحديثِ)، كلاهُما (سهيلٌ وابنُ أبي مريمَ) عَنْ أبي صالحٍ، عَنْ أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَدْخُلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ تماثيلُ أو تصاويرُ».
هذا لفظُ سهيلٍ في مسلمٍ.
ولفظُ ابنِ أبي مريمَ: (لا تَدْخُلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ صورةٌ). والصورةُ المقصودُ فيها التمثالُ، وهُوَ ما فيهِ روحٌ، وليسَ في روايةِ أبي صالحٍ السمانِ أمرٌ بقَطْعِ رأسِ التمثالِ، ولا ذِكْرٌ للسِّتَارِ، وهُوَ في أبي هريرةَ مُقَدَّمٌ على مجاهدٍ لأسبابٍ مِنْها:
الأوَّلُ: أنَّ مجاهدًا قدِ اخْتُلِفَ عليهِ في لفظِهِ بخلافِ أبي صالحٍ السمانِ.
الثاني: أنَّ روايةَ أبي صالحٍ السمانِ في «صحيحِ مسلمٍ» بخلافِ روايةِ مجاهدٍ، فهيَ خارجَ الصحيحِ.
الثالثُ: أنَّ مجاهدًا قدِ اخْتُلِفَ في سماعِهِ مِنْ أبي هريرةَ.
قالَ العلائيُّ كما في «جامعِ التحصيلِ» (736):
«الذي صَحَّ لمجاهدٍ مِنَ الصحابةِ رضيَ اللَّهُ عنْهُمْ: ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ، وأبو هريرةَ على خلافٍ فيهِ، قالَ بعضُهُمْ: لم يَسْمَعْ مِنْهُ يُدْخِلُ بينَهُ وبينَ أبي هريرةَ عبدالرحمنِ بنَ أبي ذيابٍ».
وقالَ البرديجيُّ في كتابِهِ «المتصلِ والمرسلِ» نقلًا مِنْ «إكمالِ تهذيبِ الكمالِ» (11/76):
«رَوَى مجاهدٌ عَنْ أبي هريرةَ، وفيهِ اختلافٌ؛ فقالَ بعضُهُمْ: قدْ سَمِعَ مِنْهُ، وقالَ بعضُهُمْ: لم يَسْمَعْ مِنْهُ، يُدْخِلُ بينَهُ وبينَ أبي هريرةَ عبدالرحمنِ بنَ أبي ذبابٍ، وفي «صحيحِ البخاريِّ»: ويُذْكَرُ عَنْ أبي هريرةَ مرسلًا: أنَّهُ يُطْعِمُ في قضاءِ رمضانَ، انتهَى. أرادَ أنَّ مجاهدًا لم يَسْمَعْ مِنْهُ؛ لأنَّ الحديثَ يَدُورُ على مرفوعِهِ وموقوفِهِ».
وذَكَرَ السخاويُّ في «المقاصدِ الحسنةِ» (1321)، وفي «اللؤلؤِ المرصوعِ» (710): حديثَ: «لا يَدْخُلُ الجنةَ ولدُ زانيةٍ».
وفيهِما: رواهُ الطبرانيُّ وأبو نعيمٍ، عَنْ مجاهدٍ، عَنْ أبي هريرةَ مرفوعًا. وأعلَّهُ الدارقطنيُّ بأنَّ مجاهدًا لم يَسْمَعْ مِنْ أبي هريرةَ. اهـ بتصرُّفٍ يسيرٍ.
ولعلَّ الدارقطنيَّ أرادَ هذا الحديثَ بعينِهِ؛ لثبوتِ الواسطةِ فيهِ، لا نَفْيِ مطلقِ السماعِ.
وقالَ ابنُ حبانَ في صحيحِهِ (4603) :
«سَمِعَ مجاهدٌ مِنْ أبي هريرةَ أحاديثَ معلومةً بَيَّنَ سماعَهُ فيها عمرُ بنُ ذرٍّ، وقدْ وَهِمَ مَنْ زَعَمَ أنَّهُ لم يَسْمَعْ مِنْ أبي هريرةَ شيئًا لأنَّ أبا هريرةَ ماتَ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ في إمارةِ معاويةَ، وكانَ مولدُ مجاهدٍ سنةَ ثلاثٍ ومائةٍ، فدَلَّ هذا على أنَّ مجاهدًا سَمِعَ أبا هريرةَ». انتهَى
وقدْ أَخْرَجَ البخاريُّ لمجاهدٍ، عَنْ أبي هريرةَ حديثًا واحدًا مِنْ طريقِ عمرَ بنِ ذرٍّ، عنهُ، عَنْ أبي هريرةَ (إنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بكبدي على الأرضِ مِنَ الجوعِ).
وأَخْرَجَ مسلمٌ لَهُ حديثًا واحدًا (دينارٌ أنفقْتَهُ في سبيلِ اللَّهِ، ودينارٌ أنفقْتَهُ في رقبةٍ ….).
فلا يُعَدُّ مجاهدٌ في الطبقةِ الأولَى مِنْ أصحابِ أبي هريرةَ، بخلافِ أبي صالحٍ السمانِ، فإنَّهُ مِنَ الطبقةِ الأولَى مِنْ أصحابِ أبي هريرةَ، وإذا عارَضَ مجاهدٌ أبا صالحٍ السمانَ في أبي هريرةَ قُدِّمَ أبو صالحٍ.
والالسؤالُ: ما هُوَ الراجحُ مِنْ حديثِ أبي إسحاقَ، ومِنْ حديثِ ابنِهِ يونسَ، وهُما قدْ سَمِعا الحديثَ معًا مِنْ مجاهدِ بنِ جبرٍ كما رواهُ عيسى بنُ يونسَ في «شرحِ معاني الآثارِ» (4/287)، عَنْ أبيهِ يونسَ بنِ إسحاقَ، قالَ: لَمَّا قَدِمَ مجاهدٌ الكوفةَ أتيْتُهُ أنا وأبي، فَحَدَّثَنا عَنْ أبي هريرةَ، واكْتَفَى بذِكْرِ تمثالِ الرجلِ في البيتِ، ولم يَذْكُرِ السِّتَارَ؟
فالذي أَمِيلُ إليهِ ترجيحُ روايةِ إسرائيلَ، عَنْ أبي إسحاقَ عندَ الإمامِ أحمدَ بلفظِ: أَتَى جبريلُ عليهِ السلامُ النبيَّ ﷺ، فقالَ: «إنِّي جِئْتُ البارحةَ، فلم يَمْنَعْني أنْ أَدْخُلَ عليكَ إلَّا أنَّهُ كانَ في البيتِ صورةٌ أو كلبٌ».
وهذهِ الروايةُ موافقةٌ لروايةِ أبي صالحٍ السمانِ عَنْ أبي هريرةَ في «صحيحِ مسلمٍ» (2115)، ولفظُها: قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَدْخُلُ الملائكةُ بيتًا فيهِ تماثيلُ أو تصاويرُ».
وكونُهُ لم يَذْكُرْ قصَّةَ امتناعِ جبريلَ فيُحْمَلُ على أنَّ الراويَ اخْتَصَرَ الحديثَ،
وأمَّا روايةُ معمرٍ: فإمَّا أنْ نقولَ: إنَّ أبا إسحاقَ قدِ اضْطَرَبَ في لفظِهِ، أو نُرَجِّحَ روايةَ التخييرِ بينَ القطعِ والامتهانِ، وأنَّ الامتهانَ وحدَهُ كافٍ في الإباحةِ، وعلى هذا جمهورُ العلماءِ مِنَ الصحابةِ والتابعينَ والأئمَّةِ الأربعةِ، واللَّهُ أعلمُ.
وقدْ جاءَتْ قصَّةُ امتناعِ دخولِ جبريلَ مِنْ مسندِ عائشةَ ومِنْ مسندِ ميمونةَ، إلَّا أنَّ ظاهرَ الحديثينِ أنَّها وقائعُ متعدِّدةٌ.
فقدْ رَوَى مسلمٌ (81-2104) مِنْ طريقِ أبي حازمٍ سلمةَ بنِ دينارٍ، عَنْ أبي سلمةَ، عَنْ عائشةَ أنَّها قالَتْ:
واعَدَ رسولُ اللَّهِ ﷺ جبريلَ في ساعةٍ يأتيهِ فيها، فجاءَتْ تلكَ الساعةُ ولم يَأْتِهِ، وفي يدِهِ عصًا، فألقاها مِنْ يدِهِ وقالَ: «ما يُخْلِفُ اللَّهُ وعدَهُ ولا رسلَهُ». ثُمَّ الْتَفَتَ فإذا جروُ كلبٍ تحتَ سريرِهِ، فقالَ: «يا عائشةُ، متى دَخَلَ هذا الكلبُ ها هُنا؟» فقالتْ: واللَّهِ ما دَرَيْتُ. فأُمِرَ بِهِ فأُخْرِجَ، فجاءَ جبريلُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «واعَدْتَني، فجَلَسْتُ لَكَ فلم تَأْتِ». فقالَ: «مَنَعَنِي الكلبُ الذي كانَ في بيتِكَ، إنَّا لا نَدْخُلُ بيتا فيهِ كلبٌ ولا صورةٌ».
ورَوَى مسلمٌ مِنْ طريقِ ابنِ شهابٍ، عَنِ ابنِ السباقِ، أنَّ عبدَاللَّهِ بنَ عباسٍ، قالَ:
أخْبَرَتْني ميمونةُ، أنَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ أصبحَ يوما واجمًا، فقالَتْ ميمونةُ: يا رسولَ اللَّهِ، لقدِ اسْتَنْكَرْتُ هيئتَكَ منذُ اليومِ، قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ جبريلَ كانَ وعَدَني أنْ يَلْقاني الليلةَ فلم يَلْقَني، أَمَ واللَّهِ ما أخْلَفَني»، قالَ: فَظَلَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَهُ ذلكَ على ذلكَ، ثُمَّ وَقَعَ في نفسِهِ جروُ كلبٍ تحتَ فسطاطٍ لَنَا، فأُمِرَ بِهِ فأُخْرِجَ، ثُمَّ أخَذَ بيدِهِ ماءً فَنَضَحَ مكانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جبريلُ، فقالَ لَهُ: «قدْ كُنْتَ وعَدْتَني أنْ تَلْقاني البارحةَ»، قالَ: «أجَلْ، ولكنَّا لا نَدْخُلُ بيتا فيهِ كلبٌ ولا صورةٌ» … الحديثَ.
فَرَوَاهُ عبدالرحيمِ بنُ سليمانَ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ:
فرواهُ عبدُاللَّهِ بنُ عمرَ بنِ أبانَ، حدثنا عبدالرحيمِ بنُ سليمانَ، عَنْ سليمانَ بنِ أرقمَ، عَنْ محمَّدِ بنِ سيرينَ، عَنْ أبي هريرةَ، يَرْفَعُ الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ في التماثيلِ: «رَخَّصَ فيما كانَ يُوطَأُ، وكَرِهَ ما كانَ منصوبًا».
لم يَرْوِ هذا الحديثَ عَنْ محمَّدِ بنِ سيرينَ إلَّا سليمانُ بنُ أرقمَ. اهـ
وسليمانُ بنُ أرقمَ ضعيفٌ.
ورواهُ جبارةُ كما في «معجمِ أسامي شيوخِ أبي بكرٍ الإسماعيليِّ» (1/409)،قالَ: حدثنا عبدالرحيمِ بنُ سليمانَ، عَنْ سليمانَ التيميِّ، عَنِ ابنِ سيرينَ بِهِ.
أخطأَ فيهِ جبارةُ بنُ الْمُغَلِّسِ المالكيُّ، وهُوَ ضعيفٌ، حيثُ جَعَلَهُ مِنْ حديثِ سليمانَ التيميِّ الثقةِ، وإنَّما هُوَ مِنْ روايةِ سليمانَ بنِ أرقمَ الضعيفِ.
«الذي يَظْهَرُ مِنْ كلامِهِمْ أنَّ العلةَ: إمَّا التعظيمُ، أو التشبُّهُ كما قَدَّمْناهُ. والتعظيمُ أَعَمُّ؛ كما لو كانَتْ عَنْ يمينِهِ، أو يسارِهِ، أو موضعِ سجودِهِ، فإنَّهُ لا تشبُّهَ فيها، بَلْ فيها تعظيمٌ، وما كانَ فيهِ تعظيمٌ وتشبُّهٌ فهُوَ أشَدُّ كراهةً».

