الوضوء من شحم الإبل وكبده وطحاله ومصرانه

♦ مدخل في ذكر الضوابط الفقهية ♦

• جاءت السنة في الوضوء من أكل لحم الإبل، فهل يراد باللحم جميع أجزاء الحيوان من شحم، وكبد، كالخنزير جاء النص بتحريم لحمه وشمل ذلك شحمه، أو أن تحريم شحم الخنزير ليس بنص الآية وإنما ألحق باللحم للإجماع؟

• هل إطلاق اللحم على الشحم والكبد حقيقة لغوية أو عرفية؟

• إدخال الشحم في اللحم يختلف من باب إلى آخر، ففي باب الأيمان والمعاملات حيث الخطاب يكون صادرًا من المكلف تقدم الحقيقة العرفية على اللغوية، فلا يدخل الشحم في مسمى اللحم.

وفي باب نواقض الوضوء، والربا حيث الخطاب يكون صادرًا من الشارع، فإنها تقدم الحقيقة اللغوية على العرفية.

• إذا نص على الشحم لم يدخل فيه اللحم مطلقًا، وإذا نص على اللحم دخل في ذلك الشحم إلا بدليل، ولهذا حرمت بعض الشحوم على اليهود، ولم يدخل في ذلك اللحم، فاللحم جنس، والشحم نوع منه، ويقال له: اللحم الأبيض.

• جاء في مقاييس اللغة: «شحم: الشين والحاء والميم: أصل يدل على جنس من اللحم»

 
اختلف القائلون بوجوب الوضوء من لحم الإبل:
هل يشمل ذلك جميع أجزاء البعير؛ من كبد وطحال، وكرش ومصران، ونحوها؟

فقيل:
لا ينقض الوضوء إلا اللحم خاصة.
وهو المشهور من مذهب أحمد[1].

وقيل:
ينقض جميع أجزاء البعير.
وهي رواية في مذهب أحمد[2].


دليل من قال بعدم النقض:

الدليل الأول:
قالوا: إن النص إنما ورد في اللحم خاصة، سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال:
«توضؤوا منها».
والكبد والطحال ونحوهما لا يسمى لحمًا، فلم يتناوله النص، فلو أنك أمرت أحدًا أن يشتري لك لحمًا فاشترى كرشًا أو كبدًا، لأنكرت عليه.

ويجاب عن ذلك:
بأن عدم دخولها هل مرده إلى اللغة أو إلى العرف؟
فإن كان ذلك في العرف، فلا تقدم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية.
وأما اللغة فإن اللحم يشمل جميع أجزاء الحيوان، بما في ذلك شحمه وكبده، كما سيأتي ذكر دليل ذلك في أدلة القول الثاني - إن شاء الله تعالى.

التعليل الثاني:
أن الأصل بقاء الطهارة، فالطهارة متيقنة، ودخول غير اللحم في حكم اللحم أمرٌ غير متيقن، واليقين لا يزول بالاحتمال.

التعليل الثالث:
أن النقض باللحم أمر تعبدي، وإذا كان كذلك لم يمكن قياس غير اللحم على اللحم؛ لأن من شرط القياس العلم بالعلة، والأمور التعبدية غير معلومة العلة، والله أعلم.

ويجاب:
بأن إلحاق الكبد باللحم ليس من باب القياس؛ وإنما دخوله لاشتمال النص عليه، فاللحم ليس هو الهبر خاصة.

دليل من قال بالنقض:

أولاً:
من القرآن قال - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾[3]، فنص على اللحم، ومع ذلك دخل جميع أجزاء الخنزير من شحم وكبد وطحال ونحوها، وهذا دليل على أن اللحم شامل لجميع أجزاء الحيوان.

وأجاب بعضهم:
بأن لحم الخنزير حرم لنجاسته وخبثه، وأجزاء الخنزير كلها نجسة، فلا طاهر فيها، وأما لحم الإبل فلا شيء فيها نجس، وإذا كانت العلة أنها خلقت من الشياطين، فهذا لا يصير إلا فيما فيه القوة الزائدة، وهي في اللحوم، واللحم في اللغة اسم لهذا الأحمر من اللحم المسمى بالهبر.

ثانيًا:
قد يطلق اللحم على الحيوان باعتبار أنه أكثر الحيوان وأغلبه، ولا يعني هذا اختصاصه بالحكم؛ إذ لا فرق بين الهبر وبين غيره، فالكل يتغذى بدم واحد، وطعام وشراب واحد، وهذا على افتراض أن النص لا يتناول بقية أجزاء الحيوان بالعموم اللفظي، فيبقى تناوله بالعموم المعنوي؛ لعدم الفارق.

الراجح من هذا الخلاف:
القول بأن النقض عام في كل أجزاء الإبل؛ من هبر وشحم، وكبد وطحال ونحوه - أقوى من حيث النظر من القول باختصاص النقض بالهبر خاصة.

نعم، القول بعدم النقض من حليب الإبل ومرقه ظاهر؛ لأنه لا يدخل في مسمى اللحم لا في الشرع ولا في العرف، ولا يقال: إذا شرب حليب الإبل بأنه أكل من الحيوان.


وسوف نناقش هذه المسألة ببحث مستقل - إن شاء الله تعالى.

------------------------------
[1] الفتاوى الكبرى (1/ 296)، إعلام الموقعين (1/ 298)، الفروع (1/ 183)، الإنصاف (1/ 216).

[2] انظر المراجع السابقة.

[3] المائدة: 3.
شارك

3 تعليقات

  1. ….
    الراجح من هذا الخلاف:
    القول بأن النقض عام في كل أجزاء الإبل؛ من هبر وشحم، وكبد وطحال ونحوه – أقوى من حيث النظر من القول باختصاص النقض بالهبر خاصة.

    نعم القول بعدم النقض من حليب الإبل ومرقه ظاهر؛ لأنه لا يدخل في مسمى اللحم لا في الشرع ولا في العرف، ولا يقال: إذا شرب حليب الإبل بأنه أكل من الحيوان، وسوف نناقش هذه المسألة ببحث مستقل – إن شاء الله تعالى.

    هلا بفضيلة الشيخ أبي عمر
    إلحاق الشحم والزيت والسمن باللحم فيه نظر!
    ١-الزيت لا يشمله اللحم
    ٢-الزيت غير مقصود في الأكل، وإنما يؤتدم به، أشبه بمرقة اللحم والحليب.
    ٣-أن الشحم والزيت مما يشق وتعم به البلوى في الطعام، كما عفي عن {..ما اختلط بعظم} ولم يرد عن النبيﷺ التنبيه عليه ولا الحذر منه!
    وجزاكم الله خيرا وبارك في جهودكم

    • عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
      حيا الله الشيخ محمد
      سرني مرورك وتعليقك.
      المسألة اجتهادية، جاء في مقاييس اللغة: «شحم: الشين والحاء والميم: أصل يدل على جنس من اللحم».
      إدخال الشحم في اللحم يختلف من باب إلى آخر، ففي باب الأيمان والمعاملات حيث الخطاب يكون صادرًا من المكلف تقدم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، فلا يدخل الشحم في مسمى اللحم.
      وفي باب نواقض الوضوء، وفي الربا حين مبادلة الشحم بمثله حيث الخطاب يكون صادرًا من الشارع، فإنها تقدم الحقيقة اللغوية على العرفية.
      إذا نص على الشحم لم يدخل فيه اللحم مطلقًا، وإذا نص على اللحم دخل في ذلك الشحم إلا بدليل، ولهذا حرمت بعض الشحوم على اليهود، ولم يدخل في ذلك اللحم، فاللحم جنس، والشحم نوع منه، ويقال له: اللحم الأبيض.
      والله أعلم

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *