إذا زال العقل بجنون أو إغماء أو سُكْر فإن الوضوء ينتقض إجماعًا.
إلا وجهًا مرجوحًا لبعض الشافعية في السكران[1].
قال النووي:
ولا خلاف في شيء من هذا إلا وجهًا للخراسانيين أنه لا ينتقض وضوء السكران إذا قلنا: له حكم الصاحي في أقواله وأفعاله.
قال النووي:
وهذا غلط صريح، فإن انتقاض الوضوء منوط بزوال العقل، فلا فرق بين العاصي والمطيع[2]. اهـ
وزوال العقل ليس حدثًا في نفسه، وإنما هو مظنة الحدث كالنوم.
والجنون والإغماء قليله وكثيره ناقض للوضوء، وسواء كان قاعدًا أو مضطجعًا أو قائمًا، وأما النوم [3] : فالذي ينقض الوضوء هو الذي لا يبقى معه شعور.
قال ابن المنذر:
"وأجمعوا على إيجاب الطهارة على من زال عقله بجنون أو إغماء"[4].
وقال النووي:
أجمعت الأمة على انتقاض الوضوء بالجنون والإغماء[5].
وفي المجنون خلاف هل يجب عليه الوضوء أو يجب عليه الاغتسال؟
فالمشهور:
أن الجنون لا يوجب إلا الوضوء.
وقيل:
يجب عليه الغسل[6].
وليس مع من أوجب الغسل على المجنون دليل إلا قولهم: إن الجنون غالبًا لا ينفك عن الإنزال، وما كان مظنة للحدث نزل منزلة الحدث كالنوم.
وقد رد ذلك النوويُّ، فقال:
الصحيح أنه يستحب الغسل لا يجب حتى يتيقن خروج المني، فإن القواعد تقتضي أن لا تنتقض الطهارة إلا بيقين الحدث، خالفنا ذلك في النوم بالنصوص التي جاءت، وبقي ما عداه على مقتضاه. اهـ
قلت:
حتى استحباب الغسل يحتاج إلى بحث؛ وذلك أنه ثبت الغسل في حق المغمى عليه، كما فعل الرسول ﷺ في مرض موته[7]، فهل كان غسله بسبب الإغماء، أو كان غسله بسبب حاجته إلى الخروج إلى الصلاة، فكان بحاجة إلى القوة والنشاط؟
ثم هل يقاس عليه الجنون بجامع أن كلاًّ منهما قد زال عقله؟ أو يقال: إن الغسل قد يحدث قوة ونشاطًا في حق المغمى عليه، ولا يوجد هذا المعنى في حق المجنون؟
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن المجنون لو تحققنا من نزول المني منه، فهل يكفي مثل هذا في إيجاب الغسل عليه، أو لا بد من خروج المني دفقًا بلذة؟
فالشافعية:
يوجبون الغسل بمجرد خروج المني بأي صورة خرج.
وقيل:
لا يجب الغسل إلا إذا خرج المني دفقًا بلذة، إلا أن يكون خروج المني من النائم فإن خروجه مطلقًا يوجب الغسل، وسيأتي تحرير هذه المسألة - إن شاء الله تعالى - في كتاب الغسل، بلغنا الله ذلك بمنِّه وكرمه، والله أعلم.
----------------------------
انظر في مذهب الحنفية: البدائع (1/30)، تبيين الحقائق (1/10)، البحر الرائق (1/41)، شرح فتح القدير (1/51)، مراقي الفلاح (ص: 37).
وانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (1/294)، حاشية الدسوقي (1/118)، أسهل المدارك (1/61)، القوانين الفقهية (ص: 29)، تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة (1/398)، الكافي في فقه أهل المدينة (ص: 10)، حاشية الخرشي (1/154)، المقدمات الممهدات (1/141).
وانظر في مذهب الشافعية: المجموع (2/24)، الحاوي (1/182)، روضة الطالبين (1/74)، نهاية المحتاج (1/113).
وانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (1/325)، شرح منتهى الإرادات (1/70)، الفروع (1/178)، الإنصاف (1/199)، شرح الزركشي (1/236).
المجموع (2/25).
وقع في المطبوع من كتابنا (موسوعة الطهارة): "وأما الجنون" وهو خطأ طباعي، والصواب: "وأما النوم".
الأوسط (1/155).
المجموع (2/5).
قال الشافعي في الأم (1/38): "وقد قيل: قلما جن إنسان إلا أنزل، فإن كان هكذا اغتسل المجنون للإنزال، وإن شك فيه أحببت له الاغتسال احتياطًا، ولم أوجب عليه ذلك حتى يستيقن الإنزال"؛ اهـ.
وقال النووي بعد أن نقل كلام الشافعي في "الأم"، قال: اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فجزم المصنف - يعني صاحب المهذب - وجماعات من المحققين بأن غسل المجنون إذا أفاق سنة، ولا يجب إلا أن يتيقن خروج المني.
وقال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ وجماعات من الأصحاب: إن كان الغالب من حال الذين يجنون الإنزال، وجب الغسل إذا أفاق وإن لم يتحقق الإنزال، كما نوجب الوضوء بالنوم مضطجعًا للظن الغالب، فإن لم يكن الإنزال غالبًا، لم يجب الغسل بالشك. اهـ
انظر الحديث في صحيح البخاري (687)، ومسلم (418).