في طهارة رطوبة الفرج: ومنه فرج المرأة

مدخل في ذكر الضوابط الفقهية

الأصل في الأشياء الطهارة.
كل حيوان بوله طاهر: فرطوبة فرجه طاهرة من باب أولى.
كل حيوان نجس الذات: فرطوبة فرجه نجسة؛ لاختلاطها بالنجاسة.
بقي النظر في الحيوان الطاهر إذا كان بوله نجسًا، فهل يقال: رطوبة الفرج تبع لذاته، وذاته طاهرة؟ أو يقال: رطوبة الفرج تبع لبوله، وبوله نجس، فهي نجسة؟
والصحيح الأول؛ لأن ذلك هو الأصل حتى يقوم دليل على النجاسة.
لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة، لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته، وكونها تفرك المني بعد تلوثها برطوبة فرج المرأة دليل على طهارتها.

اختلف العلماء في رطوبة فرج الحيوان:
فإن كانت رطوبة الفرج من حيوان نجس.

فهي نجسة تبعًا لذات الحيوان.

وإن كانت رطوبة الفرج من حيوان طاهر، فهي قسمان:
أن تكون الرطوبة من ظاهر الفرج.

فهي طاهرة.

وقد نقل الإجماع على طهارتها ابن عابدين في حاشيته، فقال:
وأما رطوبة الفرج الخارج، فطاهرة اتفاقًا[1].

وقال أيضًا:
«مطلب في رطوبة الفرج، قوله: (الفرج): أي الداخل، أما الخارج فرطوبته طاهرة اتفاقًا[2].

ولأن رطوبة الفرج الظاهرة بمنزلة رطوبة الأنف والفم والعرق الخارج من البدن.

وإن كانت من باطن الفرج ففيها خلاف بين أهل العلم،
فقيل: إن رطوبة الفرج طاهرة.

وهو مذهب أبي حنيفة[3]، وقول في مذهب الشافعية، رجحه النووي وغيره[4]، والمشهور من مذهب الحنابلة[5]، رجحه ابن قدامة[6].

وقيل: إن رطوبة الفرج نجسة.

اختاره أبو يوسف ومحمد من الحنفية[7]، وقول في مذهب الشافعية[8]، وقول في مذهب الحنابلة[9].

وقيل: إن رطوبة الفرج إن كانت من مباح الأكل فطاهرة، وإن كانت من غيره كالآدمي فنجسة.

وهو المشهور من مذهب المالكية[10].

وقيل: ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس، وإلا فطاهر.

اختاره القاضي من الحنابلة[11].

دليل من قال بطهارة رطوبة الفرج:
الدليل الأول

عدم الدليل المقتضي للنجاسة، والأصل في الأشياء الطهارة، ولو كانت رطوبة الفرج نجسة لنقل إلينا تحرز الرسول ﷺ من إصابة الرطوبة لثيابه، ولنقل إلينا غسله ما أصابه منها، ولجاء الأمر من النبي ﷺ لأمته بالتحرز منها، والتطهر منها إذا لحق الثوب شيء من ذلك، فلما لم يأت شيء من هذا علم أن الرطوبة طاهرة.

الدليل الثاني

قال ابن مفلح الصغير:
كانت عائشة تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ، وإنما كان من جماع؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون[12]، وهو يصيب الرطوبة، ولأنه لو حكمنا بنجاستها لحكمنا بنجاسة منيها؛ لكونه يلاقي رطوبته بخروجه منه»[13].

وقال ابن قدامة:
لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها؛ لأنه يخرج من فرجها، فيتنجس برطوبته[14].

الدليل الثالث

القول بنجاسة رطوبة فرج المرأة فيه حرج شديد، لأن في التحرز منه مشقة كبيرة، أكثر من المشقة في التحرز من ولوغ الهرة ونحوها، فلو كانت الرطوبة نجسة العين لخفف ذلك من أجل المشقة، فكيف والأدلة على نجاستها ليست صريحة في الباب.

دليل من قال: رطوبة الفرج نجسة:
الدليل الأول

ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني أبو أيوب، قال أخبرني: أبي بن كعب، أنه قال: يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل.

قال: «يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي». ورواه مسلم بنحوه[15].

قال ابن حجر:
قوله: «يغسل ما مس المرأة منه» أي يغسل الرجل العضو الذي مس فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن المراد رطوبة فرجها»[16].

الدليل الثاني

ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قلت: أرأيت إذا جامع فلم يمن؟

قال عثمان: «يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره».

قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ، فسألت عن ذلك عليًا، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب رضي الله عنهم، فأمروه بذلك[17].

وجه الاستدلال

قال النووي:
هذان الحديثان (يعني: حديث أبي بن كعب وعثمان) في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل منسوخان كما سبق في باب ما يوجب الغسل.

وأما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فثابت غير منسوخ، وهو ظاهر في الحكم بنجاسة رطوبة الفرج.

واعترض على هذا التوجيه بجوابين:

الأول: قالوا: إن غسل الذكر من الجماع مستحب، وليس بواجب.

الثاني: قالوا: إن الوضوء، وغسل الذكر عند الإكسال منسوخان بأحاديث إيجاب الغسل[18]، فالحكم الشرعي الأول في أول الإسلام كان في الإيلاج واجبان: الوضوء، وغسل الذكر.

والحكم المتأخر: هو إيجاب غسل البدن، فنسخ الحكم الأول برمته، واستقر الحكم الثاني.

والحقيقة أن كلام النووي عندي أقوى، وعند التأمل ليس فيه نسخ للحكم الأول، بل زيادة عليه.

فمن وجب عليه غسل بدنه كله: فقد غسل في ذلك ذكره ضمنًا من باب أولى، فلم ينسخ الحكم بغسل العضو.

ومن وجب عليه الغسل: دخل في ذلك الوضوء، فالوضوء وغسل الذكر دخلا تبعًا لوجوب الغسل.

لكن لفظ مسلم: «يغسل ما أصابه من المرأة» ولفظ البخاري: «يغسل ما مس المرأةَ منه».

فالمغسول في اللفظ الأول يختلف عن المغسول في اللفظ الثاني، فالمغسول في قوله: «يغسل ما أصابه من المرأة» هو رطوبة فرج المرأة، سواءً على العضو أو على البدن أو عليهما.

والمغسول في لفظ البخاري «يغسل ما مس المرأة منه» هو ذكره؛ لأنه هو الذي مس المرأة منه.

فإن أخذنا بلفظ البخاري، وهو غسل الذكر:
 فلم ينسخ؛ لأنه داخل في وجوب غسل البدن.

وإن أخذنا لفظ مسلم «يغسل ما أصابه من المرأة» فهل نسخ هذا الحكم أم لا؟
الأولى -والله أعلم-: 
حمل لفظ مسلم على لفظ البخاري، وأن المقصود من اللفظين غسل الذكر، لا سيما أنه ورد في الصحيحين اللفظ الصريح في ذلك، قال: «في الرجل يأتي أهله ثم لا ينزل، قال: يغسل ذكره ويتوضأ».

الدليل الثالث

أن هذه الرطوبة في الفرج، ولا يخلق منها الولد، فأشبهت المذي[19].

وأجيب:
بأنه ليس كل شيء في الفرج لا يخلق منه الولد فهو يشبه المذي، لأن الفرج يطلق على القبل والدبر كما هو معلوم، ومع ذلك هذه الريح في الفرج، ولا يخلق منها الولد، وهي طاهرة.
الدليل الرابع

قالوا: إنه عرق متولد من مكان النجاسة[20].

اعترض عليه:
بأننا لا نسلم أن فرجها نجس؛ لأنه لو كان نجسا لحكمنا بنجاسة منيها لخروجه من الفرج.
دليل من قال بطهارتها إن كانت من مباحة الأكل:

قاس رطوبة فرجها على بولها، فإذا كان بول ما يؤكل لحمه طاهرًا -كما قدمنا في مسألة مستقلة- فرطوبة فرجها تأخذ حكمه، إلا المتغذي على النجاسة فهو في حكم الجلالة عنده، والجلالة بولها نجس عندهم، وقد نوقشت في مسألة مستقلة، أو كان ذلك بعد الحيض، فإنه يتنجس بدم الحيض.

دليل من قال: ما أصاب منه في حال الجماع فنجس:

لأن حال الجماع مظنة تلوثه بالمذي، فيتنجس لمخالطته النجاسة.

والراجح:
القول بالطهارة من الحيوان الطاهر، لأنه بمنزلة العرق، خاصة من الإنسان ومن الحيوان حلال الأكل، أما الأول فلعدم الدليل المقتضي للنجاسة كما قدمنا، وأما الثاني فلأن بوله طاهر على الصحيح، فكذلك رطوبة فرجه من باب أولى، ولأن من قال بالنجاسة ليس له دليل يعتمد عليه، والله أعلم.
الحواشي والمراجع
[1] «حاشية ابن عابدين» (1/313).
[2] «حاشية ابن عابدين» (1/166).
[3] «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» (1/64)، «الدر المختار» (1/349).
[4] قال في «روضة الطالبين» (1/18): وليست رطوبة فرج المرأة بنجس في الأصح.اهـ
وقال في «شرح صحيح مسلم» (3/198): «فيها ـ يعني رطوبة فرج المرأة ـ خلاف مشهور عندنا وعند غيرنا، والأظهر طهارتها».اهـ وانظر «المجموع» (2/588، 589).
[5] «المبدع» (1/255)، وقال في «الإنصاف» (1/341): وهو الصحيح من المذهب مطلقًا. اهـ وانظر «الكافي في فقه أحمد» (1/87)، «كشاف القناع» (1/195).
[6] «المغني» (1/414)، «المبدع» (1/255).
[7] قال في «الدر المختار» المطبوع مع «حاشية الدر المحتار» (1/349): «رطوبة فرج المرأة طاهرة، خلافًا لهما».اهـ
[8] قال الشيرازي في «المهذب» (1/48): «وأما رطوبة فرج المرأة، فالمنصوص أنها نجسة؛ لأنها رطوبة متولدة في محل النجاسة، فكانت نجسة. ومن أصحابنا من قال: هي طاهرة كسائر رطوبات البدن».اهـ
[9] «المغني» (1/414)، «الإنصاف» (1/341).
[10] قال في «الشرح الكبير» في معرض كلامه على عدد النجاسات (1/57): (ورطوبة فرج) من غير مباح الأكل، أما منه فطاهرة إلا المتغذي بنجس.
واشترط الدسوقي شرطين للقول بطهارة رطوبة فرج المرأة من مباح الأكل:
ألا يتغذى بالنجاسات، وأن يكون الحيوان ممن لا يحيض.
وقال في «مواهب الجليل» (1/105): يستثنى من رطوبة فرج رطوبة ما بوله طاهر. اهـ
[11] «المغني» (1/414).
[12] الأنبياء كغيرهم في هذا، ولم يثبت حديث صحيح في نفي الاحتلام عنه ﷺ.
[13] «المبدع» (1/255).
[14] «المغني» (1/414).
[15] «البخاري» (284)، و«مسلم» (522).
[16] «فتح الباري» (1/398).
[17] «صحيح البخاري» (173)، و«مسلم» (524).
[18] «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» (ص: 30- 36).
[19] «المغني» (1/414).
[20] «مغني المحتاج» (1/81).
شارك

تعليق واحد

اترك رداً على زائرإلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *