الشروع في أحكام السفر بمجرد العزم عليه قبل مفارقة البنيان[جديد]

📌 المدخل إلى المسألة

السفر مأخوذ من السفور، وهو الظهور، قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أي: ظهر وتبين وأضاء، فما لم يظهر من بلده فهو مقيم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ولا يكون ضاربًا في الأرض حتى يفارق عامر قريته.
الإقامة هي الأصل، ولا يحكم له بالانتقال عنها إلا إذا فارق البنيان بنية السفر.
الإقامة والسفر أحكامهما مختلفة، فحيث وجد الحضر شرع الإتمام وحيث وجد السفر شرع القصر.

💡 إذا فارق الرجل عامر القرية التي منها خرج فله القصر في قول عامة الأمة إلا خلافًا شاذًّا عن مجاهد.
 وإذا عاد من سفره صلى صلاة مسافر ما لم يدخل مصره[1].

واختلفوا في القصر قبل مفارقة العمران:
فقيل: لا يقصر.
وهو مذهب الأئمة الأربعة، وبه قال الإمام الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وغيرهم[2].

جاء في «تحفة الفقهاء»: «إذا نوى مدة ‌السفر لا يثبت حكم ‌السفر ما لم يخرج من ‌العمران، ولا يصير مسافرًا بمجرد النية؛ لأن مجرد العزم معفو ما لم يتصل بالفعل»[3].

قال ابن عبد البر:
وهو مذهب جماعة العلماء إلا من شذ.

وجاء في «موطأ مالك»: «‌لا ‌يقصر الذي يريد السفر الصلاة، حتى يخرج من ‌بيوت ‌القرية، ولا يتم حتى يدخل أول ‌بيوت ‌القرية أو يقارب ذلك»[4].

وقيل: إذا عزم على السفر قصر الصلاة، ولو كان في منزله.
وبه قال الحارث بن أبي ربيعة، والأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب عبد الله[5].

وقال عطاء:
«إذا خرج الرجل حاجًّا، فلم يخرج من بيوت القرية حتى حضرت الصلاة، فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى، وما سمعت في ذلك بشيء»[6].

وإنما قصره عطاء على خروج الحاج؛ لأنه لا يرى القصر إلا في سفر الطاعة: الجهاد أو النسك.

وقد بين عطاء أنه قال ذلك برأيه، وليس ذلك عن سنة أو أثر.

وقال سليمان بن موسى:
«إذا خرج الرجل من بيته ذاهبًا لوجهه، فلم يخرج من القرية حتى حانت الصلاة فليقصرها، وكذلك إذا دخل القرية راجعًا من سفره، ثم حانت الصلاة فليقصرها حتى يدخل بيته»[7].

وقال مجاهد:
إذا خرج نهارًا فلا يقصر ‌إلى ‌الليل، وإن خرج ليلًا فلا يقصر إلى النهار[8].

قال النووي:
‌«فهذان ‌المذهبان -يعني مذهب عطاء ومجاهد– ‌فاسدان، فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النبي ﷺ بذي الحليفة حين خرج من المدينة، ومذهب عطاء وموافقيه منابذ لاسم السفر»[9].

فتلخص لنا من هذا أن الأقوال أربعة:

قيل: لا يقصر إلا إذا جاوز عمران القرية التي خرج منها.
وهو مذهب عامة الفقهاء.
وقيل: إذا عزم على السفر فله القصر، وهو في منزله.
وهو منسوب لـ الحارث بن أبي ربيعة، والأسود بن يزيد.
وقيل: إذا جاوز حيطان بيته قصر.
وهو قول عطاء.
وقيل: إذا سافر نهارًا فلا يقصر حتى يدخل الليل، وإن سافر بالليل لم يقصر حتى يدخل النهار.
وهو قول مجاهد.
دليل من قال: يقصر بمجرد مفارقة عمران القرية:
الدليل الأول:

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ﴾ [النساء: 101].

ولا يكون ضاربًا في الأرض حتى يفارق عامر قريته.

الدليل الثاني:
السفر مأخوذ من السفور، وهو الظهور، قال تعالى: ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴾ أي ظهر وتبين وأضاء، فما لم يظهر من بلده فهو مقيم.
الدليل الثالث:

ما رواه البخاري ومسلم من طريق ‌أيوب، عن ‌أبي قلابة، عن ‌أنس رضي الله عنه قال: «‌صلى ‌النبي ﷺ بالمدينة ‌الظهر ‌أربعًا، والعصر بذي ‌الحليفة ‌ركعتين»[10].

فقه الحديث:

فكشف هذا الحديث متى يشرع المسافر بالترخص، فالنبي ﷺ صلى الظهر بالمدينة، وهو عازم على السفر إلى مكة، فلم يقصر، وصلى العصر ركعتين في ذي الحليفة بعد أن فارق المدينة.

وهذا الحديث المتفق عليه يبين أن النبي ﷺ كان قد تجهز للرحيل قبل صلاة الظهر؛ لأن الاستعداد للسفر على الرواحل خاصة إذا كانوا أمة من الناس يحتاج وقتًا، فإذا كان قد صلى العصر بذي الحليفة فهذا يعني أن الرواحل قد شد عليها حملها قبل صلاة الظهر، ومع ذلك لم يقصر صلاة الظهر.

الدليل الرابع:

روى الإمام مسلم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار، كلاهما عن غندر (محمد بن جعفر )، عن شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال:

سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ – شعبة الشاك- صلى ركعتين»[11].

ورواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر به، ولفظه، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، قال: كنت أخرج إلى الكوفة، فأصلي ركعتين حتى أرجع، وقال أنس: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة ‌فراسخ –شعبة ‌الشاك- صلى ركعتين»[12].

ورواه البيهقي من طريق محمد بن بشار العبدي، قال: حدثنا محمد بن جعفر به، ولفظه: عن يحيى بن ‌يزيد ‌الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة -وكنت أخرج إلى الكوفة فأصلى ركعتين حتى أرجع- فقال أنس: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة ‌فراسخ – شك شعبة – قصر الصلاة».

وقد حمل بعضهم الحديث على أن المراد به المسافة التي يبتدئ منها القصر، لا غاية السفر، ويؤيد ذلك رواية الإمام أحمد والبيهقي فقد ذكر يحيى بن يزيد الهنائي أنه يخرج من البصرة إلى الكوفة وهو قريبة من المسافة بين مكة والمدينة.

الدليل الخامس:

قال الماوردي:
لما وجب عليه الإتمام إذا دخل بنيان بلده عند قدومه ‌من ‌سفره ‌إجماعًا، وجب أن لا يجوز له القصر في ابتداء خروجه قبل مفارقة بنيان بلده[13].

الدليل السادس، من الآثار:

روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج حاجًّا أو معتمرًا قصر الصلاة بذي الحليفة.
[صحيح][14].

وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن ‌عمر، عن ‌نافع، عن ابن ‌عمر أنه كان يقصر الصلاة حين يخرج من بيوت المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخل بيوتها.
[عبد الله بن عمر في حفظه شيء].

فإن كان قد حفظه فالتوفيق بينه وبين ما نقله الإمام مالك بما ذكره ابن عبد البر، قال:
«كان ابن عمر يتبرك بالمواضع التي كان رسول الله ﷺ ينزلها للصلاة وغيرها، وكان يمتثل فعله بكل ما يمكنه لما علم أن رسول الله ﷺ قصر الصلاة بذي الحليفة (صلاة العصر) في حين خروجه من المدينة إلى مكة فكان هو متى خرج من المدينة إلى مكة لم يقصر الصلاة إلا بذي الحليفة …. وأما سفر ابن عمر في غير الحج والعمرة فكان يقصر الصلاة إذا خرج من بيوت المدينة»[15].

وروى عبد الرزاق في مصنفه، عن الثوري عن داود، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، أن عليًّا لما خرج إلى البصرة رأى خُصًّا، فقال: لولا هذا الخصُّ لصلينا ركعتين. فقلت: ما خُصًّا؟ قال: بيت من قصب.

وفي رواية ابن علية عن داود به، قال: لو كنت جاوزت هذا الخُصَّ لم أزد على ركعتين، ورواه عبد الوهاب عن داود بنحوه.
[رجاله ثقات إلا أنه مرسل أبو حرب لم يسمع من علي][16].

وقال البخاري:
«وخرج علي عليه السلام ‌فقصر، ‌وهو ‌يرى ‌البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة! قال: لا حتى ندخلها، رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به»[17].
[حسن][18].

وروى الطبري، حدثني سلم بن جنادة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله: لا تغتروا بسوادكم هذه فإن ضيعة الرجل وأهله شيء واحد إلا أن يكون مجتازًا.
[صحيح][19].

فألحق ابن مسعود المزارع بحكم البلد إلا أن يكون مجتازًا.

الدليل السادس:

أن المقيم في ناحية من المصر يكون مقيمًا في جميع نواحيه، فإذا خرج من أهله على ‌قصد ‌السفر لا يصير مسافرًا ما لم ينفصل من عمران المصر.

ولأن ‌السفر فعل، فلا يوجد بمجرد النية فيشترط اقتران النية بالفعل، ولا يتحقق الفعل إلا بمجاوزة العمران.

ولأن المسافر إذا تردد هل هو مسافر أو مقيم، الأصل بقاء الإقامة حتى نتيقن أنه مسافر، ولا يقين إذا فارق البلد؛ لأنه موضع الإقامة.

دليل من قال: إذا عزم على السفر قصر ولو كان في بيته:
الدليل الأول:

قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 184].

وجه الاستدلال:
أن قوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ يشمل من تأهب للسفر، ولما يخرج.

والعجيب أن القرطبي قال: (هو مقتضى الآية)، مع نقله الإجماع على خلافه!
قال في تفسيره في الصفحة نفسها:
«ولا خلاف بينهم أيضًا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج»[20].

فإن أفطر: فحكى الخلاف عن أصحاب الإمام مالك:

فقيل: لا شيء عليه، فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة، وحسبه أن ينجو إن سافر، وهذا قول ابن حبيب وأصبغ وابن الماجشون.
وقيل: ليس عليه إلا قضاء يوم؛ لأنه متأول في فطره، رواه عيسى عن ابن القاسم.

وقال أشهب:
«ليس عليه شي من الكفارة سافر أو لم يسافر».

وقال سحنون:
«عليه الكفارة سافر، أو لم يسافر»[21].

✨ والذي يظهر لي أن القرطبي حين نقل عن بعض أصحابه أنه قال: (لا شيء عليه)، لا يقصد أنه يجوز له الفطر كما فهم ذلك بعض أهل العلم؛ لأن حكايته بأنه لا يجوز الفطر إجماعًا يجعل النفي متوجهًا للكفارة؛ لأن المالكية يرون أن من أفطر متعمدًا فعليه الكفارة زيادة على وجوب القضاء.

📝 وهل يفهم من الآية في قوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ المتأهب؟ 

لا يظهر لي ذلك، ولذلك لم يفهم جل المفسرين هذا المعنى من الآية، إلا ما أشار إليه القرطبي، وقد نقل الإجماع على أنه لا يجوز له الفطر قبل أن يخرج. 

📝ولماذا عبر بقوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ؟

يحتمل:
أن هذا من باب نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، وأن حرف (على) قد يأتي بمعنى (في) إذا صح المعنى، فيكون المعنى: فمن كان منكم مريضًا أو في سفر.
وهذا له أمثلة في الكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الأنعام: 11]، أي سيروا على الأرض، وقال تعالى: ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ [طه: 71]، أي على جذوع النخل، وقال تعالى: ﴿ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾ [الأنبياء: 77]: أي على القوم، وقال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ [هود: 6]، والدابة تكون على الأرض؛ لأنها مفسّرة بما يدبّ ‌على ‌الأرض، وقال تعالى: ﴿ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [التوبة: 2]، أي: على الأرض، وهكذا.
قال ابن مالك في «ألفيته»:
عَلَى لِلِاسْتِعْلَا، وَمَعْنَى فِي، وَعَنْ …….

فجعل من معاني حرف (على) أن يأتي بمعنى (في).

ويحتمل أن قوله على ﴿عَلَى سَفَرٍ:
ليشمل المسافر إذا جدَّ به السير، والمسافر في حال إقامته إذا لم تقطع إقامته في البلاد حكم السفر.
فإذا وصل إلى بعض البلاد، وأقام بها مدة لينجز مصلحة ثم يرجع، فإنه يصدق عليه أنه على سفر، وإن لم يكن في سفر، والله أعلم.

الدليل الثاني:

ما رواه الإمام أحمد، من طريق سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن كليب بن ذهل أخبره، عن عبيد -يعني ابن جبر– قال: «ركبت مع أبي ‌بصرة ‌الغفاري صاحب رسول الله ﷺ في ‌سفينة من الفسطاط في رمضان، ثم قرب غداءه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألست بين ‌البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغبت عن سنة رسول الله ﷺ».
[ضعيف][22].

ويناقش:
بأن الحديث محمول على رؤية البيوت.
ومفارقة العمران لا يشترط له ألا يرى البيوت، بل المطلوب مجاوزتها.
والغالب أن راكب السفينة يفارق عمران القرية بمجرد تحرك السفينة إذا كان في سيره في البحر يترك البلد خلف ظهره، وأما إذا كانت المدينة عن يمينه أو عن شماله فقد يحتاج إلى وقت حتى يتجاوز العمران، والله أعلم.
الدليل الثالث:

ما رواه الترمذي، قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن ‌كعب، أنه قال: «أتيت ‌أنس بن مالك في رمضان وهو يريد ‌سفرًا، وقد رُحِلَتْ له راحلته، ولبس ثياب ‌السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: ‌سنة؟ قال: ‌سنة، ثم ركب».

ورواه الترمذي من طريق سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني زيد بن أسلم قال: حدثني محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، فذكر نحوه.
[رجاله ثقات من طريق محمد بن جعفر، وضعيف من طريق عبد الله بن جعفر][23].

ويجاب:

تفرد به محمد بن كعب، عن أنس.
وهو وإن كان ثقة، إلا أنه مقلٌّ عن أنس، وصل إلينا من أحاديثه عن أنس خمسة أحاديث، وأين أصحاب أنس المكثرين عنه عن مثل هذا الحديث كـ ثابت، والزهري وقتادة، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد، وغيرهم، وهذا الحديث أصل في الباب، لا يقبل مثله، والله أعلم.
ولعل هذا ما جعل الترمذي يقول عن الحديث: هذا حديث حسن. اهـ
والحسن عند الترمذي هو الحديث الضعيف الذي جاء من أكثر من وجه.

ولعل ما جعل الترمذي يضعفه كونه مخالفًا لأحاديث القصر، فلم يثبت أن النبي ﷺ قصر، وهو مقيم؛ لمجرد العزم على السفر، فقد ثبت من حديث أنس أنه صلى الظهر أربعًا، وهو على أهبة السفر للحج، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين في طريقه إلى مكة للحج، وهذا الحديث متفق عليه.
وصح عن ابن عمر وعلي بن أبي طالب وغيرهما أنهم لا يقصرون حتى يتجاوزا عمران القرية، فهو أصح من حديث الفطر في رمضان قبل السفر، والقصر من سنن السفر الملازمة للسفر، لم يتركه النبي ﷺ قط في أسفاره بخلاف الفطر فهو رخصة، والصيام أفضل إلا لمن شق عليه، فكون النبي ﷺ لم ينقل أنه قصر حتى فارق العمران، فهذا دليل على أنه لا يشرع، وإذا لم يشرع القصر لم يشرع الفطر من باب أولى.

وقد حاول إسحاق أن يفرق بين القصر والفطر، فأجاز الفطر إذا تأهب للسفر ومنع من القصر، وإذا امتنع القصر؛ لأنه ليس مسافرًا، امتنع الفطر للعلة نفسها.

جاء في «سنن الترمذي»:
«وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج، وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية. وهو قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي»[24].

الدليل الرابع:

أن الإقامة تحصل بالنية، فإذا نوى الإقامة صار مقيمًا، فكذلك إذا نوى السفر صار مسافرًا.

وأجيب عن ذلك بوجهين:
الوجه الأول:

أن المسافر لا يكون مقيمًا بمجرد النية، بل إذا كان معها الفعل الملائم لها، وهو اللبث والاستقرار، ولذلك قال الشافعية: لو نوى الإقامة في السفر، وهو سائر لم يؤثر؛ لأن سيره يكذب نيته[25].

وحكاه النووي إجماعًا، قال: «وإذا نواها -أي: الإقامة- وهو سائر، فلا يصير مقيمًا بلا خلاف»[26].

الوجه الثاني:

أن المسافر إذا وصل إلى وطنه صار مقيمًا، ولو لم ينو الإقامة، ولا يصير المسافر مسافرًا بالنية وحدها، وهو بالبلد حتى يقرن النية بالفعل، ويفارق العمران.

دليل من قال: إذا جاوز حيطان بيته فله القصر:

السفر فعل بنية الضرب في الأرض، فإذا شرع في الفعل مفارقًا منزله فقد شرع في السفر فله الترخص.

الراجح:
أن الرجل لا يحق له الترخص حتى يسافر، ولا يسافر حتى يفارق بلده، فما دام في البلد فهو في حكم الإقامة حتى يفارق عامر القرية، والله أعلم.
الحواشي والمراجع
[1] جاء في «كنز الدقائق» (ص: 187): «من ‌جاوز ‌بيوت مصره … ‌قصر الفرض الرّباعيّ».
وقال المالكية: البلدي لا يقصر حتى يجاوز البنيان والبساتين المسكونة المتصلة بالبلد ولو حكمًا بأن يرتفق سكانهما بالبلد التي في حكمه، ولا عبرة بالمزارع، ولا بالبساتين المنفصلة أو غير المسكونة، وهذا هو المعتمد في المذهب.
وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك: أن القرية إن كانت مما تقام فيها الجُمُعة فلا يقصر الخارج عنها حتى يجاوز بيوتها بثلاثة أميال، وإن خرج من قرية لا تقام فيه الجمعة فكالأول. وهل هذا تفسير للقول الأول أو مخالف له؟ قولان في مذهب المالكية.
وفي مذهب الشافعية: إن كان البلد له سور فلا يقصر حتى يفارقه، وإن لم يكن له سور فحتى يفارق عمران البلد، وإن لم يجاوز المزارع والبساتين.
جاء في «المجموع» (4/346): «فإن كان من أهل بلد لم يقصر حتى يفارق بنيان البلد، فإن اتصل حيطان البساتين بحيطان البلد ففارق بنيان البلد جاز له القصر؛ لأن البساتين ليست من البلد، وإن كان من قرية وبجنبها قرية ففارق قريته جاز له القصر».
وقال أيضًا (4/347): «قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله: إن سافر من بلد له سور مختص به اشترط مجاوزة السور، سواء أكان داخله بساتين ومزارع أم لم يكن».
انظر في مذهب الحنفية: «المبسوط» (1/238)، (22/64، 65)، «تبيين الحقائق» (1/209)، «حاشية ابن عابدين» (2/121)، «بدائع الصنائع» (1/94)، «الاختيار لتعليل المختار» (4/55).
وانظر في مذهب المالكية: «النوادر والزيادات» (1/420)، «مختصر خليل» (ص: 43)، «تحبير المختصر» (1/461)، «التاج والإكليل» (2/495)، «شرح التلقين» (2/928)، «مواهب الجليل» (2/144)، «شرح الخرشي» (2/58)، «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (1/360)، «منح الجليل» (1/402)، «لوامع الدرر» (2/571)، «التبصرة» للخمي (2/473)، «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (1/308).
وانظر: في مذهب الشافعية: «الإقناع» للماوردي (ص: 48)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص: 40)، «المهذب» (1/194)، «فتح العزيز» (4/432).
وانظر في مذهب الحنابلة: «مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج» (314)، «المغني» (2/192)، «الفروع» (3/82)، «المبدع» (2/116)، «التنقيح المشبع» (ص: 113)، «الإنصاف» (2/320)، «الإقناع» (1/180)، «دقائق أولي النهى» (1/293)، «كشاف القناع»، ط: العدل (3/270).
[2] «الأوسط» لابن المنذر (4/352)، «الحجة على أهل المدينة» (1/172)، «تحفة الفقهاء» (1/148)، «المبسوط» (1/238)، (22/64، 65)، «تبيين الحقائق» (1/209)، «حاشية ابن عابدين» (2/121)، «بدائع الصنائع» (1/94)، «الاختيار لتعليل المختار» (4/55)، «المبسوط» (1/238)، «موطأ مالك» (1/148)، «المدونة» (1/206)، «الأم» (1/212)، «المغني» (2/191).
[3] «تحفة الفقهاء» (1/148).
[4] «موطأ مالك» (1/148)، وانظر: «المدونة» (1/206).
[5] «الأوسط» لابن المنذر (4/352).
[6] رواه عبد الرزاق في «المصنف»، ط: التأصيل (4461) عن ابن جريج، عن عطاء، وسنده صحيح.
[7] رواه عبد الرزاق في «المصنف» (4462)، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، وسنده صحيح.
[8] «إكمال المعلم» (3/15)، «المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم» (2/332)، «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» (8/475)، «البحر المحيط الثجاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج» (15/83).
[9] «المجموع» (4/349).
[10] «صحيح البخاري» (1548)، و«صحيح مسلم» (10-690).
[11] «صحيح مسلم» (691).
[12] «المسند» (3/129).
[13] «الحاوي الكبير» (2/368).
[14] رواه مالك في «الموطأ» من رواية يحيى (1/147)، ومن رواية أبي مصعب (378)، ومن رواية محمد بن الحسن (191)، ورواه عن مالك من خارج الموطأ عبد الرزاق في «المصنف»، ط: التأصيل (4456)، والشافعي في «الأم» (7/268) ومن طريقه البيهقي في «المعرفة» (4/267).
[15] «الاستذكار» (2/230).
[16] رواه سفيان الثوري كما في «مصنف عبد الرزاق»، ط: التأصيل (4452)، و«مدونة الإمام مالك» (1/210)، و«الأوسط» لابن المنذر (4/352).
وعبد الوهاب كما في «تهذيب الآثار» للطبري، مسند عمر (1295)،
وبشر بن المفضل كما في «تهذيب الآثار» للطبري، مسند عمر (1294)،
وابن أبي عدي، وعبد الأعلى كما في «تهذيب الآثار» للطبري (1296)،
وابن علية كما في «تهذيب الآثار» للطبري (1299)، ستتهم رووه عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود به.
وأبو حرب يروي عن علي بن أبي طالب بواسطة أبيه، كحديث: (يغسل من بول الجارية وينضح بول الغلام ما لم يطعم)، انظر تخريجه في كتابي «موسوعة الطهارة»، الطبعة الثالثة (6/454) ح1226.
[17] «صحيح البخاري» (2/131).
[18] وقد وصله عبد الرزاق في «المصنف»، ط: التأصيل (4453)، وابن المنذر في «الأوسط» (4/ 352) والبيهقي في «الكبرى» (3/ 146) والحاكم فيما نقله الحافظ في «تغليق التعليق» (2/421)، ولم أقف عليه في «المستدرك» من طريقِ الثَّوري عن وقاء بن إِيَاسٍ، عن علي بن ربيعة، عن علي بن أبي طالب. وصحح الحافظ إسناده.
وقال الحافظ في «الفتح» (2/569): وصله الحاكم من رواية الثوري، عن ‌وقاء بن إياس وهو بكسر الواو وبعدها قاف ثم مدة عن ‌علي بن ربيعة قال: خرجنا مع ‌علي بن أبي طالب فقصرنا الصلاة ونحن نرى ‌البيوت، ثم رجعنا فقصرنا الصلاة، ونحن نرى ‌البيوت وأخرجه البيهقي من طريق يزيد بن هارون، عن وقاء بن إياس بلفظ خرجنا مع علي متوجهين هاهنا – وأشار بيده إلى الشام – فصلى ركعتين ركعتين، حتى إذا رجعنا ونظرنا إلى الكوفة حضرت الصلاة قالوا: يا أمير المؤمنين هذه الكوفة، أتم الصلاة. قال: لا، حتى ندخلها.
[19] «تهذيب الآثار»، مسند عمر (1251).
ورواه الطبراني في «المعجم الكبير» (9/289) ح 9457، 9458 من طريق زائدة، عن الأعمش به. وهذه متابعة من زائدة لـ أبي معاوية.
ورواه الطبري في «تهذيب الآثار»، مسند عمر (1250) من طريق عن شعبة، عن سيار، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: لا تغتروا بسوادكم، إذا كان مع الرجل أهله وماله أتم الصلاة.
وسنده صحيح.
ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (3/197) من طريق قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال ‌عبد ‌الله هو ابن مسعود: لا يغرنكم ‌سوادكم هذا، فإنما هو من كوفتكم.
[20] «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (2/278).
[21] انظر المرجع السابق.
[22] رواه سعيد بن أبي أيوب، كما في «مسند أحمد» (6/398)، و«مسند الدارمي» (1754)، و«سنن أبي داود» (2412)، و«صحيح ابن خزيمة» (2040)، و«المعجم الكبير» للطبراني (2/279) ح 2169، و«السنن الكبرى» للبيهقي (4/414).
والليث بن سعد كما في «سنن أبي داود» (2412)، و«المعجم الكبير» للطبراني (2170)،
وعبد الله بن عياش (فيه ضعف) كما في «مسند أحمد» (6/398)،
في إسناده: كليب بن ذهل، لم يرو عنه إلا يزيد بن أبي حبيب، ولم يوثقه غير ابن حبان.
وفي إسناده عبيد بن جبر، لم يرو عنه إلا كليب بن ذهل، ووثقه العجلي، وذكره الفسويّ في «المعرفة والتاريخ» (2/ 492) في ثقات التابعين.
وقال ابن خزيمة في صحيحه (3/265): لست أعرف كليب بن ذهل، ولا عبيد بن جبر، ولا أقبل حديث من لا أعرفه بعدالة.
[23] اختلف فيه على سعيد بن أبي مريم:
فرواه عنه الإمام البخاري كما في «سنن الترمذي» (800)،
وإسماعيل بن إسحاق بن سهل، كما في «الزيادات على كتاب المزني» لأبي بكر النيسابوري (195)، وعنه الدارقطني في «السنن» (2291)،
وعثمان بن سعيد الدارمي كما في «السنن الكبرى» للبيهقي (4/414)، ثلاثتهم رووه عن ابن أبي مريم به، بلفظ حديث الباب.
ورواه عيسى بن ميناء قالون، عن محمد بن جعفر به، كما في «الاستذكار» (3/308)، وفيه: … فأكل فقلت له: ‌سنة؟ فلا أحسبه إلا قال: نعم. اهـ . ولم يجزم بنسبته إلى السنة.
ورواه الدراوردي كما في «الاستذكار» (3/308)، فرواه عن زيد بن أسلم بإسناده، وقال فيه: قلت له: سنة؟ قال: لا، ثم ركب.
وقد تابع عبدُ الله بن جعفر، والد علي بن المديني محمدَ بن جعفر، كما في «سنن الترمذي» (799)، و«الاستذكار» لابن عبد البر (3/308)، وعبد الله بن جعفر ضعيف.
ورواه خالد بن ‌نزار، ويحيى بن أيوب العلاف كما في «المعجم الأوسط» للطبراني (9043)، فروياه عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر به، بلفظ: دخلت على أنس بن مالك عند العصر يوم ‌يشكون فيه ‌رمضان، وأنا أريد أن أسلم عليه، فدعا بطعام فأكل، فقلت: هذا الذي تصنع سنة؟ قال: نعم، قال: البزار: لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلا محمد بن جعفر.
وهو بهذا اللفظ مختلف عن رواية البخاري ومن تابعه، وهو في فطر يوم الشك، فإن لم يكونا حديثين فهو اختلاف في لفظ الحديث، ولا أدري العهدة على من، ورواية الإمام البخاري ومن تابعه أرجح، والله أعلم.
[24] «سنن الترمذي» (3/154)، وانظر: «مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج» (692).
[25] «الأشباه والنظائر» للسيوطي (ص: 39).
[26] «المجموع» (4/361).

شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *